المعتزلة هم أتباع واصل بن عطاء، وعمرو بن عبيد، حدثت بدعتهم أوائل القرن الثاني، وكان مبدأ أمرهم القول بالمنزلة بين المنزلتين، وهو قول مخترع انفردوا به عن سائر فرق الأمة، وأطلق عليهم بسببه لقب الاعتزال. يقول المقريزي: "لما بلغ الحسن البصري ﵀ عن واصل القول بمنزلة بين المنزلتين قال: هؤلاء اعتزلوا، فسموا من حينئذ المعتزلة، وقيل: إن تسميتهم بذلك حدثت بعد الحسن، وذلك أن عمرو بن عبيد لما مات الحسن وجلس قتادة مجلسه اعتزله في نفر معه فسماهم قتادة المعتزلة" (٢).
_________________
(١) انظر: مجموع الفتاوى لابن تيمية ١٢/ ٢٠٢، ٢٠٥، ٢٠٦، ١٤/ ٣٤٩. وانظر: الملل والنحل للشهرستاني ١/ ٨٦، البداية والنهاية لابن كثير ١٠/ ٢٧، شرح النونية لابن عيسى ١/ ٤٥ - ٥٨، ٢٥٠ - ٢٥٣، مقدمة ابن قاسم لنقض التأسيس ١/ ٩، ١٢.
(٢) الخطط ٢/ ٣٤٥، ٣٤٦ [بتصرف يسير]. وهذه الرواية وما في معناها مشهورة ومنطقية، ولكن للمستشرقين وأتباعهم اعتراضات وتخرصات تخالف المشهور. انظر: فجر الإسلام لأحمد أمين ص٢٨٨، المعتزلة وأصولهم الخمسة لعواد المعتق ص١٦ - ٢٢.
[ ١٢٨ ]
وكان القول بالقدر قد حدث أهله قبل نشوء المعتزلة، وكان الناس يخوضون فيه في الشام والعراق وغيرها، فرأى المعتزلة أن هذه المقالة تغليظا على صاحب الكبيرة، إذ بمقتضاها يتحمل مسؤولية ذنبه كاملة، لأنه يفعل استقلالا عن القدر، فضموها إلى أصلهم في الوعيد، وأصبح الاعتزال يدور على أصلين: أحدهما في الوعيد والحكم على أصحاب الجمل وصفين، والآخر في القدر، وكان أكثر كلام واصل فيهما.
ثم حدث التعطيل من قبل الجهمية فسرى إلى المعتزلة ولكنهم لم يبالغوا في النفي مبالغة الجهمية، فأثبتوا أسماء الله الحسنى في الجملة، ونفوا صفاته، فرارا من التعدد، وألف واصل كتابا في التوحيد، واستقر اعتزاله على ثلاث قواعد: هي القول بالوعيد، والحكم بفسق أحد الفريقين من أصحاب الجمل وصفين لا على سبيل التعيين،،القول بالقدر، ونفي الصفات (١).
وكانت مقالة التعطيل عند الطبقة الأولى من المعتزلة غير ناضجة حتى جاء أبو الهذيل العلاف، شيخ المعتزلة ومقدمهم، ومقرر طريقتهم، فحرر مذهبهم، وبناه على الأصول الخمسة المشهورة، وهي التوحيد والعدل والمنزلة بين المنزلتين، والوعد والوعيد، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وكان لإقباله على مطالعة الفلسفة أكبر الأثر في تأصيل التعطيل، والمبالغة في نفي
_________________
(١) انظر: الملل والنحل ١/ ٤٦ - ٤٩، مجموع الفتاوى لابن تيمية ١٤/ ٣٥٠، الخطط للمقريزي ٢/ ٣٤٥، ٣٤٦.
[ ١٢٩ ]
الصفات حتى أنه اعتبرها مجرد وجود للذات، بناء على رأي الفلاسفة في اعتبار الذات واحدة لا كثرة فيها بوجه، والصفات عين الذات لا زائدة عليها، ولهذا أرجعوا صفاته لمعنى السلب أو الإضافة.
والمشهور عن المعتزلة أن الصفات غير الذات، ولهذا قالوا: هو عالم بذاته، قادر بذاته، حي بذاته، لا بعلم وقدرة وحياة، بخلاف أبي الهذيل فإنه قال: هو عالم بعلم وعلمه ذاته، قادر بقدرة وقدرته ذاته، حي بحياة وحياته ذاته. والفرق بين القولين أن الأول نفي للصفة، والثاني إثبات صفة هي بعينها الذات، ومحصلة القولين واحد، وهو إنكار أن تكون الصفات معان قائمة بالذات، لأن ذلك ينافي حقيقة التوحيد، إما من جهة التعدد على رأي أوائل المعتزلة، وإما من جهة التركيب على رأي أبي الهذيل ومن وافقه (١).
وبهذه الطريقة أدخل المعتزلة تعطيل الصفات في أكبر أصول مذهبهم حتى غدا التجهم سيماهم، وأصبح لقب الجهمية لا يكاد يقصد به سواهم، وما كتبه الإمام أحمد والإمام البخاري في الرد على الجهمية إنما كان موجها لهم بالقصد الأول (٢).