الحمد لله الذي أكمل لنا ديننا، وأتمَّ علينا نعمته، ورضي لنا الإسلام دينًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، أرسله بالدين القيم، والملة الحنيفية، وجعله على شريعة من الأمر، أمر باتباعها، وأمره بأن يقول: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ [يوسف: ١٠٨]، صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليمًا.
وبعد: فإن الله ﷿ لم يخلق الخلق عبثًا، قال تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (١١٥)﴾ [المؤمنون].
بل خلقهم لغاية ذكرها في كتابه الكريم في أكثر من موضع، فقال تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك: ٢].
وقال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [هود: ٧].
وقال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ [الذاريات].
فالحكمة من خلقه للخلق اختبارهم وابتلاؤهم ليجزي المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته.
فهذه هي الحكمة من خلقهم أولًا وبعثهم ثانيًا. ولذلك لم يتركهم هملًا، بل أرسل إليهم رسله، فكان من سنة الله ﵎ مواترة الرسل وتعميم الخلق بهم، بحيث يبعث في كل أمة رسولًا ليقيم هداه وحجته كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ
[ ١٣ ]
وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦]، وقال تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ (٢٤)﴾ [فاطر]، وقال تعالى: ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى﴾ [المؤمنون: ٤٤]، وقال تعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (١٦٥)﴾ [النساء]. فالرسل هم الواسطة بين الله ﷿ وبين خلقه في تبليغ أمره ونهيه، وإرشاد العباد إلى ما فيه صلاح معاشهم ومعادهم.
وإن الله ﵎ جعل محمدًا ﷺ خاتم النبيين، وأرسله للناس أجمعين، وأكمل له ولأمته الدين، وبعثه على حين فترة من الرسل وظهور الكفر وانطماس السبل، فأحيا به ما درس من معالم الإيمان، وقمع به أهل الشرك والكفر من عبدة الأوثان والنيران والصلبان، وأذل به كفار أهل الكتاب، وأهل الشرك والارتياب، وأقام به منار دينه الذي ارتضاه، وشاد به ذكر من اجتباه من عباده واصطفاه.
فالله ﷾ أرسل محمدًا ﷺ للناس رحمة، وأنعم به نعمة يا لها من نعمة، قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (١٠٧)﴾ [الأنبياء].
وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا﴾ [إبراهيم: ٢٨] وهم الذين لم يؤمنوا بمحمد ﷺ، فإرساله أعظم نعمة أنعم الله به على عباده.
فقد جمع الله لهذه الأمة بخاتم النبيين وإمام المتقين وسيد ولد آدم أجمعين ما فرقه في غيرهم من الفضائل، وزادهم من فضله أنواع الفواضل، بل أتاهم كفلين من رحمته، كما قال تعالى في سورة الحديد: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٨) لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٢٩)﴾.
وقال ﷺ: "إنما أجَلَكم - في أجل من خلا من الأمم - ما بين
[ ١٤ ]
صلاة العصر إلى مغرب الشمس، وإنما مثلكم ومثل اليهود والنصارى كرجل استعمل عمالًا فقال: من يعمل لي إلى نصف النهار على قيراط قيراط؟، فعملت اليهود إلى نصف النهار على قيراط قيراط، ثم قال: من يعمل لي من نصف النهار إلى صلاة العصر على قيراط قيراط؟، فعملت النصارى من نصف النهار إلى صلاة العصر على قيراط قيراط، ثم قال: من يعمل لي من صلاة العصر إلى مغرب الشمس على قيراطين قيراطين؟، ألا فأنتم الذين يعملون من صلاة العصر إلى مغرب الشمس على قيراطين قيراطين، ألا لكم الأجر مرتين، فغضبت اليهود والنصارى، فقالوا: نحن أكثر عملًا وأقل عطاء، قال الله: هل ظلمتكم من حقكم شيئًا؟ قالوا: لا، قال: فإنه فضلي أعطيه من شئت" (^١).
"وقد خصَّ الله تعالى محمدًا ﷺ بخصائص ميزه الله بها على جميع الأنبياء والمرسلين، وجعل له شرعة ومنهاجًا - أفضل شرعة وأكمل منهاج مبين - كما جعل أمته خير أمة أخرجت للناس، فهم يوفون سبعين أمة خيرها وأكرمها على الله (^٢) من جميع الأجناس، هداهم الله بكتابه ورسوله لما اختلفوا فيه من الحق قبلهم وجعلهم وسطًا عدلًا خيارًا، فهم وسط في توحيد الله وأسمائه وصفاته، وفي الإيمان برسله وكتبه وشرائع دينه من الأمر والنهي والحلال والحرام، فأمرهم بالمعروف ونهاهم عن المنكر، وأحل لهم الطيبات وحرم عليهم الخبائث، فأخرجهم بذلك من الظلمات إلى النور، فحصل لهم ببركة رسالته ويمن سفارته خير الدنيا والآخرة.
فلقد هدى الله الناس ببركة نبوة محمد ﷺ، وبما جاء به من
_________________
(١) أخرجه بهذا اللفظ البخاري في صحيحه، كتاب الأنبياء، باب ما ذكر عن بني إسرائيل. فتح الباري (٦/ ٤٩٥ - ٤٩٦) (ح ٣٤٥٩).
(٢) انظر في هذا الموضوع وأدلته: المبحث الثالث من الفصل الأول من الباب الثالث.
[ ١٥ ]
البينات والهدى هداية جلَّت عن وصف الواصفين وفاقت معرفة العارفين، حتى حصل لأمته المؤمنين به عمومًا، ولأولي العلم منهم خصوصًا من العلم النافع، والعمل الصالح، والأخلاق العظيمة، والسنن المستقيمة، ما لو جمعت حكمة سائر الأمم علمًا وعملًا - الخالصة من كل شوب - إلى الحكمة التي بعث بها لتفاوتا تفاوتًا يمنع معرفة قدر النسبة بينهما، فلله الحمد والمنة كما يحب ربنا ويرضى" (^١).
فهو المبعوث بالهدى ودين الحق بين يدي الساعة بشيرًا ونذيرًا وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرًا، فكمل الله به الرسالة، وهدى به من الضلالة، وعلم به من الجهالة، وفتح برسالته أعينًا عميًا، وآذانًا صمًا، وقلوبًا غلفًا، فأشرقت برسالته الأرض بعد ظلماتها، وتألفت به القلوب بعد شتاتها، فأقام بها الملة العوجاء، وأوضح بها المحجة البيضاء، فبين عن طريقه ﷺ الكفر من الإيمان، والربح من الخسران، والهدى من الضلال، وأهل الجنة من أهل النار، والمتقين من الفجار، فهو المبعوث رحمة للعالمين، ومحجة للسالكين وحجة على الخلائق أجمعين.
ولقد نوَّه الله ﷿ في كتابه الكريم بهذه النعمة العظمى التي امتن بها على هذه الأمة في آيات كثيرة منها:
قوله تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (١٦٤)﴾ [آل عمران: ١٦٤] [آل عمران].
وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢) وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣) ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٤)﴾ [الجمعة].
_________________
(١) اقتضاء الصراط المستقيم (ص ٣).
[ ١٦ ]
وقال تعالى: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (١٥١) فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ (١٥٢)﴾ [البقرة].
وقال تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَاعَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨)﴾ [التوبة].
وإنما كان إرساله ﷺ إلى الناس أعظم منة امتن بها على عباده لأن في ذلك تخليص من وفقه الله وهداه منهم من العذاب السرمدي، وذلك بسبب الإيمان بالله ورسوله، والابتعاد عن كل ما يوجب دخول النار والخلود فيها.
ولذلك فإن الناس أحوج ما يكونون إلى الإيمان بالرسول ﷺ والأخذ بما جاء به من الدين، فهم أحوج إلى ذلك من الطعام والشراب بل ومن نفس الهواء الذي يتنفسونه، فإنهم متى فقدوا ذلك فالنار جزاء من كذب بالرسول وتولى عن طاعته كما قال تعالى: ﴿فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى (١٤) لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى (١٥) الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى (١٦)﴾ [الليل]؛ أي: كذب به وتولى عن طاعته، فهم محتاجون إلى الإيمان بالرسول وطاعته والأخذ بما جاء به والالتزام بذلك في كل مكان وزمان ليلًا ونهارًا، سفرًا وحضرًا، سرًا وعلانية.
ولما كانت منزلة النبي ﷺ عند ربه بهذه المرتبة وكانت حاجة الناس إليه بهذه الدرجة، فقد أوجب الله لنبيه ﷺ على هذه الأمة جملة من الحقوق والواجبات تنظم العلاقة التي تربطهم به تنظيفًا دقيقًا لا لبس في ولا اشتباه.
وهذه الحقوق منها ما يتصل بجانب الرسالة التي بعث بها، ومنها ما يتعلق بخاصة شخص الرسول ﷺ تفضيلًا وتكريمًا من الله له.
[ ١٧ ]
وقد وردت في شأن تلك الحقوق نصوص كثيرة في كتاب الله ﷿ وسنة نبيه، وضحت وفصلت وبينت جوانب تلك الحقوق.
وهذه الحقوق في جملتها هي الأصل الثاني من أصلي الدين كما يدل عليه قولنا: "أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله".
ولذا فقد كان لزامًا على كل من ينطق بهذه الشهادة، ويدين الله بهذا الدين، أن يحيط بتلك الحقوق معرفة، ويلتزم بها اعتقادًا وقولًا وعملًا، فذلك عقد من عقود الإيمان الذي لا يحصل إيمان العبد إلا به.
ومما يؤسف له أن كثيرًا من المسلمين اليوم هم على درجة كبيرة من الجهل بهذه الحقوق، فتراهم لذلك على طرفي نقيض هذا المقام:
- فإما مقصِّر عن القيام بهذه الحقوق التي أوجبها الله على الأمة، فتراه لا يقيم لها وزنًا ولا يلقي لها بالًا.
- وإما غال مبتدع منكب على ما ابتدعه، يظن أنه بما يفعله من أمور مبتدعة في هذا المقام قد أحسن صنعًا، وأنه مؤد لما أوجبه الله من حق لنبينا محمد ﷺ، وكلا الطرفين صاحب حال مذموم غير محمود.
فلما كان عامة أصحاب هذين الطرفين إنما أوقعهم فيما هم فيه، جهلهم بمعرفة تلك الحقوق على الوجه المطلوب شرعًا.
ولما كانت هذه الحقوق هي من جملة هذا الدين الذي تعبدنا الله به، فكان لا بد فيها من توفر شرطي القبول:
١ - الإخلاص.
٢ - الصواب (الاتباع).
كما قال تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف].
فقد أحببت أن أوضح تلك الحقوق النبوية وفق ما جاءت بذلك النصوص الشرعية، وما كان عليه سلف هذه الأمة وأئمتها، عسى أن
[ ١٨ ]
يكون في هذا البيان والتوضيح تعليم للجاهل، وتذكير للغافل، وتحذير وردع للمبتدع، ومدارسة للعارف.
فأسأل الله ﷿ التوفيق والرشاد، وأن يرزقنا التمسك بسُنَّة نبيه ﷺ والسير على هديه والتأسي به، وأن يشرح لذلك صدورنا وينير قلوبنا، إنه جواد كريم وعلى كل شيء قدير.
* * *
[ ١٩ ]