مؤلفات عنيت بمسائل التأصيل في النظر إلى البدعة والمبتدع، وهي على أقسام: -
الأول: -
مؤلفات تكلمت بشمول وعمق عن سائر مسائل التأصيل هذه أو بعضها،
[ ١ / ١٩٩ ]
مثل الاعتصام واقتضاء الصراط المستقيم، والرسائل التي خصصها شيخ الإسلام للكلام عن البدعة، مثل رسالة العبادات الشرعية والفرق بينها وبين البدعية، ومثل قاعدة في تكفير أهل البدع والأهواء، وغير ذلك من الرسائل والقواعد المبثوثة في مجموع الفتاوى.
الثاني: -
مؤلفات اختصرت أو اقتبست من المؤلفات التي اعتنت بالتأصيل كالاعتصام والاقتضاء وغيرها، ومع زيادات يسيرة في هذا الباب مثل:
١- أصول في البدع والسنن، تأليف محمد أحمد العدوي، وهو تلخيص لكتاب الاعتصام ليس إلا.
٢- البدعة وأثرها السيء في الأمة، تأليف سليم الهلالي.
وفيه جمل منقولة أو مقتبسة من الاعتصام، وزاد أشياء وناقش مسائل فيها نفع وفائدة، ويظهر فيه حرص مؤلفه علة مسلك أهل السنة والجماعة وطريقة السلف - ﵃ - إلا أن عليه مآخذ:
منها أنه وضع تعريفًا للبدعة صدره مأخوذ من الاعتصام، وعجزه من عند المؤلف، ونسبه في الهامش إلى الاعتصام، وكان الأولى أن يشير بقوله: انظر أو من الاعتصام بتصرف، ونحو ذلك حتى لا يوهم القارئ أن التعريف هو تعريف الشاطبي.
ومنها: أنه عندما رد على قسم البدع إلى حسن وقبيح - وقد أجاد في ردوده - تعرض في الأخير لمسألة التحسين والتقبيح العقليين فقال: (وإنما أتي المبتدع من باب التحسين والتقبيح العقلي، والحقيقة أن العقل غير مستقل البتة،
[ ١ / ٢٠٠ ]
ولا ينبني على غير أصل، وينبني على أصل متقدم على الإطلاق، ففي الأمور الشرعية لا يستقل بإدراكها دون الوحي ) .
ففي الجملة الأخيرة وافق الأشعرية في مذهبهم، وستأتي مناقشة هذه المسألة مفصلة في الفصل الخامس من الباب الثاني.
ومنها: وهي يسيرة أنه يورد بعض الأقوال وينسبها لغير أهلها فربما كان سبق قلم.
ومنها: أنه اعتبر الحجية في فعل الصحابة بشرط أن يكون الفعل معقول المعنى بحيث لو عرض على العقول لتلقته بالقبول، أما التي لا يعقل معناها على التفصيل فلا حجية لقول الصحابي فيه.
والراجح من أقوال العلماء في حجية الصحابي أنه حجة يجب العمل به سواء كان فيما يعقل معناه أو لا، بشروط وضوابط مذكورة في الفصل الثاني من الباب الأول.
ومنها قوله: (الإثم قدر مشترك بين البدع كلها فلا يجوز أن نحكم على بدعة بأنها أقل إثمًا من غيرها، والتفريق في الوصف قائم على الرأي المحض، وهو بدعة في نفسه ) .
[ ١ / ٢٠١ ]
وهذا القول ربما أن صاحبه أراد به المبالغة في الزجر عن البدع ولكن حكمه بالتبديع على فرق في مراتب الإثم بين البدع فيه تجاوز وخشونة، إذ لا شك في أن من البدع ما هو مخرج عن الملة، وفيها ما هو بمنزلة الكبائر، وفيها ما هو من الصغائر، وكلها مشتركة في عموم الضلالة والقبح والفاسد فهل تستوي هذه وتلك مع بدعة الموالد والصيام قائمًا في الشمس؟ اللهم لا، فلكل حكم يدل على أن بعضها أكثر إثمًا من بعض وسيأتي تفصيل هذا في الفصل الأول من الباب الثالث.
ثم إن المؤلف ناقض نفسه في هذه المسألة إذ بين أن العلماء اتفقوا على رد رواية من يكفر ببدعته، واختلفوا في رواية الذي لا يكفر ببدعته وهذا دليل على تفاوت البدع في المفسدة والحكم والإثم.
ومن المآخذ وهو أيسر من كل ما سبق، أنه أكثر في هذه الرسالة الصغيرة من الإحالة على كتبه الأخرى مثل: انظر كتابي كذا وكذا، انظر الكتاب الفلاني بتحقيقي وهكذا مع ألأن هذه الكتب ليست من المراجع والمصادرالمعتمدة أو المعروفة في بحث البدعة.
٣- البدعة والمصالح المرسلة، للدكتور توفيق الواعي.
وهو من أجود الكتب التي تعرضت لموضوع البدعة، وقد ركز فيه على علاقة البدعة بالمصالح المرسلة فأجاد أيما إجادة.
بدأ الكتاب بتعريف الاتباع والتقليد وصلتهما بالبدعة، ثم ذكر أقسام البدعة، ثم حكم البدعة والمبتدع.
[ ١ / ٢٠٢ ]
وفي الباب الأخير تكلم عن المصالح المرسلة وتعريفاتها المختلفة وأدلة مشروعيتها وأنواعها والصلة بينها وبين البدعة.
وقد اعتمد في الجملة على كتاب الاعتصام وحق له ذلك، إذ هو الأم في هذا الباب، واعتمد في التعاريف المنقولة عن العلماء في كتاب عزت عطية وتبعه في نقل أقوال لم يذكر مصادرها، غير أنه في رده على القائلين بتقسيم البدعة تميز عن عزت عطية، وأتى بكلام جيد ومفيد وناقش شبه المحسنين مناقشة موضوعية.
في تخريجه للأحاديث يكتفي أحيانًا بذكر مخرجه من أهل الكتب، دون ذكر الجزء أو الصفحة أو الباب.
وأحيانًا يقول في الحديث: لم أجده. ويكون قد خرجه في موضع آخر في نقله لأقوال العلماء لا يذكر أحيانًا الكتب التي نقل منها، وفي بعض المواطن ينقل كلام بعض العلماء نصًا أو معنى من غير أن يشير إلى ذلك منقول أو مقتبس.
عند كلامه عن العلاقة بين التعريفات التي تذم البدعة بإطلاق، والتي تقول بالبدعة الحسنة قال: (وينفرد أصحاب البدعة الحسنة في العادات غير العبادية مثل الأكل على الموائد ونخل الدقيق) .
[ ١ / ٢٠٣ ]
والأمر ليس كذلك، بل الذين يقولون بتحسين بعض البدع، يجوزون الابتداع في الأقوال والأفعال والاعتقادات، مثل تحسينهم بدعة المولد وبدعة صلاة الرغائب وغير ذلك أما هذا الذي مثل به أمر عادي مقبول عند من يقول بذم البدع مطلقًا، فلم ينفرد أصحاب التحسين البدعي به.
ومع كل هذا فالكتاب من أحسن ما قرأت في باب البدعة، خصوصًا في مسألة البدعة والمصالح المرسلة والعلاقة بينهما.
٤- البدعة تحديدها وموقف الإسلام منها، للدكتور عزت علي عطية، وسوف أفرده بدراسة موجزة مع بعض المؤلفات الأخرى.
الثالث: -
مؤلفات استقلت فلم تعن بقضايا التأصيل كالمؤلفات المذكورة سلفًا، أي أن مسائل تعريف البدعة وأقسامها وأحكامها، وأحكام المبتدع لم تجر فيها على وجه التقنين والتصنيف، ولكنها تعد أصولًا اعتمد عليها من ألف في البدعة وأخذ عنها واقتبس منها ومن أجل هذا، جعلتها في هذا القسم والمؤلفات، التي أعني هي:
١- البدع والنهي عنها لابن وضاح.
٢- الحوادث والبدع لأبي بكر الطرطوشي.
وسوف أذكر لهما دراسة موجزة مع بعض المؤلفات الأخرى.
[ ١ / ٢٠٤ ]
وبعد هذا الاستعراض السريع للمؤلفات في البدعة، بحسب ما وصل إلى يدي منها على التقسيم الذي اجتهدت أن يكون مطابقًا لحال هذه الكتب المدروسة أقوم الآن بدراسة موجزة لبعض المؤلفات المذكورة آنفًا وهي:
١- البدع والنهي عنها لابن وضاح، توفي سنة ٢٨٧هـ.
٢- الحوادث والبدع للطرطوشي، توفي سنة ٥٢٠هـ.
٣- الاعتصام للشاطبي، توفي سنة ٧٩٠هـ.
٤- البدعة للدكتور عزت علي عطية.
وسبب اختيار هذه المؤلفات للدراسة مايلي:
١) أن كل واحد منها يمثل حقبة من الزمان.
٢) أن بينها اختلافًا في المنهج والأسلوب، وطريقة العرض، فكل واحد منها يمثل منهج وأسلوب عصره.
٣) أن بينها تباين في طريقة عرض موضوع البدعة، فالأول: على طريقة المحدثين ومن خلاله نتعرف على مناهج الكتب المشابهة،
[ ١ / ٢٠٥ ]