أَيهَا الصّديق وَيَا من يتَقرَّب شَيْئا فَشَيْئًا إِلَى الْإِنْصَاف فها نَحن هُنَا مُنْذُ خَمْسَة عشر يَوْمًا فَإِن لم نَعْرِف أنظمة هَذِه الْبِلَاد وقوانينها وَلم نَعْرِف مليكها
[ ٣٧ ]
فالعقاب يحِق علينا إِذْ لَا مجَال لنا بعد للاعتذار فَلَقَد أمهلونا طوال هَذِه الْأَيَّام وَلم يتَعَرَّضُوا لنا بِشَيْء إِلَّا أننا لَا شكّ لسنا طلقاء سائبين فَنحْن فِي مملكة رائعة بديعة فِيهَا من الدقة والرقة فِي المصنوعات المتقنة مَا ينم عَن عَظمَة مليكها فَلَا بُد أَن جزاءه شَدِيد أَيْضا وتستطيع أَن تفهم عَظمَة الْمَالِك وَقدرته من هَذَا أَنه ينظم هَذَا الْعَالم الضخم بسهولة تنظيم قصر منيف ويدير أُمُور هَذَا الْعَالم العجيب بيسر إدارة بَيت صَغِير ويملأ هَذِه الْمَدِينَة العامرة بانتظام كَامِل ويخليها من سكانها بحكمة تَامَّة بِمثل سهولة إملاء صحن وإفراغه وَينصب الموائد الفخمة المتنوعة ويعد الْأَطْعِمَة اللذيذة بِكَمَال كرمه بيد غيبية ويفرشها من أقْصَى الْعَالم إِلَى أقصاه ثمَّ يرفعها بسهولة رفع سفرة الطَّعَام ووضعها فَإِن كنت فطنا فستفهم أَن هَذِه العظمة والهيبة لَا بُد أَنَّهَا تنطوي على كرم لَا حد لَهُ وسخاء لَا حُدُود لَهُ
ثمَّ انْظُر كَمَا أَن هَذِه الْأَشْيَاء شاهدة صدق على عَظمَة ذَلِك الْمَالِك الْقَدِير وعَلى هيمنته وعَلى أَنه سُلْطَان وَاحِد
[ ٣٨ ]
أحد كَذَلِك القوافل المتعاقبة والتحولات المترادفة دَلِيل على دوَام ذَلِك السُّلْطَان وبقائه لِأَن الْأَشْيَاء الزائلة إِنَّمَا تَزُول مَعهَا أَسبَابهَا أَيْضا فالأشياء والأسباب تزولان مَعًا بَيْنَمَا الَّتِي تعقبها تَأتي جَدِيدَة وَلها آثَار كسابقتها فَهِيَ إِذا لَيست من فعل تِلْكَ الْأَسْبَاب بل مِمَّن لَا يطْرَأ عَلَيْهِ الزَّوَال فَكَمَا أَن بَقَاء اللمعان والتألق بعد زَوَال حباب النَّهر الْجَارِي فِي الَّتِي تعقبها من الْحباب يفهمنا أَن هَذَا التألق لَيْسَ من الْحباب الزائلة بل هُوَ من مصدر نور دَائِم كَذَلِك تبدل الْأَفْعَال بالسرعة المذهلة وتلون الَّتِي تعقبها وانصباغها بصفاتها يدلنا على أَن تِلْكَ الْأَفْعَال إِنَّمَا هِيَ تجليات من هُوَ دَائِم لَا يَزُول وقائم لَا يحول والأشياء جَمِيعًا نقوشه ومراياه وصنعته لَيْسَ إِلَّا