ــ المبعوث لتعليم الدِّين ــ فلْيَسألوه عمّا يتعلَّق بالدِّين، ولا يأتوا البيوت من ظهورها؛ بأن يسألوه عمّا لم يُبعث لأجله، ولا تتعلّق به ضرورة دينية.
ولمّا وَرَدَ النَّبي - ﵌ - المدينة رآهم يُؤَبِّرون النخل، فظنَّ أن لا حاجة لذلك؛ لأنَّه كان قد رأى كثيرًا من الأشجار فرآها تُؤتي ثَمَرَها بدون تلقيح، فقال لهم: "ما أظنُّ يغني ذلك شيئًا"، فَتَركوه، قال: فخرج شِيصًا (^١)، فمرّ بهم فقال: "ما لِنَخْلِكم؟ " قالوا: قلتَ كذا وكذا! قال: "أنتم أعلم بأمر دنياكم" (^٢).
وفي رواية (^٣): "إنّما ظننتُ ظنًّا، فلا تؤاخذوني بالظَّن، ولكن إذا حدَّثْتُكم عن الله شيئًا فخذوا به، فإنّي لن أكذب على الله ﷿".
وفي رواية (^٤): "إنّما أنا بشر؛ إذا أمرتكم بشيءٍ من دِينكم فخذوا به، وإذا أمرتكم بشيء من رَأْيٍ فإنَّما أنا بشر".
والحديث في "صحيح مسلم" وغيره، من حديث أمّ المؤمنين عائشة، وطلحة بن عبيد الله، وثابت بن قيس (^٥)، ورافع بن خديج ﵃.
وصحَّ عنه - ﵌ - أنّه قال: "لقد هَمَمتُ أن أنهى عن الغِيلة، فنظرتُ في الرُّوم وفارس فإذا هم يغيلون أولادهم فلا يضرُّ أولادَهم ذلك" (^٦).
_________________
(١) يعني: تمرًا رديئًا، وهو الذي لا يشتد نواه، كما في "النهاية" لابن الأثير (٢/ ٥١٨).
(٢) أخرجه مسلم (٢٣٦٣) من حديث عائشة وأنس ﵄.
(٣) أخرجه مسلم (٢٣٦١) من حديث طلحة بن عبيد الله ﵁.
(٤) أخرجه مسلم (٢٣٦٢) من حديث رافع بن خديج ﵁.
(٥) لم أرَهُ فيه عن ثابت بن قيس، فلعلَّه سبق عينٍ؛ إذ فيه من حديث ثابت عن أنس، لا ثابت بن قيس.
(٦) أخرجه مسلم (١٤٤٢) من حديث جدامة بنت وهبٍ ﵂.
[ ٦ / ٧٤ ]
وجاء عنه - ﵌ - أنّه قال: "لا تقتلوا أولادكم سرًّا فإن الغَيْل (^١) يُدْرك
الفارس فيُدَعْثِرُه (^٢) عن فرسه" (^٣).
قال الطحاوي (^٤): إنّ هذا الحديث الثاني يُظهِر أنّ النبي - ﵌ - قاله أولًا لمّا كان يظنّ أنّ الغَيْلَ يضرُّ، ثم لمّا تبيَّن له أنَّه لا يضرُّ قال: لقد هَمَمْتُ إلخ.
والظَّاهر خلاف هذا؛ لوجوه:
الأوّل: أنّ أقواله - ﵌ - التي يبنيها على الظنّ بيَّن أنّه إنّما قالها بناءً على الظنّ، والحديث الثاني جزم.
الثاني: أنّ قوله: "إنَّ الغَيْلَ يُدْرِكُ الفارسَ فيُدَعْثِرُهُ" ممّا لا يظهر بناؤُه على الظَّن.
الثالث: أنّ قوله في الحديث الأول: "لقد هَمَمْتُ " ظاهرٌ في أنَّه لم يكن قد نهى، فالظاهر أنّه أراد أن ينهى أولًا بناءً على ما كان مشهورًا بين العرب
_________________
(١) الغَيل ــ بالفتح ــ هو: أن يجامع الرجل زوجته وهي مرضع، كما في "النهاية" لابن الأثير (٣/ ٤٠٢).
(٢) أي: يصرعه ويهلكه، كما في "النهاية" لابن الأثير (٢/ ١١٨).
(٣) أخرجه أبو داود (٣٨٨١) وابن ماجه (٢٠١٢) وأحمد (٦/ ٤٥٣، ٤٥٨) وابن حبان (٥٩٨٤) وغيرهم، من طريق المهاجر بن أبي مسلم الأنصاري عن أسماء بنت يزيد ابن سَكَن الأنصارية ﵂ به. وقد حسَّن إسناده الحافظ ابن حجر في "الإصابة" (٧/ ٤٩٨). وضعَّفه الألباني في "غاية المرام" (٢٤٢) لجهالة المهاجر بن أبي مسلم.
(٤) "شرح مشكل الآثار" (٩/ ٢٩١)، و"شرح معاني الآثار" (٣/ ٤٧).
[ ٦ / ٧٥ ]