الوجه الخامس: أن يقال: غاية ما يدل عليه السمع - إن دل - علي أن الله ليس بجسم، وهذا النفي يسلمه كثير ممن يثبت الصفات أو أكثرهم، وينفيه بعضهم ويتوقف فيه بعضهم، ويفصل القول فيه بعضهم.
ونحن نتكلم علي تقدير تسليم النفي، فنقول: ليس في هذا النفي ما يدل علي صحة مذهب أحد من نفاة الصفات أو الأسماء، بل ولا يدل ذلك علي تنزيهه سبحانه عن شيء من النقائص، فإن من نفي شيئًا من الصفات لكون إثباته تجسيمًا وتشبيهًا يقول له المثبت: قولي فيما أثبته من الصفات والأسماء كقولك فيما أثبته من ذلك، فإن تنازعا في الصفات الخبرية، أو العلو أو الرؤية أو نحو ذلك، وقال له النافي: هذا يستلزم التجسيم والتشبيه، لأنه لا يعقل ما هو كذلك
[ ١ / ١٢٧ ]
إلا الجسم، قال له المثبت: لا يعقل ما له حياة وعلم وقدرة وسمع وبصر وكلام وإرادة إلا ما هو جسم فإذا جاز لك أن تثبت هذه الصفات، وتقول: الموصوف بها ليس بجسم، جاز لي مثل ما جاز لك من إثبات تلك الصفات مع أن الموصوف بها ليس بجسم، فإذن جاز أن يثبت مسمي بهذه الأسماء ليس بجسم.
فإن قال له: هذه معان وتلك أبعاض.
قال له: الرضا والغضب والحب والبغض معان، واليد والوجه - وإن كان بعضًا - فالسمع والبصر والكلام أعراض لا تقوم إلا بجسم، فإن جاز لك إثباتها مع أنها ليست أعراضًا، ومحلها ليس بجسم، جاز لي إثبات هذه مع أنها ليست أبعاضًا.
فإن قال نافي الصفات: أنا لا أثبت شيئًا منها.
قال له: أنت أبهمت الأسماء، فأنت تقول: هو حي عليم قدير، ولا تعقل حيًا عليمًا قديرًا إلا جسمًا، وتقول: إنه هو ليس بجسم، فإذا جاز لك أن تثبت مسمي بهذه الأسماء ليس بجسم، مع أن هذا ليس معقولًا لك، جاز لي أن أثبت موصوفا بهذه الصفات، وإن كان هذا غير معقول لي.
فإن قال الملحد: أنا أنفي الأسماء والصفات.
قيل له: إما أن تقر بأن هذا العالم المشهود مفعول مصنوع، له صانع فاعله، أو تقول: إنه قديم أزلي واجب الوجود بنفسه غني عن الصانع.
[ ١ / ١٢٨ ]
فإن قلت بالأول فصانعه، إن قلت: هو جسم فقد وقعت فيما نفيته، وإن قلت: ليس بجسم، فقد أثبت فاعلًا صانعًا للعالم ليس بجسم، وهذا لا يعقل في الشاهد.
فإذا أثبت خالقًا فاعلًا ليس بجسم، وأنت لا تعرف فاعلا إلا جسمًا، كان لمنازعك أن يقول: هو حي عليم ليس بجسم، وإن كان يعرف حيًا عليمًا إلا جسمًا، بل لزمك أن تثبت له من الصفات والأسماء ما يناسبه.
وإن قال الملحد: بل هذا العالم المشهود قديم واجب بنفسه غني عن الصانع، فقد أثبت واجبا بنفسه قديمًا أزليًا هو جسم، حامل للأعراض، متحيز في الجهات، تقوم به الأكوان، وتحله الحوادث والحركات، وله أبعاض وأجزاء، فكان ما فر منه من إثبات جسم قديم قد لزمه مثله وما هو أبعد منه، ولم يستفد بذلك الإنكار إلا جحد الخالق، وتكذيب رسله، ومخالفة صريح المعقول، والضلال المبين الذي الذي هو منتهى ضلال الضالين وكفر الكافرين.
فقد تبين أن قول من نفي الصفات أو شيئًا منها لأن إثباتها تجسيم قول لا يمكن أحدًا أن يستدل به، بل ولا يستدل أحد علي تنزيه الرب عن شيء من النقائص بأن ذلك يستلزم التجسيم، لأنه لا بد أن يثبت شيئًا يلزمه فيما أثبته نظير ما ألزمه غيره فيما نفاه، وإذا كان اللازم في الموضعين واحدًا، وما أجاب هو به، أمكن المنازع له أن يجيب بمثله، لم يمكنه أن يثبت شيئًا وينفي شيئًا علي هذا
[ ١ / ١٢٩ ]
التقدير، وإذا انتهي إلي التعطيل المحض كان ما لزمه من تجسيم الواجب بنفسه القديم أعظم من كل تجسيم نفاه، فعلم أن مثل هذا الاستدلال علي النفي بما يستلزم التجسيم لا يسمن ولا يغني من جوع.