وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: " من يعش منك بعدي فسيرى اختلافا كثيرا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل بدعة ضلالة" ١.
وروى عنه مولاه سفينة أنه قال: "الخلافة ثلاثون سنة، ثم تصبر ملكا" ٢، فكان الثلاثين حين سلم سبط رسول الله ﷺ: الحسن بن علي ﵄ الأمر إلى معاوية.
وكان معاوية أول الملوك، وفيه ملك ورحمة، كما روي في الحديث: "ستكون خلافة نبوة، ثم يكون ملك ورحمة، ثم يكون ملك وجبرية، ثم يكون ملك عضوض" ٣.
وقد ثبت عن أمير المؤمنين علي ﵁ من وجوه أنه لما قاتل أهل الجمل لم يسب لهم ذرية، ولم يغنم لهم مالا، ولا أجهز على جريح، ولا اتبع مدبرا، ولا قتل أسيرا، وأنه صلى على قتلى الطائفتين بالجمل وصفتين، وقال: "إخواننا بغوا علينا".
_________________
(١) أخرجه أبو داود في سننه في كتاب السنة باب٥. والترمذي في العلم باب ١٦. وابن ماجة في سننه في المقاومة باب ٢. والدارمي في مسنده في المقاومة باب١٦. والإمام أحمد في مسنده ٤/١٢٦،١٢٧.
(٢) أخرجه الإمام أحمد في المسند ٥/٢٢٠-٢٢١.
(٣) أخرجه أبو داود في سننه في كتاب السنة باب٨. والترمذي في الفتن باب ٤٨. والإمام أحمد ٤/٢٧٣،٥/٤٤-٥٠-٤٠٤.
[ ٣٤ ]
وأخبر أنهم ليسوا بكفار ولا منافقين، واتبع فيما قاله كتاب الله وسنة نبيه ﷺ، فإن الله سماهم إخوة، وجعلهم مؤمنين في الاقتتال والبغي كما ذكر في قوله: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ ١.
وثبت عن النبي ﷺ في الصحاح أنه قال: "تمرق مارقة على حين فرقة من المسلمين، تقتلهم أولى الطائفتين بالحق" ٢.
وهذه المارقة هم أهل حروراء، الذين قتلهم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ وأصحابه لما مرقوا عن الإسلام، وخرجوا عليه فكفروه، وكفروا سائر المسلمين، واستحلوا دماءهم وأموالهم.
وقد ثبت عن النبي ﷺ من طرق متواترة أنه وصفهم وأمر بقتالهم، فقال: "يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، صيامه مع صيامهم، وقرآنه مع قرآنهم، ويقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية، ولو يعلم الذين يقتلونهم ما لهم على لسان محمد ﷺ لنكلوا عن العمل" ٣.
_________________
(١) سورة الحجرات، آية:٩.
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه في كتاب الزكاة حديث ١٥٠-١٥٢. وأبو داود في سننه في كتاب السنة باب ١٢. وأحمد في المسند ٣/٣٢-٤٨.
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب الأنبياء باب٢، وفي المناقب باب٢٥، والمغازي باب٦١، وفضائل القرآن باب ٣٦، والأدب باب٩٥، وفي التوحيد باب ٢٣-٥٧-وفي الاستتابة باب٩٥. ومسلم في كتاب الزكاة حديث رقم ١٤٢-١٤٣-١٤٤-١٤٧-١٤٨-١٥٤-١٥٦-١٥٩. وأبو داود في سننه في كتاب الزكاة باب ٧٩، وفي كتاب التحريم باب ٢٦. وابن ماجة في المقدمة باب ١٢. الدارمي في المسند من المقدمة باب٢١. ومالك في الموطأ في مس القرآن حديث١٠. والإمام أحمد في المسند ١/٨٨-٩٢-١٣١-١٤٧-١٥١-١٥٦-١٦٠-٢٥٦-٤٠٤-٣/٥-١٥-٣٣-٥٢-٥٦-٦٠-٦٤-٦٥-٦٨-٧٣-١٥٩-١٨٣-١٨٩-٢٢٤-٣٥٣-٣٥٤-٣٥٥—٤٨٦-٤-١٤٥-٤٢٢-٤٢٥-٥/٤٢-١٧٦.
[ ٣٥ ]
فقتلهم علي ﵁ وأصحابه، وسر أمير المؤمنين بقتلهم سرورا شديدا وسجد لله شكرا، لما ظهر فيهم علامتهم وهو المخدج اليد، الذي على يده مثل البضعة من اللحم، عليها شعرات، فاتفق جميع الصحابة على استحلال قتالهم، وندم كثير منهم كابن عمر وغيره على ألا يكونوا شهدوا قتالهم مع أمير المؤمنين، بخلاف ما جرى في وقعة الجمل وصفين، فإن أمير المؤمنين كان متوجعا لذلك القتال، مشتكيا مما جرى، ويتراجع هو وابنه الحسن القول فيه، ويذكر له الحسن أن رأيه ألا يفعله.
فلا يستوي ما سر قلب أمير المؤمنين وأصحابه وغبطه به من لم يشهده، مع ما تواتر عن النبي ﷺ، وساء قلب أفضل أهل بيته، حب النبي ﷺ، الذي قال فيه: "اللهم إني أحبه فأحبه، وأحب من يحبه".
وإن كان أمير المؤمنين هو أولى بالحق ممن قاتله في جميع حروبه.
ولا يستوي القتلى الذين صلى عليهم وسماهم وإخواننا، والقتلى الذين لم يصل عليهم، بل قيل له: من الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا؟ فقال: هم أهل حروراء.
فهذا الفرق بين أهل حروراء وبين غيرهم الذي سماه أمير المؤمنين في خلافته بقوله وفعله موافقا فيه لكتاب الله وسنة نبيه هو الصواب الذي لا معدل عنه لمن هدى رشده، وإن كان كثير من علماء السلف والخلف لا يهتدون لهذا الفرقان، بل يجعلون السيرة في الجميع واحدة.
فإما أن يقصروا بالخوارج عما يستحقونه من البعض واللعنة والعقوبة والقتل، وإما أن يزيدوا على غيرهم ما يستحقونه من ذلك.
[ ٣٦ ]