إن المتأمل في سيرته ودعوته ﷺ يعلم حرصه ﷺ على نشر الرسالة وإبلاغها لجميع المكلفين، فقد دعا ﷺ الإنس على اختلاف أجناسهم وألوانهم ولغاتهم، سواء كانوا أهل كتاب أم ليسوا بأهل كتاب، كما دعا الجن كذلك فآمن له من آمن منهم وبايعوه على الإسلام.
ولقد صدع النبي ﷺ بعالمية الرسالة وعمومها في أوائل دعوته عندما انتقل من المرحلة السرية في الدعوة إلى المرحلة الجهرية حيث قال ﷺ بعد أن حمد الله: "إن الرائد لا يكذب أهله، والله الذي لا إله إلا هو إني رسول الله إليكم خاصة وإلى الناس عامة، والله لتموتن كما تنامون، ولتبعثن كما تستيقظون، ولتحاسبن بما تعملون، وإنها للجنة أبدا أو النار أبدا" (^١).
وإن المتأمل للآيات القرآنية التي نصَّت على عموم رسالته وعالميتها يجد أن جلَّها كان مكي النزول، وهذا يؤكد أن عالمية الرسالة مقررة منذ بداية الوحى. ومن المعلوم أن طريقة الدعوة كانت تتبع أسلوب التدرج في التبليغ وهذا التدرج لم يكن ينافي شمول الدعوة لكل المكلفين، لأن المرحلية كانت ضرورية لدعوته ﷺ، ولقد دلت السيرة النبوية أن النبي ﷺ اتبع أسلوب التدرج في إبلاغ الرسالة، فأول ما بدأ به هو الدعوة السرية لهذا الدين فآمن له من آمن.
ثم انتقل إلى الدعوة الجهرية ونهج فيها كذلك أسلوب التدرج فبدأ بأهل مكة عندما نزل عليه قوله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ﴾ فدعاهم ﷺ إلى الإسلام.
ثم بعد ذلك أخذ رسول الله ﷺ يدعو الناس في مجامعهم وأسواقهم ويبلغهم دعوة الله.
_________________
(١) الكامل في التاريخ لابن الأثير (٢/ ٦١).
[ ٩٧ ]
ثم ذهب إلى الطائف ودعا أهلها إلى الإسلام ولكنهم لم يجيبوه لذلك، ثم عاد إلى مكة وأخذ يعرض دعوته على القبائل في الموسم إلى أن التقى بالخزرج وهم من أهل المدينة وعرض عليهم الإسلام فأسلموا وأسلم النجاشي من قبلهم وكان على النصرانية.
ومن هنا كانت بداية المرحلة الجديدة في الدعوة فبعد تمكن الإسلام بالمدينة، هاجر النبي ﷺ إليها فاتسع بذلك نطاق الدعوة حتى شمل أهل الكتاب من اليهود الذين كانوا بالمدينة حواليها حينئذ، كما تنوعت كذلك أساليب الدعوة إلى هذا الدين فشرع الجهاد في سبيل الله واتسعت رقعة الدعوة فشملت قبائل العرب ومن كان في جزيرة العرب من أهل الكتاب كيهود المدينة وخيبر ونصارى نجران واليمن وغيرهم، واستمر التدرج إلى أن كان عام الحديبية ومهادنة قريش فأرسل النبي ﷺ في ذلك الوقت إلى جميع الطوائف يدعوهم إلى الإسلام.
فعن أنس بن مالك ﵁ أن النبي ﷺ كتب إلى كسرى، وإلى قيصر وإلى النجاشي وإلى كل جبار يدعوهم إلى الله تعالى (^١).
ثم جاءت بعد هذه المرحلة مرحلة أخرى حيث بدأ النبي ﷺ بغزو النصارى فأرسل جيشا بقيادة زيد بن حارثة فقاتلوا النصارى بمؤتة من أرض الكرك (^٢) ثم غزاهم بنفسه وأمر جميع المسلمين أن يخرجوا معه ولم يأذن بالتخلف لأحد، وغزا في عشرة آلاف في غزوة تبوك وأقام بها عشرين ليلة ليغزو النصارى عربهم وعجمهم، وأقام ينتظرهم ليقاتلهم فسمعوا به وأحجموا عن قتاله ولم يقدموا عليه.
_________________
(١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الجهاد والسير: باب كتب النبي ﷺ إلى ملوك الكفار يدعوهم إلى الله ﷿ (٥/ ١٦٦).
(٢) تقع حاليًا في الأردن.
[ ٩٨ ]
ثم بعد ذلك جهَّز جيشًا بقيادة أسامة بن زيد (^١) ولكنه ﷺ لحق بالرفيق الأعلى قبل أن يخرج الجيش، فأوصى وهو في سكرات الموت بإرسال هذا الجيش فقال: "أنفذوا بعث أسامة".
ولقد سار أصحابه رضوان الله عليهم من بعده على نهجه واستنوا بسنته حتى فتح الله عليهم بلاد فارس والروم وغيرها فانتشر الإسلام ودخل الناس في دين الله أفواجًا.
والشاهد من هذا كله أن سيرته ﷺ هي مثال تطبيقي عملي على شمول دعوته وعالمية رسالته التي من أجلها كرس النبي ﷺ حياته لكي ينشرها ويبلغها للناس كافة، لتقوم بذلك الحجة على الناس أجمعين.
وما ذكرته ههنا ليس إلا إشارات سريعة فمن أراد الاستزادة فعليه بكتب الحديث والسيرة ففيها الغنية بإذن الله.
* * *
_________________
(١) أسامة بن زيد بن حارثة، الحِب ابن الحِب: ولد في الإسلام، صحابي جليل، توفي سنة أربع وخمسين هجرية. الإصابة (١/ ٤٦).
[ ٩٩ ]