الأَصْلُ الثَّالِثُ: مَعْرِفَةُ نَبِيِّكُمْ مُحَمَّدٍ ﷺ
وَهُوَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بن عبد المطلب بن هاشم.
_________________
(١) قوله: "الأَصْلُ الثَّالِثُ: مَعْرِفَةُ نَبِيِّكُمْ مُحَمَّدٍ ﷺ" هذا هو الأصل الثالث من الأصول الثلاثة التي يجب على العبد معرفتها. وهذا الأصل تأتي معرفته العبد ربه ومعرفة العبد دينه؛ لأنه ﷺ هو الواسطة بيننا وبين الله ﷿. فالله هو يشرع الشرائع ويحكم الأحكام، ولا يمكن تلقي أحكام الشرع إلا عن طريق هذا النبي ديننا إلا بواسطة النبي ﷺ، بل ولا يمكن أن نقوم بعبادة الله تعالى على الوجه المطلوب إلا عن طريق النبي ﷺ. والعبادة لها ركنان: الإخلاص والمتابعة. ولا يمكن للإنسان أن يعبد الله تعالى على علم وبصيرة وتكون عبادة صحيحة مقبولة إلا عن طريق التلقي من النبي ﷺ. ومعرفة النبي ﷺ تشتمل على أمور كثيرة: الأمر الأول: معرفة نسبة. وهو قوله: "وَهُوَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ المطلب بن هاشم" وقد اقتصر المصنف على جدين من أجداد النبي ﷺ. والنبي ﷺ له عدة أسماء. وقد ورد عن جبير بن مطعم ﵁ أن النبي ﷺ قال: "أنا محمد، وأنا أحمد، وأنا الماحي الذي يمحى بي الكفر، وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على عقبي، وأنا العاقب،
[ ١٥٥ ]
وَهَاشِمٌ مِنْ قُرَيْشٍ، وَقُرَيْشٌ مِنَ الْعَرَبِ، وَالْعَرَبُ مِنْ ذُرِّيَّةِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ، عَلَيْهِ وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام.
ــ
والعاقب: الذي ليس بعده نبي"١، وله أسماء أخرى، وأشهرها: "محمد"، وقد جاء ذكره في القرآن على وجه التنويه، ومعناه الذي يحمد أكثر مما يحمد غيره.
قوله: "وَهَاشِمٌ مِنْ قُرَيْشٍ، وَقُرَيْشٌ مِنَ الْعَرَبِ، وَالْعَرَبُ مِنْ ذُرِّيَّةِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ عَلَيْهِ وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام" قريش: هو النضر بن كنانة، لما ورد عن الأشعث بن قيس ﵁ قال: أتيت رسول الله ﷺ في وفد لا يرون أني أفضلهم. فقلت: يا رسول الله، إننا نزعم أنا منكم، قال: "نحن بنو النضر بن كنانة لا نقفوا أمنا ولا ننتفي من أبينا " ٢. والمقصود بهذا: أن النبي ﷺ بعث في أكرم العرب نسبًا.
وقد ورد عن وائلة بن الأسقع ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل، واصطفى قريشًا من كنانة، واصطفى من قريش بني هاشم، وأصطفاني من بني هاشم". ٣
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري: "٦/٥٥٤"، ومسلم: "رقم٢٣٥٤"، وانظر: "فتح الباري": "٦/٥٥٥". ٢ أخرجه أحمد: "٢٠/١٧٧-الفتح الرباني"، وابن ماجه: "رقم٢٦١٢"، قال ابن كثير: "وهذا إسناد جيد قوي وهو فيصل في هذه المسألة: فلا التفات إلى قول من خالفه والله أعلم". "السيرة": "١/٨٦". قال في "الزوائد" "٢/٣٢٧": هذا إسناد صحيح رجاله ثقات، ومعنى: "لا نقفوا أمنا": قال في "النهاية": "ولا نتهمها ولا نقذفها". ٣ أخرجه مسلم: "رقم٢٢٧٦"، والترمذي: "٥/٥٤٤"، وقال: حديث حسن صحيح.
[ ١٥٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وقال أبو سفيان لهرقل-لما سأله: كيف نسبه فيكم؟ - قال: هو فينا ذو نسب، قال هرقل: فكذلك الرسل تبعث في نسب قومها١، أي: في أكرمها نسبًا وأشرفها قبيلة.
قوله: "وهاشم من قريش" هو هاشم بن عبد مناف. قال مؤرخوه: اسمه عمرو، وغلب عليه لقبه "هاشم"؛ لأنه أول من هشم الثريد مع اللحم لقومه في مكة في سني المحل، وهو أحد الأجواد الذين ضرب بهم المثل في الكرم، وأحد من انتهت إليه السيادة في الجاهلية٢.
قوله: "وَقُرَيْشٌ مِنَ الْعَرَبِ، وَالْعَرَبُ مِنْ ذُرِّيَّةِ إِسْمَاعِيلَ"، المراد بالعرب –هنا-: العرب المستعربة. فإن العرب قسمان:
١- عرب عاربة: وهم أصل العرب الباقية جميعًا ويسمون "القحطانيين"، وينتسبون إلى سبأ بن يشجب بن يعرف بن قحطان، وقد سكنوا اليمن ثم تفرقوا في بقية الجزيرة.
٢- عرب مستعربة: ويسمون "العدنانيين"، وقد نشأوا في مكة ومنها تفرقوا في جهات كثيرة من الحجاز وتهامة، وينتهي نسبهم إلى إسماعيل ﵊ كما تقدم؛ لأنه لما أصهر إلى قبيلة "جرهم" كان من نسله "عدنان" الذي تنتسب إليه العرب المستعربة٣.
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري: "١/٣١-فتح"، ومسلم: "رقم١٧٧٣". ٢ انظر: "طبقات ابن سعد": "١/٧٥"، و"الأعلام" للزركلي: "٩/٤٨". ٣ "البداية والنهاية": "٢/١٥٦".
[ ١٥٧ ]
وله من العمر ثلاث وستون، منها أربعون قبل النبوة، وثلاث عشرون نبيًا رسولًا.
ــ
قوله: "والعرب من ذرية إسماعيل"، أي: فيكون النبي ﷺ من أولاد إسماعيل ﵇ وليس من أولاد "إسحاق"، وأنبياء بني إسرائيل كلهم من يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم. و"إسماعيل" ولد لإبراهيم ﵇ من أمته "هاجر" على كبر منه قال تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ ١، وهو الذي أمر إبراهيم ﵇ بذبحه كما ذكر الله تعالى في القرآن.
قوله: "وله من العمر ثلاث وستون سنة" هذا الأمر الثاني: وهو معرفة عمره ومكان ولادته. وقد ورد عن عائشة ﵂ قالت: "توفى النبي ﷺ وهو ابن ثلاث وستين"٢. وأما مولده ﷺ ففي يوم الاثنين الثاني عشر من ربيع الأول من عام الفيل٣.
قوله: "منها أربعون قبل النبوة، وثلاث وعشرون نبيًا مرسلًا" هذا ورد م حديث أنس ﵁ وفيه: "أنزل عليه وهو ابن أربعين"٤. وإذا كان الرسول ﷺ مات وعمره ثلاث وستون سنة، وثبت في حديث أنس أنه بعث على رأس الأربعين، فهذا يدل دلالة قاطعة على أن مدة النبوة والرسالة كانت ثلاثًا وعشرين سنة. وقد ورد في "صحيح
_________________
(١) ١ سورة إبراهيم، الآية: ٣٩. ٢ أخرجه البخاري: "٦/٥٥٩"، ومسلم: "رقم٢٣٤٩". ٣ انظر: "البداية والنهاية": "١/٢٥٩". ٤ "أخرجه البخاري": "٦/٥٦٤-فتح"
[ ١٥٨ ]
نبئ باقرأ. وأرسل بالمدثر.
ــ
البخاري" حديث أنس قال: "أنزل عليه القرآن هو ابن أربعين فلبث في مكة عشر سنين ينزل عليه القرآن وبالمدينة عشر سنين"١. وظاهر هذا أن مدة النبوة والرسالة عشرون سنة، لكن الصحيح أنها ثلاث وعشرون؛ لأنه ورد عن عائشة أنه مات عن ثلاث وستين. وورد عن أنس نفسه في "الصحيحين" أن الرسول ﷺ مات وله ثلاث وستون. وقد يكون قوله: "وبالمدينة عشر سنين" من باب حذف الكسر لكن على أي حال ما اتفق عليه أولى مما اختلف فيه٢.
قوله: "وثلاث وعشرون نبيًا رسولًا. نبئ باقرأ. وأرسل بالمدثر" هذا الأمر الثالث: وهو معرفة حياته النبوية. ومعنى "نبئ"، أي: خبر؛ لأن أصل النبوة مأخوذ من النبأ وهو الخبر. قوله: "وأرسل بالمدثر"، أي: بهث لأن الإرسال معناه البعث والتوجيه.
وقوله: "باقرأ"، يعني: قوله تعالى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ هذا نزل عليه يوم الاثنين في رمضان وهو في غار حراء٣.
قوله: "وأرسل"، أي: بصدر السورة. وقول المصنف: "نبئ باقرأ وأرسل بالمدثر" دليل على أن هناك فرقًا بين النبي والرسول وهذا هو الصحيح المعتمد أن النبي غير الرسول، والرسول غير النبي،
_________________
(١) ١ المصدر السابق. ٢ راجع: "فتح الباري": "٦/٥٧٠"، "٨/١٥٠، ١٥١". ٣ "البداية والنهاية": "٣/٦".
[ ١٥٩ ]
وبلده مكة.
ــ
وقد تقدم ذلك، ومن الأدلة على هذا قول الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ ١، والعطف يقتضي المغايرة، وكذلك مجيء "لا" في قوله: "ولا نبي" فهذا يدل على أن النبي غير الرسول.
قوله: "وبلده مكة"، أي: ولد فيها، ونشأ بها إلا المدة التي أقامها عند مرضعته حليمة بنت أبي ذؤيب السعدية في بادية بني سعد، ثم رجع إليها في حضانة جده عبد المطلب ثم عمه أبي طالب؛ لأن أمه آمنة بنت وهب ماتت وعمره ست سنين، وبقي في مكة ثلاث عشرة سنة بعد أن أوحى إليه.
قوله: "وهاجر إلى المدينة" الهجرة يأتي الكلام عليها إن شاء الله. والمدينة اسم غالب لمدينة الرسول ﷺ دون غيرها من المدن كالنجم للثريا. وابن عباس لعبد الله دون إخوته من أولاد العباس.
وقد روى أبو موسى ﵁ عن النبي ﷺ قال: "رأيت في المنام أني أهاجر من مكة إلى أرض بها نخل فذهب وهلي إلى أنها اليمامة أو هجر فإذا هي المدينة يثرب" ٢!!!
وكانت هجرته ﷺ من مكة إلى المدينة –فيما يظهر- فرارًا من أذى
_________________
(١) ١ سورة الحج، الآية: ٥٢. ٢ أخرجه البخاري: "٦/٦٢٧"، "٧/٢٢٦-فتح"، ومسلم: "رقم٢٢٧٢"، وقوله: "وهلي" بفتح الواو والهاء، أي: ظني، وقوله: "فإذا هي المدينة يثرب" كان ذلك قبل أن يسميها ﷺ طيبة.
[ ١٦٠ ]
بعثه الله بالنذارة عن الشرك ويدعو إِلَى التَّوْحِيدِ. وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنذِرْ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ وَلَا تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ﴾ .
ــ
المشركين، وطلبًا للنجاة بالدين، والتماسًا لمكان تنمو فيه الدعوة، وتؤتي أكلها، حتى يقوي ساعدها ويشتد أزرها؛ وذلك بعد أن تابعته الأنصار على الإسلام وبايعوه على النصر والمؤازرة.
ولما رأت قريش أن رسول الله ﷺ قد صار له شيعة وأصحاب من غيرهم في غير بلدهم، ورأوا خروج أصحابه من المهاجرين إليهم، خافوا من انتشار دعوته، ومحاربته لهم فعزموا أصحابه من المهاجرين إليهم، خافوا ذلك، فخرج رسول الله ﷺ برعاية الله تعالى وحفظه، ومعه أبو بكر ﵁ وتغيبًا في غار ثور –جبل بأسفل مكة- ثم سارا إلى المدينة فوصلاها وفرحت بذلك الأنصار فرحًا عظيمًا، وكل ذلك مدون في السيرة.
قوله: "بعثه الله بالنذارة عن الشرك ويدعو إلى التوحيد" هذا الأمر الرابع مما يتعلق بمعرفة النبي ﷺ، وهو معرفة ما بعث به، وهذا أعظمها وأعلاها.
فالنبي ﷺ بعثه الله تعالى ينذر عن الشرك، ويدعو إلى توحيد الله تعالى في ربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته. والإنذار بمعنى: التحذير.
والمنذر: المحذر. وأصل الإنذار: الإبلاغ، ولا يكون إلا في التخويف.
قوله: "وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنذِرْ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ وَلَا تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ﴾ ١"، أي:
_________________
(١) ١ سورة المدثر، الآيات: ١-٧.
[ ١٦١ ]
وَمَعْنَى ﴿قُمْ فَأَنذِرْ﴾ يُنْذِرُ عَنِ الشِّرْكِ وَيَدْعُو إلى التوحيد، ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ عَظِّمْهُ بِالتَّوْحِيدِ ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ أَيْ: طَهِّرْ أَعْمَالَكَ عَنِ الشِّرْكِ، ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ الرُّجْزَ: الأَصْنَامُ، وَهَجْرُهَا تركها وأهلها والبراءة منها وأهلها. وأخذ عَلَى هَذَا عَشْرَ سِنِينَ يَدْعُو إِلَى التَّوْحِيدِ، وَبَعْدَ الْعَشْرِ عُرِجَ بِهِ إِلَى السَّمَاءِ وَفُرِضَتْ عليه الصلوات الخمس.
ــ
الدليل على أنه ﷺ بعث بالإنذار عن الشرك، والدعوة إلى توحيد الله ﷾. وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ هذه أو آية أرسل بها النبي ﷺ. وقد ثبت عن جابر بن عبد الله أنه سمع رسول الله ﷺ يحدث عن فترة الوحي فقال في حديثه: "فبينا أنا أمشي إذ سمعت صوتًا من السماء فرفعت بصري قبل السماء فإذا الملك الذي جاءني بحراء قاعد على كرسي بين السماء والأرض، فجثثت منه حتى هويت إلى الأرض، فجئت إلى أهلي، فقلت: زملوني زملوني؛ فزملوني فأنزل الله: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنذِرْ﴾ إلى ﴿فَاهْجُرْ﴾ قال أبو سلمة: والرجز: الأوثان: ثم حمى الوحي وتتابع١.
وهذه الآيات قد فسر الشيخ أكثرها. وسأذكر تفسيرها بعون الله تعالى.
فقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾، أي: الذي قد تدثر بثيابه، أي: تغشى بها من الرعب الذي حصل له من رؤية الملك كما تقدم. وأصله: المتدثر، فأدغمت التاء في الدال لتجانسها.
" ومعنى ﴿قُمْ فَأَنذِرْ﴾ "، أي انهض فخوف المشركين وحذرهم العذاب
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري "١/٢٧فتح" ومسلم "٢٥٥""١٦١" وقوله: "فَجُثِثْتُ" بالثاء بمعنى: فزعت، ويجوز: فجُئثت. بهمزة بعد الجيم ثم ثاء مثلثة ثم تاء. والمعنى واحد. انظر: شرحي القاضي عياض "١/٤٩" والنووي "١/٥٦٤".
[ ١٦٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
إن لم يؤمنوا. بها حصل الإرسال، كما حصل بقول الله تعالى: ﴿اقْرَأْ﴾ النبوة.
وقول الشيخ ﵀: "ينذر عن الشرك ويدعو إلى التوحيد" هو معنى ما تقدم فإن أشرك مع الله غيره قد عرض نفسه فهو بحاجة إلى إنذار.
﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾، أي: عظمه بالتوحيد. وصفه بالكبرياء والعظمة وأنه أكبر من أن يكون له شريك كما يقول الكفار.
﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾، أَيْ: طَهِّرْ أَعْمَالَكَ عَنِ الشِّرْكِ. وهذا أحد تفاسير الآية. اقتصر عليه الشيخ ﵀. والقول الثاني: أن المراد بها الثياب الملبوسة. أمره الله بتطهير ثيابه وحفظها عن النجاسات. وهذا من تمام التطهير للأعمال خصوصًا في الصلاة. واختار ذلك ابن جرير الطبري، والشوكاني؛ لأن ذلك هو المعنى اللغوي للكلمة. قال ابن كثير: "وقد تشمل الآية جميع ذلك مع طهارة القلب فإن العرب تطلق الثياب عليه"١.
﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ قرأ حفص بضم الراء، بمعنى: الأصنام والأوثان. وهجرها: تركها والإعراض عنها والبراءة من أهلها كما قال تعالى عن الخليل ﵊: ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ ٢.
ويحتمل أن المراد بالرجز أعمال الشر كلها؛ فيكون أمرًا له بترك الذنوب صغارها وكبارها ظاهرها وباطنها فيدخل في هذا الشرك فما دونه.
وقرأ الباء بكسر الراء، بمعنى: العذاب٣. والقراءتان بمعنى
_________________
(١) ١ "تفسير ابن كثير" "٨/٢٨٩"، "فتح القدير": ٥/٣٢٤"، "فتح الباري": "٨/٦٧٩". ٢ سورة مريم، الآية: ٤٨. ٣ الكشف المكي "٢/٣٤٧".
[ ١٦٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
واحد؛ لأن عبادة الأوثان تؤدي إلى العذاب؛ فأمر أن يهجر ما يحل العذاب بسببه. والله أعلم.
﴿وَلَا تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ﴾ بضم الراء على أنه حال، أي: ولا تمنن حال كونك مستكثرًا ما يتحمله بسبب الغير. قاله الحسن والربيع بن أنس واختاره ابن جرير. وقيل: لا تعط العطية تلتمس أكثر منها. قاله ابن عباس وجماعة من السلف. واختاره ابن كثير١.
﴿وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ﴾، أي: لربك وحده دون سواه فاصبر على كل ما تلقاه في سبيل الدعوة وإبلاغ الرسالة.
قال الشيخ عبد الرحمن السعدي ﵀: "فامتثل رسول الله ﷺ لأمر ربه وبادر فيه، فأنذر الناس وأوضح لهم بالآيات البينات جميع مطالب الإلهية، وعظم الله تعالى، ودعا الخلق إلى تعظيمه، وطهر أعماله الظاهرة والباطنة من كل سوء، وهجر كل ما يعبد من دون الله، وما يعبد معه من الأصنام وأهلها، والشر وأهله، وله المنة على الناس –بعد منة الله- من غير أن يطلب عليهم بذلك جزاء ولا شكورًا. وصبر لربه أكمل صبر: فصبر على طاعة الله وعن معاصيه، وصبر على أقداره المؤلمة، حتى فاق أولى من المرسلين، صلوات الله وسلامة عليه وعليهم أجمعين"٢.
_________________
(١) ١ "تفسير ابن كثير": "٨/٢٩٠"، "فتح القدير": "٥/٣٢٤". ٢ "تفسير ابن سعدي": "٥/٣٣٢".
[ ١٦٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قوله: "أَخَذَ عَلَى هَذَا عَشْرَ سِنِينَ يَدْعُو إِلَى التوحيد"، أي: أخذ رسول الله ﷺ عشر سنين يدعو إلى توحيد الله تعالى، ويبين الشرك ويحذر منه.
وذلك أن المقصود الأعظم من بعثة النبيين وإرسال المرسلين وإنزال الكتب هو الإنذار من الشرك والنهي عنه، والدعوة إلى توحيد الله تعالى وإفراده بالعبادة. وكان النداء الأول لكل رسول: ﴿يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ ١، وقال تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ ٢، وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ ٣.
فالتوحيد هو أساس الملة الذي تبنى عليه، وبدونه لا يقوم عمل من الأعمال؛ ولهذا لم تفرض الصلاة التي هي عماد الدين وبقية الشرائع إلا بعد إرساء دعائم التوحيد وبنيان العقيدة وهذا يدل على أن التوحيد من أوجب الواجبات، وأنه يبدأ به قبل غيره. وقد قال النبي ﷺ لمعاذ لما بعثه إلى اليمن: "فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله" ٤.
قوله: "وبعد العشر عرج به إلى السماء". اعلم أن الإسراء والمعراج من الأمور التي ثبتت بطريق الشرع وليس للعقل فيها مدخل، والجمهور
_________________
(١) ١ سورة الأعراف، الآية: ٥٩، ٦٥، ٧٣، ٨٥، وسورة هود، الآيتان: ٥٠، ٦١، وغيرها. ٢ سورة النحل، الآية: ٣٦. ٣ سورة الأنبياء، الآية: ٢٥. ٤ تقدم تخريجه.
[ ١٦٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
من المحدثين والفقهاء أن الإسراء والمعراج وقعا في ليلة واحدة في اليقظة بجسد النبي ﷺ وروحه؛ لأن قريشًا أكبرته وأنكرته ولو كان منامًا لم تنكره؛ لأنه لا تنكر المنامات.
والإسراء لغة: السير بالشخص ليلًا. وشرعًا: سير جبريل بالنبي ﷺ من مكة إلى بيت المقدس؛ لقوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ١.
والمعراج لغة: الآلة التي يعرج بها، وهي المصعد. وشرعًا: السلم الذي عرج به رسول الله ﷺ من الأرض إلى السماء. وقد ثبت المعراج بالقرآن في قوله تعالى: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ ٢ إلى قوله تعالى: ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ ٣.
وخلاصة ما دلت عليه الأحاديث الصحيحة أن جبريل أمره الله أن يسري بالنبي ﷺ إلى بيت المقدس على البراق٤، ثم يعرج به إلى السموات العلى سماء حتى بلغ مكانًا سمع فيه صرير الأقلام وفرض الله عليه الصلوات الخمس –كما سيأتي- واطلع على الجنة والنار، واتصل
_________________
(١) ١ سورة الإسراء، الآية: ١. ٢ سورة النجم، الآيات: ١-٣. ٣ سورة النجم، الآية: ١٨. ٤ بضم الباء دابة دون البغل وفوق الحمار أبيض يضع خطوة عند أقصى طرفه "فتح الباري": "٧/٢٠١".
[ ١٦٦ ]
وصلى في مكة ثلاث سنين،
ــ
بالأنبياء الكرام، وصلى بهم إمامًا، ثم رجع إلى مكة فحدث الناس بما رأى فكذبه الكافرون وصدق به المؤمنون وتردد آخرون١.
قوله: "وفرضت عليه الصلوات الخمس"، أي: فرض الله تعالى على عبده محمد ﷺ وعلى أمته الصلوات الخمس ليلة المعراج خمسين صلاة في كل يوم وليلة، ثم لم يزل يختلف بين موسى وبين ربه ﷿ حتى وضعها الرب ﷻ –وله الحمد والمنة- إلى خمس وقال: "هي خمس وهن خمسون".
قوله: "وصلى في مكة ثلاث سنين"، أي: فيكون الإسراع قبل الهجرة بثلاث سنين، وكان يصلي الرباعية ركعتين حتى هاجر إلى المدينة، وقد دل على ذلك ما ورد عن عائشة –﵂- قالت: "فرضت الصلاة ركعتين، ثم هاجر رسول الله ففرضت أربعًا، وتركت صلاة السفر على الأولى"٢.
ورواه ابن حبان في "صحيحه"، ولفظه قالت: "فرضت صلاة السفر والحضر ركعتين، فلما أقام رسول الله ﷺ بالمدينة زيد في صلاة الحضر ركعتان ركعتان، وتركت صلاة الفجر لطول القراءة، وصلاة المغرب لأنها وتر النهار"٣.
_________________
(١) ١ انظر: "السيرة" لابن كثير: "٢/٩٣"، و"فتح الباري": "١/٤٥٨"، "٧/١٩٦، وما بعدها"، و"شرح لمعة الاعتقاد" للشيخ محمد العثيمين: "ص٥٩". ٢ أخرجه البخاري: "٧/٢٦٧- فتح" ٣ أخرجه ابن حبان: "٦/٤٤٧-إحسان"، وابن خزيمة: "١/١٥٧"، وانظر: "فتح الباري": "١م٤٦٤".
[ ١٦٧ ]