الفرقة الثانية: كالأولى، إلَّا أنَّها تقول: لا يجوز التّأويل أصلًا.
الفرقة الثالثة: من يقول: كلُّ ما أثبته الله ﷿ لنفسه، وأثبته له رسولُه ﵊ فهو حقٌّ وصِدقٌ على ظاهره.
أمّا الفرقتان الأُوليان فيلتحقان بالمُؤَوِّلين، وقد تقدَّم ما لهم وعليهم.
وأمَّا الفرقة الثالثة فإنَّها نُسِبَت إلى موافقة مَن قال: حياة كحياتي، ويدٌ كَيَدي، وهي أبعد الناس عن ذلك.
وهاك الإيضاح: غالب الصِّفات يختلف تصوُّرها تبعًا لاختلاف تصوُّر الموصوف بها، فيُقال للصَّبي الغِرِّ والأعرابي الجِلْف: يد إنسانٍ، فيتصوَّر شيئًا، ثم يُقال له: يدُ فَرَسٍ، فيتصوَّر شيئًا آخر، ثم يقال له: يدُ طائر؛ فيتصوَّر شيئًا ثالثًا، وهكذا.
فإذا قيل له: يدُ الله، فقد يتخيَّل شيئًا ما، فإذ رجع إلى عقله عَلِم أنَّ ذلك التَّخيل خَرْصٌ وتَخْمين، ثم يقول: ما رأيتُ الله ﷿، ولا رأيتُ ما يُماثله فكيف يتهيَّأ لي تصوُّر يَدِه؟!
وهذه حقيقة متفقٌ عليها بين العقلاء، وهي أنَّ الإنسان لا يُدرِك إلّا ما أحسَّ به، أو أحسّ بفردٍ أو أفراد مماثلة له، ولا يدرك ممَّا أحسَّ به أو أحسَّ بما يماثله إلَّا ما تناوله الإحساس، ولا يُدرِك ممَّا أحسَّ بما يماثله إلَّا ما يعلم أنَّه قدرٌ مشتركٌ بينهما؛ فلسنا ندرك من صفات الله ﷿ إلَّا ما يتّصف المخلوق بما يشبهه في الجملة، فاستدللنا بآثاره على وجوده؛ لأنَّنا نعرف الوجود في الجملة بوجود الخلق الذين نُحسُّ بهم، ونعلم أنَّ الأمر يدلُّ على وجود مؤثِّر.
وهكذا بقيَّة الصفات التي تقدَّم ذكرها، مع العلم بأنَّ صفات الربّ عزَّ
[ ٦ / ٣٨ ]
وجلَّ واجبةٌ كاملةٌ مُبرَّأةٌ، وأنَّ صفات المخلوق فانيةٌ ناقصةٌ معيبة، ولكنَّ ذلك لا يمنع وجود اشتراك في الجملة يتهيَّأ به الإدراك، على أنَّنا إنَّما نُدرِك صفات الله ﷿ على وجهٍ إجمالي.
فأمَّا اليد
_________________
(١) مثلًا فإنَّنا لا نجد ذاتًا تشبه ذات الرَّب ﷿ في الصُّورة تفصيلًا ولا إجمالًا حتى نُدرِك يده تعالى بالقياس على يد تلك الذات التي نعرفها. هذا في الإثبات. وأمَّا في النَّفي فلم نُدرِك ذاتًا تشبه ذاته ﷿، وليس لها يدٌ حتى نُدرِك بالقياس عليها أنَّه ليس له سبحانه يدٌ، غاية الأمر أنَّنا نُدرِك أنَّه سبحانه منزَّهٌ عن النَّقص، ولكنَّنا لا نُدرِك أنَّه لو كان له يدٌ تليق به لكان ذلك نقصًا، ومَن زَعَم أنَّه يُدرِك هذا فإنَّه تخيَّل يدًا كيد المخلوق، فلذلك جَزَم بأنَّها نقصٌ. والإنسان إذا حاول أن يتصوَّر شيئًا؛ فإن كان قد أدركه بواسطة الحواسِّ فذاك، وإلّا فإنْ كان قد أدرك ما يشابهه فإنَّه يتصوَّره بتلك الصُّورة، ولكنَّ العقل إذا عَلِم أنهما لا يتشابهان في كل شيءٍ جَرَّد الصورة المُتَخيَّلة من بعض الأوصاف. وإذا كانت الصُّور المشابهة لِمَا يحاول تصوُّره كثيرة فإنَّ الفكر يتصوَّر صورةً على القدر المشترك بين تلك الصُّورة التي أدركها مجرَّدة عن الخواص التي تختلف، وربما ضَمَّ إليها صِفةً، أو نقص منها صفةً إذا قام لديه ما يوجب ذلك. فإذا سمعت برجلٍ إنجليزيٍّ لم تَرَهُ، ولا رأيتَ صورتَه، ولا وُصِف لك، وكلَّفتَ ذهنك أنْ يتصورَّه، وكنت قد رأيت جماعةً من الإنجليز= فإنَّ ذِهْنَك يتخيَّل صُورةً على القدر المشترك بين الذين رأيتهم حتى يتخيّل اللباس.
[ ٦ / ٣٩ ]