الفرية الخامسة زعموا أن دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب
منع الاستشفاع بالرسول ﷺ
افترى أهل الباطل على الإمام محمد بن عبد الوهاب وأتباعه من الموحدين بأن الإمام ينكر شفاعة الرسول ﷺ وهؤلاء القوم ينطبق عليهم القول المأثور
"إذا لم تستح فاصنع ما شئت".
فإنكار شفاعة الرسول ﷺ هو الكفر والعياذ بالله، وحاشا لله أن ينكر هذا الإمام العظيم هذا الأمر. فهذه كتبه ورسائله وكتب أحفاده وتلاميذه إلى يومنا الحاضر لم ينكروا شفاعة الرسول ﷺ.
يقول الطباطبائي:
"قالت الوهابية: إن الشفاعة والأولياء منقطعة في الدنيا، وإنما هي ثابتة لهم في الآخرة، فلو جعل العبد بينه وبين الله وسائط من عباده يسألهم الشفاعة، كان ذلك شرك وعبادة لغير الله، فاللازم أن يوجه العبد دعاءه إلى ربه، ويقول: "اللهم اجعلنا ممن تناله شفاعة محمد ﷺ"، ولا يجوز له أن يقول: "يا محمد اشفع لي عند الله"١.
_________________
(١) ١ انظر البراهين الجلية ص ٧.
[ ٣١٧ ]
ويقول الرافضي العاملي المجرم الأثيم:
"أما قولهم فالشفاعة حق، ولا تطلب في دار الدنيا إلا من الله، فإذا كانت حقًا فما المانع من طلبها؟ أفيجعل الله طلب الحق باطلًا وشركًا؟ تعالى الله عن ذلك فطلب الحق لا يكون إلا حقًا وطلب الباطل لا يكون إلا باطلًا، والتقيد بقولهم في دار الدنيا دال على جواز طلبها في الآخرة، كما يدل عليه حديث تشفع الناس بالأنبياء، واعتذار كل منهم ثم تشفعهم بمحمد ﷺ
وهل منع الناس من الشرك في الدنيا، وأبيح لهم الشرك في الآخرة"١.
ويقول القباني، بكل وقاحة وسوء أدب، وهو يخاطب الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀:
"أما أنهم كفروا بمجرد قولهم يا رسول الله اشفع لي، أو أغثني، وأنها مساواة لقول المشرك واعتقاده أن المسيح هو الله، ولعبادة تمثاله من السجود والذبح كما ادعيت ذلك، وجزت به، فما أقمت على ذلك الدليل والبرهان يا طويل الآذان"٢.
ويقول ابن داوود وهو يرد على الإمام محمد بن عبد الوهاب ويسميه الزنديق الحجازي، وقول الزنديق الحجازي: "إن الله أعطاه الشفاعة، ونهاك عن طلبها منه كما قال: "وأن المساجد لله فلا تدعو مع الله أحدًا" غلط، فإن الدعاء المنهي عنه هنا بمعنى العبادة، وطالب الشفاعة لا يعبد الشفيع بل يطلب منه أن يشفعه عند
_________________
(١) ١ انظر كشف الارتياب للعاملي ص ٢٦٠. ٢ انظر فصل الخطاب ص ٤١.
[ ٣١٨ ]
الله، كما أن يوسف بدعائه لأحد صاحبي السجن لم يكن عابدًا له ولا كافرًا، وقوله [أي محمد بن عبد الوهاب]: فإن الشفاعة التي أعطاها غير النبي، فصح أن الملائكة يشفعون والأولياء يشفعون، أتقول: إن الله أعطاهم الشفاعة، فاطلبها منهم، فإن قلت هذا، فقد عبدتم، غلط أيضًا، لما قلنا من أن طلب الشفاعة ممن أعطيها سواء كان نبيًا أو كان وليًا أو وصيًا أو ملكًا، أو مؤمنًا ليس عبادة له، فيصح لنا أن نطلب الشفاعة من الأوصياء والأولياء والملائكة، والصلحاء، وليس في ذلك شرك١.
_________________
(١) ١ انظر إزهاق الباطل ص ٣٥.
[ ٣١٩ ]
أقوال أئمة التوحيد
بالشفاعة، والرد على الخصوم
رد أئمة التوحيد على الخصوم الذين يقولون بأن الوهابية وعلى رأسهم الإمام محمد بن عبد الوهاب ينكرون الشفاعة، وأوردوا البراهين عليهم.
يقول الإمام محمد بن عبد الوهاب، ﵀:
"فإن قال: أتنكر شفاعة رسول الله ﷺ وتبرأ منها؟ فقال: لا أنكرها ولا أتبرأ منها، بل هو ﷺ الشافع المشفع، وأرجو شفاعته، ولكن الشفاعة كلها لله كما قال تعالى:
﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾ (الزمر: ٤٤)، ولا تكون إلا من بعد إذن الله كما قال ﷿: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ (البقرة: ٢٥٥)، ولا يشفع في أحد إلا من بعد أن يأذن الله فيه، كما قال ﷿: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْأِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ (آل عمران: ٨٥) .
فإن كانت الشفاعة كلها لله، ولا تكون إلا من بعد إذنه، ولا يشفع النبي ﷺ ولا غيره في أحد حتى يأذن الله فيها، ولا يأذن إلا لأهل التوحيد، تبين لك أن الشفاعة كلها فأطلبها منه.
وقل: "اللهم لا تحرمني شفاعته، اللهم شفعه في وأمثال هذا".
فإن النبي ﷺ أعطى الشفاعة، وأنا أطلبه مما أعطاه الله.
الجواب: أن أعطاه الشفاعة، ونهاك عن هذا فقال: ﴿فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾
[ ٣٢٠ ]
(الجن: ١٨) . فإن كنت تدعو الله أن يشفع نبيه فيك، فأطعه في قوله: ﴿فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾، وأيضًا فإن الشفاغعة أعطيها غير النبي ﷺ فصح أن الملائكة يشفعون، والأولياء يشفعون، والصالحين يشفعون، أتقول أن الله أعطاهم الشفاعة فأطلبها منهم، فإن قلت هذا، رجعت إلى عبادة الصالحين التي ذكر الله في كتابه، وإن قلت: لا، بطل قولك: أعطاه الله الشفاعة، وأنا أطلبه مما أعطاه١.
ثم يرد على الخصوم الذين افتروا على الدعوة بإنكار شفاعة الرسول ﷺ، فيقول:
يزعمون أننا ننكر شفاعة الرسول ﷺ، فنقول سبحانك هذا بهتان عظيم، بل نشهد أن محمدًا رسول الله ﷺ الشافع المشفع، صاحب المقام المحمود، نسأل الله رب العرش العظيم أن يشفعه فينا، وأن يحشرنا تحت لوائه. هذا اعتقادنا وهذا الذي مشى عليه السلف الصالح، وهم أحب الناس لنبيهم، وأعظمهم في اتباع شرعه"٢.
ويقول الشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب:
"ونثبت الشفاعة لنبينا محمد يوم القيامة حسب ما ورد، وكذا نثبتها لسائر الأنبياء والملائكة، والأولياء والأطفال حسب ما ورد أيضًا، ونسألها من المالك لها، والإذن فيها لمن يشاء من الموحدين الذين هم أسعد الناس بها كما ورد، بأن يقول أحد متضرعًا إلى الله تعالى: "اللهم شفع نبينا محمدًا ﷺ فينا يوم القيامة، أو
_________________
(١) ١ مجموع مؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب ج١ ص١٦٥-١٦٦. ٢ نفس المرجع ج٥ ص٤٨.
[ ٣٢١ ]
اللهم شفع فينا عبادك الصالحين، أو ملائكتك، أو نحو ذلك مما يطلب من الله لا منهم، فلا يقال يا رسول الله، أو يا ولي الله، أسألك الشفاعة، أو غيرها، كأدركني، أو أغثني، أو انصرني على عدوي، ونحو ذلك مما لا يقدر عليه إلا الله تعالى"١.
ويقول "﵀":
"وجملة القول أن طلب الشفاعة منه ﷺ في حياته ثابت بلا شك، وكذلك طلب الشفاعة منه ﷺ يوم القيامة، وهذا لا ينكره أحد"٢.
وسؤل شيخنا ووالدنا سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز مفتي الديار السعودية:
هل الوهابية ينكرون شفاعة الرسول ﷺ؟
فأجاب:
لا يخفى على كل عاقل درس سيرة الإمام محمد بن عبد الوهاب وأتباعه أنهم برآء من هذا القول، لأن الإمام ﵀ قد أثبت في مؤلفاته، ولا سيما في كتابه "التوحيد" و"كشف الشبهات" شفاعة الرسول ﷺ لأمته يوم القيامة، ومن هنا يعلم أن الشيخ ﵀ وأتباعه لا ينكرون شفاعته ﵊. وشفاعة غيره من الأنبياء والملائكة والمؤمنين، بل يثبتونها كما أثبتها الله ورسوله، ودرج على ذلك سلفنا الصالح عملًا بالأدلة من الكتاب، وبهذا يتضح أن ما نقل عن
_________________
(١) ١ الهدية السنية ص ٤٢. ٢ صيانة الإنسان في وسوسة دحلان ص٣٦٣.
[ ٣٢٢ ]
الشيخ وأتباعه من إنكار شفاعة النبي ﷺ من أبطل الباطل، ومن الصد عن سبيل الله، والكذب على الدعاة إليه، وإنما أنكر الشيخ ﵀ وأتباعه طلبها من الأموات ونحوهم"١.
هذه عقيدة الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب وأتباعه من الموحدين في الشفاعة، وأنها لا تطلب من الأموات والأولياء والمشعوذين والدجالين، فالشفاعة كلها لله وحده: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾ .
وأن الأنبياء والصالحين لا يشفعون إلا بإذن الله.
قال تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ .
أما أن يقول القائل:
"اللهم إني أسألك بجاه محمد أو بحقه، أو حرمته، فهذا القول بدعة محرمة لا يجوز".
_________________
(١) ١ مجلة البحوث العلمية -العدد (٩) ص ٣٢٣- تصدر عن دار الإفتاء والدعوة والإرشاد –الرياض.
[ ٣٢٣ ]