لا خلاف بين المسلمين أجمع في أن القرآن كلام الله ﷿، وأنه الكتاب المنزل بلسان عربي مبين١ الذي له أوّل وآخر، وهو ذو أجزاء وأبعاض، وأنه شيء ينقري٢ ويتأتي أداؤه، وتلاوته.
ثم اختلفوا بعد هذه الجملة: فقال أهل الحقّ. هو غير مخلوق، لأنه صفة من صفات ذاته، وهو المتكلم به على الحقيقة، وهو موصوف بالكلام فيما لم يزل٣.
_________________
(١) ١ أي: قبل ظهور مقالة ابن كلاب التي خرق بها إجماع المسلمين وهي قوله: " إن هذا القرآن الموجود بين أيدي المسلمين الذي يتلى ويقرأ ليس كلام الله وإنما هو عبارة عنه ". انظر: المقالات ٢/٢٥٨، ونقل الإجماع على ذلك ابن حزم. انظر: مراتب الإجماع ص: ١٧٣، وانظر أيضًا: فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ٦/٥٣٤، ٥٤٣-٥٤٦. ٢ ينقري: هكذا في الأصل، وهو بمعنى: يقرأ. ٣ وهذا قول السلف قاطبة. قال الآجري: " اعلموا - رحمنا الله وإياكم أنّ قول المسلمين الذين لم تزغ قلوبهم عن الحقّ ووفقوا للرشاد قديمًا وحديثًا؛ أن القرآن كلام الله ﷿ ليس بمخلوق، لأن القرآن من علم الله تعالى وعلم الله ﷿ لا يكون مخلوقًا تعالى الله ﷿ عن ذلك ". انظر: الشريعة ص: ٧٥.
[ ١٥١ ]
وقال بعض أهل الزيغ: " هو مخلوق أحدثه في غيره وأضافه إلى نفسه"١. وقال آخرون٢ منهم: هو كلامه، ولا نزيد عليه، ولا نقول:
_________________
(١) ١ وهو قول الجهمية والمعتزلة والخوارج، وأكثر الزيدية، والمرجئة وكثير من الرافضة. انظر: مقالات الإسلاميين ٢/٤٥٦، وشرح الأصول الخمسة ص: ٥٢٨، والملل والنحل ١/٤٥، ٨٨، والفصل ٣/١٠٥. ٢ وهؤلاء يعرفون بالواقفة: لوقوفهم وإمساكهم عن إطلاق القول بخلق القرآن أو عدم خلقه. وهم ثلاثة أصناف:
(٢) صنف وقفوا شكًّا ولم يتبين لهم الأمر بزعمهم ويطلق عليهم شكّاك، وبعضهم بدع من خالفه. وقد أنكر السلف على هذا الصنف أشد النكير، وعدّوهم من الجهمية، فهذا إمام أهل السنة الإمام أحمد بن حنبل يقول وقد سئل عن الواقفة: "من كان منهم يخاصم ويعرف بالكلام فهو جهمي ". انظر: السنّة / لعبد الله بن أحمد ص: ٣٦. ويقول في كتاب السنّة له ص: ٥١، ضمن مجموعة شذرات البلاتين: " وهم شرّ الأصناف وأخبثها، وقد عقد الإمام الدارمي بابًا في الاحتجاج عليهم في كتابه الردّ على الجهمية ص: ١٠٢-١٠٥، وقد نقل الإمام اللالكائي في (شرح اعتقاد أصول أهل السنّة ص: ٣٢١) عن جماعة من أهل العلم كابن الماجشون وغيره أنهم قالوا: من وقف في القرآن بالشكّ فهو كافر.
(٣) وصف: سكتوا عن الخوض في ذلك مع اعتقادهم بأن القرآن كلام الله غير مخلوق تورعًا ورأوا أن من كان قبلهم من السّلف لم يتكلموا في ذلك. ولمثل هؤلاء يقول الإمام أحمد وقد سئل هل لهم رخصة أن يقول الرجل: كلام الله ثم يسكت فقال ولم يسكت؟ لولا ما وقع فيه الناس كان يسعه السكوت لكن حيث تكلموا فيما تكلموا لأي شيء لا يتكلمون. انظر: مسائل أحمد لأبي داود ٢٦٤، فكان الأولى أن يبينوا للناس ولا سيما إذا كانوا من أهل العلم والحديث، لأن الناس بهم يقتدون وإليهم ينظرون.
(٤) وصنف جاهل: " وهذا عليه أن يسأل ليتعلم ". ويجمع كلّ هذه الأصناف ما رواه عبد الله بن أحمد في كتاب السّنّة ص: ٣٦: " سمعت أبي سئل عن الواقفة فقال أبي: " من كان منهم يخاصم ويعرف بالكلام فهو جهمي، ومن لم يكن يعرف بالكلام يجانب حتى يرجع، ومن لم يكن له علم يسأل حتى يتعلم ".
[ ١٥٢ ]
إنه مخلوق أو غير مخلوق.
واتفق المنتمون إلى السّنة بأجمعهم على أنه غير مخلوق، وأنّ القائل بخلقه كافر، فأكثرهم قال: إنه كافر كفرًا ينقل عن الملة، ومنهم من قال: هو كافر بقول غير الحق في هذه المسألة.
والصحيح الأوّل، لأن من قال: إنه مخلوق صار منكرًا لصفة من صفات ذات الله ﷿، ومنكر الصفة كمنكر الذات، فكفره كفر جحود لا غير١.
_________________
(١) ١ ورد تكفير من يقول بخلق القرآن عن عدد من أئمة السّلف، عدّ منهم الإمام اللالكائي أكثر من خمسمائة وخمسين نفسًا من التابعين وتابعيهم، كلّهم قالوا: " القرآن كلام الله غير مخلوق ومن قال: مخلوق فهو كافر. ثم قال: ولو اشتغلت بنقل المحدّثين بلغت أسماؤهم ألوفا كثيرة لكني اختصرت ". شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة ١/٣١٢. لكن هل هو كفر ينقل عن الملة أم لا؟ فالمشهور من مذهب الإمام أحمد وعامة أئمة السنة تكفير الجهمية لقولهم إن القرآن مخلوق ومناقضتهم للكتاب والسنة، وقال فيهم ابن المبارك: " إنا لنحكي كلام اليهود والنصارى ولا نستطيع أن نحكي كلام الجهمية " وعدّهم هو وغيره من السلف خارجين عن الاثنتين وسبعين فرقة التي افترقت إليها الأمة. ذكر ذلك ابن تيمية، ثم ذكر قول أبي نصر السجزي فقال: " ثم حكى أبو نصر السجزي عنهم في هذا قولين: أحدهما: أنه كفر ينقل عن الملة، قال: وهو قول الأكثرين. والثاني: أنه كفر لا ينقل ". قال: ولذلك قال الخطابي: " إن هذا الذي قالوه على سبيل التغليظ ". الفتاوى ١٢/٤٨٦-٤٨٧. والحاصل أن إطلاق تكفير هؤلاء مأثور عن السلف، لكن لا يكفر المعين منهم، إلا إذا توفرت به شروط التكفير وانتفت عنه موانعه. ولذلك كان الإمام أحمد وهو من أعظم القائلين بتكفير الجهمية، يدعو للخليفة وغيره، ممن أراد أن يجبره على التجهم، ويستغفر لهم فلو كانوا كفارًا لم يستغفر لهم، فدلّ ذلك على أنه ﵀ لا يقول بتكفير المعين منهم لاحتمال عدم توفر شروط التكفير وعدم انتفاء موانعه. راجع الفتاوى أيضًا ١٢/٤٨٨-٤٨٩.
[ ١٥٣ ]
وقال أبو محمّد بن كلاب ومن وافقه، والأشعري وغيرهم: "القرآن غير مخلوق، ومن قال بخلقه كافر إلا أن الله لا يتكلم بالعربية، ولا بغيرها من اللغات ولا يدخل كلامه النظم، والتأليف، والتعاقب، ولا يكون حرفًا ولا صوتًا "١.
_________________
(١) ١ هذا القول ثابت عن ابن كلاب ذكره الأشعري في المقالات ٢/٢٥٧، وهو قول الكلابية وكثير من الأشعرية. ولا سيما متأخريهم وقد نقل الشهرستاني عن الأشعري نفسه أنه يقول ببعض ما ذكر. انظر: الملل ١/٩٦. والذي رأيته في كتب الأشعري أنه يقول: " القرآن كلام الله غير مخلوق، ومن قال بخلقه فهو كافر، وأنه لا يجوز أن يقال: إن شيئًا من القرآن مخلوق لأن القرآن بكماله غير مخلوق. وقال عند قوله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ قال: والتكليم: المشافهة بالكلام. وهذا يرجح أنه ﵀ رجع عن القول بكلام النفس وإنكار الحرف والصوت، لأن إثباته للمشافهة يوحي بذلك إذ المشافهة بالكلام لا تكون إلا بحرف وصوت. والله تعالى أعلم. انظر: الإبانة ص: ٢٥، ٧٢، ١٠١
[ ١٥٤ ]
فقد بان بما قالوه١ أن القرآن الذي نفوا الخلق عنه ليس بعربي، وليس له أوّل ولا آخر.
ومنكر القرآن العربي وأنه كلام الله كافر بإجماع الفقهاء٢ ومثبت قرآن لا أوّل له ولا آخر كافر بإجماعهم، ومدعي قرآن لا لغة فيه جاهل غبي عند العرب، لأن القرآن اسم لكتاب الله ﷿ العربي مختص به عند كثير من العلماء ولذلك لم يهمزه غير واحد من القراء والفقهاء وهو قول الشافعي٣ رحمة الله عليه٤ وقراءة
_________________
(١) ١ في الأصل: " قالقوه " وهو تحريف. ٢ نقل أبو سعيد خلف بن عمر المعروف بمعلم الفقهاء: إجماع العلماء على أن من ردّ حرفًا من القرآن فقد كفر. انظر: ترتيب المدارك للقاضي عياض ٢/٤٩٠. وقال عبد الله بن مسعود: " من كفر بحرف من القرآن فقد كفر به أجمع ". انظر: مصنف عبد الرّزّاق ٨/٤٧٢. فإذا كان هذا فيمن أنكر حرفًا منه فكيف بمن أنكره أجمع. وقد تقدم الكلام على مسألة إطلاق التكفير قبل هذا. ٣ هو الإمام أبو عبد الله محمّد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع الشافعي. أحد الأئمة الأربعة. ولد بغزة سنة: ١٥٠هـ وتوفي بمصر سنة: ٢٠٤هـ. انظر: تذكرة الحفاظ ١/٣٦١، والتقريب ٢/١٤٣، والأعلام ٦/٢٤٩. ٤ روى الإمام أبو الحسن عليّ بن أحمد الواحدي في كتابه: (الوسيط) أن الشافعي ﵀ كان يقول: " القرآن: اسم وليس بمهموز، ولم يؤخذ من قرأت ولكنه اسم لكتاب الله تعالى مثل: التوراة والإنجيل ". نقلًا عن تهذيب الأسماء واللغات للنووي ٢/٨٣. وانظر: لسان العرب ١/١٢٨-١٢٩، وانظر أيضًا: التفسير الكبير للرازي ٥/٨٦.
[ ١٥٥ ]
ابن كثير١ وغيره٢. وقالوا: " إذا قرأ القارئ قوله سبحانه ﴿وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ﴾ ٣ همز قرأت؛ لأنه مشتق من القراءة"٤.
وعند بقية القراء والعلماء أن القرآن مهموز وهو اسم مشتق من قرأ قراءة وقرآنًا، أو من ضم بعضه إلى بعض٥. والعقل غير (موجب) ٦ لتسمية صفة لله سبحانه قرءآنًا بالاتفاق٧.
وإنما أخذ هذا الاسم سمعًا والسمع قوله: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ ٨،
_________________
(١) ١ هو: عبد الله بن كثير الكناني مولاهم الفارسي الأصل أحد القراء السبعة. ولد بمكة سنة خمس وأربعين، وتوفي بها سنة عشرين ومائة. كنيته: أبو سعيد، وقيل: أبو معبد. انظر ترجمته في: وفيات الأعيان ٣/٤١، وشذرات الذهب ١/١٥٧، وطبقات القراء ١/٤٤٣ ترجمة رقم: ١٨٥٣. ٢ كعمر بن العلاء. انظر: لسان العرب ١/١٢٩. ٣ سورة الإسراء آية: ٤٥. ٤ في الأصل: " القراة " على عادة الناسخ في تسهيل الهمزة وإهمالها في أكثر المواضع. ٥ انظر: لسان العرب ١/١٢٨. ٦ في الأصل: " موجبًا " وهو خطأ. والصواب ما أثبت لأنه مضاف إليه. ٧ اتفق السلف على أن الله سبحانه لا يوصف إلا بما وصف به نفسه جلّ علا أو وصفه به رسوله ﷺ. ٨ سورة الزخرف آية: ٣.
[ ١٥٦ ]
وقوله: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ ١، وقوله تعالى: ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ ٢، وقوله: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ﴾ ٣.
وما لا يجوز أن يكون لغة لا يكون شعرًا عند أحد، فلما نفى الله ﷿ كون ما زعم كفار قريش أنه شعر٤ وأثبته قرآنًا لم تبق شبهة لذي لبّ في أن القرآن المختلف في حكمه الذي أمر الجميع بالإيمان به هو كتاب الله سبحانه العربي، الذي علم أوّله وآخره، فمن زعم أن القرآن اسم لما (هو) ٥ غيره وخلافه دونه بان حمقه٦ ا. هـ.
فإن أقرّ الأشعري ومن وافقه بأن القرآن هو الذي يعرفه الخلق
_________________
(١) ١ سورة يوسف آية: ٢. ٢ سورة الشعراء آية: ١٩٥. ٣ سورة يس آية: ٦٩. ٤ في الأصل: " شعرًا " وهو خطأ. ٥ " هو " ليست في الأصل زدتها لاقتضاء السياق. ٦ يجد القارئ صعوبة في فهم مراد المؤلِّف من هذه الجملة. والذي اتضح لي منها: أنه يريد أن يثبت أن هذا الذي ادعت قريش أنه شعر وأثبته الله قرآنًا، أنه لغة وأنه هو هذا الكتاب العربي الذي هو كلام الله، لأن في ادعاء قريش أنه شعر إثباتًا لكونه لغة، لأن الشعر لا يكون إلا لغة، والله سبحانه إنما نفى كونه شعرًا ولم ينف كونه لغة؛ لأنه ليس كلّ لغة شعرًا، ثم أثبته قرآنًا عربيًا مبينًا. يرد بذلك على الكلابية الذين قالوا إن الله لا يتكلم بالعربية ولا بغيرها من اللغات ولا يدخل كلامه النظم والتأليف كما تقدم.
[ ١٥٧ ]
انتقض عليه قوله: إن الحرف والصوت لا مدخل لهما في كلام الله ﷿ وقد أقرّ بأنه غير مخلوق، وإذا لم يكن مخلوقًا وكان حروفًا لا محالة كان إنكارهم للحروف بعد ذلك سخفًا.
وإن زعموا أن القرآن غير الذي عرفه الخلق كفروا، ولم يجدوا حجّة على قولهم من عقل ولا سمع.
وإن قالوا: إن القرآن اسم لكلام الله جملة، وجب أن تسمى التوراة والإنجيل١ والزبور٢ والقرآن، وصحف إبراهيم٣ وموسى أجمع قرءآنًا، ووجب أن يكون المؤمن بالتوراة من اليهود مؤمنًا بالقرآن وبما فيه، وغير جائز أن تؤخذ منه الجزية بعد وجوب الحكم بإيمانه.
ثم قد أطلق الأشعري أن هذه التسميات لم يستحقها كلام الله / في الأزل، وإنما هي تسميات للعبارات المختلفة التي نزلت في الأزمان المتغايرة، وكلّ ذلك محدث فبين أن التوراة اسم الكتاب بالسريانية، وأنه
_________________
(١) ١ التوراة والإنجيل: كتابان أنزلا على موسى وعيسى ﵉، - على الترتيب - إلى بني إسرائيل، قال تعالى: ﴿وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الْأِنْجِيلَ فِيهِ هُدىً وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدىً وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ سورة المائدة آية: ٤٦. ٢ هو الكتاب الذي أنزل على نبيّ الله داود ﵇. ٣ قال تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى. صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى﴾ سورة الأعلى آية: ١٨، ١٩.
[ ١٥٨ ]
محدث، وأن القرآن اسم الكتاب بالعربية وأنه محدث١.
فقوله: القرآن غير مخلوق مع هذا القول تلاعب.
وقد ذكرنا في كتاب " الإبانة"٢ ضربًا مما ورد عن النبيّ ﷺ في هذا المعنى، وتكلمنا على صحيحه وغريبه، وأن أحدًا من الأمة قبل خصومنا هؤلاء ما عرف قرءآنا ينقري ولا يدخله الحرف والصوت، والأشعري
_________________
(١) ١ لم أجد ذلك عن الأشعري في كتبه التي اطلعت عليها كالإبانة، المقالات، واللمع، لكن حكي الشهرستاني عنه أنه قال: " والعبارات والألفاظ المنزلة على لسان الملائكة إلى الأنبياء ﵈ دلالات على الكلام الأزلي والدلالة مخلوقة محدثة، والمدلول قديم أزلي ". انظر: الملل ١/٩٦، وهذا مذهبه قبل أن ينتقل إلى مذهب السلف. فقد أثبت في كتاب الإبانة ص: ١٠١: " أنه لا يجوز أن يقال: إن شيئًا من القرآن مخلوق، لأن القرآن بكماله غير مخلوق، وأنكر على من قال: لفظي بالقرآن مخلوق". وما ذكره المؤلِّف هو مذهب ابن كلاب. فقد ذكر الأشعري عنه أنه قال: " إنما سمي كلام الله سبحانه عربيًا لأن الرسم الذي هو العبارة عنه وهو قراءته عربي فسمي عربيًا لعلة، وكذلك سمي عبرانيًا لعلة، وهي أن الرسم الذي هو عبارة عنه عبراني ". انظر: المقالات ٢/٢٥٨. وهو مذهب المنتسبين إلى الأشعري؛ يقول البغدادي - وهو من أئمتهم -: " قال أصحابنا إن كلام الله سبحانه أمره وقراءة كلامه بالعربية قرآن، وقراءته بالعبرانية توراة، أو زبور، وبالسريانية إنجيل والقراءة غير المقروء لأن المقروء كلام الله وليست القراءة كلامه". انظر: أصول الدين ص: ١٠٧-١٠٨. ٢تقدم الكلام عليه عند الكلام على مؤلَّفات المؤلِّف.
[ ١٥٩ ]
أيضًا لم يعرف ذلك، وإنما حمله على ما قال التحير١ مع قلة الحيا، ألا ترى أنه يقول: " القراءة مخلوقة والمقروء بها صفة الله ﷿ غير مخلوقة٢، والخلق بالاتفاق لا يتوصلون إلى قراءة ما ليس بحرف ولا صوت، فليس يكون مقروء البتة، فإن جاز كونه مقروءًا فهو حروف، وأصوات لا محالة، وإن لم يجز أن يكون حروفًا فمحال أن يصير مقروءًا، وهذا ظاهر لمن هدي رشده ".
وأما رفع أحكام الشريعة، فلأنها إنما ثبتت بالقرآن فإذا كان الأشعري عنده القرآن غير هذا النظم العربي، وأهل الحل والعقد لا يعرفون ما يقوله ارتفعت أحكام الشريعة، ولا خلاف بين المسلمين في أن من جحد سورة من القرآن، أو آية منه، أو حرفًا متفقًا عليه فهو كافر٣.
وفي هذا الإجماع تسويد وجه كلّ مخالف لنا وفيما ذكرت في هذا الفصل إشارات إذا تأملها ذو قريحة جرى في الميدان قوي الجنان. وبالله التوفيق.
_________________
(١) ١ يقال: تحير واستحار وحار؛ أي: لم يهتد لسبيله. وحار يحار حيرة وحيرًا أي: تحير في أمره. انظر: لسان العرب ٤/٢٢٢ مادة: حير. ٢ لم أجد هذا القول في شيء من كتبه التي اطلعت عليها، غير أن الشهرستاني حكى عنه أنه يقول: " والفرق بين القراءة والمقروء، والتلاوة والمتلو، كالفرق بين الذكر والمذكور، فالذكر محدث، والمذكور قديم ". الملل ١/٩٦. وهذا مذهب ابن كلاب. انظر: المقالات ٢/٧٢٠، والباقلاني وغيره من أئمة الأشاعرة كإمام الحرمين والغزالي. انظر: الإنصاف ص: ١٠٣، والإرشاد ص: ١٣٠، والاقتصاد ص: ٦٣-٦٤. ٣ انظر: مراتب الإجماع لابن حزم ص: ١٧٤، وتقدم كلام خلف المعلم وقول ابن مسعود في ذلك.
[ ١٦٠ ]