منذ سنة سبع وثلاثين وشر الخوارج يزداد أواره؛ بسبب شدة الخوارج وتمسكهم بمبادئهم وتحمسهم لآرائهم، على شدة جهل بالدين، وقوة اندفاع نحو ما اعتقدوه؛ فاستولت على أذهانهم بعض المفاهيم للإيمان والكفر والحكم، فانطلقوا من فهمهم القاصر واستنباطهم الجزئي باسم الإيمان والحكم، فقتلوا المسلمين وأهرقوا الدماء، كما استهواهم فكرة البراء من الظالمين، فخرجوا على أئمة المسلمين، ومزقوا قوة الأمة وشتتوا جهودها، وفرقوا شملها، وكانوا من الأسباب القوية لضعف الفتح الإسلامي الرشيد.
ومن أهم بدعهم:
١- الحكم على كل مرتكب للكبيرة بأنه كافر مخلد في النار حلال الدم والمال.
[ ١ / ٩٩ ]
٢- أن من خالف القرآن بعمل أو برأي أخطأ فيه فهو كافر.
٣- الخروج على الحاكم الظالم والفاسق.
٤- يردون الأحاديث الواردة عن طريق عثمان وعلي ومعاوية - ﵃ - وكل من كان في حزبهم.
٥- يرون أن الخلافة لا يشترط أن تكون في قريش أو في العرب، بل تكون بالشورى فيمن يختاره عقلاء الأمة.
٦- يردون أخبار الآحاد التي فيها زيادة على ما في القرآن، كأحاديث الرجم ونحوها.
هذه هي جملة المبادئ التي اتفق أكثر الخوارج عليها، وإن كانوا فيما بعد اختلفوا فيها وفي غيرها اختلافًا كبيرًا.
فإنهم كانوا كثيري الخلاف شديدي النزاع، يختلفون في أصغر الأمور وأدق المسائل، فيفترقون ويقتتلون، وربما كان هذا هو السبب الذي أدى إلى انهزامهم، وتضاؤلهم وانكسار شوكتهم فيما بعد، بالرغم من قوتهم وشدة شكيمتهم في القتال وندرة صبرهم فيه.
وقد تفرع من فرقة الخوارج فرق كثيرة.. ففي سنة ثمان وثلاثين كانت وقعة النهروان بين علي بن أبي طالب - ﵁ - والخوارج (.. فقاتلهم علي - ﵁ - بالنهروان مقاتلة شديدة فما انفلت منهم إلا أقل من عشرة، وما قتل من المسلمين إلا أقل من عشرة، فانهزم اثنان منهم إلى عمان، واثنان إلى كرمان، واثنان إلى سجستان، واثنان إلى الجزيرة، وواحد إلى تل مورون
[ ١ / ١٠٠ ]
باليمن.. وظهرت بدع الخوارج في هذه المواضع منهم..".
وهذا أحد أسباب تفرقهم في البلدان، وما ذكر آنفًا من شدة نزاعهم وغلظة جدالهم، هو السبب في تفرقهم إلى فرق متناحرة متقاتلة، لكل منها مقولة وعقيدة، كالأزارقة، والنجدات، والصفرية، والعجاردة، والإباضية..) وكانت لهم دولًا وحكومات في نجد واليمن وعمان والمغرب العربي ولا يزال من بقاياهم الإباضية المنتشرة في عمان وليبيا وأجزاء من المغرب العربي، وعلى منهجهم الفكري وطريقتهم العملية والاعتقادية وجدت في مصر في هذا القرن (جماعة المسلمين) أو ما يسمى بجماعة التكفير والهجرة.