وقد زعموا أن أصحاب الحديث يعتقدون ما في الأحاديث من ذكر الصفات على ظاهرها، ويثبتون لله سبحانه الكف، والأصابع، والضحك، والنزول، وأنه في السماء فوق العرش وهذه من صفات الأجسام حتى قال بعض سقاطهم: (ما بين شيوخ الحنابلة، وبين اليهود إلا خصلة واحدة) ١.
ولعمري إن بين الطائفتين خصلة واحدة، لكنها بخلاف ما تصوره الساقط.
وتلك الخصلة أن الحنابلة على الإسلام والسنة، واليهود على الكفر والضلالة.
أول ما نقول: إن القول بما في الأحاديث (الثابتة) ٢ مما أمر الله سبحانه بقبوله فقال: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ ٣ ولا خلاف بين عقلاء أهل الملة في أن الرسل أعرف بالله سبحانه، وبصفاته من غيرهم، لأنهم أوفر الناس عقلًا، والوحي ينزل عليهم، والعصمة من الضلال
_________________
(١) ١ لم أتوصل إلى معرفة قائل ذلك. ٢ في الأصل: (ثابتة) . ٣ سورة الحشر: (آية ٧) .
[ ٢٨١ ]
تصحبهم، وقد جعل الله سبحانه طاعة رسوله محمد ﷺ مقرونة بطاعته، ووعد من أطاعه وأطاع رسوله بالفوز العظيم١.
فأمر هذه الأخبار التي وقع الخلاف (فيها) ٢ لا يخلو من أن يكون (صدقًا) ٣ أو كذبًا. فإن كانت صدقا، وجب المصير إليها، وإن كانت كذباَ لزم تركها.
ووجدنا رواة هذه الأحاديث أئمة المسلمين وصدورهم وعلماءهم٤ وثقاتهم خلفًا عن سلف، وهم من أهل العدالة الظاهرة، والمرجوع إليهم وإلى فتاويهم في الدماء والفروج، كسفيان الثوري٥، ومالك بن أنس الأصبحي٦، وحماد بن زيد الأزدي٧،
_________________
(١) ١ فقال تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ سورة الأحزاب (آية ٧١) . ٢ ليست في الأصل. ٣ في الأصل: بالحاشية. (صدقا به) . ٤ في الأصل: (علمائهم) وهو خطأ نحوي. ٥ تقدمت ترجمته ص ١٨٧. ٦ تقدمت ترجمته ص ١٧٤. ٧ هو حماد بن زيد بن درهم الإمام الحافظ المجود شيخ العراق، أبو إسماعيل الأزدي مولاهم البصري، قال فيه الإمام أحمد بن حنبل: هو من أئمة المسلمين من أهل الدين، وهو أحب إليّ من حماد بن سلمة. مولده سنة ثمان وتسعين ووفاته سنة ١٧٩هـ. وكان ثقة ثبتًا ﵀. الذهبي: التذكرة ١/٢٢٨) و(ابن حجر: التقريب ١/١٩٧ و(ابن العماد: الشذرات ١/٢٩٢) .
[ ٢٨٢ ]
وسفيان بن عيينة الهلالي١، وعبد الله بن المبارك المروزي٢، وأمثالهم.
وفي طبقة كل من قبلهم وبعدهم من حاله في العلم والعدالة كحالهم، فغير جائز أن يكذب خبرهم.
وما من حديث منها إلا وقد ورد من عدة طرق متساوية الحال في تعلّق الأسباب الموجبة للقبول بها، ومع ذلك فهم الذين رووا الأحكام والسن، وعليهم مدار الشريعة، فمن صدقهم في نقل الشريعة لزمه أن يصدقهم في نقل الصفات ومن كذبهم في أحد النوعين وجب عليه تكذيبهم في النوع الآخر.
فلم يبق بعد هذا إلا قولهم٣: إن أخبار الآحاد لا توجب عند
_________________
(١) ١ هو الإمام سفيان بن عيينة بن ميمون الهلالي الكوفي، أبو محمد، محدث الحرم، مولى محمد بن مزاحم كان إمامًا حجة حافظًا واسع العلم كبير القدر. مولده سنة (١٠٧) ووفاته سنة (١٩٨) هـ. الذهبي: التذكرة ١/٢٦٢) و(الميزان: ٢/١٧٠) و(ابن حجر: التقريب ١/٣١٢) . ٢ هو الإمام شيخ الإسلام عالم زمانه أبو عبد الرحمن عبد الله بن المبارك المروزي الحنظلي مولاهم، كان ﵀ ثقة ثبتا فقيها عالما جوادا مجاهدا جمعت فيه خصال الخير، مولده سنة ١١٨هـ ووفاته سنة ١٨١هـ. انظر: ترجمته لدى: الذهبي في: التذكرة ١/٢٧٤) وسير أعلام النبلاء ٨/٣٧٨) و(ابن حجر: التقريب١/٤٤٥) . ٣ أي الكلابية والأشاعرة. وانظر لتفصيل مذهبهم في ذلك: (الباقلاني: التمهيد ٣٨٦ وما قبلها) و(البغدادي: أصول الدين ص ١٢ وهو مذهب المعتزلة أيضا انظر: (شرح الأصول الخمسة ٧٦٨) .
[ ٢٨٣ ]
أكثر العلماء علمًا وإنما يجب العمل بها١.
وقد بينا في كتاب «الإبانة» هذا الفصل، وجملته أن المطلوب من التواتر سكون النفس إليه وتبلج الصدر بكونه، وينتفي٢ ظن الكذب والوهم والتواطؤ عنه، وأكثر ما ورد في الصفات بهذا الوصف.
وقد اتفق أكثر الأصوليين على أن المتواتر ليسر له عدد محصور،
_________________
(١) ١ وليس الأمر كما زعموا فإن القول بأن خبر الآحاد لا يفيد العلم هو قول لبعض أهل الكلام فقط وأكثر أهل العلم بل جمهور الأمة يقولون إن خبر الآحاد الذي تلقته الأمة بالقبول يفيد العلم. كما نقل ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية عن أصحاب الأئمة الأربعة وغيرهم فقال: (وأما القسم الثاني من الأخبار) فهو ما لا يرويه إلا الواحد العدل ونحوه ولم يتواتر لفظه ولا معناه، ولكن تلقته الأمة بالقبول عملًا به أو تصديقا له فهذا يفيد العلم اليقيني عند جماهير أمة محمد ﷺ، من الأولين والآخرين. أما السلف فلم يكن بينهم في ذلك نزاع. وأما الخلف فهذا مذهب الفقهاء الكبار من أصحاب الأئمة الأربعة والمسألة منقولة في كتب الحنفية والمالكية والشافعية والحنبلية، مثل: السرخسي وأبي بكر الرازي من الحنفية والشيخ أبي حامد وأبي الطيب والشيخ أبي إسحاق من الشافعية وابن خواز منداد وغيره من المالكية، ومثل أبي يعلى وابن أبي موسى وأبي الخطاب وغيرهم من الحنبلية ومثل أبي إسحاق الاسفرائيني وابن فورك وأبي إسحاق النظام من المتكلمين وإنما نازع في ذلك طائفة كابن الباقلاني ومن تبعه مثل أبي المعالي والغزالي وابن عقيل. انظر: مختصر الصواعق المرسلة ٢/٣٧٢-٣٧٣. وقال: «وخبر الواحد المتلقي بالقبول يوجب العلم عند جمهور العلماء من أصحاب أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد، وهو قول أكثر أصحاب الأشعري كالاسفرائيني وابن فورك» الفتاوى ١٨/٤١. ٢ هكذا في الأصل ولعل الصواب (انتفاء) فهو الذي يناسب ما قبله.
[ ٢٨٤ ]
وليس المراد بذلك أنهم يخرجون الكثرة عن الحصر، وإنما المراد أنه لا يحصر بأن الذي يوجب العلم ما نقله اثنان، أو ثلاثة، أو عشرة، بل ننظر إلى وقوع العلم به وانتفاء الظنّ عنه. فربما حصل ذلك بمائة أو أكثر، وربما حصل بأربعة أو أقل١.
_________________
(١) ١ اختلف الناس: في تحديد العدد الذي يحصل به التواتر. فقال بعضهم: لا يقبل الخبر إلا من جميع أهل المشرق والمغرب. وقال بعض الفقهاء يشترط أن يكونوا عددا لا يحصيهم عدد ولا يحويهم بلد. وقالت طائفة يشترط أن لا يقل عن ثلاثمائة وبضعة عشر رجلًا عدد أهل بدر. وقالت طائفة يشترط أن لا يقل عن سبعين عدد المختارين من قوم موسى. وقالت طائفة يشترط أن لا يقل عن خمسين عدد القسامة. وقالت طائفة يشترط أن لا يقل عن أربعين لأنه العدد الذي لما بلغه المسلمون أظهروا الدين وتنعقد به الجمعة. وقالت طائفة يشترط أن لا يقل عن عشرين. وقالت طائفة يشترط أن لا يقل اثني عشر. وقالت طائفة أن يكونوا أكثر من أربعة وهو قول الباقلاني والقاضي أبي يعلى. وقالت طائفة يشترط ألا يقل عن ثلاثة: لقوله ﷺ «حتى يقول ثلاثة من ذوي الحجى من قومه أنه قد نزل به جائحة. وأكثر الأصوليين ذكر هذه الأقوال، ثم بين أنه لا برهان عليها ولا يصح في تعيين العدد شيء. وذكر أن المقصود سكون النفس إلى الخبر وعدم تأتي التواطؤ على الكذب: يقول ابن تيمية: (ولا يعتبر في التواتر عدد محصور، بل يعتبر ما يفيد العلم على حسب العادة في سكون النفس إليهم وعدم تأتي التواطؤ على الكذب منهم، إما لفرط كثرتهم وإما لصلاح دينهم ونحو ذلك) . المسودة ٢٣٥، وانظر: نحوه في: الفتاوى ١٨/٥٠. وقال ابن حزم: عقب ذكره الأقوال في العدد (وهذه كلها أقوال بلا برهان وما كان هكذا فقد سقط إلى أن قال – فلم يبق إلا قول من قال بالتواتر ولم يحدد عددا. ثم بين أن المقصود بالتواتر وسكون النفس وانتفاء التواطؤ. (الإحكام: ١/١١٧، ١١٨، ١٢٠) . وقال الإمام الحرمين الجويني بعد أن ذكر اختلاف الناس في تحديد العدد ونقض أقوالهم قال: فإذا تمهد لنا ذلك قلنا: «لا يتوقف حصول العلم بصدق المخبرين على حد محدود وعدد معدود، لكن إذا ثبتت قرائن الصدق ثبت العلم به، ثم ذكر أن العلم قد يحصل بخبر مخبر واحد إذا حف به من القرائن ما يتضمن العلم بصدقه وضرب لذلك مثالًا. ثم قال: إذا ثبت إمكان حصول العلم بصدق مخبر واحد، فإنه قد يتخلف العلم بالصدق عن اخبار عدد كثير وجم غفير إذ جمعتهم إيالة (سياسية) وضمهم في اقتضاء الكذب حالة، ثم ضرب لذلك مثالًا أيضا. انظر: (البرهان ١/٥٧٦-٥٧٧) . وقال ابن قدامة: الصحيح: أنه ليس له عدد محصور وأما ما ذهب إليه المخصصون بالأعداد فتحكم فاسد لا يناسب الغرض ولا يدل عليه، وتعارض أقوالهم يدلّ على فسادها، ثم بين أن المقصود حصول العلم. انظر: روضة الناظر ٥٠-٥١. وانظر: هذا المبحث في (أصول السرخسي – أيضا – ص ٢٩٤) .
[ ٢٨٥ ]
ونحن والحمد لله نجد أنفسنا ساكنة إلى هذه الأحاديث المشار إليها، ورواتها ممن لا يظن بهم الكذب، ولا الوهم، ولا التواطؤ في هذه الروايات.
ولا شك في اختلاف أحوال الناس فمائة منهم يجوز عليهم أن يهموا في الشيء، وأن يتواطؤوا عليه، وعشرة منهم تخالف أحوالهم أحوال المائة، فيعلم أن الوهم، والكذب والتواطؤ منتفية عن خبرهم١،
_________________
(١) ١ تقدم هذا المعنى في كلام الجويني وغيره قبل هذا. وانظر أيضا الفتاوى حيث يقول شيخ الإسلام: «فرب عدد قليل أفاد خبرهم العلم لما هم عليه من الديانة والحفظ الذي يؤمن معه كذبهم أو خطؤهم، وأضعاف ذلك العدد من غيرهم قد لا يفيد العلم. هذا هو الحق الذي لا ريب فيه وهو قول جمهور الفقهاء والمحدثين وطوائف من المتكلمين» . (٢٠/٢٥٨) .
[ ٢٨٦ ]
وهذا لا يعلمه إلا من عرف الحديث وأهله وأتقن معرفته١ ذلك، وعند الأشعري وأصحابه أن العلم يقع بنقل المجوس واليهود والنصارى، إذا تواتر نقلهم، وليس من شرط التواتر أن يكون ناقلوه مسلمين عدولا٢ ومن الطريق٣ العلم بنقل الكفار إذا كثروا، وعدم العلم بنقل عدول المسلمين إذا كانوا دونهم.
وقد أجمعنا في الأحكام على أن شهادة عدلين من المسلمين تقتضي الحكم في الأموال، وبعض الحدود٤ وشهادة أربعة منهم في الزنا وما في حكم ذلك٥ ولوشهد ألف من الكفار لم تقبل شهادتهم على مسلم في
_________________
(١) ١ كذا في الأصل ولعلها (معرفة) . ٢ ليس هذا عند الأشعري وأصحابه فقط، بل هو مذهب غيرهم من سائر أهل السنة فكما يقول بذلك الباقلاني – وهو من أئمة الأشاعرة – في التمهيد ٣٨٥. وإمام الحرمين – وهو من أئمة متأخريهم – كما في الإرشاد له ٤١٦. كذلك يقول آل تيمية بما فيهم شيخ الإسلام. انظر المسودة ٢١٠. وكذلك يقول ابن قدامة الحنبلي - انظر: (روضة الناظر ٥١ ويعلل ذلك بأن إفضاء خبر التواتر إلى العلم من حيث أنهم مع كثرتهم لا يتصور اجتماعهم على الكذب وتواطؤهم عليه ويمكن ذلك في الكفار كإمكانه في المسلمين. ٣ ويجوز أن تكون (الطريف) بالفاء. ٤ وحكى الإجماع على ذلك أيضا: (ابن حزم في: مراتب الإجماع ص ٥٢) . ٥ وحكى الإجماع على ذلك أيضا: (ابن حزم في: مرتب الإجماع ٥٣) . و(ابن المنذر: الإجماع ص ١٤٣) .
[ ٢٨٧ ]
مال ولا حد١.
ولا ينبغي أن ينقلب الأمر في باب المتواتر ويرجع إلى التسوية بين الكفار والمسلمين، فإن كل طائفة حكم بسقوط عدالة كل واحد منهم على الانفراد، لم يردهم الاجتماع إلى العدالة، وكل فرقة حكم لكل امريء منهم بالعدالة على حدته فإذا اجتمعوا زادوا خيرا، وقوي القلب بما شهدوا به.
فلما كان الكفار ساقطي العدالة، مجتمعين وفرادى، لم يجز أن يكون خبرهم موجبا للعلم الضروري إلا باقتران دلالة به مقتضية لوجوبه.
وأخبار الآحاد عند أحمد بن حنبل (و) ٢ غيره من علماء النقل ضربان. فضرب لايصح أصلًا، ولا يعتمد، فلا العلم يحصل بمخبره ولا العمل يجب به.
وضرب: صحيح موثوق بروايته وهو على ضربين:
أ- نوع منه قد صح لكون رواته عدولًا ولم يأت إلا من ذلك الطريق، فالوهم وظن الكذب غير منتف عنه، لكن العمل يجب.
ب- ونوع: قد أتى من طرق متساوية في عدالة الرواة، وكونهم
_________________
(١) ١ قال ابن حزم: (واتفقوا على أنه لا يقبل مشرك على مسلم في غير الوصية في السفر) المصدر السابق ص ٥٣. ٢ في الأصل (أو) وهو غير سديد.
[ ٢٨٨ ]
متقنين أئمة متحفظين من الزلل. فذلك الذي يصيرعند أحمد في حكم المتواتر١.
وينبغي أن يعلم أن الأخبار في الجملة إنما ترد في أحد معنيين: إمّا ما يراد به العمل وإمّا ما سبيله الاعتقاد.
فما كان واردًا في العمل، جائز ورود مثله في الصحة، وثقة الرواة مخالفا لحكمه، وذلك لجواز ورود النسخ في الأحكام، فيطالب عند ذلك (بالعلم) ٢ بالناسخ ليعمل به، وبالمنسوخ ليترك هـ.
وما كان واردًا في المعتقدات برواية الثقات لا يجوز أن يرد برواية
_________________
(١) ١ قال ابن قدامة: اختلفت الرواية عن إمامنا ﵀ في حصول العلم بخبر الواحد. فروي أنه لا يحصل به، وهو قول الأكثرين والمتأخرين من أصحابنا. وروي عنه أنه قال في أخبار الرؤية يقطع على العلم بها.. قال – وهذا يحتمل أن يكون في أخبار الرؤية وما أشبهها مما كثرت رواته وتلقته الأمة بالقبول ودلت القرائن على صدق ناقله فيكون إذن من المتواتر إذ ليس للمتواتر عدد محصور. ويحتمل أن يكون خبر الواحد عنده مفيدا للعلم وهو قول جماعة من أصحاب الحديث وأهل الظاهر.
(٢) وقال بعض العلماء: إنما يقول أحمد بحصول العلم بخبر الواحد فيما نقله الأئمة الذين حصل الاتفاق على عدالتهم وثقتهم واتقانهم ونقل من طرق متساوية وتلقته الأمة بالقبول ولم ينكره منهم منكر.. ثم ذكر اتفاق السلف على نقل أخبار الصفات وليس فيها عمل وإنما فائدتها وجوب تصديقها واعتقاد ما فيها. انظر: (روضة الناظر ص ٥٢) وانظر هذا المبحث أيضا في المسودة: ٢١٦-٢٢٣) . ٢ في الأصل (العلم) .
[ ٢٨٩ ]
أمثالهم ما يخالف ذلك.
لأن الخبر عن كون الشيء وصفته إذا كان صدقًا لا يجوز ورود النسخ عليه١ ولا كون مخبره على صفتين متضادتين.
_________________
(١) ١ وهذا مذهب جمهور أهل العلم، كما نقل ذلك غير واحد من علماء الأصول قال السرخسي: قال جمهور العلماء لا نسخ في الأخبار أيضا يعنون في معاني الأخبار واعتقاد كون المخبر به على ما أخبر به الصادق الحكيم، بخلاف ما يقوله بعض أهل الزيغ من احتمال النسخ في الأخبار التي تكون في المستقبل. (الأصول ٢/٥٩) . وذكر الأشعري اختلاف الناس في أسماء الله ومديحه وأخباره هل يجوز نسخها أو لا؟ فقال: أجاز ذلك طوائف من أهل الأثر فزعموا أن ما تأخر تنزيله ناسخ لما تقدم نزوله وأن المدني ناسخ للمكي خبرًا كان أو مدحًا من مديح الله ﷿. وأنكره أكثر الناس وقالوا: (لا يجوز النسخ في أخبار الله ﷿ ومديحه وأسمائه) . المقالات ٢/٢٧٩) . وقال ابن تيمية: (لا يدخل النسخ في الخبر في قول أكثر الفقهاء والأصوليين وقال قوم يجوز ذلك. وقال الباقلاني: لا يجوز ذلك في خبر الله وخبر رسوله فأما ما أمرنا بالإخبار به فيجوز نسخه بالنهي عن الإخبار به. وذكر عن القاضي – (أبي يعلى – ضابطًا – للخبر الذي يدخله النسخ والذي لا يدخله فقال: وضابط القاضي: في نسخ الخبر أنه إن كان مما لا يجوز أن يقع إلا على وجه واحد كصفات الله وخبر ما كان وما سيكون لم يجز نسخه، وإن كان مما يصح تغيره وتحوله كالإخبار عن زيد بأنه مؤمن وكافر وعن الصلاة بأنها واجبة جاز نسخه، قال- وهذا قول جيد) انظر: (المسودة ١٧٦-١٧٧ وانظر هذا المبحث أيضا في: الإحكام: لابن حزم ٥٧٧ وما بعدها، وكتاب فهم القرآن للمحاسبي (٣٣٢) وقد منع فيه ورود النسخ في معنيين: باب الأسماء والصفات، والإخبار عما كان أو يكون.
[ ٢٩٠ ]
ولم نجد والحمد لله في الأخبار الواردة في الصفات، التي حكم العلماء بصحتها، وتلقوها بالقبول اختلافًا في صفة ولا معنى. ولو وجدنا ذلك لكان دالًا على كونها كذبا أو وهمًا.
وإنما وجد هذا الوصف فيما سبيله العمل به دون وقوع العلم الضروري بمخبره١.
وإذا ثبت ما ذكرناه وعلم أن طاعة الرسول واجبة، وأن قبول خبره لازم، وجب اعتقاد ما في هذه الأحاديث المذكورة في الصفات، ولو لم يلزم اعتقاد ذلك، لم تكن هذه الأخبار لا محالة دون سائر الأخبار الواردة فيما سبيله العمل به فينبغي أن يعمل (بها) ٢ أيضًا والعمل بها هو القول بمخبرها.
وقبل وبعد فالأئمة الذين رووها غير منكرين٣ لشيء منها، بل قد أوردوها في السنن، وبينوا٤ أن اعتقادها سنة وحق بل واجب وفرض.
ولا يخلو أمرهم من أن يكونوا مخطئين في فعلهم أو مصيبين في رأيهم. فإن أصابوا، فاتباعهم على الصواب هدى.
_________________
(١) ١ في الأصل (مخبره) وهو تحريف. ٢ في الأصل: (بهذا) وهو تحريف. ٣ في الأصل في الحاشية أمام هذه الكلمة توجد عبارة (وإنما ينكر) ولم يشر إليها بعلامة لحق ولم أر لها مناسبة. ٤ في الأصل (وبينوها) وهو تحريف، والسياق بعده يقتضي ما أثبت.
[ ٢٩١ ]
وإن أخطأوا (بزعمهم) ١ – بزعم المخالف – وهم الأئمة المقبولون، المرضيون بالاتفاق، فالمخالفون الذين قد حكم بأنهم من أهل الزيغ والضلال أقرب إلى الخطأ وأبعد من الصواب منهم، فيجب أن لا يصغى إليهم، ولا يعول على تمويههم. ثم نهاية شغبهم أن إثبات هذه الصفات يقتضي التشبيه والتجسيم لما نراه في الشاهد، وهذا الشغاب ينعكس عليهم، ويعلم بطلانه بذلك.
ألا ترى أن في الشاهد أن الفاعل للأشياء المتقنة العالم الخبير الحي السميع البصير جسم والله سبحانه حي سميع بصير عليم فاعل وليس بجسم٢.
وإثبات الصفات له على ما جاء به النص عنه وعن رسوله ﷺ، لا يوجب التجسيم والتشبيه، بل كل شيء يتعلق بالمحدثات مكيف، وصفات الباري لا كيفية لها٣، فالتجسيم والتشبيه منتفيان عنه وعن صفاته. وبالله التوفيق هـ.
_________________
(١) ١ أحسبها زائدة. أو أن ما بعدها توضيح لها. ٢ تقدم التعليق على إطلاق لفظ الجسم في حق الله تعالى نفيًا وإثباتًا وبيان مذهب السلف في ذلك. انظر: ص ٢٤٣ حاشية رقم ١. ٣ أي (لا كيفية لها نعلمها) إذ المراد نفي علمنا بكيفية صفاته جل وعلا. وليس المراد أنه لا كيفية لها. ولذا قال الإمام مالك بن أنس ﵀ (الكيف غير معقول والاستواء غير مجهول والإيمان به واجب) . وقد تقدم فبين ﵀ أن كيفية الاستواء لا نعقلها ولا نعلمها. ولو كان ليس لاستوائه ﷿ كيفية أصلا لقال: وقد سئل: كيف استوى؟ -: لا كيفية لاستوائه. والله تعالى أعلم.
[ ٢٩٢ ]