صفحة فارغة
[ ٦ ]
تمهيد
وقبل البدء في ذلك أمهد بمقدمة أرى أنها نافعة.
فأقول مستعينا بالله:
لما خلق الله آدم ونفخ فيه الروح أمر ملائكته بالسجود له، وكان إبليس من الجن، وليس من الملائكة، وإنما دخل في خطابهم لتوسمه بأفعال الملائكة وتشبهه بهم، وتعبده وتنسكه، لكن حين أمروا بالسجود وسجد الملائكة، لم يسجد إبليس اللعين: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ (١) ويقول - سبحانه - في سورة الكهف: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ (٢) الآية. أبي أن يسجد لآدم
_________________
(١) سورة البقرة الآية ٣٤
(٢) سورة الكهف الآية ٥٠
[ ٧ ]
كبرا وحسدا وبغيا، فكان عقابه أن طرد من رحمة الله، وحلت عليه لعنة الله، لكن الخبيث ازداد بغيه، وعظم حقده على آدم وذريته، وطلب من الله الإنظار إلى يوم القيامة، فأنظره الله، عند ذلك قال - كما قص الله خبره -: ﴿قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ (١) ﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾ (٢)
والمعنى: أنه أقسم أن يضل عباد الله من بني آدم عن طريق الحق وسبيل النجاة؛ لئلا يعبدوا الله ولا يوحدوه، ويسلك شتى الطرق لصدهم عن الخير وتحبيب الشر لهم.
ومثله قوله تعالى قاصا خبره: ﴿قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ (٣) ﴿إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ (٤)
_________________
(١) سورة الأعراف الآية ١٦
(٢) سورة الأعراف الآية ١٧
(٣) سورة الحجر الآية ٣٩
(٤) سورة الحجر الآية ٤٠
[ ٨ ]
وقوله - سبحانه -: ﴿قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِي إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا﴾ (١) الآية
فلم يزل بآدم - ﵇ - وذريته؛ وسوسة وإغواء وإضلالا، حتى تسبب في إهباط آدم من الجنة، وقتل ابن آدم لأخيه، ولم يكفه هذا، فلما مر ببني آدم الزمان، وطال عليهم العهد بالنبوة - حسن إليهم الشرك، وأغواهم، فكان له ما أراد، وصدق عليهم إبليس ظنه فاتبعوه، ووقعوا في الشرك، وكان أول ذلك زمن قوم نوح حين عبدوا الأصنام: ودا، وسواعا، ويغوث، ويعوق، ونسرا، وكانت هذه أسماء رجال صالحين من قوم نوح - ﵇ -، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا
_________________
(١) سورة الإسراء الآية ٦٢
[ ٩ ]
إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون أنصابا، وسموها بأسمائهم، ففعلوا فلم تعبد، حتى إذا هلك أولئك وتنسخ العلم عبدت، هذا ما قاله ابن عباس - ﵄ - كما في البخاري
وروى ابن جرير، عن محمد بن قيس قال: (كانوا قوما صالحين من بني آدم، وكان لهم أتباع يقتدون بهم، فلما ماتوا قال أصحابهم الذين كانوا يقتدون بهم: لو صورناهم كان أشوق لنا إلى العبادة إذا ذكرناهم، فصوروهم، فلما ماتوا وجاء آخرون دب إليهم إبليس، فقال: إنما كانوا يعبدونهم وبهم يسقون المطر، فعبدوهم)
هكذا بدأ الشرك في بني آدم، بسبب إغواء إبليس لهم،
[ ١٠ ]
لكن الله - سبحانه - بحكمته وعلمه ورحمته بعباده لم يتركهم هملا يغويهم إبليس وجنده، بل أرسل إليهم الرسل؛ لتبين لهم الدين الحق، وتحذرهم من الشرك والضلال؛ رحمة منه بعباده، وإقامة للحجة عليهم: ﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَا مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾ (١) ويقول - سبحانه -: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ (٢) ويقول - سبحانه -: ﴿وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (٣) ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا يَمَسُّهُمُ الْعَذَابُ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ (٤)
وفي [الصحيحين] عن ابن مسعود - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «لا أحد أغير من الله، ولذلك حرم
(٥)
_________________
(١) سورة الأنفال الآية ٤٢
(٢) سورة النساء الآية ١٦٥
(٣) سورة الأنعام الآية ٤٨
(٤) سورة الأنعام الآية ٤٩
(٥) [صحيح البخاري] (٥ \ ١٩٤) [وصحيح مسلم] (٤ \ ٢١١٤) رقم الحديث (٢٧٦٠) (٣٤) واللفظ له
[ ١١ ]
الفواحش ما ظهر منها وما بطن، ولا أحد أحب إليه المدح من الله - ﷿ -؛ ولذلك مدح نفسه» وفي لفظ لمسلم: «من أجل ذلك أنزل الكتاب وأرسل الرسل (١)» وفي [الصحيحين] من حديث سعد بن عبادة - ﵁ -: «ولا شخص أحب إليه العذر من الله، من أجل ذلك بعث الله المرسلين مبشرين ومنذرين (٢)»
فأرسل الله الرسل إقامة للحجة على عباده وإعذارا لهم، وهذه الرسالات من نعم الله على خلقه أجمعين؛ إذ حاجة العباد إليها فوق كل حاجة، وضرورتهم إليها فوق كل ضرورة، فهم في حاجة إلى الرسالة أعظم من حاجتهم
_________________
(١) [صحيح مسلم] (٤ \ ٢١١٤) رقم الحديث (٢٧٦٠) (٣٥)
(٢) [صحيح البخاري] (٨ \ ١٧٤)، و[صحيح مسلم] (٢ \ ١١٣٦) رقم الحديث (١٤٩٩) واللفظ له
[ ١٢ ]
إلى الطعام والشراب والدواء، إذ قصارى نقص ذلك أو عدمه تلف الأبدان، أما الرسالة ففيها حياة القلوب والأديان، بل الرسالة ضرورية في إصلاح العبد في معاشه ومعاده، فكما أنه لا صلاح له في آخرته إلا باتباع الرسالة، فكذلك لا صلاح له في معاشه ودنياه إلا باتباع الرسالة، كما قرر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ (١)
أرسل الله الرسل، وجعلهم بشرا من أقوام المرسل إليهم، وبلسانهم؛ ليبينوا لهم الدين الحق: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (٢)
وكل أمة بعث فيها رسول، قال - ﷿ -:
_________________
(١) انظر [مجموع الفتاوى] لشيخ الإسلام ابن تيمية - جمع عبد الرحمن بن قاسم وابنه محمد (١٩ \ ٩٩)
(٢) سورة إبراهيم الآية ٤
[ ١٣ ]
﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ﴾ (١) وقال - سبحانه -: ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ (٢)
بعثوا جميعا بدين واحد وهو الإسلام، وإخلاص الدين لله، وتجريد التوحيد له سبحانه، واجتناب عبادة ما سواه: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ (٣) وقال - سبحانه -: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ (٤)
وفي الحديث عنه - ﷺ -: «الأنبياء إخوة لعلات، أمهاتهم شتى ودينهم واحد (٥)» متفق عليه.
_________________
(١) سورة يونس الآية ٤٧
(٢) سورة فاطر الآية ٢٤
(٣) سورة النحل الآية ٣٦
(٤) سورة الأنبياء الآية ٢٥
(٥) [صحيح البخاري] (٤ \ ١٤٢) واللفظ له، و[صحيح مسلم] (٤ \ ١٨٣٧) رقم الحديث (٢٣٦٥) (١٤٥) من حديث أبي هريرة ﵁
[ ١٤ ]
؛ إذ هذا مقتضى الرسالة، يقول - ﷿ -: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ (١)
ولم تزل الرسل تتابع إلى أقوامهم لدعوتهم إلى التوحيد ونبذ الشرك ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَا﴾ (٢) الآية إلى أن جاء موسى وبعده عيسى - ﵉ -، وظهرت في كتبهما البشارة بالنبي محمد ﷺ.
يقول الله - ﷿ -: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ﴾ (٣) ويقول - ﷿ -: ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ (٤)
_________________
(١) سورة النساء الآية ٦٤
(٢) سورة المؤمنون الآية ٤٤
(٣) سورة الأعراف الآية ١٥٧
(٤) سورة الصف الآية ٦
[ ١٥ ]
وبعد أن رفع عيسى - ﵇ -، وطال ببني آدم العهد قبل بعثة النبي - ﷺ - حمل إبليس بخيله ورجله على بني آدم، فأضلهم ضلالا بعيدا، وأوقعهم في الكفر والشرك والضلال بصنوفه إلا قليلا منهم، وبلغ من حالهم أن مقتهم الله - سبحانه - عربهم وعجمهم إلا القليل.
ثم بعث النبي محمد - ﷺ - الذي يقول: «يا أيها الناس، إنما أنا رحمة مهداة (١)»
بعث والحال كما أخبر به - ﷺ - في الحديث الذي أخرجه مسلم في [صحيحه] عن عياض بن حمار المجاشعي - ﵁ -، حيث قال - ﷺ - في خطبته: «ألا
(٢)
_________________
(١) أخرجه الحاكم في (مستدركه) وصححه، ووافقه الذهبي، والبزار، والطبراني في (الصغير) بلفظ '' بعثت رحمة مهداة ''، والطبراني في (الأوسط) والشهاب في (مسنده)، وهو بمجموع الطرق حسن، وجاء في (صحيح مسلم) عنه - ﷺ -: '' إني لم أبعث لعانا، إنما بعثت رحمة. . . ''
(٢) [صحيح مسلم] (٤ \ ٢١٩٧) رقم الحديث (٢٨٦٥) (٦٣)
[ ١٦ ]
إن ربي أمرني أن أعلمكم ما جهلتم مما علمني يومي هذا، كل مال نحلته عبدا حلال، وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم، وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم، وحرمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانا. وإن الله نظر إلى أهل الأرض فمقتهم، عربهم وعجمهم، إلا بقايا من أهل الكتاب. وقال: إنما بعثتك لأبتليك وأبتلي بك، وأنزلت عليك كتابا لا يغسله الماء، تقرؤه نائما ويقظان» . . الحديث
فرفع الله عنهم هذا المقت برسول الله - ﷺ -، بعثه رحمة للعالمين، ومحجة للسالكين، ومحجة على الخلائق أجمعين، أرسله بالهدى ودين الحق بين يدي الساعة بشيرا ونذيرا، وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا، فختم به
[ ١٧ ]
الرسل، وهدى به من الضلال، وعلم به من الجهالة وفتح برسالته أعينا عميا، وآذانا صما، وقلوبا غلفا، فأشرقت الأرض بعد ظلماتها، وتألفت به القلوب بعد شتاتها، فأقام به الملة العوجاء، وأوضح به المحجة البيضاء، ورفع الله الآصار والأغلال، وجعل رسالته عامة للإنس والجان: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ﴾ (١) ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ (٢)
أرسله الله على حين فترة من الرسل، ودروس من الكتب، حين حرف الكلم، وبدلت الشرائع، واستند كل قوم إلى أظلم آرائهم، وحكموا على الله وبين عباد الله بمقالاتهم وأهوائهم، فهدى الله به الخلائق،
_________________
(١) سورة سبأ الآية ٢٨
(٢) سورة الأعراف الآية ١٥٨
[ ١٨ ]
وأوضح به الطريق، وأخرج به الناس من الظلمات إلى النور، وأبصر به العمى، وأرشد به من الغي، وفرق به ما بين الأبرار والفجار، وجعل الهدى والفلاح في اتباعه وموافقته، والضلال والشقاء في معصيته ومخالفته، رؤوف رحيم بالمؤمنين، حريص على هداية الخلق أجمعين، عزيز عليه عنادهم وتعنتهم: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ (١)
خلاصة دعوته: البشارة، والنذارة، والدعوة إلى الله ببصيرة وحكمة: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾ (٢)
هو خاتم الأنبياء، وشريعته وكتابه المهيمن على سائر
_________________
(١) سورة التوبة الآية ١٢٨
(٢) سورة الأحزاب الآية ٤٥
[ ١٩ ]
الشرائع والكتب الناسخ لها: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ (١) ويقول - ﷿ -: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ (٢)
شرح الله صدره، ووضع عنه وزره، وجعل الذلة على من خالف أمره، ورفع له ذكره، فلا يذكر الله - سبحانه - إلا ذكر معه، كفى بذلك شرفا، وأعظم ذلك الشهادتان، أساس الإسلام، ومفتاح دار السلام، عاصمة الدماء والأموال والأعراض، شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ﷺ.
فمعنى لا إله إلا الله: لا معبود بحق إلا الله سبحانه.
وأركانها: النفي والإثبات: (لا إله) نافيا جميع ما يعبد
_________________
(١) سورة الأحزاب الآية ٤٠
(٢) سورة المائدة الآية ٤٨
[ ٢٠ ]
من دون الله، (إلا الله) مثبتا العبادة لله وحده لا شريك له.
وشروطها: العلم، واليقين، والقبول، والانقياد، والصدق، والإخلاص، والمحبة، وزاد بعضهم شرطا ثامنا وهو: الكفر بما عبد من دون الله.
وتحقيق هذه الشهادة: ألا يعبد إلا الله، وحقها: فعل الواجبات، واجتناب المحرمات.
هذه جمل مختصرة في (شهادة أن لا إله إلا الله)، أما تفاصيلها فلا تحتملها هذه الكلمة اليسيرة.
ولما كان البحث في حقيقة شهادة أن محمدا رسول الله - ﷺ -، كان من المناسب أن نورد طرفا مما تمس الحاجة إلى العلم به من ذكر نسبة ومولده ومبعثه ووفاته - ﷺ -، ثم ذكر شيء من أسمائه وخصائصه وصفاته الخلقية والخلقية، صلوات الله وسلامه عليه.
[ ٢١ ]