الوجه الخامس: أن هذه الطرق الثلاثة ـطريق حدوث الأجسام - مبنية علي امتناع دوام كون الرب فاعلًا، وامتناع كونه لم يزل متكلمًا بمشيئته، بل حقيقتها مبنية علي امتناع كونه لم يزل قادرًا علي هذا وهذا، ومعلوم أن أكثر العقلاء من المسلمين وغير المسلمين ينازعون في هذا، ويقولون: هذا قول باطل.
وأما القول بإمكان الأجسام فهو مبني علي أن الموصوف ممكن، بناء علي أن المركب ممكن، وعلي نفي الصفات، وهي طريقة أحدثها ابن سينا وأمثاله،
[ ١ / ٩٨ ]
وركبها من مذهب سلفهم ومذهب الجهمية، وهي أضعف من التي قبلها من وجوه كثيرة.
وطريقة إمكان صفات الأجسام مبنية علي تماثل الأجسام، وأكثر العقلاء يخالفون في ذلك، وفضلاؤهم معترفون بفساد ذلك كما قد ذكرنا قول الأشعري والرازي والآمدي وغيرهم، واعترافهم بفساد ذلك، وبينا فساد ذلك بصريح المعقول.
فإذا كانت هذه الطرق فاسدة عند جمهور العقلاء، بل فاسدة في نفس الأمر، امتنع أن يكون العلم بالصانع موقوفًا علي طريق فاسدة، ولو قدر صحتها علم أن أكثر العقلاء عرفوا الله وصدقوا رسوله بغير هذه الطريق، فلم يبق العلم بالسمع موقوفًا علي صحتها، فلا يكون القدح فيها قدحًا في أصل السمع.