سلسلة صوفية مشهورة وطريقة صوفية منتشرة في مصر وتونس والجزائر وغيرها من البلدان، والشاذلية نسبة إلى أبي الحسن علي بن عبد الله المولود بغمارة من قرى سبته سنة ٥٩٣هـ (١).
وقال الكمشخانوي:
"بل ولد بقرية عمان من قرى أفريقية قرب مرسية، وهي من المغرب الأقصى أيضًا" (٢).
ولكن عطاء الله الاسكندراني وهو تلميذ أبي العباس المرسي يذكر أن مبدأ ظهوره بشاذلة ولكن منشأه بالمغرب الأقصى فلم يعرف بالمنشأ والمولد، بل نسب إلى مبدأ ظهوره (٣).
واختلفوا في نسبه أيضًا، فمريدوه والمتعلّقون به ينسبونه إلى الأشراف ويصلون بنسبه إلى الحسن بن علي بن أبي طالب، كعادة أهل كل طريقة صوفية ولو أنهم يختلفون فيما بينهم في أسماء آبائه، فالبعض ينسبونه إلى إدريس بن عبد الله المبايع له ببلاد المغرب (٤).
وبعضهم إلى غيره (٥).
وأما الجامي فينسبه في نفحاته إلى الحسين، لا إلى الحسن (٦).
وكان ضريرًا كما سماه ابن الملقن والشعراني بالضرير الزاهد (٧).
_________________
(١) النفحة العلية في أوراد الشاذلية ص ٢٢٦ ط مكتبة المتنبي القاهرة، أيضًا أبو الحسن الشاذلي للدكتور عبد الحليم محمود ص ٢٠.
(٢) جامع الأصول في الأولياء للكمشخانوي ص ١١٥.
(٣) لطائف المنن لابن عطاء الأسكندراني ص ١٣٥ بتحقيق عبد الحليم محمود ط مطبعة حسان القاهرة ١٩٧٤.
(٤) جامع الأصول في الأولياء للكمشخانوي ص ١١٥.
(٥) انظر لطائف المنن للأسكندراني ص ١٣٥، طبقات الأولياء لابن الملقن ص ٤٥٩.
(٦) انظر نفحات الأنس للجامي ص ٥٦٧ (فارسي) ط إيران.
(٧) طبقات الأولياء لابن الملقن ص ٤٥٨، الطبقات الكبرى للشعراني ج ٢ ص ٤.
[ ٢٥١ ]
ولكن لم يتضرر عيناه إلا بعد مدة من تحصيل العلم كما يظهر من ترجمته في مختلف الكتب (١).
وانتقل في صغره إلى مدينة تونس، فبدأ ينتقل من مدينة إلى مدينة وبلدة إلى بلدة حتى حجّ ثم دخل العراق وبدأ يفتش عن القطب الصوفي - حسب زعمه - وقال له أحد الأولياء هناك:
" إنك تبحث عن القطب بالعراق، مع أن القطب ببلادك، ارجع إلى بلادك تجده " (٢).
فرجع إلى بلاده باحثًا ومفتشًا عن القطب، يسأل عن المقبل والمدبر والراحل والمقيم إلى أن اجتمع به، وهو أبو محمد عبد السلام بن مشيش، فيقول الشاذلي: أتيت إليه "وهو ساكن مغارة برباط رأس جبل، فاغتسلت في عين أسفل الجبل وخرجت عن علمي وعملي، وطلعت إليه فقيرًا، وإذا به هابط إليّ، فقال:
مرحبًا يا علي، وذكر نسبي إلى رسول الله" (٣).
"ثم قال لي: يا علي، طلعت إلينا فقيرًا من علمك وعملك، وأخذت منا غنى الدنيا والآخرة، فأخذني من الدهش فأقمت عنده أيامًا إلى أن فتح الله عليّ بصيرتي" (٤).
وعبد السلام هذا ينقل فيه الشيخ الأكبر للأزهر سابقًا عبد الحليم محمود عن صاحب " الدرة البهية ":
"هو القطب الأكبر، والعلم الأشهر، والطود الأظهر العالي السنام.
هو البدر الطالع الواضح البرهان، الغنيّ عن التعريف والبيان، المشتهر في الدنيا قدره، والذي لا يختلف في غوثيته اثنان.
وطريه ترياق شاف لأدواء العباد، وذكره رحمة نازلة في كل ناد.
_________________
(١) انظر دائرة المعارف الإسلامية ص ٥٦٢ وغيرها من الكتب.
(٢) درة الأسرار ص ٢٣ نقلًا عن "أبي الحسن الشاذلي" للدكتور عبد الحليم محمود ص ٢٣.
(٣) جامع الأصول في الأولياء للكمشخانوي ص ١١٦.
(٤) "المدرسة الشاذلية وإمامها أبو الحسن الشاذلي" للدكتور عبد الحليم محمود ص ٢٣ ط دار الكتاب الحديث القاهرة.
[ ٢٥٢ ]
سرى سرّه في الأفاق، وسارت بمناقبه الركبان والرفاق.
قضى عمره في العبادة، وقصده للانتفاع أهل السعادة.
وكان ﵁ في العلم في الغاية، وفي الزهد في النهاية، جمع الله له الشرفين: الطيني والديني، وأحرز الفضل المحقق اليقيني" (١).
ويذكره الشاذلي بنفسه هو ومكانته السامية ودرجته الرفيعة، ومعرفته وعلمه بما يختلج في صدور الناس، وفيضه وفيضانه بقوله:
"كنت في سياحتي في مبدأ أمري حصل لي تردد: هل ألزم البراري والقفار للتفرغ للطاعة والأذكار أو ارجع إلى المدائن والديار لصحبة العلماء والأخيار؟ فوصف لي وليّ هنالك، وكان برأس جبل فصعدت إليه، فما وصلت إليه إلى ليلًا، فقلت في نفسي لا أدخل عليه في هذا الوقت، فسمعته يقول من داخل المغارة: اللهم إن قومًا سألوك أن تسخر لهم خلقك، فسخرت لهم خلقك، فرضوا منك بذلك، اللهم وإني أسألك أعوجاج الخلق علي حتى لا يكون ملجئي إلا إليك، قال فالتفت إلى نفسي وقلت: يا نفس انظري من أي بحر يغترق هذا الشيخ، فلما أصبحت دخلت إليه فأعربت من هيبته.
فقلت له:
يا سيدي كيف حالك؟
فقال: أشكوا إلى الله من برد الرضا والتسليم كما تشكو أنت من حر التدبير والاختيار.
فقلت: يا سيدي أما شكواي من حر التدبير والاختيار فقد ذقته وأنا الآن فيه، وأما شكواك من برد الرضا والتسليم فلماذا؟
فقال: أخاف أن تشغلني حلاوتها عن الله.
قلت: يا سيدي سمعتك البارحة تقول: اللهم إن قومًا سألوك أن تسخر لهم خلقك، فسخرت لهم خلقك، فرضوا منك بذلك، اللهم وإني أسألك أعوجاج الخلق علي حتى لا يكون ملجئي إلا إليك، فتبسم ثم قال:
_________________
(١) أيضًا ص ٢٤.
[ ٢٥٣ ]
يا بني، ما تقول: سخر لي خلقك قل: يا رب كن لي، أترى إذا كان لك أيفوتك شيء؟ فما هذه الجناية " (١).
وحتى ابنه الصغير يعلم ما في قلوب الناس كما يذكر الشاذلي أيضًا:
"كنت يومًا بين يدي الأستاذ فقلت في نفسي: ليت شعري هل يعلم الشيخ اسم الله الأعظم؟ فقال ولد الشيخ وهو في آخر المكان الذي أنا فيه: يا أبا الحسن ليس الشأن من يعلم الاسم الأعظم، إنما الشأن من يكون هو عين الاسم، فقال الشيخ من صدر المكان: أصاب وتفرس فيك ولدي" (٢).
ويقول ابن عطاء الله الاسكندري: إن طريقة الشاذلي تنتسب إلى الشيخ عبد السلام بن مشيش، والشيخ عبد السلام ينتسب إلى الشيخ عبد الرحمن المدني، ثم واحد عن واحد إلى الحسن بن علي بن أبي طالب (٣).
وبعد مدة من الزمن وبقائه عند ابن مشيش قال له شيخه ابن مشيش:
يا علي، ارتحل إلى أفريقية واسكن بلدًا بها تسمى شاذلة، فإن الله يسميك شاذليًا، وبعد ذلك تنتقل إلى مدينة تونس وبعد ذلك تنتقل إلى بلاد المشرق، وترث فيها القطبانية (٤).
ولما ورث القطبانية "وظهر بالخلافة الكبرى والولاية الكثرى والقطبية العظمى والغوثية الفردى، وخصّه الله بعلوم الأسماء ومن عليه بأعلى مقامات الأولياء، وخصوصيات الأصفياء، وانفرد في زمانه بالمقام الأكبر والمدد الأكثر والعطاء الأنفع والنوال الأوسع (٥).
بدأ يقول كما ذكروا عنه أنه قيل للشيخ أبي الحسن: من هو شيخك؟
فقال: كنت انتسب إلى الشيخ عبد السلام بن مشيش، وأنا الآن لا انتسب لأحد،
_________________
(١) لطائف المنن لابن عطاء الإسكندري ص ١٥٩، ١٦٠ط مطبعة حسان القاهرة ١٩٧٤م.
(٢) أيضًا ص ١٦٠.
(٣) الوصية الكبرى لعبد السلام الأسمر الفيتوري، أيضًا لطائف المنن للإسكندراني ص ٦٥.
(٤) جامع الأصول في الأولياء لمكشخانوي ص ١١٧،كذلك أبو الحسن الشاذلي للدكتور عبد الحليم محمود ص ٢٩،أيضًا النفحة العلية في أوراد الشاذلية ص ٢٢٨.
(٥) جامع الأصول في الأولياء لأحمد الكمشخانوي ص ١١٧ ط المطبعة الوهيبة طرابلس ١٢٩٨هـ.
[ ٢٥٤ ]
بل أعوم في عشرة أبحر: خمسة من الآدميين، النبي ﷺ، وأبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وخمسة من الروحانيين، وجبريل وميكائيل وإسرافيل وعزرائيل والروح الأكبر (١).
و"تصرّف في أحكام الأولياء ومددها بالأذن والتمكين، وانفراد بسوددها حق اليقين، وأمدّ الأولياء أجمعين، وكذا الصديقين، ونال مقام الفردانية الذي لا يجوز المشاركة فيه بين اثنين، وأجمع على ذلك من عاصره من العلماء العارفين والأولياء لمقربين وخواص الصديقين، وشهد بقطبانيته وفردانيته الجمّ الكثير" (٢).
وبدأ يقول:
"والله لقد جئت في هذا الطريق ما لم يأت به أحد" (٣).
حتى تعالى وتفاخر:
قدمي على جبهة كل ولي لله" (٤).
ومن الجدير بالذكر أن الدكتور عبد الحليم محمود الذي تولّى مشيخة الأزهر، وتخرّج من جامعة فرنساوية كتب كتابًا في تمجيد الشاذلي ومدح الشاذلية، ففي ذلك الكتاب يذكر أن الله كلّمه على جبل زغوان، الجبل الذي اعتكف الشاذلي فيه في قمته، وتعبّد وتحنّث، والذي يذكره نقلًا عن صاحب كتاب "درة الأسرار":
" قرأ الشيخ على جبل زغوان سورة الأنعام إلى أن بلغ إلى قوله تعالى: ﴿وإن تعدل كل عدل لا يؤخذ منها﴾ أصابه حال عظيم، وجعل يكررها ويتحرك، فكلما مال إلى جهة مال الجبل نحوها وما كانت حياته على الجبل إلا على نباتات الأرض وأعشابها" (٥).
_________________
(١) لطائف المنن للإسكندري ص ١٤٦،الطبقات الكبرى للشعراني ج ٢ ص ٧،جامع كرامات الولياء للنبهاني ج ٢ ص ١٧٦،النفحة العلية ص ٢٢٩.
(٢) جامع الأصول ص ١١٧.
(٣) لطائف المنن ص ١٤٦.
(٤) جامع الأصول في الأولياء ص ١١٧.
(٥) انظر المدرسة الشاذلية الحديثة وأمامها أبو الحسن الشاذلي للدكتور عبالحليم محمود ص ٣٢.
[ ٢٥٥ ]
وعلى هذا الجبل ارتقى منازل، وتخطّى مراتب حيث "نبع له عين تجري بماء عذب.
ثم بدأت الملائكة تحفّ بأبي الحسن، بعضها يسأله فيجيبه.
وبعضها يسير معه.
ثم تأتيه أرواح الأولياء زرافات ووحدانًا تحفّ بأبي الحسن وتتبرك به (١).
وبعد تجاوز هذه المراتب كلها التي أهّلته لأن يخاطب الرب بدون واسطة ولا ملك، كلّمه الرب ﵎ حسب قول ذلك الدكتور، فقال له:
"يا علي، اهبط إلى الناس ينتفعوا بك.
فقلت:
يا رب أقلني من الناس فلا طاقة لي بمخاطبتهم.
فقيل لي:
انزل فقد أصحبناك السلامة، ودفعنا عنك الملامة.
فقلت:
تكلني إلى الناس آكل من دريهماتهم.
فقيل لي:
انفق علي، وأنا الملي، إن شئت من الجيب وإن شئت من الغيب.
ونزل الشاذلي ﵁ من على الجبل ليغادر شاذلة، ويستقبل مرحلة جديدة، فقد انتهت المرحلة الأولى التي رسمها له شيخه.
وقبل أن نغادر معه شاذلة إلى رحلته الجديدة نذكر ما حكاه ﵁ فيما يتعلق بنسبه إلى شاذلة، قال:
قلت يا رب لم سميتني بالشاذلي، ولست بشاذلي.
فقيل لي:
يا علي، ما سميتك بالشاذلي وإنما أنت الشَّاذُّلِي بتشديد الذال المعجمة، يعني: المفرد لخدمتي ومحبتي" (٢).
وقبله قد تكلّم به رسول الله ﷺ من داخل حجرته الشريفة كما
_________________
(١) بألفاظ عبد الحليم محمود وحروفه انظر ص ٣٣ من كتابه "أبو الحسن الشاذلي" ط دار الكتب الحديثة القاهرة.
(٢) أيضًا ص ٣٥.
[ ٢٥٦ ]
ذكر ذلك الدكتور عبد الحليم محمود نقلًا عن "درة الأسرار" عن أبي الحسن:
"ولما قدم المدينة زادها الله تشريفًا وتعظيمًا، وقف على باب الحرم من أول النهار إلى نصفه عريان الرأس حافي القدمين، يستأذن على رسول الله ﷺ تسليمًا.
فسئل عن ذلك فقال: حتى يؤذن لي، فإن الله ﷿ يقول:
﴿يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي إلاّ أن يؤذن لكم﴾
فسمع النداء من داخل الروضة الشريفة على ساكنها أفضل الصلاة والسلام: "يا علي ادخل" (١).
فمن يكن هذا شأنه ومقامه ومكانته لا يستبعد عنه أن يقول:
"لولا لجام الشريعة على لساني لأخبرتكم بما يكون في غد وبعد غد إلى يوم القيامة" (٢).
وأيضًا: "أعطيت سجلًا مدّ البصر، فيه أصحابي وأصحاب أصحابي إلى يوم القيامة عتقاء من النار" (٣).
وعلى ذلك ينقل عنه الإسكندري عن شيخه أبي العباس المرسي خليفة أبي الحسن الشاذلي وتلميذه الخاص به أنه قال:
" قال لي عبد القادر النقاد، وكان من أولياء الله: اطلعت البارحة على مقام الشيخ أبي الحسن.
فقلت له: وأين مقام الشيخ؟
فقال: عند العرش.
فقلت له: ذاك مقام تنزل لك الشيخ فيه حتى رأيته.
وإلا مقامه فهو فوق ذلك، وقد صرّح بذلك حيث يواصل كلامه فيقول:
"ثم دخلت أنا وهو على الشيخ، فلما استقربنا المجلس قال الشيخ ﵁:
رأيت
_________________
(١) أبو الحسن الشاذلي ص ٨٣.
(٢) الكمشخانوي ص ١١٦، النفحة العلية ص ٢٢٨.
(٣) جامع الأصول في الأولياء ص ١١٦،النفحة العلية في أوراد الشاذلية ص ٢٢٨ ط مكتبة المتنبي القاهرة.
[ ٢٥٧ ]
البارحة عبد القادر النقاد بالمنام فقال لي:
أعرش أنت أم كرسيّ؟
فقلت له:
دع عنك ذا.
الطينة أرضية.
والنفس سماوية.
والقلب عرشي.
والروح كرسي.
والسر مع الله بلا أين.
والأمر نزل فيما بين ذلك ويتلوه الشاهد منه (١).
وذكروا من جملة كراماته أنه أثناء سفره إلى الإسكندرية مكث بتونس مدة، واشتهر أمره وذاع صيته، والتف حوله خلق كثير فحسده فقيه تونس وقاضي قضاتها ابن البراء فوشاه إلى السلطان، ودسّ له عنده، وتكلّم في نسبه ولكن السلطان لم يمسه بسوء، ووقره في قلبه واحترمه ولكن منعه من الخروج، وما أن منعه إلاّ وماتت جاريته في ذاك الحين، التي أحبها فملكت عليه جميع أقطاره، ثم التهبت النار في البيت فلم يشعروا حتى احترق كل ما في البيت من الفرش والثياب وغير ذلك من الذخائر، فعلم السلطان أنه أصيب من قبل هذا الوليّ (٢).
ولكن من الغرائب أنه لم يصب ابن البراء شيئًا مع تصريح عبد الحليم محمود وغيره أنه بقى على عدائه للشاذلي ومخالفته له إلى أن الشاذلي كان يسلّم عليه فلم يكن ابن البراء يردّ ﵇، وكان يطعن في نسبه (٣).
ولكن أنّى للمختلقين العقل، ومن أين للقصاصين العقل، والمسامرين الوضاعين الفكر.
_________________
(١) لطائف المنن الاسكندري ص ١٤٣، ١٤٤ ط مطبعة حسان القاهرة.
(٢) درة الأسرار ص ٣٠.
(٣) انظر أبو الحسن الشاذلي ص ٤٢.
[ ٢٥٨ ]
فما لهؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثًا.
وهل يستعبد هذا من أولئك الناس الذين يفضلن هؤلاء المتصوفة على أنبياء الله ورسله ويزعمون فيهم من القدرة والاختيارات، ومعرفة علم الغيب، والتصرف في أمور الكون، وتدبير أمور الدنيا والآخرة، ومددهم الأحياء منهم والأموات، وإعطائهم الثواب والعقاب، وتقسيمهم الجنة والنار لمن يريدون ويزعمون إعطاءه، ويفونهم بأوصاف لا تليق إلا بالواحد القهار الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد، لا لملك مقرب ولا لنبي مرسل، وأمر سيد الخلائق وأفضل المخلوقات وأشرف المرسلين بأن يقول:
﴿قل لا أملك لنفسي نفعًا ولا ضرًا إلاّ ما شاء الله ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني السوء إن أنا إلا نذير وبشير لقوم يؤمنون﴾ (١).
﴿قل لا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول لكم إني ملك إن أتبع إلا ما يوحى إليّ قل هل يستوي الأعمى والبصير أفلا تتفكرون﴾ (٢).
﴿قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إليّ أنما إلهكم إله واحد فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملًا صالحًا ولا يشرك بعبادة ربه أحدًا﴾ (٣).
وغيرها من الآيات الكثيرة والأحاديث المستفيضة التي ذكرناها فيما سبق في مختلف المباحث والمواضيع ولكن المتصوفة يعتقدون في أوليائهم أوصافًا إلهية ونعوتًا ربانية فيقول الإسكندري:
"لو كشف عن حقيقة الولي لعبد، لأن أوصافه من أوصافه، ونعوته من نعوته" (٤).
ولقد مرّ بيان عقيدة القوم في متصوفتهم سابقًا ولكن نريد أن نثبت ههنا بمناسبة ذكر الشاذلة والشاذلي ما ذكره قطبهم بعد الشاذلي -وهو المرسي- في شيخه نقلًا عن
_________________
(١) سورة الأعراف الآية ١٨٨.
(٢) سورة الأنعام الآية ٥٠.
(٣) سورة الكهف الآية ١١٠.
(٤) لطائف المنن للإسكندري ص ٩٥ مقولة أبي العباس تلميذ أبي الحسن الشاذلي وخليفته في شيخه.
[ ٢٥٩ ]
بعض مريديه أنه قال:
"صليت خلف شيخي صلاة فشهدت ما أبهر العقل وذلك أني شهدت بدن الشيخ والأنوار قد ملأته، وانبثت الأنوار من وجوده حتى أنني لم أستطيع النظر إليه، وقد كشف الحق عن مشرقات أنوار قلوب أوليائه لانطوى نور الشمس والقمر في مشرقات أنوار قلبوهم، وأين نور الشمس والقمر من أنوارهم" (١).
هذا ولقد استقر الشاذلي بعدئذ في الإسكندرية بمصر، وتزوج هنالك وولد له أولاد، وحبس عليه السلطان برجًا من أبراج السور في أسفله ما جل كبير ومرابط للبهائم، وفي الوسط مساكن للفقراء وجامع كبير، وفي أعلاه أعلية لسكانه وعياله" (٢).
وكان من عادته " إذا ركب تمشى أكابر الفقراء وأكابر الأغنياء حوله، وتنشر الأعلام على رأسه، وتضرب الكاسات بين يديه، ويأمر النقيب أن ينادي أمامه "من أراد القطب فعليه بالشاذلي" (٣).
وسنة ٦٥٦هـ سافر للحج، وفي صحراء عيذاب وافته المنية فدفن هناك (٤).
ويقول الجامي: "وكان ماء هذا الصحراء ملحًا لا يشرب ولكنهم بعد ما غسلوه بمائه صار ببركته حلوًا عذبًا" (٥).
وفي هذا الصحراء ادّعى بأنه التقى بالخضر وكلّمه، كما نقلوا عنه أنه كان يقول:
"لقيت الخضر في صحراء عيذب، فقال لي:
"يا أبا الحسن أصحبك الله اللطف الجميل، وكان لك صاحبًا في المقام والرحيل" (٦).
_________________
(١) لطائف المنن للإسكندري ص ٩٥.
(٢) درة الأسرار نقلًا عن "أبي الحسن الشاذلي" ص ٤٥.
(٣) الكمشخانوي ص ١١٧،النفحة العلية ص ٢٢٨،الكواكب الدرية للمناوي نقلًا عن "أبو الحسن الشاذلي" ص ٥٤.
(٤) طبقات الأولياء لابن الملقن ص ٤٥٩،أيضًا الطبقات الكبرى للشعراني ج ٢ ص ٤.
(٥) نفحات الأنس للجامي (فارسي) ص ٥٧٠ ط طهران.
(٦) لطائف المنن ص ١٥١،طبقات الشعراني ج ٢ ص ٥،جامع كرامات الأولياء للنبهاني ج ٢ ص١٨٣،أبو الحسن الشاذلي ص ٣٩.
[ ٢٦٠ ]
وقد نقل عن الشاذلي تفسير بع الآيات القرآنية تفسيرًا باطنيًا ينهج فيه منهج الباطنية وأهل التأويل البعيد، وقد ذكرنا نماذج منها في كتابنا [التصوف: المنشأ والمصادر].
ثم خلف بعده على الشاذلية أبو العباس المرسي، والذي صار قطبًا بعد موته حسب زعمهم كما ينقلون عن زكي الدين الأسواني أنه قال:
"قال لي الشيخ أبو الحسن ﵁: يا زكي، عليك بأبي العباس، فو الله أنه ليأتيه البدوي يبول على ساقيه فلا يمسي عليه المساء إلا قد أوصله إلى الله، يا زكي، عليك بأبي العباس، فو الله ما من ولي لله كان أو هو كائن إلا وقد أطلعه الله عليه، يا زكي، أبو العباس هو الرجل الكامل" (١).
ويقول أبو العباس هذا عن نفسه:
"والله ما سار الأولياء والأبدال من قاف حتى يلقوا واحدًا مثلنا، فإذا لقوه كان بغيتهم، ثم قال: وبالله لا إله إلا هو، ما من ولي لله كان أو كائن إلا وقد أطلعني الله عليه وعلى اسمه ونسبه وكم حظه من الله" (٢).
وهو الذي قال:
"والله لو حجب عني رسول الله ﷺ طرفة عين ما عددت نفسي من المسلمين" (٣).
وكان يقول:
"لا أعلم أحدًا اليوم يتكلّم في هذا العلم غيري على وجه الأرض" وقدم إليه بعضهم طعامًا فيه شبهة يمتحنه فامتنع الشيخ من أكله، وقال: "إنه كان للشيخ المحاسبي عرق في أصبعه يضرب إذا مدّ يده إلى شبهة فأنا في يدي ستون عرقًا تضرب،
_________________
(١) انظر لطائف المنن ص ١٦٨.
(٢) لطائف المنن ص ١٦٨.
(٣) الطبقات الكبرى للشعراني ج ٢ ص ١٤،جامع كرامات الأولياء للنبهاني ج ١ ص ٣١٤،أيضًا لطائف المنن للإسكندري ص ١٦٩.
[ ٢٦١ ]
فاستغرب الرجل وتاب على يديه" (١).
وتكلم يومًا في القطب وأوصافه ثم قال:
"وما القطبانية بعيدة من بعض الأولياء وأشار إلى نفسه" (٢).
قال: "لقد علمت العراق والشام ما تحت هذه الشعرات لأتوها ولو سعيًا على وجوههم" (٣).
وكان المرسي هذا أيضًا يدّعي صحبة الخضر واللقاء معه (٤).
وكان له تأويل باطني مثلما كان لأستاذه وشيخه، ومثال ما ذكره تلميذه عطاء الله الإسكندري:
"سمعت شيخنا ﵁ يقول في قوله ﷿:
﴿ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها﴾ أي: ما نذهب من وليّ لله إلا ونأت بخير منه أو مثله" (٥).
وكان كأستاذه يعتني بكتاب الإحياء لأبي حامد الغزالي، وكتاب "قوت القلوب" لأبي طالب المكي، وكتاب "ختم الأولياء" للحكيم الترمذي، وكتاب "المواقف والمخاطبات" لمحمد عبد الجبار النفري (٦).
مات سنة ٦٨٦هـ (٧).
ثم خلفه على مشيخة الشاذلية ياقوت العرش وكان حبشيًا.
"وهو الذي شفع في الشيخ شمس الدين بن اللبان لما أنكر على سيدي أحمد البدوي ﵁ وسلب عمله وحاله بعد أن توسل بجميع الأولياء، ولم يقبل سيدي
_________________
(١) نفحات الأنس للجامي ص ٥٧٢،أيضًا جامع كرامات الأولياء للنبهاني ج ٢ ص ١٤،أيضًا جامع كرامات الأولياء للنبهاني ج ١ ص ٣١٤.
(٢) لطائف المنن ١٧٩.
(٣) أيضًا.
(٤) انظر جامع كرامات الأولياء للنبهاني ج ١ ص ٣١٤.
(٥) لطائف المنن ص ٦٣.
(٦) انظر لطائف المنن ص ١٧٩، ١٨٠، كذلك أبو الحسن الشاذلي ص ٥٥ وما بعد.
(٧) طبقات الشعراني ج ٢ ص ١٣.
[ ٢٦٢ ]
أحمد شفاعتهمفيه، فسار من الإسكندرية إلي سيدي أحمد، وسأله أن يطيب خاطره عليه وأن يردّ عليه حاله فأجابه.
ثم إن سيدي ياقوت زوّج ابن اللبان ابنته، ولما مات أوصى أن يدفن تحت رجليها أعظامًا لوالدها الشيخ ياقوت.
وإنما سمّى العرش لأن قلبه لم يزل تحت العرش، وما في الأرض إلاّ جسده.
وقيل: لأنه كان يسمع لأذان حملة العرش.
وكان ﵁ يشفع في الحيوانات.
وجاءته مرة يمامه فجلست على كتفه وهو جالس ف حلقة الفقراء وأسرّت إليه شيئًا في أذنه، فقال: بسم الله ونرسل معك أحد من الفقراء، فقالت: ما يكفيني إلا أنت، فركب بغلته من الإسكندرية وسافر إلى مصر العتيقة حتى دخل إلى جامع عمرو فقال: أجمعوني على فلان المؤذن، فأرسلوا وراءه، فجاء، فقال له:
هذه اليمامة أخبرتني بالإسكندرية أنك تذبح فراخها كلما تفرخ في المنارة، فقال: صدقت، قد ذبحتهم مارًا، فقال: لا تعد، فقال: تبت إلى الله تعالى ورجع الشيخ إلى الإسكندرية ﵁.
ومناقبه ﵁ كثيرة مشهورة بين الطائفة الشاذلية بمصر وغيرها (١).
ثم خلفه ناس آخرون، فاشتهر من بينهم محمد المغربي الذي يقولون عنه بأنه تنبأ بظهوره الشاذلي، فقال:
"يظهر بمصر رجل يعرف بمحمد يكون فاتحًا لهذا البيت، ويشتهر في زمانه ويكون له شأن" (٢).
وهو الذي قال:
"أعطيت الشاذلية ثلاثًا لم تحصل لمن قبلهم ولا لمن بعدهم:
الأول: إنهم مختارون في اللوح المحفوظ.
_________________
(١) أيضا ص ٢٨، ٢٩.
(٢) أنظر الكمشخانوي ص ١١٧.
[ ٢٦٣ ]
الثاني: إن المجذوب منهم يرجع إلى الصحو.
الثالث: إن القطب منهم إلى يوم القيامة (١).
وآخر هذه الثلاث أن يركز عليه، فإن كل طائفة من الطوائف الصوفية تدعي أن القطب منهم، ولا يرضى بهذه المقولة أحد من غير الشاذلية.
وآخرون مثل علي بن عمر القرشي وناصر الدين بن محمد عبد الدائم وابن عبد الرحمن بن إبراهيم ومعصوم بن أحمد وغيرهم العديدون (٢).
فهذا هو الشاذلي وأولئك الشاذلية ومشائخهم وقد اشتهر عن الشاذلية أوراد عديدة منها حزب البر وحزب البحر والحزب الكبير وغيرها من الأحزاب والأوراد، اختلقوا لها فضائل ومناقب لم ينزل الله بها من برهان، ذكرها كل من عطاء الله الإسكندري في كتابه "لطائف المنن" والدكتور عبد الحلم محمود في كتابه "المدرسة الشاذلية وإمامها أبو الحسن الشاذلي" والآخر في "النفحة العلية في الأوراد الشالية".
وبهذا نختم هذا الفصل.
_________________
(١) الكمشخانوي ص ١١٦.
(٢) أنظر دائرة المعارف الإسلامية أردو مقال دي ايس مار جليوس ج ١١ ص ٥٦٤ وما بعد.
[ ٢٦٤ ]