الوجه الثاني: أن جمهور الخلق يعترفون بأن المعرفة بالصانع وصدق الرسول ليس متوقفًا علي ما يدعيه بعضهم من العقليات المخالفة للسمع، والواضعون لهذا القانون - كـ أبي حامد والرازي وغيرهما - معترفون بأن العلم بصدق الرسول
[ ١ / ٩١ ]
لا يتوقف علي العقليات المعارضة له، فطوائف كثيرون - كـ أبي حامد والشهرستاني وأبي القاسم الراغب وغيرهم - يقولون: العلم بالصانع فطري ضروري.
والرازي والآمدي وغيرهما من النظار يسلمون أن العلم بالصانع قد يحصل بالاضطرار، وحينئذ فالعلم بكون الصانع قادرًا معلوم بالاضطرار، والعلم بصدق الرسول عند ظهور المعجزات التي تحدي الخلق بمعارضتها وعجزوا عن ذلك معلوم بالاضطرار.
ومعلوم أن السمعيات مملوءة من إثبات الصانع وقدرته وتصديق رسوله، ليس فيها ما يناقض هذه الأصول العقلية التي بها يعلم السمع، بل الذي في السمع
[ ١ / ٩٢ ]
يوافق هذه الأصول، بل السمع فيه من بيان الأدلة العقلية علي إثبات الصانع، ودلائل ربوبيته وقدرته، وبيان آيات الرسول ودلائل صدقه أضعاف ما يوجد في كلام النظار، فليس فيه - ولله الحمد - ما يناقض الأدلة العقلية التي بها يعلم صدق الرسول.
ومن جعل العلم بالصانع نظريًا يعترف أكثرهم بأن من الطرق النظرية التي بها يعلم صدق الرسول ما لا يناقض شيئًا من السمعيات.
والرازي ممن يعترف بهذا، فإنه قال في نهاية العقول في مسألة التفكير في: المسألة الثالثة: في أن مخالف الحق من أهل الصلاة هل يكفر أم لا؟ .
قال الشيخ أبو الحسن الأشعري في أول كتاب مقالات الإسلاميين: اختلف المسلمون - بعد نبيهم - في أشياء ضلل فيها بعضهم بعضًا، وتبرأ بعضهم من بعض، فصاروا فرقًا متباينين، إلا أن الإسلام يجمعهم فيعمهم، فهذا مذهبه، وعليه أكثر الأصحاب، ومن الأصحاب من كفر المخالفين.
[ ١ / ٩٣ ]
وأما الفقهاء فقد نقل عن الشافعي رضي الله تعالي عنه قال: لا أرد شهادة أهل الأهواء، إلا الخطابية فإنهم يعتقدون حل الكذب.
وأما أبو حنيفة رضي الله تعالي عنه: فقد حكي الحاكم صاحب المختصر في كتاب المنتقى عن أبي حنيفة أنه لم يكفر أحدًا من أهل القبلة.
وحكي أبو بكر الرازي عن الكرخي وغيره مثل ذلك.
وأما المعتزلة: فالذين كانوا قبل أبي الحسين تحامقوا وكفروا أصحابنا في إثبات الصفات وخلق الأعمال.
وأما المشبهة: فقد كفرهم مخالفوهم من أصحابنا ومن المعتزلة
[ ١ / ٩٤ ]
وكان الأستاذ أبو إسحاق يقول: أكفر من يكفرني، وكل مخالف يكفرنا فنحن نكفره، وإلا فلا.
والذي نختاره أن لا نكفر أحدًا من أهل القبلة.
والدليل عليه أن نقول: المسائل التي اختلف أهل القبلة فيها، مثل أن الله تعالي هل هو عالم بالعلم أو بالذات؟ وأنه تعالي هل هو موجد لأفعال العباد أم لا؟ وأنه هل هو متحيز وهل هو في مكان وجهة؟ وهل هو مرئي أم لا؟ لا يخلو إما أن تتوقف صحة الدين معرفة الحق فيها أو لا تتوقف، والأول باطل، إذ لو كانت معرفة هذه الأصول من الدين لكان الواجب علي النبي صلي الله عليه وسلم أن يطالبهم بهذه المسائل، ويبحث عن كيفية اعتقادهم فيها، فلما لم يطالبهم بهذه المسائل، بل ما جري حديث في هذه المسائل في زمانه ﵇، ولا في زمان الصحابة والتابعين ﵃، علمنا أنه لا تتوقف صحة الإسلام علي معرفة
[ ١ / ٩٥ ]
هذه الأصول.
وإذا كان كذلك لم يكن الخطأ في هذه المسائل قدحًا في حقيقة الإسلام، وذلك يقتضي الامتناع من تكفير أهل القبلة.
ثم قال بعد ذلك وأما دلالة الفعل المحكم علي العلم فقد عرفت أنها ضرورية.
وأما دلالة المعجز علي الصدق فقد بينا أنها ضرورية، ومتي عرفت هذه الأصول أمكن العلم بصدق الرسول ﵇، فثبت أن العلم بالأصول التي يتوقف علي صحتها نبوة محمد علية السلام علم جلي ظاهر، وإنما طال الكلام في هذه الأصول لرفع هذه الشكوك التي يثبتها المبطلون، إما في مقدمات هذه الأدلة، أو في معارضاتها، والاشتغال برفع هذه الشكوك إنما يجب بعد عروضها، فثبت أن أصول الإسلام جلية ظاهرة ثم إن أدلتها علي الاستقصاء مذكورة في كتاب الله تعالي، خالية عما يتوهم معارضًا لها.
ثم ذكر بعد ذلك فقال: قلنا: إنا قد ذكرنا في إثبات العلم بالصانع طرقًا خمسة قاطعة في هذا الكتاب من غير حاجة إلي القياس الذي ذكروه، والله أعلم.
[ ١ / ٩٦ ]
وأيضًا فإنه ذكر في إثبات الصانع أربعة طرق:
طريق حدوث الأجسام، وطريق إمكانها، وطريق إمكان صفاتها، وطريق حدوث صفاتها، وقال: إن هذه الطريق لا تنفي كونه جسمًا، بخلاف الطرق الثلاثة، وهم إنما ينفون ما ينفونه من الصفات لظنهم أنها تستلزم التجسيم الذي نفاه العقل الذي هو أصل السمع، فإذا اعترفوا بأنه يمكن العلم بالصانع وصدق رسوله قبل النظر في كونه جسمًا أو ليس بجسم، تبين أن صدق الرسول لا يتوقف علي العلم بأنه ليس بجسم، وحينئذ فلو قدر أن العقل ينفي ذلك لم يكن هذا من العقل الذي هو أصل السمع.