وكانت لهم في هذه الفترة ثورات وحروب، إذ إنهم بعد أن تفرقوا في البلدان، وانتشروا في الأقاليم، نشروا أفكارهم وبثوا دعاتهم، وجمعوا في أماكن عديدة من بلدان المسلمين حولهم أتباعهم من كان قوة لهم في الحروب والمعارك، ولقيت أفكارهم رواجًا بين الناس الذين رأوا إسراف خلفاء بني العباس في الملذات والشهوات وتسلط أمرائهم على الناس بالظلم والاضطهاد، وتنازع بني العباس على الولايات، وتحكم الموالي في شؤون الدولة، وغير ذلك من أمور أحفظت الناس، وجعلتهم يلتفون حول قادة الخوارج فكان من ثوراتهم:
خروج خراشة الشيباني الخارجي سنة ١٨٠هـ على الرشيد بالجزيرة
[ ١ / ١٣٧ ]
من أرض العراق وفيها قتل، وكان قد خرج قبله بالجزيرة الفراتية الوليد بن طريف الشيباني سنة ١٧٧هـ في خلافة الرشيد، وحشد جموعًا كثيرة، وكان ينتقل بين نصيبين والخابور، واستولى على أرمينية وسار إلى أذربيجان، ثم حلوان وأرض السواد، وعبر إلى غرب دجلة واستولى على بلاد الجزيرة بالعراق حتى قتل سنة ١٧٩هـ.
وفي سنة ١٨٠هـ هدم الرشيد سور مدينة الموصل بالعراق لكثرة الخوارج فيها وتحصنهم بها.
وفي سنة ١٨٠هـ خرج أبو عمرو الشاري على الرشيد بالجزيرة العراقية فأرسل إليه الرشيد من يقاتله.
وفي سنة ١٨٥هـ قتل أبان بن قحطبة، وكان من رؤوس الخوارج، وكانت له قوة وشوكة، حتى قتل في مرج العلقة، وفي هذه السنة خرج حمزة الشاري في بلاد باذغيس من خراسان، فقاتلهم والي الخليفة حتى انحاز حمزة
[ ١ / ١٣٨ ]
إلى كابل وزابلستان، وبقي حتى كانت حوادث سنة ١٩٢هـ في خراسان، حيث ضعفت قوة الخلافة بسبب ثورات الخرّميّة، وانتقاض القواد والأمراء على الدولة، فخرج حمزة الخارجي وعاث بها فسادًا وصار يقتل ويجمع الأموال، ويحملها إلى عمال هراة وسجستان، حتى قاتله والي المأمون عبد الرحمن النيسابوري، وسار خلفه حتى بلغ هراة، وهناك تفرقت قوته وتلاشت، وذلك في سنة ١٩٤هـ.
ومن ثورات الخوارج التي تذكرها كتب التاريخ، ثورتهم ببلاد ربيعة سنة ٢٣١هـ أيام الواثق تحت إمرة محمد بن عبد الله التغلبي الخارجي، فقوتلوا حتى غلبوا وأسر أميرهم وتفرق شملهم.
ومن فتنتهم العظيمة بالمشرق ثورة مساور بن عبد الرحمن البجلي، الذي خرج في سنة ٢٥٢هـ ثائرًا على الخليفة في الموصل، وتجمع حوله جمع من الأعراب والأكراد، وكانت له مواقع مع جيش الخلافة في جلولاء سنة ٢٥٣هـ، وفي الموصل سنة ٢٥٤هـ حتى دخل الموصل، واستولى عليها سنة ٢٥٥هـ واتخذ مكانًا يقال له الحديثة، قرب الموصل دار هجرة له، واستولى على بقاع كثيرة
[ ١ / ١٣٩ ]
من العراق، وحاصر بغداد، ومنع الأموال عن الخليفة حتى ضاقت عليه وعلى جنده البلاد، وتأهبت الجيوش لقتال هذا الخارجي فلم تظفر به وخافه الناس، وجعل ينتقل في البلاد فيُجبى له خراجها، وقتل والي خراسان سنة ٢٦١هـ وبقي هذا دأبه حتى توفي وهو يريد لقاء عسكر الخليفة العباسي الموفق بالله سنة ٢٦٣هـ.
وذكر الحافظ ابن كثير أن الخوارج أقاموا خلافةً باسمهم في مدينة هراة لمدة ثلاثين سنة من ٢٢٩-٢٥٩هـ حتى ظفر بزعيمهم الذي كان ينتحل الخلافة، فقتل وحمل رأسه على رمح وطيف به في الآفاق.
ومن فرق الخوارج التي تشعبت في هذه الفترة فرقة (الحمزية)، وهم أتباع حمزة بن أكرك الشاري، الماضي ذكره تقريبًا، والذي كانت منه فتن وطامات في ارض خراسان.
وقد افترق عن الخوارج (الخازمية) في باب القدر والاستطاعة، فقالوا فيهما بقول القدرية، وقالوا بتكفير كل من لا يوافقهم، وكانوا يزعمون أن مخالفيهم من هذه الأمة مشركون، لا تحل غنائمهم، وكانوا يحرقون غنائم معاركهم مع مخالفيهم، ويعقرون دوابهم.
وقد ذكر ابن النديم في كتابه (الفهرست) طائفة من متكلمي الخوارج
[ ١ / ١٤٠ ]
وأسماء كتبهم.
وفي موضع آخر من (الفهرست) ذكر طائفة من فقهائهم وأسماء ما صنفوه من الكتب، وقد كان لطائفة (الإباضية) من الخوارج في هذه الفترة دولة في عمان جنوب شرق جزيرة العرب، وكان أول أئمة الخوارج الإباضية فيها: الوارث ابن كعب الخروصي اليحمدي، ولي إمامة الإباضية سنة ١٧٩هـ فأرسل إليه هارون الرشيد جيشًا بقيادة ابن عمه عيسى بن جعفر، فانكسر جيشه وأسر عيسى، وبقي الوارث إمامًا للخوارج الإباضية اثني عشر عامًا ونيفًا، حتى مات غرقًا في سنة ١٩٢هـ فتولى بعده الإمامة غسان بن عبد الله اليحمدي وبقي حتى توفي عام ٢٠٧هـ فجاء بعده عبد الملك بن حميد الأزدي وبقي على إمامتهم حتى سنة وفاته ٢٢٦هـ.
[ ١ / ١٤١ ]
فأخذ إمامتهم بعده المهنا بن جيفر اليحمدي، وكان له جيش قوي، وأسطول بحري ضخم، واستمر إمامًا لهم إلى أن توفي سنة ٢٣٧هـ.
فجاء بعده الصلت بن مالك الخروصي اليحمدي، وكانت لدولته قوة ومنعة، حتى قاتل البرتغال عند احتلالهم جزيرة سقطرى في بحر العرب جنوب حضرموت، وبقي إمامًا للإباضية خمسة وثلاثين عامًا، وخُلع قبل وفاته التي كانت سنة ٢٧٥هـ.