. وَكم لظلام اللَّيْل عنْدك من يَد تخبر أَن المانوية تكذب وقاك ردى الْأَعْدَاء يسري عَلَيْهِم وزادك فِيهِ ذُو الدَّلال المحجب
يَقُول للمدوح إِنَّك تفعل الْخيرَات فِي ظلام اللَّيْل وتنال الظفر بأعدائك فِي اللَّيْل وَمن مَذْهَب الثنوية أَن الظلام لَيْسَ فِيهِ وَلَا عِنْده خير وَأَنت أَيهَا الممدوح قد نصرت على أعدائك ونلت الْمَطْلُوب من مرادك فِي ظلام اللَّيْل وَهَذِه الْأَحْوَال تكذب المانوية الَّذين يقلون تِلْكَ الْمقَالة وَشر الشرور إِبْلِيس اللعين وَالله خالقه وَبث الشَّرّ مِنْهُ وَقيل لقدري كَيفَ يَقُول مَا خلق الله شرا وَهُوَ سُبْحَانَهُ يَقُول ﴿من شَرّ مَا خلق﴾ فَقَالَ لست أقرؤها هَكَذَا قيل لَهُ فَكيف تقرؤها فَقَالَ من شَرّ مَا خلق فينون شرا وَيجْعَل مَا نفيا فتعجبوا يَا أولي الْأَلْبَاب من هَذَا الْعجب العجاب يفسدون الْقُرْآن ويخالفون رَبهم حَتَّى يصلحوا إعتقادهم ومذهبهم
وَفِيمَا أخذناه عَن سيدنَا الْفَقِيه الشَّيْخ ابي الْقَاسِم ﵁ مَا أخبرنَا بِهِ عَن رَسُول الله ﷺ أَنه قَالَ لأبي بكر ﵁ يَا أَبَا بكر لَو أَرَادَ الله ان لَا يعْصى لما خلق إِبْلِيس
[ ١٠٨ ]
فصل فِي ذمّ الْقَدَرِيَّة
مِمَّا أوردهُ الشَّيْخ الْفَقِيه ابو الْقَاسِم ﵀ فِي كتاب الاملاء لَهُ الَّذِي املاه عَليّ وَأَنا أكتب من ذَلِك مَا حَدثنَا بِهِ بِإِسْنَادِهِ إِلَى رَافع بن خديج مِمَّا حمله سعيد بن الْمسيب ذكر ذَلِك عَمْرو بن شُعَيْب قَالَ كُنَّا عِنْد سعيد بن الْمسيب فَذكرُوا رجَالًا يَقُولُونَ قدر الله كل شَيْء مَا خلا الْأَعْمَال قَالَ فوَاللَّه مَا رَأَيْت سعيدا غضب غَضبا قطّ أَشد مِنْهُ يَوْمئِذٍ حَتَّى هم بِالْقيامِ ثمَّ أَنه سكن فَقَالَ أتتكلمون بِهِ وَالله لقد سَمِعت فيهم حَدِيثا كفى بهم شرا ويحهم لَو يعلمُونَ قَالَ فَقلت يَرْحَمك الله يَا أَبَا مُحَمَّد فَمَا هُوَ قَالَ فَنظر إِلَيّ وَقد سكت بعض غَضَبه فَقَالَ حَدثنِي رَافع بن خديج أَنه سمع رَسُول الله ﷺ يَقُول يكون فِي أمتِي قوم يكفرون بِاللَّه وَبِالْقُرْآنِ وهم لَا يَشْعُرُونَ كَمَا كفرت الْيَهُود وَالنَّصَارَى قَالَ فَقلت جعلت فدَاك يَا رَسُول الله كَيفَ ذَلِك قَالَ تقرون بِبَعْض وتكفرون بِبَعْض قَالَ قلت جعلت فدَاك يَا رَسُول الله فَكيف يَقُولُونَ قَالَ يجْعَلُونَ إِبْلِيس عدلا لله فِي خلقه وقوته ورزقه ويقلون الْخَيْر من الله وَالشَّر من إِبْلِيس قَالَ فيكفرون بِاللَّه ثمَّ يقرأون على ذَلِك الْكتاب فيكفرون بِالْقُرْآنِ بعد الْإِيمَان والمعرفة قَالَ فَمَا تلقى أمتِي مِنْهُم من الْعَدَاوَة والبغضاء والجدال أُولَئِكَ زنادقة هَذِه الْأمة فِي زمانهم يكون ظلم السُّلْطَان فيا لَهُ من ظلم وحيف واثراه ثمَّ يبْعَث الله تَعَالَى طاعونا فيفنى عامتهم ثمَّ يكون الْخَسْف فَقل من ينجو مِنْهُ الْمُؤمن يَوْمئِذٍ قَلِيل فرحه شَدِيد غمه قَالَ يكون المسخ فيسمخ الله عَامَّة أُولَئِكَ قردة وَخَنَازِير قَالَ ثمَّ يخرج الدَّجَّال على أثر ذَلِك قَرِيبا ثمَّ بَكَى رَسُول الله ﷺ حَتَّى بكينا لبكائه ثمَّ قُلْنَا مَا هَذَا الْبكاء يَا رَسُول الله قَالَ فَقَالَ رَسُول الله ﷺ رَحْمَة لَهُم الأشقياء فَإِن مِنْهُم المتعبد وَمِنْهُم الْمُجْتَهد مَعَ أَنهم لَيْسُوا بِأول من سبق إِلَى هَذَا القَوْل وضاق بِحمْلِهِ ذرعا إِن عَامَّة من هلك من بني إِسْرَائِيل بالتكذيب أَنه قَالَ فَقلت يَا رَسُول الله فَقل لي كَيفَ الْإِيمَان بِالْقدرِ فَقَالَ أَن تؤمن بِاللَّه وَحده وانه لَا يملك اُحْدُ مَعَه ضرا وَلَا نفعا وتؤمن بِالْجنَّةِ وَالنَّار وَتعلم ان الله تَعَالَى خلقهما قبل الْخلق ثمَّ خلق خلقه فَجعل من شَاءَ مِنْهُم إِلَى الْجنَّة وَمن شَاءَ إِلَى
[ ١٠٩ ]
النَّار عدلا مِنْهُ كل ذَلِك كل يعْمل بِمَا قد فرغ مِنْهُ وَهُوَ صائر إِلَى مَا خلق لَهُ فَقلت صدق الله وَرَسُوله
ثمَّ ذكر الْفَقِيه طرق هَذَا الحَدِيث وَشَرحه فالتمسه فِي كتاب الاملاء لَهُ تَجدهُ إِن شَاءَ الله
وَمن ذَلِك قَالَ الْفَقِيه مَا رَوَاهُ أَبُو هُرَيْرَة عَن عمر بن الْخطاب ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ لَا تجالسوا أهل الْقدر وَلَا تفاتحوهم قَالَ الْفَقِيه فَهَذَا الْخَبَر فِي ذمّ الْقَدَرِيَّة إِذْ هُوَ ﷺ لَا ينْهَى عَن مجالسة أهل الدّين إقتداء لما علمه الله تَعَالَى إِذْ يَقُول فِي سُورَة مَكِّيَّة ﴿وَإِذا رَأَيْت الَّذين يَخُوضُونَ فِي آيَاتنَا فَأَعْرض عَنْهُم حَتَّى يخوضوا فِي حَدِيث غَيره وَإِمَّا ينسينك الشَّيْطَان فَلَا تقعد بعد الذكرى مَعَ الْقَوْم الظَّالِمين﴾
وَقد بَين الله سُبْحَانَهُ عُقُوبَة من فعل ذَلِك وَخَالف مَا أمره الله إِذْ يَقُول فِي سُورَة مَدَنِيَّة ﴿وَقد نزل عَلَيْكُم فِي الْكتاب أَن إِذا سَمِعْتُمْ آيَات الله يكفر بهَا ويستهزأ بهَا فَلَا تقعدوا مَعَهم حَتَّى يخوضوا فِي حَدِيث غَيره إِنَّكُم إِذا مثلهم إِن الله جَامع الْمُنَافِقين والكافرين فِي جَهَنَّم جَمِيعًا﴾
فَبين سُبْحَانَهُ بقوله ﴿وَقد نزل عَلَيْكُم فِي الْكتاب﴾ مَا كَانَ أَمرهم بِهِ من قَوْله فِي السُّورَة المكية ﴿فَلَا تقعد بعد الذكرى مَعَ الْقَوْم الظَّالِمين﴾ ثمَّ بَين فِي هَذِه السُّورَة المدنية أَن مجالسة من هَذِه صفته لُحُوق بِهِ فِي إعتقاده وَقد ذهب قوم من أَئِمَّة هَذِه الْأمة إِلَى هَذَا الْمَذْهَب وَحكم بِمُوجب هَذِه الْآيَات فِي مجَالِس أهل الْبدع على المعاشرة والمخالطة مِنْهُم أَحْمد بن حَنْبَل وَالْأَوْزَاعِيّ وَابْن
[ ١١٠ ]
الْمُبَارك فَإِنَّهُم قَالُوا فِي رجل شَأْنه مجالسة أهل الْبدع قَالُوا ينْهَى عَن مجالستهم فَإِن انْتهى وَإِلَّا ألحق بهم يعنون فِي الحكم قيل لَهُم فَإِنَّهُ يَقُول إِنِّي أجالسهم لأباينهم وأرد عَلَيْهِم قَالُوا ينْهَى عَن مجالستهم فَإِن لم ينْتَه ألحق بهم
قَالَ وَفِيمَا رَوَاهُ أنس بن مَالك قَالَ رَسُول الله ﷺ مجوس الْعَرَب وَإِن صَامُوا وصلوا الْقَدَرِيَّة
وَعَن عبد الله بن عمر قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ الْقَدَرِيَّة مجوس هَذِه الْأمة إِن مرضوا فَلَا تعودوهم وَإِن مَاتُوا فَلَا تشهدوهم
قَالَ وَرُوِيَ عَن أبي الدَّرْدَاء قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ يكون فِي آخر أمتِي قوم يتفقهون فِي دين الله ويقرأون كتاب الله كَمَا يشرب المَاء الْبَارِد لَا يُجَاوز تراقيهم يكذبُون بأقدار الله ﷿ هم مجوس أمتِي هم مجوس أمتِي هم مجوس أمتِي
وَرُوِيَ عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ إِن لكل أمة مجوسا وَإِن مجوس هَذِه الْأمة الْقَدَرِيَّة فَإِن مرضوا فَلَا تعودوهم وَإِن مَاتُوا فَلَا تشهدوهم
قَالَ وروى أَبُو الزبير مُرْسلا عَن رَسُول الله ﷺ انه قَالَ إِن مجوس هَذِه الْأمة المكذبون بأقدار الله جلّ وَعز إِن مرضوا فَلَا تعودوهم وَإِن لقيتموهم فَلَا تسلموا عَلَيْهِم وَإِن مَاتُوا فَلَا تشهدوهم وَخرج أَبُو دَاوُد حَدِيث ابْن عمر فيهم الَّذِي سقناه وَخرج عَن حُذَيْفَة قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ لكل أمة مجوس ومجوس هَذِه الْأمة الَّذين يَقُولُونَ لَا قدر من مَاتَ مِنْهُم فَلَا تشهدوا جنَازَته وَمن مرض مِنْهُم فَلَا تعودوهم وهم شيعَة الدَّجَّال وَحقّ على الله أَن يلحقهم بالدجال
[ ١١١ ]
خبر غيلَان القدري وَمثله على كفره بِالْقدرِ
ونورد هَا هُنَا خبر غيلَان القدري وَمثله على كفره بِالْقدرِ قَالَ بعض المصنفين الْأَخْبَار قَالَ عون بلغ أَمِير الْمُؤمنِينَ هِشَام بن عبد الْملك بن مَرْوَان أَن غيلَان القدري يتَكَلَّم فِي الْقدر فَبعث إِلَيْهِ وَنَهَاهُ فَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ إبعث إِلَيّ من يكلمني ويناظرني بَين يَديك فَإِن ظفر بِي فاقتلني وَإِن ظَفرت بِهِ فَمَا لَك عَليّ من سَبِيل قَالَ فَبعث أَمِير الْمُؤمنِينَ إِلَى الْأَوْزَاعِيّ فَأَتَاهُ فَأخْبرهُ بِمَا قَالَ غيلَان القدري فَقَالَ لَهُ خاطبه وناظره وحاججه فوَاللَّه لَئِن ظَفرت بِهِ لأقتلنه فَقَالَ لَهُ الْأَوْزَاعِيّ تَسْأَلنِي أَو أَسأَلك فَقَالَ لَهُ القدري سلني وَلَا تكثره فَقَالَ لَهُ الاوزاعي أَسأَلك عَن أَرْبَعَة أَشْيَاء وَبعدهَا أَرْبَعَة أُخْرَى هَل علمت ان الله قضى على مَا نهى عَنهُ فَقَالَ لَهُ قضى على مَا نهى عَنهُ مَا عِنْدِي من هَذَا علم فَقَالَ لَهُ الْأَوْزَاعِيّ هَل علمت أَن الله حَال دون مَا أَمر بِهِ فَقَالَ القدري هَذِه أعظم من الأولى مَا عِنْدِي من هَذَا علم فَقَالَ الْأَوْزَاعِيّ هَل علمت أَن الله أعَان على مَا حرم فَقَالَ القدري هَذِه أعظم من الإثنتين مَا عِنْدِي من هَذَا علم فَأمر بِهِ هِشَام فَقتل ثمَّ قَالَ هِشَام للأوزاعي يَا أَبَا عَمْرو تَكَلَّمت ففسره قَالَ الاوزاعي سَأَلته عَن ثَلَاث كَلِمَات من كتاب الله تَعَالَى قلت لَهُ هَل علمت أَن الله تَعَالَى قضى على مَا نهى عَنهُ نهى آدم ﵇ عَن أكل الشَّجَرَة وَقضى عَلَيْهِ بأكلها وَقلت لَهُ هَل علمت أَن الله حَال دون مَا أَمر بِهِ أَمر إِبْلِيس بِالسُّجُود وَحَال بَينه وَبَين ذَلِك وَقلت لَهُ هَل علمت أَن الله ﷿ أعَان على مَا حرم حرم الْميتَة وأعان الْمُضْطَر على أكلهَا ثمَّ قَالَ هِشَام أَخْبرنِي عَن الرَّابِعَة مَا هِيَ قَالَ كنت أَقُول لَهُ أَخْبرنِي عَن
[ ١١٢ ]
مشيئتك أَهِي متفقة مَعَ مَشِيئَة الله أَو مشيئتكم دون مَشِيئَة الله تَعَالَى فَأَيّهمَا أجابني فِيهِ حل دَمه ثمَّ قَالَ هِشَام للأوزاعي فَأَخْبرنِي عَن الْأَرْبَعَة الْأُخْرَى مَا هِيَ وَمَا كنت تَقول لَهُ قَالَ الْأَوْزَاعِيّ كنت أَقُول لَهُ أَخْبرنِي عَن الله ﷿ خلقك كَمَا يَشَاء أَو كَمَا شِئْت قَالَ فَكَانَ يَقُول كَمَا شَاءَ ثمَّ أَقُول لَهُ أَخْبرنِي عَن الله ﷿ يرزقك إِذْ شِئْت أَو إِذا شَاءَ فَإِنَّهُ كَانَ يَقُول إِذا شَاءَ ثمَّ اقول لَهُ أَخْبرنِي عَن الله ﷿ يتوفاك إِذا شِئْت أَو إِذا شَاءَ فَإِنَّهُ كَانَ يَقُول إِذا شَاءَ ثمَّ اقول لَهُ فَإِذا توفاك أَيْن مصيرك حَيْثُ شِئْت أَو حَيْثُ شَاءَ فَإِنَّهُ كَانَ يَقُول حَيْثُ شَاءَ ثمَّ قَالَ الْأَوْزَاعِيّ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ من لم يُمكنهُ أَن يحس خلقه وَلَا يزِيد فِي رزقه وَلَا يُؤَخر فِي أَجله وَلَا يصير نَفسه حَيْثُ شَاءَ فَأَي شَيْء فِي يَدَيْهِ من الْمَشِيئَة قَالَ هِشَام صدقت يَا أَبَا عَمْرو قَوْله فأيها أجَاب بِهِ حل دَمه تَفْسِيره كَلَام عَليّ ﵇ لقدري إِن زعمت أَنَّك تملكه مَعَ الله فقد جعلت مَعَ الله مَالِكًا وَإِن زعمت أَنَّك تملكه دون الله فقد جعلت من دون الله مَالِكًا قَالَ الْأَوْزَاعِيّ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ إِن الْقَدَرِيَّة مَا رَضوا بقول الله ﷿ وَلَا بقول الْمَلَائِكَة وَلَا بقول الْأَنْبِيَاء ﵈ الْخَبَر الَّذِي أوردناه فِي صدر الْكتاب وَبينا فِيهِ مَا قَالَ الله ﷿ وَمَا قَالَت الْمَلَائِكَة إِلَى آخر الْخَبَر إِلَّا أَنه قَالَ فِي هَذَا الْخَبَر أما قَول الله ﷿ فَإِنَّهُ قَالَ ﴿فاجتباه ربه فَجعله من الصَّالِحين﴾ وَمر إِلَى آخِره على مَا كُنَّا شرحناه واما حَدِيث عَليّ ﵇ مَعَ القدري فَإِن عليا ﵇ مر بِنَفر من أَصْحَابه فَقَالُوا لَهُ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ إِن هَذَا يَقُول ان أَفعاله تكون بمشيئته فَقَالَ لَهُ عَليّ ﵇ اخبرني هَل ملكك الله شَيْئا فَأَنت تملكه ام لَا فَقَالَ نعم ملكني صَلَاتي وصيامي وحجي وجهادي وَعتق رقيقي وَطَلَاق نسَائِي فَقَالَ عَليّ ﵇ أشيئا مَعَ الله تملكه أم شَيْئا دون الله تملكه قَالَ إِنِّي لَا أسمع فَقَالَ عَليّ ﵇ إِنِّي لأتكلم بِلِسَان عَرَبِيّ مُبين إِن زعمت أَنَّك تملكه مَعَ الله فقد جعلت مَعَ الله مَالِكًا وَإِن زعمت أَنَّك تملكه من دون الله فقد جعلت من دون الله مَالِكًا
[ ١١٣ ]
وَفِي رِوَايَة قَالَ عَليّ ﵇ وأيها قلت أخذت الَّذِي فِيهِ عَيْنَاك فبهت وَانْقطع وَسَأَلَ عليا ﵇ بعض أَصْحَابه فَقَالَ يَا امير الْمُؤمنِينَ أَرَأَيْت أفعالنا هِيَ خلق لله أم لنا فَقَالَ الله خلقهَا وَأَنت تعملها لَا تسْأَل عَن هَذَا اُحْدُ غَيْرِي
قَالَ الْفَقِيه أَبُو الْقَاسِم كل ذَلِك وَردت عَنهُ ﵇ بِالْأَسَانِيدِ الصِّحَاح والأقوال الْوَاضِحَة تَأمل قَوْله الله خلقهَا وَأَنت تعملها أخْبرك أَن الله خَالِقهَا وَأَنه خَالق كل شَيْء وَلَا خَالق سواهُ قَوْله وَأَنت تعملها إِشَارَة إِلَى مَا شرحناه أَولا لَك فِي معرفَة الْكسْب وَمَا يصدر من الْإِنْسَان على وَجه المحاولة لَهُ والإيثار كَمَا ورد فِي الْقُرْآن بِمَا كُنْتُم تَعْمَلُونَ وَبِمَا كُنْتُم تكسبون وَيعلم مَا تَفْعَلُونَ كَمَا تَقول هَذَا لونك وَهَذِه صحتك وَهَذَا أَيْضا فعلك وعملك وكسبك لكل مَا حاولته وآثرته على التّرْك فَعِنْدَ المحاولة أجْرى الْعَادة وطرد السّنة أَن يخلق الْقُدْرَة عَلَيْهِ ويخلق لَك الْفِعْل الِاخْتِيَارِيّ الْمُخَالف لحركة الارتعاش الَّتِي لَيست هِيَ بمحاولتك وَلَا إرادتك وَلَا مقرونة بقدرتك وَكَذَلِكَ الزج فِي الصبب إِذا كنت قَائِما على جبل عَال وقدامك صبب إِلَى أَسْفَل الْجَبَل وزجك زاح من علو الْجَبَل فِي ذَلِك الصبب اَوْ تعاطيت إِن خطوت خطوَات ثمَّ هِبته فَأَرَدْت الْوُقُوف وَالرُّجُوع فَلم تَجِد لذَلِك سَبِيلا فَانْظُر إِلَى حركاتك وَنقل أقدامك هَل هِيَ وَاقعَة بِحَسب إرادتك ومشيئتك وقدرتك أَو بِخِلَاف ذَلِك وَإنَّك لتفرق الْآن بَين من يقطع الْمسَافَة إختيارا اَوْ بَين من يقطعهَا سحبا اَوْ زجا كحركة الارتعاش وحركة تماثلها فِي يدك وَاقعَة بمشيئتك واختيارك وَالْكل من الْفِعْلَيْنِ خلق لله وَإِنَّمَا أَحدهمَا وَقع بقدرة الله لَا بقدرتك وبمشيئة الله لَا بمشيئتك وَالْآخر وَقع بقدرة الله ومشيئته لَكِن مَعَ محاولة مِنْك وإيثار فنسب إِلَيْك بِهَذَا الْوَجْه فَيُقَال هَذَا عَمَلك وفعلك وكسبك كَمَا يُقَال هَذَا لونك وصحتك وشبعك وريك وَمَا اشبهه فَصَارَ مَا يكتسبه الْإِنْسَان خلقا لله دون الْإِنْسَان وكسبا للانسان دون الله وَالْكَسْب محَال وجوده من الله كَمَا أَن الْخلق والإيجاد محَال وجوده من الْإِنْسَان فَاعْلَم
[ ١١٤ ]
وسنورد لَك إِن شَاءَ الله تَعَالَى فصلا من كَلَام الْفَقِيه أبي الْقَاسِم فِي هَذَا الْمَعْنى إِن شَاءَ الله تَعَالَى
ثمَّ ان الْفَقِيه وَفقه الله أَشَارَ إِلَى خبر القدري مَعَ جَعْفَر الصَّادِق ﵁ فِي قَوْله يَا ابْن بنت رَسُول الله ﷺ تَعَالَى الله أَن يخلق الْفَحْشَاء فَأَجَابَهُ وَجل رَبنَا ان يكون فِي ملكه مَا لَا يَشَاء الْخَبَر الَّذِي قدمْنَاهُ فِي صدر الْكتاب فإنقال قَائِل فَإِذا قُلْتُمْ إِن حَرَكَة الإرتعاش لم تقترن بهَا قدرَة العَبْد واقترنت قدرته بالحركة الاختيارية فقد صَارَت الْقُدْرَة مُؤثرَة فِي مقدورها وَصَارَ العَبْد شَرِيكا مَعَ الله فِي إِحْدَاث مقدوراته الاختيارية الَّتِي تسمونها كسبا
فَالْجَوَاب إِنَّا نقُول إِن تعلق الْقُدْرَة بالمقدور كتعلق سَائِر الصِّفَات بِهِ وَإِن تعلقهَا بِهِ لَا يَقْتَضِي إنْشَاء الْمَقْدُور وإبداعه وَلَا إبداع وصف فِيهِ كَمَا ان الْعلم يتَعَلَّق بالمعلوم وَلَا يَقْتَضِي حُدُوثه معنى فِيهِ وَهَذِه الْإِرَادَة تتَعَلَّق بالمراد وَلَا تُؤثر فِي إبداعه وَلَا إبداع معنى فِيهِ وَهَذِه الرُّؤْيَة تتَعَلَّق بالمرىء فَلَا تحدثه الرُّؤْيَة وَلَا تحدث معنى فِيهِ وَلَا تُؤثر فِيهِ وَهَذَا السّمع يتَعَلَّق بالمسموع وَلَا يُؤثر فِيهِ وَلَا فِي وصف لَهُ فَيُقَال هَذَا مَعْلُوم لفُلَان وَمُرَاد لَهُ ومرىء لَهُ ومسموع فَكَذَلِك يُقَال هَذَا مَقْدُور لفُلَان لتَعلق قدرته بِهِ لَا غير وَهُوَ تعلق اقتران لَا تعلق إِحْدَاث وَهَذِه أَوْصَاف كلهَا معقولة كَمَا ترى من غير أَن تَقْتَضِي إِحْدَاث الْمَقْدُور وَلَا إِحْدَاث وصف فِيهِ غير أَن الْقُدْرَة تعلقهَا بالمقدور مُخَالفَة للْعلم والإرادة والإدراك كَمَا أَن الْعلم مُخَالف فِي تعلقه للإدراك والإرادة وَالْقُدْرَة فَاعْلَم ذَلِك وَقد نجز الْمَقْصُود وَللَّه الْمِنَّة
[ ١١٥ ]
فصل
وَقد رَأَيْت سلك الله بك طَرِيق هدايته ان أنقل لَك فصلا مقنعا أملاه الشَّيْخ الْفَقِيه أَبُو الْقَاسِم عَليّ بِمَكَّة حرسها الله عِنْدَمَا سَأَلَهُ سَائل عَن الْقدر وَمَا يجب على الْمُكَلف إعتقاده فِيهِ فَقَالَ ﵁ من الْحق الْمُبين الَّذِي لَا ريب فِيهِ وَالْيَقِين الَّذِي لَا شكّ يَعْتَرِيه إِن الله تَعَالَى خَالق كل مُحدث ومبدع كل مخترع لما دلّ عَلَيْهِ من الدَّلَائِل الْعَقْلِيَّة والشرعية
اما الْعَقْلِيَّة فجهل الْمُخْتَار منا للْفِعْل بتفاصيل إِرَادَته ومراداته وَلَا بُد من معرفَة المريد بمراده ليتَحَقَّق اخْتِيَاره لَهُ وَلَا يَصح ان يكون خَالِقًا بِالِاخْتِيَارِ على مَا شرحناه فِي مَسْأَلَة الْكسْب وَفِي غير مَوضِع وَأما الشَّرْعِيَّة فأولها قَالَ الله سُبْحَانَهُ ﴿فَأَما من أعْطى وَاتَّقَى وَصدق بِالْحُسْنَى فسنيسره لليسرى وَأما من بخل وَاسْتغْنى وَكذب بِالْحُسْنَى فسنيسره للعسرى﴾
فَأخْبر أَن تيسير الْأَعْمَال إِنَّمَا هُوَ بِهِ وَقَالَ سُبْحَانَهُ ﴿وَنَفس وَمَا سواهَا فألهمها فجورها وتقواها﴾ فَبين أَن الْفُجُور وَالتَّقوى بإلهامه لِلْفَاجِرِ والتقي وَقَالَ تَعَالَى ﴿هُوَ الَّذِي خَلقكُم فمنكم كَافِر ومنكم مُؤمن﴾ فَأخْبر أَنه خلقهمْ
[ ١١٧ ]
كفَّارًا ومؤمنين كَمَا قَالَ ﴿فأخرجنا بِهِ ثَمَرَات مُخْتَلفا ألوانها وَمن الْجبَال جدد بيض وحمر مُخْتَلف ألوانها وغرابيب سود وَمن النَّاس وَالدَّوَاب والأنعام مُخْتَلف ألوانه﴾ كَذَلِك فَبين أَنه خلق ألوانها كَمَا خلق ذواتها وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَاخْتِلَاف أَلْسِنَتكُم وألوانكم﴾ فأبان أَنه خلق اللُّغَات وَالْخطاب وَجعل وجود ذَلِك دلَالَة عَلَيْهِ سُبْحَانَهُ وَإِنَّمَا يدل عَلَيْهِ سُبْحَانَهُ فعله كَمَا أَن فعل غَيره يدل على فَاعله وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَالله خَلقكُم وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ أَي خَلقكُم وَأَعْمَالكُمْ وَقَوله ﴿أم جعلُوا لله شُرَكَاء خلقُوا كخلقه فتشابه الْخلق عَلَيْهِم قل الله خَالق كل شَيْء وَهُوَ الْوَاحِد القهار﴾
وَأما السّنة فأكبر من أَن تحصى وَأقرب ذَلِك قَوْله ﷺ إِن الله خَالق كل صانع وصنعته فنص على أَنه خَالق الصَّنْعَة كَمَا انه خَالق الصَّانِع وَقَوله ﵇ تمّ الْعلم وجف الْقَلَم وَأُمُور تقضى فِي كتاب قد خلا فَأخْبر ان الْقَضَاء جَار بِحَسب مَا كتب فِي الْكتاب الاول قبل خلق الْخلق وَقَوْلهمْ ففيما الْعَمَل يَا رَسُول الله فَقَالَ أما من كَانَ من أهل السَّعَادَة فييسر لعمل أهل السَّعَادَة وَأما من كَانَ من أهل الشقاوة فييسر لعمل أهل الشقازة وَكَقَوْلِه فِي
[ ١١٨ ]
كَيْفيَّة الْإِيمَان بِالْقدرِ لما سُئِلَ عَن كَيْفيَّة الْإِيمَان بِهِ قَالَ أَن تعلم أَن مَا أَصَابَك لم يكن ليخطئك وَمَا أخطاك لم يكن ليصيبك وان تعلم أَن الله خلق الْجنَّة وَخلق منَازِل أَهلهَا فِيهَا قبل خلقهمْ وَخلق النَّار وَخلق منَازِل أَهلهَا فِيهَا قبل كَونهم
وَقَوله ﷺ إِن خلق احدكم يجمع فِي بطن أمه أَرْبَعِينَ لَيْلَة ثمَّ يكون علقَة مثل ذَلِك ثمَّ يكون مُضْغَة مثل ذَلِك ثمَّ يبْعَث الله ﷿ ملكا فَيُؤْمَر باربع كَلِمَات فَيكْتب عمله وأجله ورزقه وأشقي ام سعيد وَمثله قَول ابْن عَبَّاس ﵁ فِي قصَّة الْغُلَام الَّذِي قَتله الْخضر ﵇ وَأما الْغُلَام فطبع يَوْم طبع كَافِرًا لَا تغفل عَنهُ نكته النكت مَذْهَب هَؤُلَاءِ الْمُذَبْذَبِينَ إِنَّهُم يَعْتَقِدُونَ أَن الله تَعَالَى حَكِيم فَلَا يصدر مِنْهُ لأحد من خلقه ظلم فَيخرج عَن الْحِكْمَة وَلَا يظلم مِثْقَال ذرة وَنحن نقُول أَنه كَيفَ مَا تصرف فِي خلقه فَلَا ينْسب إِلَيْهِ ظلم لِأَنَّهُ تصرف فِي ملكه بِمَا شَاءَ كَيفَ شَاءَ فالظلم لَا يتَصَوَّر مِنْهُ
وَفِي أمره للخضر ﵇ بقتل الصَّبِي وَهُوَ دون الْبلُوغ جور عَظِيم وظلم كَبِير على مُقْتَضى مَذْهَبهم وَقَول عَليّ ﵇ وَقد سُئِلَ عَن أَفعَال الْعباد فِي خلقهَا قَالَ الله خلقهَا وَأَنت عملتها لَا تسئل عَن هَذَا أحد غَيْرِي فنص عَليّ خلق الله تَعَالَى للأعمال وعَلى نسبتها إِلَى العَبْد بِأَنَّهَا عمله من حَيْثُ الِاكْتِسَاب وَكَانَت نِسْبَة الْعَمَل إِلَى العَبْد على حد نِسْبَة اللَّوْن الْمَوْجُود فِيهِ والشبع والري وَالصِّحَّة والسقم فالموت والحياة لَهُ فَيُقَال لَونه وشبعه وريه وَصِحَّته وسقمه كَذَلِك يُقَال عمله
وَالْفرق بَين هَذِه وَتلك بِالْإِضَافَة إِلَى العَبْد ان الله خلق فِي العَبْد صفة مُتَعَلقَة بحركاته وسكناته وَصلَاته واجتهاده واكتسابه وَلم يَجْعَل لتِلْك
[ ١١٩ ]
الصّفة تعلقا بلونه وحياته وَمَوته وشبعه وريه وَهِي الصّفة الَّتِي يفرق بهَا الْإِنْسَان حسا بَين كَونه قَاطعا للمسافة سحبا وجذبا ودفعا وزجا وَبَين قطعه لَهَا اخْتِيَارا وإيثارا وبحسب الْمَشِيئَة إِذا تحققت هَذِه الْجُمْلَة فَاعْلَم أَن الشَّرْع رتب على العَبْد مطالبات بأفعاله الَّتِي هِيَ اكتسابه كَمَا بَيناهُ أمراوزجرا وندبا وَلم يرتب هَذِه المطالبات فِي الْقسم الآخر وَالَّذِي هُوَ ملازم لَهُ لَا بمحاولة مِنْهُ ثمَّ اجرى الْعَادة وطرد السّنة أَنه مَتى حاول الْفِعْل الَّذِي هُوَ اكتسابه وَاخْتَارَهُ اعطاه الْقُدْرَة وَخلق مَعهَا الْفِعْل الَّذِي حاوله وَمَتى آثر التّرْك وَفعل الضِّدّ فعل لَهُ ذَلِك على حسب اخْتِيَاره الْعَادة جَارِيَة وَسنة مطردَة وأجرى التَّكْلِيف وَالْأَمر وَالنَّهْي على هَذَا النَّحْو ولأجله حسن الامتنان بقوله ﴿لَا يُكَلف الله نفسا إِلَّا وسعهَا﴾ واجرى التَّكْلِيف كَذَلِك فَإِذا تقرر هَذَا فَاعْلَم إِذن أَن الَّذِي كلف الله سُبْحَانَهُ الْعباد تكليفان
أَحدهمَا الْإِيمَان بِالْقدرِ وَصفته كَمَا وَصفه ﷺ فِي قَوْله وَإِن تعلم أَن مَا أَصَابَك لم يكن ليخطئك وَمَا أخطأك لم يكن ليصيبك وَتَحْقِيق هَذَا الايمان أَن يدْفع عَن نَفسك لَو وليت وَلَوْلَا فَلَا تَقول لَيْتَني فعلت كَذَا إِذْ الْمَقْدُور لَا بُد كَائِن وَأمر الله على كل حَال نَافِذ وَكَذَا فَلَا تَقول لَو كَانَ كَذَا لَكَانَ كَذَا فَلَا يكون إِلَّا مَا شَاءَ الله وَمَا قَضَاهُ وَمَا قدره وأمضاه وَكَذَا أَيْضا فَلَا تَقول لَوْلَا كَذَا لَكَانَ كَذَا لِأَن أَمر الله نَافِذ وقضاؤه وَقدره ماضيان هَذَا كُله فِيمَا لَيْسَ عنْدك فِيهِ من الله خبر فَإِنَّهُ سُبْحَانَهُ قدر الْأَشْيَاء على جِهَتَيْنِ مُطلقَة ومعلقة
فالمطلقة كَمَا أبدع الْأَشْيَاء لَا من شَيْء فَقَالَ لما شَاءَ مِنْهَا كن فَكَانَ
والمعلقة كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿وَلَوْلَا رجال مُؤمنُونَ وَنسَاء مؤمنات لم تعلموهم أَن تطؤوهم فتصيبكم مِنْهُم معرة بِغَيْر علم ليدْخل الله فِي رَحمته من يَشَاء لَو تزيلوا لعذبنا الَّذين كفرُوا مِنْهُم عذَابا أَلِيمًا﴾
[ ١٢٠ ]
وَقَول النَّبِي ﷺ لأبي بكر ﵁ يَا ابا بكر لَو اراد الله ان لَا يعْصى لما خلق إِبْلِيس فأعلمنا الله سُبْحَانَهُ كَيْفيَّة جَرَيَان قدره فِي تخليق هَذَا الْمَخْلُوق وَهُوَ تَعْذِيب الْمُشْركين من أهل مَكَّة على أَي وَجه يكون وَأَنه لَا يكون إِلَّا بِشَرْط وَإِن الْمُؤمنِينَ وَالْمُؤْمِنَات من بَينهم وَمثله ﴿وَلَوْلَا أَن يكون النَّاس أمة وَاحِدَة لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفا من فضَّة ومعارج عَلَيْهَا يظهرون﴾ وَقَوله ﴿وَلَو بسط الله الرزق لِعِبَادِهِ لبغوا فِي الأَرْض وَلَكِن ينزل بِقدر مَا يَشَاء﴾
وأمثال هَذِه الْآيَات وَحسن من الله سُبْحَانَهُ ذَلِك لعلمه بمجاري أقداره وَكَيف جرى تَقْدِيره فِي خلقه وَحسن هَذَا من رَسُول الله ﷺ لعلمه ذَلِك من الله تَعَالَى بِالْوَحْي فِي قَوْله لَو اراد الله ان لَا يعْصى لما خلق إِبْلِيس أَو لم يخلق إِبْلِيس أَو كَمَا قَالَ ﵇ واستقام ذَلِك النَّبِي ﷺ وَلم يستقم لغيره لجهل الْغَيْر بِعلم الله وَتَقْدِيره وَهُوَ معنى نَهْيه ﵇ عَن الْخَوْض فِي سر الْقدر وَقد فسر النَّبِي ﷺ فِي خبر الفارسين والحطاب اللَّذين اخذ أَحدهمَا مَال الآخر وَقتل الآخر الْحطاب ووحيه سُبْحَانَهُ إِلَى نبيه ان ابا هَذَا أَخذ مَال أبي صَاحبه فرددن عَلَيْهِ مَاله وَأَن الْحطاب قتل أَبَا الْقَاتِل فاقدته بِهِ وَلَا تعارضني فِي قدري
[ ١٢١ ]
وَكَذَلِكَ الْخَبَر الْأُخَر عَن أحد عباد بني إِسْرَائِيل عِنْدَمَا رأى بعض العصاة قد ارْتكب بعض الْمعاصِي فَقَالَ وَالله لَا يغْفر الله لهَذَا ابدا فَأوحى الله إِلَى نَبِي ذَلِك الزَّمَان قل للعابد أَنْت المتالي عَليّ لَا أَغفر قد غفرت لَهُ وأحبطت عَمَلك فاستأنف الْعَمَل فَلم يكن لأحد الْخَوْض فِي تعْيين قدر الله تَعَالَى إِلَّا بِالْوَحْي مِنْهُ سُبْحَانَهُ فَهَذَا أحد التكليفين وَهُوَ إِقَامَة الْإِيمَان بِالْقدرِ على حُدُوده
وَأما التَّكْلِيف الثَّانِي فالتزام أَحْكَام الشَّرِيعَة أقداما وإنكفافا فَإِذا نَهَانَا الشَّرْع عَن تنَاول السمائم والتوجي بالحدائد انزجرنا عَن ذَلِك ولانقول لَعَلَّ الْأَجَل لم يحضر وَالسُّيُوف مأمورة وَلَا صَاد إِلَّا الله وَلَعَلَّ الْجَارِي فِي قدر الله دوَام الْبَقَاء وَلَا يكون إِلَّا الْمَقْدُور فالحال فِي التكوين هَذَا لَكِن لَا بُد من إِعْطَاء النَّهْي الشَّرْعِيّ حَقه والانكفاف عَن المهلكات فِي الْعَادة وَكَذَلِكَ فِي الْوُقُوف عَن امْتِثَال الْأَوَامِر وَترك التَّوَجُّه إِلَى الْحَج مثلا فِي أَوَانه حِين تعين التَّكْلِيف وَترك النهوض إِلَى الصَّلَوَات إعتمادا على ان الله سُبْحَانَهُ إِذا قضى الْأَثر بموضوع فَلَا بُد من بُلُوغه وَإِذا قدر النهوض إِلَى الصَّلَاة فَلَا بُد من وُقُوعه فَلَا بُد من النهوض للْقِيَام بِحُقُوق الْعِبَادَات على مَا جرت بِهِ الْعَادَات فَمن أخل بذلك أخل بِوَاجِب الْعِبَادَة وَهُوَ تَكْلِيف يجْرِي على الْجَوَارِح والأعضاء
وَمن هَذَا الْجِنْس قَول الْقَائِل إِن قدر أَنِّي من أهل السَّعَادَة فقد حصلت وَإِن قدر عَليّ الشقاوة فَلَا يَنْفَعنِي العناء الناجز وَترك الشَّهَوَات الَّتِي النَّفس إِلَيْهَا تائقة فَأَكُون قد جمعت على نَفسِي بلاءين حرمانها شهواتها ومحبوباتها فِي العاجل وحرمانها بِمَا جرى عَلَيْهَا الْقَضَاء فِي الْأَجَل فَلَيْسَ الْحَال على ذَلِك وَالْقدر نَافِذ على كل الْأَحْوَال والقيم بِحُقُوق الْوَاجِبَات
والتكاليف هُوَ وَظِيفَة الْحَاضِر وَهُوَ معنى قَوْله ﷺ لمن قَالَ لَهُ أَفلا نَتَّكِل على كتَابنَا وَنَدع الْعَمَل فَقَالَ لَا إعملوا وسددوا وقاربوا فَكل ميسر لما خلق لَهُ
[ ١٢٢ ]
فَأمرنَا بِالْعَمَلِ للْقِيَام بِحُقُوق التَّكْلِيف والنهوض بِحَق امْتِثَال الاوامر الشَّرْعِيَّة والانكفاف عَن الزواجر الْوَارِدَة فِي الشَّرِيعَة فإياك أَن يخْتَلط عَلَيْك ترك اُحْدُ التكليفين والاخلال بِإِحْدَى العبادتين فتقيم حُقُوق التَّكْلِيف فِي الْإِيمَان بِالْقدرِ إِيمَانًا لَا يتعارك مَعَه الشكوك فِي استدفاع ضرا وساتجلاب سراء وَنَدم على ترك الْفِعْل لأجل فَوَات مَطْلُوب فالتشكيك فِي شَيْء مِنْهُ قَادِح فِي الْإِيمَان بِالْقدرِ وإخلال بِهَذِهِ الْوَظِيفَة من التَّكْلِيف وَإِيَّاك أَن تقدم على المهالك أَو تتعرض للمعاصي اَوْ المعاطب للاستيناس بِهَذَا الْإِيمَان فتخل بِالْقيامِ بِحُقُوق الْعِبَادَة فِي الِامْتِنَاع مِمَّا اوجب الشَّرْع الِامْتِنَاع مِنْهُ فأعط كلا العبادتين حَقّهَا فِي الِاعْتِقَاد والتصديق وَذَلِكَ فِي الاقدام والانزجار فحيئذ تكون قد نهضت بِوَاجِب الْإِيمَان والطاعات وَهَذَا الْمَعْنى هُوَ الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ ﷺ بقوله اعْمَلُوا وسددوا وقاربوا فَحَث على الْقيام بِحُقُوق التَّكْلِيف فِي الْعَمَل ثمَّ قَالَ فَكل ميسر لما خلق لَهُ كَأَنَّهُ يَقُول وَإِيَّاك أَن تظن انك لما أمرت بِالتَّشْدِيدِ والمقارنة إِنَّمَا أمرت بذلك لتجري عَلَيْك الْمَقَادِير بِحَسب هَوَاك فِي استجلاب النَّفْع وَدفع الضَّرَر وَلَكِن تَيَقّن ان الْأَمر يجْرِي عَلَيْك بِحَسب إِرَادَة الله سُبْحَانَهُ فِيك وإجرائه قدره عَلَيْك بِأَن لَا تيَسّر إِلَّا لما خلقت لَهُ من خير أَو شَرّ ومعافاة اَوْ بلَاء أَو إِيمَان أَو كفر فاعرف هَذِه الْجُمْلَة فَهِيَ مِمَّا يكثر غلط الخائضين فِي هَذَا الْفَنّ فِيهِ سددك الله وأرشدك وَشرح للْإيمَان صدرك وَيسر لطاعته حركاتك وسكناتك وَغفر لنا وَلَك ولسائر الْمُسلمين وَالْحَمْد لله وصلواته على مُحَمَّد وَآله وَسَلَامه
قَالَ الشَّيْخ الْفَقِيه أَبُو الْقَاسِم ﵁ مَجْمُوع مَا اشْتَمَل عَلَيْهِ هَذَا القَوْل أَن الله تَعَالَى ألزم كل مُكَلّف تكليفين
أَحدهمَا إعتقاد وَهُوَ الْإِيمَان بجريان الْقدر بِحَسب تَقْدِير الله وَالثَّانِي إِقَامَة الْعِبَادَات فَلَا تخل بالعبادات لأجل الِاعْتِقَاد وَلَا بالاعتقاد لإِقَامَة الْعِبَادَات فَحِينَئِذٍ يكون الْمُكَلف قد نَهَضَ بوظيفة التكليفين وَقَامَ بِحُقُوق العبادتين هَذَا آخر كَلَام الْفَقِيه يرحمه الله
[ ١٢٣ ]