اختلف العلماء في تفسير المثل الأعلى على أربعة أقوال:
الأول: أن المثل الأعلى بمعنى الصفة العليا، وهو قول ابن عباس ﵄، وكثير من أئمة التفسير (٣). والمراد بالصفة الجنس فتعم جميع صفات الكمال (٤). والتفرد بصفات الكمال يستلزم بطلان التمثيل، ولهذا قال ابن القيم: "المثل الأعلى هو الكمال
_________________
(١) انظر: الكشاف ١/ ١٩٥، تفسير أبي السعود ١/ ١٦٠، روح المعاني للآلوسي ١/ ١٦٣، ٧/ ١٣/١٦٢، ١٦٣.
(٢) انظر: مجموع الفتاوى لابن تيمية ٧/ ٩٠ - ٩٧.
(٣) انظر: تفسير البغوي ٣/ ٧٣، ٤٨١، تفسير القرطبي ٩/ ٣٢٤، ١٠/ ١١٩، ١٤/ ٢٢، زاد المسير لابن الجوزي ٤/ ٤٥٩، ٦/ ٢٩٨.
(٤) انظر: تفسير ابن كثير ٢/ ٥٧٣، تفسير السعدي ٤/ ٢١٣.
[ ١٢ ]
المطلق، المتضمن للأمور الوجودية، والمعاني الثبوتية، التي كلما كانت أكثر في الموصوف وأكمل كان أعلى من غيره، ولما كان الرب تعالى هو الأعلى، ووجهه الأعلى، وكلامه الأعلى، وسمعه الأعلى، وبصره وسائر صفاته عليا كان له المثل الأعلى، وكان أحق به من كل ما سواه، بل يستحيل أن يشترك في المثل الأعلى اثنان، لأنهما إن تكافآ لم يكن أحدهما أعلى من الآخر، وإن لم يتكافآ فالموصوف بالمثل الأعلى أحدهما وحده، يستحيل أن يكون لمن له المثل الأعلى مثل أو نظير، وهذا برهان قاطع من إثبات صفات الكمال على استحالة التمثيل والتشبيه" (١).
الثاني: أن المثل الأعلى بمعنى: شهادة أن لا إله إلا الله، أو التوحيد، أو الإخلاص والتوحيد أو ما يكون في قلوب أولياء الله من معاني الإيمان، أو ما ضربه الله للتوحيد والشرك من الأمثال، وتؤثر هذه الأقوال ونحوها عن ابن عباس ﵄ وقتادة ومجاهد ومحمد بن المنكدر وغيرهم (٢)، ويجمعها تفسير المثل الأعلى بكلمة التوحيد، أو بما دلت عليه من معاني الإيمان، أو بما يدل على التوحيد من الأمثال، ومؤداها شيء واحد، لأن مقصود المثل الدعوة للتوحيد، والتوحيد على قواعد أهل السنة والجماعة قول وعمل، لا يقبل أحدهما دون الآخر.
_________________
(١) الصواعق المرسلة ٣/ ١٠٣٢، وانظر: مجموع الفتاوى لابن تيمية ٦/ ١٣٩، الرسالة التدمرية لابن تيمية أيضا ص١٢٤.
(٢) انظر: تفسير الطبري ٨/ ١٤/١٢٥، ١١/ ٢١/٣٨، معاني القرآن للنحاس ٤/ ٧٧، تفسير البغوي ٣/ ٧٣، ٤٨١، تفسير القرطبي ١٠/ ١١٩، ١٤/ ٢٢، الصواعق المرسلة لابن القيم ٣/ ١٠٣٣، ١٠٣٤، تفسير ابن كثير ٣/ ٤٣١، الدر المنثور للسيوطي ٤/ ١٢١.
[ ١٣ ]
وقد رأى القرطبي ومن وافقه أن المراد من تفسير المثل الأعلى بالشهادة الوصف بالوحدانية، أي وحدانية الذات والصفات (١). وهذا غير مسلم، لأن الشهادة إنما تدل مطابقة على إفراد الرب بالعبادة، لأن الإله بمعنى المعبود، كما نص على ذلك علماء السلف وعلماء اللغة (٢). والظاهر أن تفسير المثل الأعلى بكلمة التوحيد، أو بمعناها وما يدل عليها من باب تفسير اللفظ بمقتضاه، لأن التفرد بالكمال المطلق يستلزم إفراد الموصوف به بجميع أنواع العبادة، وعلى ذلك يكون مرادهم أنه المعبود في السماوات والأرض، لما تفرد به من الكمال المطلق الذي يستحيل معه المثل، والله أعلم.
الثالث: أن المثل الأعلى بمعنى النزاهة عن المثل إما مطلقا، كما يؤثر عن ابن عباس (٣)، أو مقيدا بصفة الولد، كما ذهب إليه ابن الجوزي ومن وافقه (٤)، اعتمادا على سباق المثل الأعلى في قوله تعالى: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ * وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ * يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ * لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [النحل: ٥٧ - ٦٠].
_________________
(١) انظر: تفسير القرطبي ١٤/ ٢٢، تفسير أبي السعود ٤/ ٢٧٧، روح المعاني للآلوسي ١١/ ٢١/٣٧.
(٢) انظر: تفسير الطبري ١/ ٥٤، معجم مقاييس اللغة لابن فارس ١/ ١٢٧، الرسالة التدمرية لابن تيمية ص١٨٥، ١٨٦.
(٣) انظر: تفسير الطبري ١١/ ٢١/٣٨، الدر المنثور للسيوطي ٤/ ١٢١.
(٤) انظر: زاد المسير لابن الجوزي ٤/ ٤٥٩، الصواعق المرسلة لابن القيم ٣/ ١٠٣٣.
[ ١٤ ]
ونفي المثل محقق لإثبات الكمال المطلق، كما أن إثبات الكمال المطلق محقق لنفي المثل، ولذلك أثر عن ابن عباس ﵄ تفسير المثل الأعلى بالصفة العليا، كما تقدم في القول الأول وأثر عنه أيضا تفسيره بانتفاء المثل كما في هذا القول، وذلك لأن نفي المثل وما في معناه، كالكفء والند، إذا ورد في سياق المدح والثناء دل على التفرد بصفات الكمال المطلق. يقول الإمام الدرامي ﵀: "قولنا: ليس كمثله شيء، أنه أعظم الأشياء، وخالق الأشياء، وأحسن الأشياء، نور السماوات والأرض. وقول الجهمية: ليس كمثله شيء يعنون: أنه لا شيء" (١). وفي هذه القاعدة رد على من فسر المثل الأعلى بالنزاهة عن صفات المخلوقين من المعتزلة والأشاعرة ومن وافقهم (٢)، لأن مرادهم نفي الصفات كليا أو جزئيا، لأن إثباتها في نظرهم يستلزم التمثيل الممنوع (٣).
الرابع: أن المثل الأعلى بمعنى الصفة العليا وما تستلزمه من معاني الإيمان قولا وعملا. يقول ابن القيم ﵀: "المثل الأعلى يتضمن الصفة العليا، وعلم العالمين بها، ووجودها العلمي، والخبر عنها وذكرها، وعبادة الرب سبحانه بواسطة العلم والمعرفة القائمة بقلوب عابديه وذاكريه" (٤).
_________________
(١) النقض على المريسي (ضمن عقائد السلف) ص٥٦٤، وانظر: الصواعق المرسلة ٣/ ١٠١٩ - ١٠٣٣.
(٢) انظر: الكشاف للزمخشري ٢/ ٤١٥، تفسير النسفي ٢/ ٢٩٠، تفسير أبي السعود ٣/ ٢٧٣، روح المعاني للآلوسي ٧/ ١٤/١٧٠.
(٣) انظر: شرح المقاصد للتفتازاني ٤/ ٤٣ - ٤٧.
(٤) الصواعق المرسلة ٣/ ١٠٣٤، وانظر: شرح الطحاوية لابن أبي العز الحنفي ص٨٦، تفسير السعدي ٦/ ١٢٢، ١٢٣.
[ ١٥ ]
وهذا القول يعم جميع الأقوال المتقدمة في تفسير المثل الأعلى، ولا محذور في ذلك، لأن اختلاف عبارات السلف في هذا المقام اختلاف تنوع، فمن نظر منهم لحقيقة المثل الأعلى فسره بالصفة العليا التي يستحيل معها وجود المثل، أو بانتفاء المثل المستلزم للتفرد بصفات الكمال المطلق، ومن نظر لأثر المثل الأعلى ومقتضاه فسره بالتوحيد، وما يكون في قلوب المؤمنين من حقائق الإيمان ومعاني التوحيد.
[ ١٦ ]