فإن قلتَ: المتشابه في اختيارك هو ما اشتبه معناه، بأن يتساوى المعنيان أو الثلاثة في الاحتمال، فهل يدخل فيه ما اشتبه مَعْنَيَاه أو معانيه، ولكنَّه يمكن ترجيح أحدها بدليلٍ آخر؟
قلتُ: كلَّا، ليس هذا بمتشابه، بل هذا ممَّا يعلم تأويله الرَّاسخُ وغيرُه، وممَّا أُمِرْنا بالتَّدبُّر فيه والنَّظَر في تأويله.
فإن قلتَ: فالمتشابه عندك ما اشتبه معناه، بحيث لا يوجد دليل يُبيِّنه؟ قلتُ: نعم.
فإن قلتَ: وما فائدةُ إنزال مثل هذا في القرآن، والقرآن إنَّما نَزَلَ هُدًى للعالمين، وأُمِرْنا بتدبره مطلقًا؟
قلتُ: ينبغي أولًّا أن تُعيِّن المتشابه، ثم أجيب عن هذا السُّؤال إن شاء الله تعالى.
فأقول: مشتبه المعنى على أنواعٍ، كما فصَّلَه الرَّاغب في "المفردات" (^١):
الأول: المُتَشابه من جهة اللَّفظ، وذكر له خمسة أضرب:
١ ــ الكلمة الغريبة، كالأَبِّ.
٢ ــ المشتركة، كالقُرْءِ.
٣ ــ ما اختُصر فيه الكلام، نحو: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٣].
_________________
(١) (ص ٤٤٣ - ٤٤٥).
[ ٦ / ٦٠ ]
٤
_________________
(١) ما بسط فيه، نحو: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١]. ٥ ما يشتبه في نظم الكلام، مثل: ﴿أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا (١) قَيِّمًا﴾ [الكهف: ١ - ٢]، فيتوهَّمُ السَّامع أنَّ ﴿قَيِّمًا﴾ نعتٌ لـ ﴿عِوَجًا﴾، وإنَّما هو حال من ﴿الْكِتَابَ﴾. ومنه قوله: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾، إلّا أنَّ المتبادر في هذه الآية هو الصَّواب كما قدّمنا، بخلاف قوله: ﴿عِوَجًا (١) قَيِّمًا﴾. الثاني: المتشابه من جهة اللَّفظ والمعنى جميعًا، وذكر له خمسة أضرب أيضًا: ١ من جهة الكميَّة، كالعموم والخصوص، نحو: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥]. ٢ من جهة الكيفية، كالوجوب والتَّحريم في قوله ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ [فصلت: ٤٠]. ٣ من جهة الزمان، كالنَّاسخ والمنسوخ. ٤ من جهة المكان والأمور التي نَزَلَت فيها الآيات، نحو: ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا﴾ [البقرة: ١٨٩]، وقوله: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾ [التوبة: ٣٧]. قال: "فإنَّ من لا يعرف عادتهم في الجاهلية يتعذَّرُ عليه معرفة تفسير هذه الآية".
[ ٦ / ٦١ ]
٥ ــ من جهة الشُروط التي يصحُّ بها الفِعْل أو يفسد، كشُرُوط الصَّلاة والنِّكاح.
الثالث: ما ذكره بقوله: "والمتشابه من جهة المعنى: أوصاف الله تعالى، وأوصاف يوم القيامة، فإنَّ تلك الصِّفات لا تُتَصَوَّر لنا، إذ كان لا يحصل في نفوسنا صورةُ ما لم نُحسّه أو لم يكن من جنس ما نُحسُّه".
أقول: وأنت إذا كنت قد تَدَبّرت ما تقدَّم ــ تعلم أنَّ النَّوعين الأوَّلين لا
يصحُّ تفسير المتشابه في الآية بهما، فإنَّ الأَبَّ والقُرْء وسائر ما ذُكِر في النَّوعين الأوَّلين ليست ممَّا يُتَّبَع ابتغاءَ الفِتنة، ولا ممَّا يتَّبعه الزَّائغون ابتغاءَ تأويله، ولا غير ذلك ممَّا تقدَّم، بل في ذلك ما يخفى على الرَّاسخ، ولا يخفى على الزَّائغ، وفيه ما يُخطئ فيه الرَّاسخ ويصيب فيه الزَّائغ، ولم يزل العامَّة يسألون عمَّا يُشْبِهُ ذلك، ولم يتَّهِمهُم أحدٌ بالزَّيغ.
والحاصل: أنّ ذلك لا يَصدُق على المُتَشَابه الذي وَرَدَت به الآية والأحاديث والآثار، بل ولا يَصدق عليه أنَّ معانيه مُشْتَبِهَةٌ؛ لأنَّ الاشتباه فيه يزول بالتَّدبُّر، فالأَبُّ مثلًا يُعْرَف معناه بسؤال أهل اللُّغة، والنَّظَر في القرائن، وهكذا.
وليس في القرآن شيءٌ من ذلك يتوقَّف العلماء عن اتّباعه والنَّظر في تأويله، مع أنَّ الجمهور يقولون في الآية بما قلناه، وهو أنّ المتشابه لا يعلم تأويله إلَّا الله، وقد تقدَّم حديث "الصَّحيحين" (^١)، ونحن نعلَم أنَّ الصحابة عملوا بمقتضاه، ونعلم أنَّهم تكلَّموا في النَّوعين الأوَّلين، واختلفوا في
_________________
(١) (ص ٥٩).
[ ٦ / ٦٢ ]