وهو أول الرسل وأحد أولي العزم منهم، بعثه الله تعالى حين انحرف الناس عن الدين الصحيح والتوحيد الحق، وظهر الشرك فيهم أول ما ظهر بعد أن كانوا على التوحيد الصحيح عشرة قرون بعد آدم ﵇ كما جاء في الحديث عن ابن عباس ﵄ قال: "كان بين آدم ونوح عشرة قرون كلهم على الإسلام"١.
ولما رأى الشيطان ذلك ما زال يوسوس ويزين ويلبس حتى استطاع أن يصل بهم في نهاية الأمر إلى تعظيم تلك الصور وعبادتها من دون الله، ثم انتقلت بعد ذلك إلى العرب ليقعوا فيما وقع فيه من سبقهم من الشرك ولانحراف.
كما ثبت عن ابن عباس ﵄ قال: "صارت الأوثان التي كانت في قوم نوح في العرب بعد، أما ود فكانت بدومة الجندل، وأما سواع فكانت لهمدان، وأما يغوث فكانت لمراد، ثم بني غطيف بالجرف عند سبأ، وأما نسر فكانت لآل ذع الكلاع، أسماء رجال صالحين من قوم نوح، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم: أن انصبوا إلى مجالسهم التي يجلسون أنصابًا، وسموها بأسمائهم، ففعلوا، فلم تُعبد، حتى إذا هلك أولئك ونسي العلم عبدت٢.
_________________
(١) ١ أخرجه ابن سعد في الطبقات ١/ ٤٢ والطبري في تفسيره ٢٩/ ٩٩ وقال: هذا إسناده موقوف صحيح، رجاله كلهم ثقات. ٢ صحيح البخاري مع الفتح ٨/ ٦٦٧.
[ ٥٤ ]
فلما ظهر الشرك بعد أن لم يكن بعث الله نبيه ورسوله نوحًا ﵇ يدعو الناس إلى عبادة الله تعالى وحده ويحذرهم من الشرك الذي وقعوا فيه، ويبين لهم خطورة ما هم عليه١، وقص الله تعالى علينا دعوة رسوله نوح ﵇ في مواضع كثيرة من القرآن الكريم٢، ويمكن أن نلخص دعوته ﵇ إلى توحيد الله تعالى في المواقف التالية:
الأول: بداية بدء الدعوة
بدأ ﵇ دعوته بالتوحيد، والتحذير من الشرك وبيان خطورته ووخيم عاقبته، قال الله ﷿: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ أَنْ لا تَعْبُدُوا إِلاَّ اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ فَقَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلاَّ بَشَرًا مِثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلاَّ الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ﴾ ٣.
وقال ﷿: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ٤.
_________________
(١) ١ انظر: البداية والنهاية لابن كثير ١/ ٩٤. ٢ منها سورة الأعراف، وهود، والأنبياء، والمؤمنون، والشعراء، والعنكبوت، والصافات، والقمر، وسورة كاملة هي سورة نوح. ٣ الآيات من (٢٥ – ٢٨) من سورة هود. ٤ الآية (٥٩) من سورة الأعراف.
[ ٥٥ ]
وآيات أخرى تبين أن الدعوة إلى توحيد الله ﷿ والنهي عن الشرك كانت أول ما بدأ به نوح ﵇ دعوته، وسار على ذلك الأنبياء والمرسلين من بعده١، ذلك أن التوحيد أول ما فرضه الله على عباده، وهو الذي من أجله بعث الأنبياء والرسل وأنزلت عليهم الكتب والرسالات، فكلما انحرف الناس عن هذا الطريق وزاغوا عنه، وظهر فيهم الشرك بالله تعالى بعث الله إليهم من يجدد لهم معالم هذه العقيدة، ويردهم إلى الصراط المستقيم وينقذهم من خطر الشرك والانحراف.
الثاني: براءة نوح من قومه ودعاؤه عليهم
ما رأى نوح ﵇ إصرار قومه على الكفر وتمسكهم به ودفاعهم عنه، ومكابرتهم للحق، رغم صبره على أذاهم، ومضيه في دعوته إلى دين الله تعالى ليلًا ونهارا ً، ذلك الزمن الطويل، وأن ذلك لم يزدهم إلا عتوًا واستكبارًا٢ توجه إلى ربه: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائي إِلاَّ فِرَارًا وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا﴾ ٣، فأعلمه ربه ﷿ بقوله: ﴿وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلاَّ مَنْ قَدْ آمَنَ فَلا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ ٤.
_________________
(١) ١ انظر كتاب دعوة التوحيد لخليل الهراس ص ١٢٨. ٢ انظر كتاب دعوة الرسل لمحمد أحمد العدوي ص ١٧. ٣ الآيات من (٥ – ٧) من سورة نوح. ٤ الآية (٣٦) من سورة هود.
[ ٥٦ ]
عند ذلك أعلن نوح براءته من قومه ودعا الله تعالى أن يهلكهم وأن يطهر الأرض من شركهم وضلالهم: ﴿وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلا يَلِدُوا إِلاَّ فَاجِرًا كَفَّارًا رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلاَّ تَبَارًا﴾ ١. وكما قال عنه ربه تعالى: ﴿فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ﴾ ٢، وقد استجاب له ربه ﷾ كما قال ﷿: ﴿وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ﴾ ٣. وقال سبحانه: ﴿وَنُوحًا إِذْ نَادَى مِنْ قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ﴾ ٤.
وأهلك الله قومه الكافرين ومنهم ابنه الذي لم يفتأ يدعوه إلى الإيمان إلى أن أدركه الغرق، وكان يراجع ربه فيه حتى قال له ربه ﷿: ﴿يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ ٥. عندها تبرأ نوح منه وسأل ربه المغفرة والرحمة، لأن علاقة النسب وكل علاقة دون علاقة الإيمان لا عبرة بها، إذا لم تكن علاقة الإيمان بالله تعالى.
_________________
(١) ١ الآيات من (٢٦ – ٢٨) من سورة نوح. ٢ الآية (١٠) من سورة القمر. ٣ الآية (٧٥) من سورة الصافات. ٤ الآية (٧٦) من سورة الأنبياء. ٥ الآية (٤٦) من سورة هود.
[ ٥٧ ]
وقد عوض الله نبيه نوحًا بأن جعل في ذريته إبراهيم ﵉ النبوة والكتاب، فما بعث نبي إلا وهو من ذريتهما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ ١.
قال ابن كثير ﵀ عند تفسير هذه الآية: "يخبر الله تعالى أنه منذ بعث نوحًا ﵇ لم يرسل بعده رسولًا ولا نبيًا إلا من ذريته، وكذلك إبراهيم ﵇ خليل الرحمن لم ينزل كتابًا ولا أرسل رسولًا ولا أوحى إلى بشر من بعده إلا هو من سلالته، كما قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ﴾ ٢، حتى كان آخر أنبياء بني إسرائيل عيسى بن مريم الذي بشر من بعده بمحمد صلوات الله وسلامه عليهما"٣.
وهكذا من ترك شيئًا لله تعالى عوضه الله خيرًا منه، والولاء لله تعالى مطلوب من كل مؤمن، والبراءة من كل كافر ومشرك مطلوب ولو كان أقرب الناس إليه، قال الله ﷿: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الإِيمَانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ
_________________
(١) ١ الآية (٢٦) من سورة الحديد. ٢ الآية (٢٧) من سورة العنكبوت. ٣ الحافظ ابن كثير: تفسير القرآن العظيم ٤/ ٣١٥.
[ ٥٨ ]
الظَّالِمُونَ﴾ ١. وقال جل شأنه: ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْأِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ ٢.
الثالث: أهم الدروس والعبر من دعوة نوح ﵇
١- أن التوحيد كان أول ما دعا إليه نوح ﵇ قومه، وبدأ به دعوته، وكذلك الرسل من بعده.
٢- أن عقيدة التوحيد هي الأصل الذي كان عليه الناس من آدم ﵇ إلى أن ظهر الشرك في قوم نوح ﵇ بعد عشرة قرون، فقد كانوا قبل ذلك على التوحيد الصحيح الموافق للفطرة التي فطر الله الناس عليها، والشرك حادث طارئ بعد أن لم يكن، وهذا معنى قوله ﷿: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلاَّ الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا
_________________
(١) ١ الآية (٢٣) من سورة التوبة. ٢ الآية (٢٢) من سورة المجادلة.
[ ٥٩ ]
جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ١.
وقد جاء في تفسير هذه الآية الكريمة أن معنى قوله ﷿: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ أي على الهدى والتوحيد، ثم اختلفوا بأن ظهر فيهم الشرك، فبعث الله تعالى رسله عليهم الصلاة والسلام وأولهم نوح ﵇، وبهذا القول قال ابن عباس رضي الله عنهماومجاهد وعكرمة وقتادة.
ومنهم من قال: إن معنى الآية: أنهم كانوا كفارًا، وروي هذا القول عن العوفي عن ابن عباس ﵄.
والقول الأول هو الصحيح لما يأتي:
أ- ما جاء في الحديث الصحيح سالف الذكر عن ابن عباس ﵄، أن الناس كانوا عشرة قرون على التوحيد بعد آدم ﵇.
ب– ما ثبت عن ابن مسعود وأبي بن كعب ﵄ أنهما كانا يقرءان هذه الآية: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا﴾ وهما ممن أمر النبي ﷺ أن يؤخذ القرآن عنهما٢.
_________________
(١) ١ الآية (٢١٣) من سورة البقرة. ٢ وهو: قوله ﷺ: "خذوا القرآن عن أربعة عن ابن أم عبد، ومعاذ بن جبل، وأبي بن كعب، وسالم مولى أبي حذيفة " صحيح مسلم بشرح النووي ١٦/ ١٧ – ١٨. وابن أم عبد هو عبد الله بن مسعود ﵁.
[ ٦٠ ]
جـ – ما جاء في الآية الأخرى في سورة يونس وهي قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلاَّ أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ ١.
قال ابن كثير رحمه الله تعالى عند تفسير هذه الآية الكريمة: "ثم أخبر تعالى أن هذا الشرك حادث في الناس، كائن بعد أن لم يكن، وأن الناس كلهم على دين واحد، وهو الإسلام، قال ابن عباس ﵄: "كان بين آدم ونوح عشرة قرون كلهم على الإسلام"، ثم وقع الاختلاف بين الناس وعبدت الأصنام والأنداد والأوثان، فبعث الله الرسل بآياته وحججه البالغة وبراهينه الدامغة ﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾ "٢٣.
د – القول الأول أصح سندًا عن ابن عباس ﵄ من القول الثاني.
هـ – القول الثاني لا يناسب سياق الآية الكريمة، فقوله تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ مدح يشعر بالقوة والترابط والوحدة، وهذا لا يكون إلا بالإيمان والتوحيد، أما الكفر والشرك ففرقة وشتات كما قال
_________________
(١) ١ الآية (١٩) من سورة يونس. ٢ الآية (٤٢) من سورة الأنفال. ٣ ابن كثير تفسير القرآن العظيم ٢/ ٤١١.
[ ٦١ ]
﷿: ﴿تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى﴾ ١. وقال سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْء﴾ ٢.
وبهذا يتضح أن الأصل هو التوحيد الموافق للفطرة والشرك طارئ حادث، وأن الدعوة إلى التوحيد دعوة بالناس إلى الأصل الذي كانوا عليه، والفطرة التي فطرهم الله عليها، والشرك خروج عن ذلك وانحراف عنه، ولذلك اقتضت حكمة الله الحكيم الخبير أن يبعث أنبياءه ورسله وينزل الكتب للعودة بالبشرية إلى هذا المنهج القويم، وحمايتها من كل انحراف عنه وأول ذلك وأخطره الشرك بالله تعالى.
٣- من الدروس والعبر في عودة نوح ﵇: أن أول شرك ظهر في الأرض كان سببه الغلو في الصالحين، وتجاوز الحد في تعظيمهم، ولا يزال كذلك إلى يومنا هذا سببًا في وقوع كثير من الناس في الشرك بالله تعالى، والمطية الأولى التي يركبها الشيطان لفتنة بني آدم في دينهم وإيقاعهم في الشرك، وأول وسائله إلى ذلك تزيين إقامة الأنصاب والتماثيل والصور حتى يتعلقوا بها ثم لا يزال بهم حتى يعبدوها، كما جاء في الحديث عن عائشة ﵂ أن أم سلمة ﵂ ذكرت لرسول الله ﷺ كنيسة رأتها بأرض الحبشة يقال لها: مارية، فذكرت له ما
_________________
(١) ١ الآية (١٤) من سورة الحشر. ٢ الآية (١٥٩) من سورة الأنعام.
[ ٦٢ ]
رأت فيها من الصور، فقال رسول الله ﷺ: "أولئك قوم إذا مات فيهم العبد الصالح، أو الرجل الصالح بنوا على قبره مسجدًا، وصوروا فيه تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند الله تعالى" وفي لفظ آخر في الصحيحين: "أن أم حبيبة وأم سلمة ذكرتا كنيسة رأينها" ١.
فانظر كيف كان الغلو في الصالحين طريقًا إلى الشرك بالله تعالى مع طول الفارق الزمني، ولا يزال الشيطان يدخل على كثير من ضعفاء الإيمان من هذا الباب حتى يصل في نهاية الأمر إلى الشرك، نعوذ بالله من ذلك.
٤- من الدروس والعبر في دعوة نوح ﵇: تشابه صور الشرك وأعمال أهله في كل زمان ومكان مهما كان التفاوت الزمني في ذلك، فالأصنام التي ظهرت في قوم نوح أظهرها الشيطان للعرب فكانت فيهم يوم أن أظهرها عمرو بن لحي الخزاعي أخزاه الله، وما عمله المشركون في عهد نوح ويعمله المشركون في كل زمن من التعلق بالصالحين والغلو فيهم، ثم عبادتهم من دون الله ﷿.
٥- من الدروس والعبر في هذه الدعوة: أن رابطة الإيمان والعقيدة هي الرابطة الأولى التي تغني عن كل رابطة ولا تغني عنها رابطة مهما كانت قوتها أو قربها، وأن موالاة المؤمنين والبراءة من الكافرين أمر مطلوب من
_________________
(١) ١ البخاري مع الفتح ١/ ٥٢٣.
[ ٦٣ ]
كل مؤمن، قال تعالى: ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾ الآية١. وقال سبحانه: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْض﴾ ٢، وقال ﷿: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلاَّ تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ﴾ ٣.
_________________
(١) ١ الآية (٢٢) من سورة المجادلة. ٢ الآية (٧١) من سورة التوبة. ٣ الآية (٧٣) من سورة الأنفال.
[ ٦٤ ]