وأما موافقتهم للمعتزلة: فإن المعتزلة قالت: لا تجوز رؤية الله تعالى بالأبصار، وأنه ليس بمرئي١.
وقال الأشعري: هو مرئي ولا يرى بالأبصار عن مقابلة٢. فأظهر
_________________
(١) ١ وانظر لتحرير مذهبهم في ذلك: (شرح الأصول الخمسة للقاضي عبد الجبار٢٣٢) و(المقالات: للأشعري ١/ ٢٣٨) . ٢ نقل الشهرستاني عنه أنه كان يقول: "لا يجوز أن تتعلق به الرؤية على جهة ومكان وصورة ومقابلة واتصال شعاع، أو على سبيل انطباع فإن كل ذلك مستحيل ثم قال:- وله في ماهية الرؤية قولان: أحدهما: أنه علم مخصوص والثاني أنه إدراك وراء العلم.." انظر: (الشهرستاني: الملل والنحل ١/ ١٠٠) و(نهاية الأقدام ٣٥٦) . والذي في كتب الأشعري التي اطلعت عليها: إثبات رؤية الله تعالى بالأبصار؛ إذ يقول في كتاب الإبانة ص٢٥: وندين بأن الله تعالى يرى في الآخرة بالأبصار كما يرى القمر ليلة البدر يراه المؤمنون كما جاءت الروايات عن رسول الله ﷺ ثم عقد بابًا في إثبات رؤية الله تعالى بالأبصار في الآخرة ص ٣٥. وقال في رسائله لأهل الثغر: "وأجمعوا على أن المؤمنين يرون الله ﷿ يوم القيامة بأعين وجوههم على ما صرح به تعالى في قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ وقد بين ذلك النبي ﷺ ورفع كل إشكال فيه بقوله للمؤمنين: "ترون ربكم عيانًا "، وقوله: "ترون ربكم يوم القيامة كما ترون القمر لا تضامون في رؤيته ". فبين أن رؤيته تعالى بأعين الوجوه أ. هـ (لوحة ١٤٨ مخطوط مصور بمكتبة الدراسات تحت رقم ٤٧ عقائد) . وفي المطبوع ص ١٣٤، ويحمل ما ذكره المؤلف وما نقله الشهرستاني عنه على ما كان عليه قبل أن يرجع إلى مذهب السلف، ومذهب السلف أن الرؤية لا تكون إلا عن مقابلة، وعند سائر عقلاء الأمم لابد أن يكون المرئي مقابلًا للرائي، والنقل دل على أن المؤمنين يرون ربهم من فوقهم كما قال ﷺ: " بينا أهل الجنة في نعيمهم إذ سطع لهم نور فرفعوا رؤوسهم فإذا الجبار ﷻ قد أشرف عليهم من فوقهم ". انظر: (مختصر الصواعق لابن القيم ١/ ٢٨٠ –- ٢٨١) والحديث أخرجه (ابن ماجه: المقدمة/ باب ما أنكرت الجهمية ١/ ٦٥ حـ ١٨٤) .
[ ٢٠٣ ]
خلافهم وهو موافق لهم.
وقالت المعتزلة: لا يجوز أن توصف ذات الله بالكلام١، ولا كلام إلا ما هو حرف وصوت٢.
وقال الأشعري: [يجب وصف ذاته سبحانه بالكلام وليس ذلك بحرف ولا صوت] ٣ فنفى ما نفته المعتزلة وأثبت ما لا يعقل، فهو مظهر خلافهم موافق لهم في الأصل.
وأنكرت حديث المعراج.
_________________
(١) ١ لأن مذهب المعتزلة أن الكلام ليس من صفات ذاته تعالى ولكنه صفة فعلية فيقولون إن الله متكلم بمعنى أنه خلق الكلام: يقول القاضي عبد الجبار: "أما مذهبنا في ذلك فهو أن القرآن كلام الله ووحيه وهو مخلوق محدث". (شرح الأصول الخمسة ٥٢٨) . ٢ انظر المصدر السابق ٥٢٨ حيث يقول: "ونذكر حقيقة الكلام وأنه الحروف المنظومة والأصوات المقطعة". ٣ تقدم الكلام على ذلك.
[ ٢٠٤ ]
وقال الأشعري: إنه ثابت١، ثم قال: [الله لا يجوز أن يوصف أنه فوق] ٢ فكذب بما في حديث المعراج، فصار موافقًا لهم مع (إظهاره) ٣ الخلاف.
وقالت المعتزلة: السور والآي مخلوقة، وهي قرآن معجز٤.
_________________
(١) ١ انظر الإبانة ص ٣١ حيث يقول: "ونصدق بحديث المعراج". ٢ لم أجد هذا القول فيما اطلعت عليه من كتبه ولعل هذا قوله قبل أن ينتقل إلى مذهب السلف. فالثابت عنه إثباته الفوقية لله جل وعلا، وأنه سبحانه مستوى على عرشه. يقول في الإبانة ص٩٣ بعد استدلاله بحديث الجارية: "وهذا يدل على أن الله ﷿ على عرشه فوق السماء" ويقول في رسائله إلى أهل الثغر "وأنه تعالى فوق سماواته على عرشه دون أرضه". وقد دل على ذلك بقوله: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ﴾ إلى أن قال – وليس استواؤه على العرش استيلاء كما قال أهل القدر؛ لأنه ﷿ لم يزل مستوليًا على كل شيء. ورقة ١٤٧ مخطوط بمكتبة الدراسات بالجامعة الإسلامية تحت رقم ٤٧ عقائد. وفي المطبوع ص١٣٠. والقول بنفي الفوقية هو ما تبناه متأخروا الأشاعرة، أمثال الرازي في تأسيس التقديس ص٤ إذ يقول: "اعلم أنا ندعي وجود موجود لا يمكن أن يشار إليه بالحس أنه هاهنا أو هناك". وأبي حامد الغزالي: إذ يقول: "ندعي أنه ليس في جهة مخصوصة من الجهات الست ثم قال فالجهات ست فوق وأسفل وقدام وخلف ويمين وشمال" انظر: الاقتصاد في الاعتقاد ص٢٤. ٣ في الأصل (اظهارهم) وهو تحريف. ٤ انظر: (شرح الأصول الخمسة ص٥٢٨ حيث زعم أن هذا القرآن كلام الله مخلوق وأنه هذا الذي يتلى ويسمع. ثم يقرر في ص ٥٨٦ – ٥٨٧ أن القرآن معجز وأن التحدي واقع بهذه الآيات المسموعة.
[ ٢٠٥ ]
وقال الأشعري: [القرآن كلام الله سبحانه والسور والآي ليست بكلام الله سبحانه وإنما هي عبارة عنه، وهي مخلوقة] ١.
فوافقهم في القول بخلقها، وزاد عليهم بأنها ليست قرآن ولا كلام الله سبحانه. فإن زعموا أنهم يقرون بأنها قرآن. قيل لهم: إنما يقرون بذلك على وجه المجاز، فإن من مذهبهم أن القرآن غير مخلوق، وأن الحروف مخلوقة، والسور حروف بالاتفاق، من أنكر ذلك لم يخاطب.
وإذا كانت حروفًا مخلوقة لم يجز أن يكون قرآنًا غير مخلوق.
وقالت المعتزلة: الزنا والسرقة، وأخذ أموال الناس بغير حق، وما
_________________
(١) ١ ليس هذا في شيء من كتب الأشعري التي بين يدي الناس اليوم كالإبانة والمقالات واللمع ورسائل أهل الثغر، بل نراه يقرر في هذه الكتب أنه لا يجوز أن يقال شيء من القرآن مخلوق؛ لأن القرآن كله بكماله غير مخلوق وأنكر على من قال لفظي بالقرآن مخلوق. انظر مثلًا: (الإبانة: ص١٠١) . ولعل ما ذكره المصنف عنه مما كان يقول به قبل رجوعه إلى مذهب أهل السنة، وهو ما عليه المنتسبون إليه، ويحكون عنه أن كان يقول: "وكلامه واحد وهو أمر ونهي وخبر واستخبار ووعد ووعيد، وهذه الوجوه ترجع إلى اعتبارات في كلامه لا إلى عدد في نفس الكلام، والعبارات والألفاظ المنزلة على لسان الملائكة إلى الأنبياء ﵈ دلالات على الكلام الأزلي، والدلالة مخلوقة محدثة، والمدلول قديم أزلي" انظر: (الملل والنحل ١/ ٩٦) . وهذا مخالف كما ترى لقول الأشعري الذي انتهى إليه آخر الأمر في (الإبانة وغيرها) "أنه لا يجوز أن يقال شيء من القرآن مخلوق".
[ ٢٠٦ ]
شاكل ذلك حرام وهو قبيح في العقل قبل التحريم١.
وقال الأشعري: العقل لا يقتضي حسن شيء ولا قبحه، وإنما عرف القبيح والحسن بالسمع ولولا السمع ما عرف قبح شيء ولا حسنه٢.
_________________
(١) ١ ذلك أن من مذهبهم: "أن الحسن والقبح يجب معرفتهما بالعقل، واعتناق الحسن واجتناب القبيح واجب كذلك بالعقل". انظر: (الشهرستاني: الملل والمحل١/ ٤٥) . ٢ ليس ذلك في شيء من كتبه المعروفة، لكن نقل نحوه عنه. الشهرستاني: انظر: (الملل ١/ ١٠١) وهو قول الأشاعرة بعده. كالجويني في: (الإرشاد ٢٥٨) و(الشهرستاني في نهاية الأقدام ٣٧٠) . وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية اختلاف الناس في هذه المسألة، وأشار إلى كلام السجزي هنا. ويحسن أن أورد كلامه فإنه أحسن من تكلم في هذه المسألة ولخص مقاصدها تلخيصًا حسنًا. فقال ﵀: لكن تنازعوا- أهل السنة- في مسألتين: إحداهما: أن العباد هل يعلمون بعقولهم حسن بعض الأفعال، ويعلمون أن الله متصف بفعله، ويعلمون قبح بعض الأفعال ويعلمون أن الله منزه عنه؟ على قولين معروفين: أحدهما: أن العقل لا يعلم به حسن فعل ولا قبحه، أما في حق الله تعالى فلأن القبيح منه ممتنع لذاته، وأما في حق العباد فلأن الحسن والقبح لا يثبت إلا بالشرع. وهذا قول الأشعري وأتباعه، وكثير من الفقهاء من أصحاب مالك والشافعي وأحمد، وهؤلاء لا ينازعون في الحسن والقبح إذا فسر بمعنى الملائم والمنافي أنه قد يعلم بالعقل، وكذلك لا ينازعون- أو لا ينازع أكثرهم أو كثير منهم- في أنه إذا عنى به كون الشيء صفة كمال أو نقص أنه يعلم بالعقل. والقول الثاني: أن العقل قد يعلم به حسن كثير من الأفعال وقبحها في حق الله تعالى وحق عباده، وهذا مع أنه قول المعتزلة فهو قول الكرامية وغيرهم من الطوائف، وهو قول جمهور الحنفية، وكثير من أصحاب مالك والشافعي وأحمد كأبي بكر الأبهري، وغيره من أصحاب مالك وأبي الحسن التميمي وأبي الخطاب الكلوذاني من أصحاب أحمد، وذكر أن هذا القول قول أكثر أهل العلم، وهو قول أبي علي بن أبي هريرة وأبي بكر القفال وغيرهما من أصحاب الشافعي، وهو قول طوائف من أئمة أهل الحديث. وعدوا القول الأول من أقوال أهل البدع، كما ذكر ذلك أنو نصر السجزي في رسالته المعروفة في السنة وذكره صاحبه أبو القاسم سعد بن علي الزنجاني في شرح قصيدته المعروفة في السنة. قال- وفي المسألة قول ثالث اختاره الرازي في آخر مصنفاته وهو القول بالتحسين والتقبيح العقليين في أفعال العباد دون أفعال الله) أ. هـ (منهاج السنة ١/٣١٦ – ٣١٧) .
[ ٢٠٧ ]
ثم زعم أن معرفة الله سبحانه واجبة في العقل قبل ورود السمع، وأن تارك النظر فيها مع التمكن منه مستحق للعقوبة١.
والنص٢ إنما دل على ترك عقوبته لا على أنه مستحق لها.
فإن قال: إن معرفة الله وجبت ولم يعلم حسنها واستحق تارك النظر فيها اللوم. كان متلاعبًا.
وإن قال: إنها حسنة. فقد أقر بأن العقل يقتضي معرفة الحسن والقبيح. وِإنما ضاق به النفس لما قالت له المعتزلة: الظلم قبيح في العقل، وإذا أراد (الله) ٣ شيئًا ثم عذب عليه كان ظلمًا. فركب الطريقة الشنعاء
_________________
(١) ١ سيأتي الكلام على هذه المسألة في الفصل التاسع. ٢ وهو قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ . ٣ لفظ الجلالة ليس في الأصل.
[ ٢٠٨ ]
في أن لا حسن في العقل ولا قبيح.
وكان الأمر (أيسر) ١ في رد ما قالوه من هذا، لأن موضوع اسم
الظلم: لوضع الشيء في غير موضعه، وأخذ ما ليس للآخذ أخذه٢ والله خالق الأشياء ومالكها، ومدبرها وليس لأحد أن يعترض عليه فيما يصنع فيها، ولا يضع الشيء إلا فيما يجعله موضعًا له، ولا يأخذ شيئًا إلا وهو أولى به، ولا يتصور معنى الظلم في أفعاله. وقد قال الله سبحانه: ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ ٣.
ولقد حكى محمد بن عبد الله المالكي المغربي٤٥ وكان فقيهًا صالحًا عن الشيخ أبي سعيد البرقي٦ وهو من شيوخ فقهاء المالكيين ببرقة٧ عن أستاذه خلف المعلم٨ وكان من فقهاء المالكيين
_________________
(١) ١ في الأصل (اليسر) . ٢ وانظر: (لسان العرب ١٢/ ٣٧٣) مادة: (ظلم) . ٣ سورة الأنبياء: آية (٢٣) . ٤ في النص الوارد في درء التعارض ٧/٢٣٦، (المغربي المالكي): ٥ لم أجد له ترجمة. ٦ لم أجد له ترجمة. ٧ برقة: "بفتح الباء وسكون الراء وفتح القاف" اسم صقع كبير يشتمل على مدن وقرى بين الاسكندرية وإفريقية. انظر: (معجم البلدان: للحموي ١/ ٣٨٨) . ٨ وهو أبو سعيد: خلف بن عمر، وقيل اسمه: عثمان بن عمر، وقيل عثمان بن خلف، المعروف بابن أخي هشام الخياط، من أهل القيروان، وكان شيخ الفقهاء، وإمام أهل زمانه في الفقه والورع، وكان يعرف بمعلم الفقهاء، لم يكن في وقته أحفظ منه، اختلط علم الحلال والحرام بلحمه ودمه وما اختلف الناس فيه، وما اتفقوا عليه، عالمًا بنوازل الأحكام حافظًا بارعًا فراجًا للكروب مع تواضع ورقة قلب وسرعة دمعة ونية خالصة. كان مولده سنة ٢٩٩، وقيل ٢٩٧، وتوفي سنة ٣٧١ وقيل ٣٧٣ هـ. انظر ترجمته في: (الديباج المذهب١/ ٣٤٧) و(ترتيب المدارك ٢/ ٤٨٨ - ٤٩١) .
[ ٢٠٩ ]
أيضًا أنه١ قال: أقام الأشعري أربعين سنة على الاعتزال، ثم أظهر التوبة، فرجع عن الفروع وثبت على الأصول.
وهذا كلام خبير بمذهب الأشعري وغوره ٢.
_________________
(١) ١ عبارة (أيضًا أنه) ليست في درء التعارض. ٢ نقل شيخ الإسلام ابن تيمية هذه الجملة من كلام المؤلف- (من قوله: (حكى.. إلى قوله (وغوره) في كتابه درء تعارض العقل والنقل٧/ ٢٣٦ وقال: ذكره السجزي في الإبانة. وهو بنصه في هذه الرسالة، ولعل المصنف ذكره في الكتابين وقد أشرت إلى ذلك في الدراسة. ثم علق ابن تيمية على قول المعلم: (فرجع عن الفروع وثبت على الأصول) . بقوله: (قلت ليس مراده بالأصول ما أظهره من مخالفة السنة، فإن الأشعري مخالف لهم فيما أظهروه من مخالفة السنة كمسألة الرؤية والقرآن والصفات، ولكن أصولهم الكلامية العقلية التي بنوا عليها الفروع المخالفة للسنة مثل هذا الأصل الذي بنوا عليه حدوث العالم وإثبات الصانع، فإن هذا أصل أصولهم كما قد بينا كلام أبي الحسين البصري وغيره في ذلك، وأن الأصل الذي بنت عليه المعتزلة كلامها في أصول الدين، هو هذا الأصل الذي ذكره الأشعري، لكنه مخالف لهم في كثير من لوازم ذلك وفروعه، وجاء كثير من أصحابه المتأخرين كأتباع صاحب "الإرشاد" فوافقوا المعتزلة على موجبها، وخالفوا شيخهم أبا الحسن وأئمة أصحابه، فنفوا الصفات الخبرية ونفوا العلو، وفسروا الرؤية بمزيد علم، لا ينازعهم فيه المعتزلة، وقالوا: ليس بيننا وبين المعتزلة خلاف في المعنى، وإنما خلافهم مع المجسمة. وكذلك قالوا في القرآن: إن القرآن الذي قالت المعتزلة إنه مخلوق، نحن نوافقهم على خلقه، ولكن ندعي ثبوت معنى آخر وأنه واحد قديم. قال- والمعتزلة تنكر هذا بالكلية، وصارت المعتزلة والفلاسفة مع سائر جمهور العقلاء يشنعون عليهم بمخالفتهم لصريح العقل، ومكابرتهم للضروريات. إ هـ.
[ ٢١٠ ]
ففي هذا القدر كفاية، ولعل غير هذه الرسالة يأتي على شرح موافقته لهم فيقفوا عليه إن شاء الله تعالى.
[ ٢١١ ]
الفصل السادس: في إيراد الحجة على أن الكلام لن يُعرَّى عن حرف وصوت البتة، وأن ما عُرّى عنهما لم يكن كلامًا في الحقيقة وإنما سمي في وقت بذلك تجوزًا واتساعًا وتحقيق جواز وجود الحرف والصوت من غير آلة وأداة وهواء منخرق وبيان قول السلف وإفصاحهم بذكر الحرف والصوت أو ما دل عليهما.
ينبغي: أن ينظر في كتب من درج، وأخبار السلف هل قال أحد منهم: إن الحروف المتسقة التي يتأتى١ سماعها وفهمها ليست بكلام الله سبحانه على الحقيقة؟ وأن الكلام غيرها ومخالف لها، وأنه معنى لا يدرى ما هو غير محتمل شرحًا وتفسيرًا؟ فإن جاء ذلك عن أحد من الأوائل والسلف، وأهل النحل قبل مخالفينا الكلابية والأشعرية عذروا في موافقتهم إياه.
وإن لم يرد ذلك عمن سلف من القرون٢ والأمم ولا نطق به كتاب منزل ولا فاه به نبي مرسل ولا اقتضاه عقل، علم جهل مخالفينا وإبداعهم٣
_________________
(١) ١ في الأصل (يأتي) . ٢ في الأصل (القران) وهو تحريف. ٣ أي ابتداعهم: يقال: أبدع الرجل وابتدع: إذا أتى ببدعة، ويقال: أبدعت الشيء إذا اخترعته على غير مثال سابق. انظر: (تاج العروس مادة (بدع) ٥/ ٢٧١) و(الصحاح: للجوهري: ٣/١١٨٢) .
[ ٢١٥ ]
ولن يقدر أحد (في) ١ علمي على إيراد ذلك عن الأوائل ولا اتخاذه إيانا٢ في أثر ولا عقل.
وكل ما يتعلق به مخالفونا في هذا الفصل فمن المجاز، أو بنيات الطرق، والعقل والسمع معًا يؤيدان ما نقوله، وبه ينطق الكتاب والأثر، وثبت العرف به.
فأما تعلقهم ببيت الأخطل٣ فإن معنى قوله: إن البيان من الفؤاد٤ هو: أن المرء إنما يروي في نفسه أولًا ما يريد أن يتكلم به، فالموجب للبيان هو الذي انطوى عليه القلب٥ وحقيقة الكلام هو النطق به المسموع لا غير.
والذي قاله الأخطل إنما يكون في أوقات مخصوصة لآحاد من الناس. والغالب من أحوالهم الكلام على الهاجس٦ بما لم يرددوه في أنفسهم ولم يهموا به.
_________________
(١) (في) ليست في الأصل وزدتها لاقتضاء السياق. ٢ هكذا في الأصل والكلام غير مستقيم ويحتمل أن يكون صوابها هكذا: (ولا اتخاذهم إياه دينًا في أثر أو عقل) . والله أعلم. ٣ تقدم التعريف به، انظر ص ١٢٠. ٤ تقدم البيت بتمامه مع تخريجه، انظر ص ١٢٠. ٥ وهو المعنى. ٦ الهاجس: الخاطر: والهجس: "ما وقع في خلدك، تقول: هجس في قلبي هم وأمر". انظر: (لسان العرب ٦/ ٢٤٦) .
[ ٢١٦ ]
ولو كان حقيقة الكلام ما يتعلق بالفؤاد دون النطق لكان كل ذي فؤاد ناطقًا متكلمًا في حال سكوته، ووجود الآفة به، كالأخرس١ والطفل والنائم.
ولا خلاف بين العقلاء في أن الطفل الرضيع أول (ما) ٢ يولد غير متكلم، وأن الأخرس والساكت ليسا بمتكلمين، وكذلك النائم في الغالب٣.
وقد دل القرآن على أن القرآن هو النطق، وذلك قوله سبحانه: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ ٤. والإنصات عند العرب ترك النطق٥، وقال النبي ﷺ: " رحم الله (من) ٦ تكلم فغنم،
_________________
(١) ١ في الأصل (كالخرس) . (ما) ليست في الأصل. ٣ احترز بقوله في الغالب عما قد يقع من النائم من الكلام في الأحلام والرؤى أحيانًا. ٤ سورة الأعراف آية (٢٠٤) . ٥ قال الراغب: والإنصات: هو الاستماع مع ترك الكلام. (المفردات ٢٨٩) . والإنصات: هو السكوت والاستماع للحديث. انظر: (تاج العروس ١/ ٥٩١) و(لسان العرب ٢/ ٩٩) والسكوت: خلاف النطق، وقيل: هو ترك الكلام مع القدرة عليه. انظر: (تاج العروس أيضًا ١/ ٥٥٣) . (من) في الأصل بالهامش وعليها إشارة تضبيب، ولم أقف على هذه اللفظة إلا عند ابن المبارك في لفظ أشار إليه المحقق في الحاشية انظر: الزهد ١٢٨ حاشية ٣.
[ ٢١٧ ]
أو سكت فسلم" ١
فعلم بذلك أن السكوت والكلام لا يجتمعان في الوقت الواحد، في محل واحد.
ولا خلاف بين صدور علماء المسلمين (في أن) ٢ من قال في نفسه: عبدي حر من غير أن ينطق بذلك، لم يعتق عبده.
ولو قال: عبدي حر نطقًا ثم قال: لم أنو بما قلت عتقه. حكم بعتق العبد ولم يلتفت إلى نيته.
_________________
(١) ١ الحديث روي بألفاظ مختلفة ففي بعضها "رحم الله امرءًا تكلم فغنم أو سكت فسلم". أخرجه البيهقي في شعب الإيمان عن الحسن مرسلًا، وفي بعضها "رحم الله عبدًا قال فغنم أو سكت فسلم ". أخرجه أبو الشيخ عن أبي أمامة، وفي بعضها: "رحم الله عبدًا قال فغنم أو سكت عن سوء فسلم". أخرجه ابن المبارك عن خالد ابن أبي عمران مرسلًا. انظر: السيوطي: الجامع الصغير ٢/ ٢٣، وابن المبارك: الزهد ١٢٨. وللحديث طرق أخرى عند البغوي من حديث كامل بن طلحة (٣/ ٢) والقضاعي في مسند الشهاب (٢/ ٤٧) . من طريقين عن الحسن مرسلًا ومرفوعًا. أشار إلى ذلك الشيخ ناصر الدين الألباني، وقال بعد أن ذكر من خرج الحديث: "فالحديث عندي حسن بمجموع هذه الطرق والله أعلم" انظر: الصحيحة ٢/ ٥٣٥ ح ٨٥٥. وأخرج نحوه الطبراني بلفظ " من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فإذا شهد أمرًا فليتكلم بحق أو ليسكت " من حديث أبي هريرة ﵁ من طريق الجعفي عن زائدة ابن قدامة عن ميسرة الأشجعي، قال: لم يروه عن ميسرة إلا زائدة تفرد به عن الجعفي (المعجم الصغير ١/ ٢٦٢) . ٢ في الأصل (بأن) والسياق يقتضي ما أثبت.
[ ٢١٨ ]
ولو قال إنسان في نفسه: أم فلان زانية أو فلان زان ولم ينطق بذلك لم يلزمه حد القذف، وإن نطق بذلك وقال: ما في نفسي شيء مما قلته. حُدّ، ولم يلتفت إلى ما في نفسه١.
وغير جائز عند ذوي التحصيل تعلق الأحكام بالمجاز دون الحقيقةفيها. فلما وجدنا أحكام الشريعة المتعلقة بالكلام منوطة بالنطق الذي هو حرف وصوت، دون ما في النفس، علمنا أن حقيقة الكلام هي الحرف والصوت.
ولو حلف امرء أنه لا يتكلم ساعة من النهار، فأقام في تلك الساعة
_________________
(١) ١ ذلك لأن الشارع علق المؤاخذة والأحكام على ما يتكلم وينطق الإنسان به دون ما يجول في نفسه، من الحديث والوسوسة، كما في قوله ﷺ: "إن الله تجاوز لي عن أمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تكلم أو تعمل به". وسيورد المؤلف نص الحديث قريبًا. وقد نقل الخطابي الإجماع على معنى ذلك حيث قال: وأجمعوا على أنه لو عزم على الظهار لم يلزمه حتى يلفظ به،- قال: وهو بمعنى الطلاق وكذلك لو حدث نفسه بالقذف لم يكن قاذفًا، ولو حدث نفسه في الصلاة لم يكن عليه إعادة، وقد حرم الله تعالى الكلام في الصلاة، فلو كان حديث النفس بمعنى الكلام لكانت صلاته تبطل. انظر: (معالم السنن ٣/ ١٣٥) . وقال ابن قدامة المقدسي- في مسألة العتق: ويحصل العتق بالقول والملك والاستيلاد،- ثم قال: ولا يحصل بالنية المجردة، لأنه إزالة ملك فلا يحصل بالنية المجردة كسائر الإزالة – وقال: "ولو قال. عبدي حر نطقًا ثم قال لم أنو بما قلت عتقه حكم بعتق العبد ولم يلتفت إلى نيته". (المغني: ١٠/ ٢٩٣ – ٢٩٤) .
[ ٢١٩ ]
يحدث نفسه بأشياء، ولا ينطق بها، كان بارًا غير حانث، ولو كان الكلام هو ما في النفس حنث في أول ما يحدث به نفسه١.
فإن قيل: الأيمان إنما تعلق بالعرف فلذلك لم يحنث إذا لم ينطق.
قيل: هذا أعظم الحجج عليكم لأنكم أُلجئتم إلى إقرار بأن عرف الناس كافة، هو: أن حقيقة الكلام هي النطق الذي لا يعرى عن حرف وصوت، دون ما في النفس. ولو كان الكلام من الفؤاد على ما زعموا لم يجز أن يوصف الله سبحانه بالكلام أصلًا؛ لأنه ليس بذي فؤاد تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا٢.
_________________
(١) ١ حكى ابن قدامة إجماع الفقهاء على ذلك فقال: "واتفق العلماء بأجمعهم على أن من حلف لا يكلم فحدث نفسه بشيء دون أن ينطق بلسانه لم يحنث ولو نطق حنث". انظر: (روضة الناظر ٩٨) . ويشهد لذلك قضية الكلام في الصلاة فقد صح عنه ﷺ أنه قال: " إن صلاتنا هذه لا يصلح فيها شيء من كلام الناس". وقد اتفق العلماء على أن المصلي إذا تكلم في الصلاة عامدًا لغير مصلحتها بطلت صلاته. واتفقوا كلهم على أن ما يقوم بالقلب من تصديق بأمور دنيوية وطلب لا يبطل الصلاة، وإنما يبطلها التكلم بذلك. فعلم اتفاق المسلمين على أن هذا ليس بكلام. انظر: (شرح الطحاوية: ١٩٩) و(الإيمان لابن تيمية: ١٢٧) . ٢ منهج السلف في باب أسماء الله وصفاته ٠"أن لا يوصف الله سبحانه إلا بما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله ﷺ" فلا يجوز أن يوصف الله سبحانه إلا بما ورد به النص ولم يرد نص أنه ذو فؤاد ولا أنه ليس بذي فؤاد، فلا يثبت ولا ينفى لعدم ورود النص. والله أعلم.
[ ٢٢٠ ]
والأخطل نصراني١ إسلامي٢ وهو ومن تقدمه من شعراء الجاهلية، إنما نحتج بقولهم في موضوعات لغة العرب.
ومعرفة الكلام ما هو؟ مما يشترك فيه العرب وسائر الناس ولا يحتج فيه ببيت نادر مع ظهور فساده٣.
وأما احتجاجهم بقوله سبحانه: ﴿وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ يما نقول﴾ ٤
_________________
(١) ١ تقدم نقل ذلك في ترجمته، كما تقدم بيان ضلال النصارى في مسألة كلام الله. انظر: ص١٢٠. ٢ هذه الكلمة لم يتضح لي مناسبتها للسياق، والمعنى بدونها واضح والكلام تام. وقد يكون في الكلام سقط وتقدير الكلام (والأخطل نصراني وليس بإسلامي) أي شاعر نصراني وليس بمسلم. ٣ لشيخ الإسلام ابن تيمية كلام حسن في هذا المعنى يؤيد ما ذهب إليه المؤلف يقول ﵀: " ثم يقال: مسمى الكلام والقول ونحوهما ليس مما يحتاج فيه إلى قول شاعر، فإن هذا مما تكلم به الأولون والآخرون من أهل اللغة وعرفوا معناه في لغتهم كما عرفوا مسمى الرأس، واليد، والرجل. وأيضًا فالناطقون باللغة يحتج باستعمالهم للألفاظ في معانيها لا بما يذكرونه من الحدود فإن أهل اللغة الناطقين لا يقول أحد منهم إن الرأس كذا واليد كذا، والكلام كذا، واللون كذا، بل ينطقون بهذه الألفاظ دالة على معانيها فتعرف لغتهم من استعمالهم. فعلم أن الأخطل لم يرد أن يذكر مسمى الكلام ولا أحد من الشعراء يقصد ذلك البتة وإنما أراد – إن كان قال ذلك – ما فسره به المفسرون للشعر. أي: أصل الكلام من الفؤاد، وهو المعنى " انظر: الإيمان (١٣٢/ ١٣٣) . ٤ في الأصل الآية هكذا (ويقولون في أنفسهم ما ليس لهم علم) وهو خطأ من الناسخ فليس في المصحف آية بهذا النص، وصواب الآية ما أثبت في الأصل وهي في سورة (المجادلة آية ١٨) .
[ ٢٢١ ]
فنقلت١ عليهم؛ لأن القول لما كان في الحقيقة هو الحروف المتسقة٢ المسموعة، والذي من المنافقين بخلاف ذلك بين الله سبحانه أنهم قالوه في أنفسهم.
ونحن لا ننكر تجويز العرب وسائر العقلاء أن يقال: قلت في نفسي، وحدثت نفسي، وإنما نقول: إن ذلك تجوز واتساع وليس بحقيقة الكلام لما ذكرنا أولًا من تعلق الأحكام بما هو حروف دون ما في النفس٣.
وأما تعلقهم بقوله ﷻ: ﴿فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ قَالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا﴾ ٤ فمثل الأول والقول في النفس مجاز وإنما سمي بذلك لأنه يصير في ثاني الحال قولًا، والعرب تسمي الشيء باسم الشيء إذا كان قريبًا منه أو كان منه بسبب٥.
_________________
(١) ١ كذا في الأصل، ولعلها: فتقلب. ٢ في الأصل المشتقة وهو خطأ من الناسخ؛ لأن الحروف ليست من المشتقات. ٣ تقدم ذلك في أول هذا الفصل. ٤ سورة يوسف آية (٧٧) . ٥ قال الثعالبي: "العرب تسمي الشيء باسم غيره إذا كان مجاورًا له أو كان منه بسبب كتسميتهم المطر بالسماء؛ لأنه منها ينزل وفي القرآن: ﴿يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا﴾ أي المطر، وكما قال جل اسمه: ﴿إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا﴾ أي عنبًا ولا خفاء بمناسبتها " انظر: (فقه اللغة وسر العربية ٤٨٤ – ٤٨٥) .
[ ٢٢٢ ]
وقد ذكرنا قول الأوائل والعرب قبل هذا١ وأن الكلام هو الحروف المتسقة٢ والأصوات المقطعة والاسم والفعل والحرف الجاي لمعنى. وقد " نهى النبي ﷺ عن صوم الصمت "٣.
وإذا كان الصامت متكلمًا في حال صمته فلا معنى للنهي.
ومن قول الحكماء: [لئن كان الكلام من فضة فإن السكوت من ذهب] ٤.
_________________
(١) ١ انظر: مقدمة المؤلف. ٢ في الأصل المشتقة وهو خطأ. ٣ د/ الوصايا / باب ما جاء متى ينقطع اليتم ٣/ ٢٩٣ ح ٢٨٧٣ من حديث علي ابن أبي طالب ﵁ ولفظه "حفظت عن رسول الله ﷺ "لا يتم بعد احتلام ولا صمات يوم إلى الليل ". وقال المنذري: في إسناده يحيى بن محمد المدني الجاري. قال الخطابي: يتكلمون فيه. وقال ابن حبان يجب التنكب عما انفرد به من الروايات. وذكر العقيلي هذا الحديث، وذكر أن هذا الحديث لا يتابع عليه يحيى الجاري قال – وقد روي هذا الحديث من رواية جابر بن عبد الله وأنس بن مالك وليس فيها شيء يثبت. إهـ (مختصر سنن أبي داود ٤/ ١٥٢ – ١٥٣) وقال ابن حجر في ترجمة يحيى الجاري: "إنه صدوق يخطيء". انظر: (التقريب ٢/ ٣٥٧) على أن الإمام السيوطي أشار إلى أن الحديث حسن. (الجامع الصغير ٢/ ٢٠٤) وقال الشيخ الألباني: صحيح. انظر: (صحيح الجامع الصغير ٦/ ٢١٣) . ٤ روي ذلك من كلام لقمان الحكيم: انظر: ابن أبي عاصم: الزهد ص ٢٢، وابن أبي الدنيا: الصمت وآداب اللسان ٦١٤ حـ ٧٤١. ورواه ابن أبي الدنيا من كلام سليمان بن داود ﵉. انظر: ص ٢١٦ حـ ٤٧ المرجع السابق.
[ ٢٢٣ ]
ففضل السكوت على الكلام لاقتران السلامة به. فإن النبي ﷺ قال: "من صمت نجا "١.
والشاعر قال:
ما إن ندمت على سكوت مرة فلقد ندمت على الكلام مرارًا٢
_________________
(١) ١ ت: صفة القيامة / باب رقم ٥٠ جـ ٤/ ٦٦٠ حـ ٢٥٠١ من حديث عبد الله ابن عمرو. وقال: "هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث ابن لهيعة ". دي: رقائق / باب في الصمت ٢/ ٢٩٩ من طريق ابن لهيعة من حديث عبد الله ابن عمرو أيضًا. حم: ٢/ ١٥٩، ١٧٧. قال الشيخ محمد ناصر الدين الألباني بعد أن ساق قول الترمذي السابق: "قلت يعني أنه ضعيف لسوء حفظ ابن لهيعة الذي عرف به، لكن رواه عنه بعض العبادلة الذين حديثهم عنه صحيح عند المحققين من أهل العلم منهم عبد الله بن المبارك فقال في كتاب الزهد: (ق١٧٢/١ كواكب ٥٧٥ ورقمه ٣٨٥) . طبع الهند وانظر كتاب الزهد/ باب حفظ اللسان ص١٣٠ بتحقيق الأعظمي. انبأنا عبد الله بن لهيعة به، ومنهم عبد الله بن وهب فرواه في الجامع ٤٩، وأخرجه ابن شاهين في الترغيب (ق ١٠٧ / ١) من طريق ابن وهب عنه به، لكنه قرن معه عمرو بن الحارث، وهو ثقة. ولعل الطبراني أخرجه من هذه الطريق فقد قال المنذري: (٤/ ٩) رواه الترمذي وقال غريب والطبراني رواته ثقات، ونقل المناوي عن الزين العراقي أنه قال: "سند االترمذي صعيف وهو عند الطبراني بسند جيد اهـ، انظر: فيض القدير ٦/١٧١. (سلسلة الأحاديث الصحيحة ٢/ ٦٢ حـ ١٧١) . ٢ ذكره ابن حبان البستي مع بيت قبله وبيتين بعده ولم يعزها لأحد. فقال: ولقد أحسن الذي يقول: إن يعجبك السكوت فإنه قد كان يعجب قبلك الأخيارا ولئن ندمت على سكوت مرة فلقد ندمت على الكلام مرارا إن السكوت سلامة ولربما زرع الكلام عداوة وضرارا وإذا تقرب خاسر من خاسر زادا بذلك خسارة وتبارا (روضة العقلاء ونزهة الفضلاء ص ٤٥) .
[ ٢٢٤ ]
والذي يقول في نفسه من غير أن ينطق به ساكت عند الخلق كافة. ولا يقع التفاضل بينه وبين السكوت وإنما يقع ذلك بين النطق بالحروف والأصوات والسكوت عنه.
وقال عمر١بن الخطاب ﵁ في حديث السقيفة٢: [وكنت زورت في نفسي مقالة أردت أن أقوم بها بين يدي أبي بكر] ٣ فبين أنه لم يقم بها في حال تزوره. والتزوير٤ في هذا الموضع هو: أن يروي المرء في نفسه أولا ما يحب أن يتكلم به ويصلحه، ويتأمل إن قيل به، حتى يتصور كالمقول ثم ينطق به. وهذا شأن ذوي التحصيل خيفة منهم على٥ وقوع الزلل مع العجلة.
وقال النبي ﷺ: "إن الله تجاوز لي عن أمتي ما حدثت به أنفسها ما
_________________
(١) ١ في الأصل (بن عمر) ومضروب على كلمة (بن) . ٢ أي سقيفة بني ساعدة. ٣ خـ: كتاب الحدود / باب رجم الحبلى من الزنا ١٢/ ١٤٤ حـ ٦٨٣٠ من حديث عبد الله بن عباس. وفيه: "وكنت قد زورت مقالة أعجبتني أريد أن أقدمها بين يدي أبي بكر". حم: ١/ ٥٦. بلفظ البخاري. ٤ قال الأصمعي: "التزوير تهيئة الكلام وتقديره، والإنسان يزور كلامًا، وهو أن يقومه ويتقنه قبل أن يتكلم به". انظر: (لسان العرب ٤/ ٣٣٧) . ٥ كذا بالأصل ولعل الأصوب (من) .
[ ٢٢٥ ]
لم تكلم أو تعمل به" ١.
وهو حديث صحيح مشهور، وقد تلقته الأمة بالقبول وعلقوا به كثيرًا من الأحكام.
وقد أخرج النبي ﷺ حديث النفس عن أن يكون كلامًا في الحقيقة بقوله: "ما لم تتكلم به٢ فبين أن من تحدث (في) ٣ نفسه بالشيء غير متكلم به في تلك الحالة وغير مؤاخذ بما كان منه.
وقال اليزيدي٤ في كتاب "ما اتفق لفظه واختلف معناه من لغات
_________________
(١) ١ خ: كتاب العتق / باب الخطأ والنسيان ٥/ ١٦٠ حـ ٢٥٢٨ من حديث أبي هريرة ﵁. وكتاب الأيمان والنذور / باب إذا حنث ناسيًا في الأيمان ١١/ ٥٤٨ حـ ٦٦٦٤. وكتاب الطلاق باب الطلاق في الإغلاق والنسيان ٩/ ٣٨٨ حـ ٥٢٦٩. م: الإيمان /باب تجاوز الله عن حديث النفس والخواطر ١/١١٦ حـ ٢٠١، ٢٠٢ ت: الطلاق / باب ما جاء فيمن يحدث نفسه بطلاق امرأته ٣/ ٤٨٠ حـ ١١٨٣ د: الطلاق / باب في الوسوسة بالطلاق ٢/ ٦٥٧ حـ ٢٢٠٩. ن: الطلاق / باب من طلق في نفسه ٦/ ١٢٧. جه: الطلاق / باب من طلق في نفسه ولم يتكلم ١/ ٦٥٨ حـ ٢٠٤٠، وباب طلاق المكره والناسي ١/ ٦٥٩ حـ ٢٠٤٤. حم: ٢/ ٤٢٥، ٤٧٤، ٤٨١، ٤٩١ مسند أبي هريرة. ٢ في الأصل يتكلم وهو خلاف الرواية. ٣ ليست في الأصل. والسياق يقتضيها. ٤ هو إبراهيم بن أبي محمد يحيى بن المبارك بن المغيرة العدوي اليزيدي أبو إسحاق، أديب وشاعر من ندماء المأمون العباسي، توفي سنة ٢٢٥ هـ. ترجمته لدى: ابن خلكان: وفيات الأعيان ٦/ ١٩٠، والأعلام: ١/ ٧٤.
[ ٢٢٦ ]
العرب"١: الحرف هو الواحد من حروف الكلام، والحرف حرف البئر وحرف الرغيف، وحرف كل شيء جانبه، والحرف الشك، فسروا قوله جل وعز: (على حرف) ٢ على شك، والحرف الناقة الضامرة التي قد نحلت٣.
فبين أن الكلام عند العرب هو الحروف لا غير.
واليهود، والنصارى، مقرون بأن لله كلامًا، ومختلفون في نفي الخلق عنه وإثباته كاختلاف المسلمين، ومجمعون على أن الكلام لا يكون إلا حرفًا وصوتًا. فإن قال قائل: إن أكثر ما ذكرت في هذا الفصل مما يتعلق / بالشاهد والله تعالى بخلاف المشاهدات. فوجب أن لا يكون كلامه حرفًا وصوتًا، إلا أن يأتي نص من الكتاب أو إجماع من الأمة، أو خبر من أخبار التواتر بأن كلام الله سبحانه حرف وصوت.
قيل له: الواجب أن يعلم أن الله تعالى إذا وصف نفسه بصفة هي معقولة عند العرب، والخطاب ورد بها عليهم بما يتعارفون بينهم ولم يبين سبحانه أنها بخلاف ما يعقلونه، ولا فسرها النبي ﷺ لما أداها بتفسير
_________________
(١) ١ ص: ٢٤٥، بتحقيق د. عبد الرحمن بن سليمان العثيمين. ٢ سورة الحج آية ١١ – وهي قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ﴾ . ٣ وانظر هذه المعاني والإطلاقات للحرف في: (لسان العرب ٩/ ٤١ – ٤٢) .
[ ٢٢٧ ]
يخالف الظاهر فهي على يعقلونه ويتعارفونه.
والذي يوضح ذلك: هو أن الله سبحانه قد أثبت لذاته علمًا ونطق بذلك كتابه فقال: ﴿أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ ١ وكان المعقول من العلم عند المخاطبين به أنه إدراك المعلوم على ما هو به فكان علم الله سبحانه إدراك المعلوم على ما هو به، وعلم المحدث أيضًا إدراك المعلوم على ما هو به.
وكذلك لما أثبت الله لنفسه السمع بدلالة النص حيث قال: ﴿ِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ ٢ وقال النبي ﷺ في ذكر الحجب: (ما أدركه بصره) ٣ وقالت عائشة٤ ﵂: (يا سبحان الله من وسع سمعه الأصوات)
_________________
(١) ١ سورة النساء: جزء من آية (١٦٦) . ٢ سورة النساء جزء من آية (٥٨) . ٣ م: كتاب الإيمان / باب قوله ﵇ إن الله لا ينام، وفي قوله: حجابه النور ١/ ١٦١ ح ٢٩٣ من حديث أبي موسى وفيه: "حجابه النور – وفي رواية أبي بكر النار – لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه".جه: المقدمة / باب فيما أنكرت الجهمية ١/ ٧٠ حـ ١٩٥ – ١٩٦. حم: ٤/ ٤٠١، ٤٠٥ من حديث أبي موسى من طريقين في أحدهما: " لوكشفه لأحرقت سبحات وجهه كل شيء أدركه بصره". ٤ أم المؤمنين عائشة بنت أبي بكر الصديق ﵄، أفقه نساء العالمين توفيت سنة٥٨ وقيل ٥٧ هـ. انظر: (ابن حجر: الإصابة ٤/ ٣٥٩) و(الاستيعاب ٤/ ٣٥٦ مع الإصابة) . ٥ خ: تعليقًا بصيغة الجزم: كتاب التوحيد / باب: "وكان الله سميعًا بصيرًا" ١٣/ ٣٧٢ فقال: قال الأعمش عن تميم عن عروة عن عائشة قالت: "الحمد لله الذي وسع سمعه الأصوات ". جه: المقدمة/باب فيما أنكرت الجهمية ١/٦٧حـ ١١٨ بلفظ البخاري وبأتم منه. حم: ٦/ ٤٦. ابن أبي عاصم: السنة ١/ ٢٧٨ حـ ٦٢٥. والآجري في الشريعة ٢٩١ من طريقين أحدهما بلفظ "الحمد لله الذي وسع سمعه الأصوات". والآخر: "تبارك الله الذي وسع سمعه الأصوات كلها". واللالكائي: شرح أصول اعتقاد أهل السنة ٣/ ٤١٠ حـ٦٨٩. وقال الشيخ الألباني في ظلال الجنة في تخريج السنة لابن أبي عاصم: "إسناده حسن، ورجاله ثقات رجال مسلم على ضعف في يحيى بن عيسى الفاخوري الرملي، لكنه قد توبع كما يأتي، فالحديث صحيح. ثم أشار إلى رواية الإمام أحمد وابن ماجه وابن جرير. ثم قال – قلت: وهذا إسناد صحيح على شرط مسلم " انظر: السنة ١/ ٢٧٨. ولم أجده بنص لفظ المصنف.
[ ٢٢٨ ]
وكان المعقول أن السمع هو إدراك المسموعات على ما هي به، والبصر إدراك كل ما يبصر على ما هو به، كان سمعه سبحانه إدراك المسموع، وبصره إدراك ما يبصر (به) ١ وكذلك سمع المحدث وبصره، ومع ذلك فليس مثل علمه علم، ولا مثل سمعه وبصره سمع ولا بصر، لأن علمه صفة لازمة لذاته سبحانه في الأزل لا يدخل عليه السهو، ولا يجوز الجهل ولا النسيان٢. وعلم المحدث عرض مكتسب، يوجد وقتًا ويعدم وقتًا. وكذلك السمع والبصر ليسا من الله تعالى جارحتين، وهما
_________________
(١) ١ قوله (به) زائدة هنا ولعلها خطأ من الناسخ، إذ أن في إثباتها إخلالًا بالمعنى المراد. والله أعلم. ٢ في الأصل (نسيان) .
[ ٢٢٩ ]
من المحدث جارحتان.
وهذه القضية توجب أن يكون كلامه حرفًا وصوتًا، وكذلك كلام المحدث، إلا أن كلامه معجز ولا انتهاء له وأزلي١ وكلام المحدث غير معجز وهو متناه، وعرض لم يكن في وقت، ولا يكون في وقت.
وكلامه سبحانه بلا أداة ولا آلة ولا جارحة، وكلام المحدث لا يوجد إلا عن أداة وآلة وجارحة في المعتاد٢.
وقول الأشعري: "لما كان سمعه بلا انخراق وجب أن يكون كلامه بلا حرف ولا صوت". مغالطة وبناؤه لا يقتضي ما قاله، وإنما يقتضي: أن سمعه لما كان بلا انخراق وجب أن يكون كلامه من غير لسان وشفتين وحنك، ولو قال ذلك لاستمر ولم يقع فيه خلاف. وإنما موه، وغالط ويمر ذلك على من قصر علمه.
_________________
(١) ١ يريد ﵀ أنه أزلي النوع. فإن من مذهب محققي أهل السنة أن كلام الله ﷿ أزلي النوع حادث الآحاد. وصنيع المصنف ﵀ في هذا الكتاب يدل على ما أشرنا إليه. ٢ احترز عما ورد أنه تكلم من المحدثات وليس له في الشاهد أداة ولا جارحة كما ذكر جل وعلا عن السماوات والأرض أنها (قالتا أتينا طائعين) وما ورد من تكلم الذراع والحجر وحنين الجذع كما سيأتي كل ذلك قريبًا. ومذهب السلف عدم النفي والإثبات إلا بنص، فلا نثبت الأدوات والجوارح ولا ننفيها إذ لم يرد دليل على تكلمه بأدوات، أو أن كلامه بدون أدوات. فيتوقف في الأمر ويكتفي بإثبات ما أثبته النص وهو تكلمه سبحانه.
[ ٢٣٠ ]
فهذا الذي ذكرناه من طريق العقل الذي يدعون أنه الحجة القاطعة.
وأما على طريقتنا١: فالله سبحانه قد بين في كتابه ما كلامه؟ وبين رسوله ﷺ، واعترف به الصدر الأول والسلف الصالح ﵏، وآمنوا به. فقال الله سبحانه: ﴿فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ ٢ اللَّهِ﴾ ٣ وقال: ﴿فَاقْرَأُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ ٤ وقال: ﴿فَاقْرَأُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ ٥.
وما سمع مستجير قط إلا كلامًا ذا حروف وأصوات، ولا قرأ قارئ البتة إلا ذلك.
فلما (سمى) ٦ سبحانه هذا القرآن العربي (الفصل) ٧ كلامه علم أن كلامه حروف، كيف وقد أكد ذلك بذكر الحروف المقطعة في أوائل السور منه مثل: ﴿الم﴾ ٨، و﴿الر﴾ ٩،
_________________
(١) ١ أي طريقة السلف في إثبات الأسماء والصفات. وهي اتباع النص والإيمان بما وردت به النصوص الصحيحة. ٢ في الأصل (كلامه) وهو خطأ. ٣ سورة التوبة: آية (٦) . ٤ سورة المزمل: آية (٢٠) . ٥ سورة المزمل: آية (٢٠) . ٦ في الأصل: في الحاشية من أعلى، وفي الحاشية من اليمين أعادها مع الكلمة التي بعدها.
(٢) لعلها (المفصل) . (آية ١) في كل من سورة (البقرة) و(آل عمران) و(العنكبوت) و(الروم) و(لقمان) و(السجدة) . (جزء من آية ١) في كل من سورة (هود) و(يوسف) و(إبراهيم) .
[ ٢٣١ ]
و﴿كهيعص﴾ ١، و﴿طه﴾ ٢، و" ﴿حم﴾ ٣، و﴿يس﴾ ٤، و﴿ص﴾ ٥، و﴿ق﴾ ٦، و﴿ن﴾ ٧.
فمن زعم أنها ليست من القرآن فهو كافر، ومن زعم أنها من القرآن والقرآن ليس بكلام الله فهو كافر، ومن زعم أنها عبارة عن الكلام الذي لا حروف فيه قيل له: هذا جهل وغباء؛ لأن الكلام الذي تزعمه ليس يعرفه سواك، ولا يدري ما هو غيرك وأنت أيضًا لا تدريه٨ وإنما تتخبط فيه.
ثم لو كان قولك صحيحًا لوجب أن تكون عنه مفهومة المعنى بالاتفاق، لأن موضوع العبارة التفسير، ليفهم ما أشكل من ظاهر الكلام، فإذا كان الكلام شيئًا واحدًا لا يدرى ما تفسيره، وكانت العبارة عنه حروفًا كثير الاختلاف في معانيها، ولم يتفق على معنى منها لم تفد العبارة شيئًا. والنبي ﷺ يقول: "من قرأ سورة الإخلاص "٩
_________________
(١) ١ سورة مريم: (آية ١) . ٢ سورة طه: (آية ١) . ٣ آية (١) في كل من سورة (غافر) و(فصلت) و(الشورى) و(الزخرف) و(الدخان) و(الجاثية) و(الأحقاف) . ٤ سورة يس: (آية ١) . ٥ سورة ص: (جزء من آية ١) . ٦ سورة ق: (جزء من آية ١) . ٧ سورة القلم: (جزء من آية ١) . ٨ في الأصل (فلا تدريه) . ٩ المشهور لفظ: (من قرأ قل هو الله أحد) وانظر: السيوطي في الجامع ٢/ ١٧٨. ولم أجد تخريجه بنص المؤلف. وحيث إنه إنما أورده بهذا اللفظ للاستشهاد به على أن النبي ﷺ بين أن القرآن سورٌ، فيحسن أن نبين أنه ثبت عنه ﷺ أنه صرح بذلك في عدة أحاديث صحيحة ثابتة نذكر منها على سبيل الإيجاز:
(٢) قوله ﷺ "اقرأوا الزهراوين البقرة وسورة آل عمران اقرأوا سورة البقرة " أخرجه م: / كتاب صلاة المسافر ١/ ٥٥٣ حـ ٢٥٢ وحـ ٢٥٣ وفيه: " يؤتى بالقرآن يوم القيامة وأهله الذين كانوا يعملون به تقدمه سورة البقرة وآل عمران".
(٣) وقوله ﷺ: "الآيتان من آخر سورة البقرة من قرأهما في ليلة كفتاه" م: / صلاة المسافر ١/ ٥٥٣ حـ ٢٥٥. ٣ – قوله ﷺ "من حفظ عشر آيات من سورة الكهف عصم من الدجال" م: / كتاب صلاة المسافر ١/ ٥٥٣ حـ ٢٥٥. والله ﷿ قد أفصح في القرآن الكريم بأن القرآن سور وآيات فقال ﷿: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّنْ مِثْلِهِ﴾ (سورة البقرة آية ٢٣) وقال: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ﴾ (سورة هود آية ١٣) وذلك كثير في كتاب الله ﷿.
[ ٢٣٢ ]
و" من قرأ آية الكرسي "١. و" من قرأ حرفًا من
_________________
(١) ١ الحديث له بقية مذكورة في مواطنها من كتب الحديث والمصنف اقتصر على محل الشاهد منه وأنا أشير إلى من خرجه دون الإشارة إلى ألفاظه نظرًا لاتفاق الروايات على محل الشاهد. فأخرجه: ت/ فصائل القرآن / باب ما جاء في فضل سورة البقرة وآية الكرسي ٥/ ١٥٧ حـ ٢٨٧٩ من حديث أبي هريرة، وقال هذا حديث غريب. دي/ فصائل القرآن / باب فضل أول سورة البقرة وآية الكرسي ٢/ ٤٤٩ من حديث أبي هريرة أيضًا. وابن السني (عمل اليوم والليلة/ باب ما يستحب أن يقرأ في اليوم والليلة ٢٥٤ حـ ٦٩٢ من حديث أبي هريرة أيضًا. وأورده الهيثمي من حديث أبي أمامة رضي الله تعالى عنه، وقال رواه الطبراني في الكبير والأوسط بأسانيد وأحدها جيد. مجمع الزوائد ١٠/ ١٥٢) كما أورده الألباني في (سلسلة الأحاديث الصحيحة ٢/٦٩٧ ح ٩٧٢ وأشار إلى صحة الحديث من عدة طرق.
[ ٢٣٣ ]
القرآن" ١.
فبين أن القرآن سور وآي وحروف. ويقول: " من حلف بسورة البقرة لزمه في (كل) ٢ آية كفارة " ٣.
_________________
(١) ١ ت/ فصائل القرآن/ باب ما جاء فيمن قرأ حرفًا من القرآن ما له من الأجر ٥/ ١٧٥ حـ ٢٩١٠ من حديث عبد الله بن مسعود ﵁. وفيه "من قرأ حرفًا من كتاب الله ". وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه. وذكره الهيثمي: من حديث عوف بن مالك الأشجعي. وقال: رواه الطبراني في الأوسط والكبير والبزار، وفيه موسى بن عبيد الربذي وهو ضعيف. (مجمع الزوائد ٧/ ١٦٣) . ٢ في الأصل: في الهامش، أشار إليها بعلامة الحاق. ٣ أخرجه عبد الرزاق مرسلًا عن مجاهد عن النبي ﷺ بلفظ: "من حلف بسورة من القرآن فعليه لكل آية يمين صبر من شاء بره ومن شاء فجره " وأخرجه عن الحسن موقوفًا (المصنف ٨/ ٤٧٣ حـ ١٥٩٤٨ و١٥٩٤٩) . ورواه الخلال عن الإمام أحمد عن الحسن مرسلًا أيضًا (المسند من مسائل الإمام أحمد برواية الخلال لوحة ١٧٢) مخطوط. وفي المطبوع ٦/ ٨٨ برقم ١٩٢٣ وأخرجه البيهقي من طريق مجاهد ومن طريق الحسن. وقال: هذا الحديث إنما روي من وجهين جميعًا مرسلًا، ثم قال: وروي عن ثابت الضحاك موصولًا مرفوعًا وإسناده ضعيف. (السنن الكبرى ١٠/ ٤٣) .
[ ٢٣٤ ]
وروى: "في كل حرف"١ وأفتى بذلك غير واحد من الصحابة - رضوان الله عليهم - منهم عبد الله بن مسعود٢ وأبو هريرة٣.
وأظهر مما ذكرنا ويبين خزي مخالفينا فيه قول الله سبحانه: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ ٤ وكن حرفان ولا يخلو الأمر من أحد وجهين، إما أن يكون المراد بقوله: (كن) التكوين كما قالت
_________________
(١) ١ ورد بهذا اللفظ موقوفًا على ابن مسعود عند عبد الرزاق: انظر: (المصنف ٨/ ٤٧٢ حـ ١٥٩٥٠) . ٢ انظر: (المصنف ٨/ ٤٧٢ حـ ١٥٩٤٧) ولفظه: (عن أبي كنف أن ابن مسعود مر برجل وهو يقول وسورة البقرة. فقال: أتراه مكفرًا؟ أما إن عليه بكل آية يمينًا) . وبرواية أخرى عن أبي الأحوص عن ابن مسعود أنه سمع رجلًا يقول: وسورة البقرة يحلف بها فقال أما إن عليه بكل حرف منها يمينًا) . (حـ ١٥٩٥٠) . وأخرجه بنحو اللفظ الأول: الخلال في (المسند من مسائل الإمام أحمد لوحة (١٧٢ خـ) . وفي المطبوع ٦/ ٨٨ برقم ١٩٢٥. وأخرج نحوه أيضًا البيهقي في (السنن الكبرى ١٠/ ٤٣) وقال: "فقول عبد الله بن مسعود ﵁ مع الحديث المرسل فيه دليل على أن الحلف بالقرآن يكون يمينًا في الجملة، ثم التغليظ في الكفارة متروك بالإجماع". ونقل ابن عبد البر الإجماع على اعتبار ذلك يمينًا تجب فيه الكفارة فقال: (فالذي أجمع عليه العلماء في هذا الباب هو أنه من حلف بالله أو باسم من أسماء الله أو بصفة من صفاته أو بالقرآن أو بشيء منه فحنث فعليه كفارة يمين، وعلى ما وصف الله في كتابه من حكم الكفارة، وهذا ما لا خلاف فيه عند أهل الفروع) التمهيد١٤/٣٦٩. ٣ أخرجه إسحاق بن راهويه في مسنده: ١/ ٤٠٢ برقم ٤٤٢. ٤ سورة النحل: آية (٤٠) .
[ ٢٣٥ ]
المعتزلة١ أو يكون المراد به ظاهره وأن الله تعالى إذا أراد إنجاز شيء قال له كن. على الحقيقة فيكون.
وقد اتفق الأشعري معنا على أنه على ظاهره لا بمعنى التكوين٢ واستدل على نفي الخلق عن القرآن لما رد على المعتزلة بقوله: (كن) فإن ثبت على أنه على ظاهره فهو حرفان وانتقض مذهبه. وإن قال: إنه ليس بحرف البتة صار بمعنى التكوين، ولم يبق بينه وبين المعتزلة فرق.
وأيضًا فلو كان الكلام غير حرف، وكانت الحروف عبارة عنه لم يكن بد٣ من أن يحكم لتلك العبارة بحكم إما أن يكون الله أحدثها في صدر، أو لوح، أو أنطق بها بعض عبيده فتكون منسوبة إليه.
(فيلزم) ٤ الأشعري أو من قال بقوله أن يفصح بما عنده في السور
_________________
(١) ١ قال القاضي عبد الجبار: (وإن الصحيح في هذا الباب إنما يحدث ما يحدثه بكونه قادرًا على ما نقوله) (شرح الأصول الخمسة ٥٦٣) . ٢ انظر: (الإبانة ٦٥ –٦٦) . وقال في: كتاب اللمع ص٣٤: "فإن قال قائل: ما أنكرتم أن يكون معنى قوله تعالى: ﴿أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ أي نكونه فيكون من غير أن يقول له في الحقيقة شيئًا، قيل له: قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾، فلو جاز لقائل أن يقول لم يكن الله تعالى قائلًا لشيء في الحقيقة "كن" وإنما المعنى أن نكونه فيكون، لجاز لزاعم أن يزعم أن الله تعالى لا يريد شيئا.. وإنما معنى (أردناه) فعلناه من غير أن تكون إرادة على وجه من الوجوه " ٣ في الأصل: (مد) وهو تحريف. ٤ في الأصل: (فليزم)
[ ٢٣٦ ]
والآي والحروف، أهي عبارة جبريل أم عبارة محمد ﵉.
ثم يلزمه أيضًا أن يوسع على الخلق في العدول عن ألفاظها إلى غير تلك الألفاظ مما يؤدي معناها، كما وسع عليهم في التفسير والمعاني.
وأن يجيز لهم القراءة في الصلاة بأي لغة أرادوا، إذا أدوا معنى ما في السور؛ لأن التضييق إنما وقع لكون السور كلام الله. فأما من قال: إنها ليست بكلام الله البتة فلا معنى لتضييقه.
والإجماع حاصل من الفقهاء على أن الصلاة لا تجزي إلا بقراءة هذا النظم على ما هو به١ إلا ما كان من أبي حنيفة٢ فإنه قال: " تجوز القراءة بالفارسية "٣. وقد سألت القاضي أبا جعفر
_________________
(١) ١ حكى الباقلاني المنع من قراءة القرآن بالفارسية وقال إن القرآن سنة متبعة وإن ذلك مذهب السلف والخلف من الأمة، وأنه لا يجوز بدل اللفظة منه بما هو في معناه من العربية بالفارسية – قال – ولم يزل الأمر على ذلك إلى أن حدث خلاف بعض أصحاب أبي حنيفة – فبعضهم ينكره على أبي حنيفة وبعضهم يثبته. (الانتصار للقرآن ٣٣٧) وقال ابن قدامة: "ولا تجزئه القراءة بغير العربية. ولا إبدال لفظها بلفظ عربي سواء أحسن قراءتها – أي الفاتحة – بالعربية أو لم يحسن، وبه قال الشافعي وأبو يوسف ومحمد، وقال أبو حنيفة: يجوز ذلك". (المغني ١/ ٤٨٦) . ٢ وهو النعمان بن ثابت بن زوطا التيمي مولاهم الكوفي (٨٠ – ١٥٠) أحد الأئمة الأربعة. انظر ترجمته في: (تذكرة الحفاظ ١/ ١٦٨) . ٣ قال السرخسي: "إذا قرأ في صلاته بالفارسية جاز عند أبي حنيفة ﵀ ويكره" المبسوط ١/ ٣٧) وقال السمرقندي في (تحفة الفقهاء) "ولو قرأ القرآن بالفارسية في الصلاة فعلى قول أبي حنيفة تجوز صلاته سواء كان يحسن العربية أو لا يحسن. وقال أبو يوسف ومحمد: إن كان يحسن العربية لا يجوز وإن كان لا يحسن يجوز، وقال الشافعي لا يجوز في الحالتين" (١/ ٢٢٥) .
[ ٢٣٧ ]
النسفي١ عن هذه المسألة، فحكى عن أبي بكر الرازي٢ أنها تجوز عند أبي حنيفة إن سميت الفارسية قرآنا٣ وقال أبو جعفر: فالكلام يرجع إلى ارتفاع الخلف.
وسألت أبا محمد عبد الله بن الحسين الناصحي٤ قاضي قضاة٥
_________________
(١) ١ هو: محمد بن أحمد بن محمود القاضي أبو جعفر النسفي، كان من أعيان الفقهاء، أخذ عن أبي بكر الرازي عن الكرخي، ومات سنة أربع عشرة وأربعمائة. انظر: (الفوائد البهية في تراجم الحنفية ١٥٧) . ٢ هو أبو بكر أحمد بن علي الجصاص، شيخ الحنفية في وقته صاحب أبي الحسن الكرخي له من الكتب شرح مختصر الطحاوي، وكتاب أحكام القرآن، وكتاب شرح الجامع الكبير لمحمد بن الحسن. ولد سنة ٣٠٥هـ وتوفي ببغداد سنة٣٧٠هـ. انظر ترجمته لدى: ابن النديم: الفهرست ص٢٩٣، الذهبي: تذكرة الحفاظ ٣/٩٥٩ وابن العماد: شذرات الذهب ٣/٧١، وسزكين: تاريخ التراث العربي ٢/٩٥. ٣ وحكى ذلك عنه أيضًا: الباقلاني: الانتصار ٣٣٧. ٤ هو عبد الله بن الحسين أبو محمد الناصحي – وناصح اسم بعض أجداده شيخ الحنفية في عصره والمقدم على الأكابر من القضاة والأئمة في دهره، كان ورعًا مجتهدًا ثقة صالحًا دينًا، وكان إمامًا كبيرًا له مجلس التدريس والفتوى، ولي قضاء القضاة للسلطان محمود بن سبكتكين ببخارى. قدم بغداد حاجًا سنة ٤١٢، وتوفي سنة ٤٤٧ هـ. ومن تصانيفه: تهذيب أدب القضاة للخصاف. انظر ترجمته في: (الجواهر المضيئة ٢/ ٣٠٥ – ٣٠٦) و(الفوائد البهية ١٠٢) و(الأعلام ٧/ ١٠٣ في الحاشية) . ٥ كره بعض أهل العلم إطلاق قاضي القضاة، وألحقوه بالتسمي ب (ملك الأملاك) الذي ورد في قوله ﷺ: "إن أخنع اسم عند الله رجل يسمى ملك الأملاك لا مالك إلا الله" في: ١٠/ ٥٨٨، م: ٣/ ١٦٨٨. وممن كره ذلك ابن أبي جمرة، والعراقي. انظر: (تيسير العزيز الحميد ٦١٣) .
[ ٢٣٨ ]
خراسان١ عنها فقال: إنما تجوز القراءة بالفارسية إذا وافقت النظم والبلاغة وذلك متعذر.
ثم عند أبي حنيفة لا يجوز أن يقرأ بالعربية بغير ألفاظه، ومقتضى مذهب الأشعري جواز ذلك.
وإذا أفصح بأنها عبارة محمد وافق الوليد بن المغيرة٢ لما قال: ﴿إِنْ هَذَا إِلاَّ قَوْلُ الْبَشَرِ﴾ ٣ ونحن (نقول) ٤ هو كلام الله تعالى. لقوله سبحانه: ﴿فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾ ٥ فمن لم يميز بين المقالتين كان كمن حش له٦. فهذا في الحروف.
_________________
(١) ١ خراسان: سيأتي التعريف بها. ٢ هو: الوليد بن المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم أبو عبد شمس، من قضاة العرب في الجاهلية، ومن زعماء قريش، أدرك الإسلام وهو شيخ هرم فعاداه وقاوم دعوته. هلك بعد الهجرة بثلاثة أشهر وهو والد سيف الله خالد بن الوليد. انظر ترجمته في: تاريخ اليعقوبي ١/ ٢٥٨ وانظر تحقيق مقالته في القرآن: (تفسير ابن كثير ٤/ ٤٤٢ – ٤٤٣) . ٣ سورة المدثر: (آية ٢٥) . (نقول) ليست في الأصل، والسياق يقتضي إضافتها. ٥ سورة التوبة (آية ٦) . ٦ أي: كالدابة يقطع ويجلب لها الحشيش وهو اليابس من الكلأ. انظر: (ابن منظور: لسان العرب ٦/ ٢٨٢) مادة (حشش)
[ ٢٣٩ ]
وأما الصوت: فقد زعموا أنه لا يخرج إلا من هواء١ بين جرمين وذلك لا يجوز وجوده من ذات الله تعالى.
والذي قالوه باطل من وجوه: ألا ترى أن النبي ﷺ ذكر سلام الحجر عليه٢، وعلم تسليم الحصا في يده٣، وتسبيح
_________________
(١) ١ في الأصل: (هوايين) وهو تصحيف. ٢ وذلك قوله ﷺ: " إني لأعرف حجرًا بمكة كان يسلم علي قبل أن أبعث إني لأعرفه الآن". أخرجه م / فضائل / باب فضل نسب النبي ﷺ وتسليم الحجر عليه ٤/ ١٧٨٢ حـ (٢٢٧٧) من حديث جابر بن سمرة ﵁. ت / مناقب / باب في آيات نبوة النبي ﷺ ٥/ ٥٩٢ حـ ٣٦٢٤ نحوه. حم: ٥/ ٨٩. دي: المقدمة باب ما أكرم الله به نبيه من إيمان الشجر والبهائم والجن ١/ ١٢. ٣ يشير إلى ما جاء من حديث أبي ذر ﵁ قال: "كنا عند النبي ﷺ فأخذ حصيات فسبحن في يده، ثم وضعهن فخرسن، ثم أخذهن فسبحن، ثم أعطاهن أبا بكر فسبحن في يده فوضعهن فخرسن، ثم أعطاهن عمر فسبحن في يده، ثم وضعهن فخرسن، ثم أخذهن فخرسن، ثم أعطاهن عثمان فسبحن في يده، ثم أعطاهن عليًا فوضعهن فخرسن". قال الزهري: "الخلافة أعطاها الله أبا بكر وعمر وعثمان" قال الهيثمي: رواه الطبراني في الأوسط وفيه محمد بن أبي حميد وهو ضعيف. وله طريق أحسن من هذا في علامات النبوة وإسناه صحيح. (مجمع الزوائد ٥/ ١٧٩) . وقال بعد إيراده الطريق الآخر: رواه البزار بإسنادين، ورجال أحدهما ثقات وفي بعضهم ضعف (٨/ ٢٩٩) . وأخرجه اللالكائي في (شرح) أصول اعتقاد أهل السنة ٤/ ٨٠٠ حـ ١٤٥٧ من حديث أبي ذر أيضًا – ﵁ – وقال محققه (إسناده ضعيف) . وقال الحافظ ابن حجر بعد أن ذكر الحديث وأشار إلى من خرجه: وأما تسبيح الحصى فليس له إلا هذه الطريق مع ضعفها. انظر: (فتح الباري ٦/ ٥٩٢) .
[ ٢٤٠ ]
الطعام١، بين يديه٢، وحنين الجذع عند مفارقته إياه٣، وما (جا) ٤ لشيء من ذلك هواء منخرق بين جرمين.
_________________
(١) ١ في الأصل (العظام) وهو تحريف. والذي ورد في الحديث تسبيح الطعام. ٢ أخرجه البخاري / كتاب المناقب / باب علامات النبوة في الإسلام ٦/ ٥٨٧ حـ ٣٥٧٩ من حديث عبد الله بن مسعود وفيه " ولقد كنا نسمع تسبيح الطعام وهو يؤكل ". قال الحافظ ابن حجر بعده: (أي في عهد رسول الله ﷺ، ووقع ذلك عند الاسماعيلي صريحًا أخرجه عن الحسن بن سفيان عن بندار عن أبي أحمد الزبيري في هذا الحديث "كنا نأكل مع النبي ﷺ ونحن نسمع تسبيح الطعام" (الفتح ٦/ ٥٩٢) . ٣ أخرجه: خ: / مناقب / باب علامات النبوة ٦/ ٦٠١ حـ ٨٥٨٣ من حديث ابن عمر ﵄ ولفظه: " كان النبي ﷺ يخطب إلى جذع فلما اتخذ المنبر تحول إليه فحن الجذع فأتاه فمسح عليه ". ت: كتاب المناقب ٥/ ٥٩٤ حـ ٣٦٢٧ من حديث أنس. جه: إقامة الصلاة / باب ما جاء في شأن بدأ المنبر ١/ ٤٥٤ حـ ١٤١٤ من حديث الطفيل بن أبي كعب عن أبيه. دي: المقدمة / باب ما أكرم النبي ﷺ بحنين المنبر ١/ ١٥ من حديث ابن عمر وجابر وأبي سعيد وابن عباس. حم: ١/ ٢٤٩، ٢٦٧ من حديث ابن عباس وأنس. ن: الجمعة / باب مقام الإمام في الخطبة ٣/ ٨٣. ٤ في الأصل (الكلمة غير واضحة ورسمها مقارب لما أثبت) .
[ ٢٤١ ]
وقد أقر الأشعري: أن السماوات والأرض ﴿قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ ١ حقيقة لا مجازًا٢، ولا خلاف بين العقلاء ٣ في أن الله سبحانه قادر على أن ينطق الحجر الأصم على ما هو به، وقال الأشعري: (بعد أن يجعل فيه روحًا) ٤ والناس كلهم مخالفون له فيما قال.
وإذا وصف بقدرة على إنطاق الحجر الأصم على ما هو به. بطل قول من زعم أن وجود الصوت غير جائز إلا من هواء منخرق بين جرمين.
ثم لو كان الأمر على ما زعموا، لم يجب أن يوصف الله سبحانه بما يخالف الشاهد ألا ترى أن الله سبحانه بالاتفاق واحد، حي، قادر، عالم،
_________________
(١) ١ سورة فصلت: (جزء من آية ١) . ٢ انظر: (الإبانة: ٧٩) و(اللمع ص ٣٦) حيث يقول فيها (فإن قال ما معنى قوله تعالى: ﴿قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾؟ قيل: له معنى ذلك أنهما قالتا في الحقيقة (أتينا طائعين) . ٣ في الأصل كلمة لم أتبين معناها رسمها هكذا (علمي) . ٤ نسب هذا القول إليه أيضًا: البغدادي في أصول الدين ص٢٩ فقال: "وإنما اختلف أصحابنا في كون الحياة شرطًا في وجود الكلام فيما ليس بحي، فاشترطها الأشعري فيه وأجاز القلانسي وجود الكلام لما ليس بحي" إهـ. وصنيع الأشعري ﵀ في الإبانة على خلاف ذلك إذ قال في معرض الرد على المعتزلة: "فإن قالوا: لا تكون الشجرة متكلمة لأن المتكلم لا يكون إلا حيًا، قيل لهم: ولا يجوز خلق الكلام في شجرة، لأن من خُلق الكلام فيه لا يكون إلا حيًا، فإن جاز أن يخلق الكلام فيما ليس بحي فلِمَ لا يجوز أن يتكلم من ليس بحي" (٧٩) . فدل ذلك على أنه لا يشترط الحياة في المتكلم، كما دل على رجوعه عما نقل عنه، إذ الإبانة من آخر ما صنف ﵀.
[ ٢٤٢ ]
سميع، بصير، قوي، مريد، فاعل، وليس بجسم ولا في معناه١.
_________________
(١) ١ لفظ الجسم من الألفاظ المبتدعة في حق الله ﷿، فلم ينقل عن الأنبياء ولا الصحابة ولا التابعين ولا سلف هذه الأمة، أن الله جسم أو أن الله ليس بجسم، بل نفي ذلك أو إثباته في جانب الله ﷿ بدعة في الشرع. ذلك لأن إطلاق لفظ الجسم في حق الله ﷿ من الألفاظ التي لم ترد في الشرع والتي تحتمل حقًا وباطلًا، وما كان هذا شأنه فالأولى التوقف عنه وعدم إطلاقه في حق الله ﷿ نفيًا أو إثباتًا؛ لأنه قد ينفيه عنه قوم: ليتوصلوا بنفيه إلى نفي ما أثبته الله تعالى ورسوله كالجهمية والمعتزلة ينفون الجسم حتى يتوهم المسلمون أن قصدهم التنزيه ومقصودهم بذلك أن الله لا يرى في الآخرة وأنه لم يتكلم بالقرآن ولا غيره وإنما خلق كلامًا. ولذلك احتج أبو عيسى محمد بن عيسى بن برغوث على الإمام أحمد لما ناظره في القرآن وأن كلام الله غير مخلوق قال ابن برغوث: إذا كان غير مخلوق لزم أن يكون الله جسمًا وهذا منتف: فلم يوافقه الإمام أحمد لا على نفي ذلك ولا على إثباته بل قال: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ ونبه – ﵀ – على أن هذا اللفظ لا يدري ما يريدون به، وإذا لم يعرف مراد المتكلم به لم يوافق، لا على إثباته ولا على نفيه. وقد يثبته قوم: ومرادهم أن يتوصلوا بإثباته إلى إثبات ما نفاه الله ورسوله من اتصافه بالنقائص ومماثلته للمخلوقات. والخلاصة: أن ما كان هذا سبيله من الألفاظ المحتملة التي لم يرد بها الشرع لا تثبت ولا تنفى إلا بعد الاستفسار عن معانيها، فإن وجدت معانيها مما أثبته الرب لنفسه أثبتت، وإن وجدت مما نفاه عن نفسه نفيت، وإن وجدنا اللفظ أثبت به حق وباطل أو نفي به حق وباطل، أو كان مجملًا يراد به حق أو باطل وصاحبه أراد به بعضها لكنه عند الإطلاق يوهم الناس ويفهمهم ما أراد وغير ما أراد فهذه الألفاظ لا يطلق نفيها ولا إثباتها كلفظ الجوهر والجسم والتحيز والجهة ونحو ذلك. انظر فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ٥/ ٤٢٩ – ٤٣٤، وتلبيس الجهمية ٢/ ٤٧، وتفسير سورة الاخلاص ص٩٢، ٩٧، ١٠٥ – ١٠٦ بتصرف.
[ ٢٤٣ ]
وفي الشاهد لا يجوز وجود حي عالم، قادر، سميع بصير، إلا جسمًا.
وإذا صح ما ذكرناه. لم يضرنا قول من زعم أن الصوت في الشاهد لا يوجد إلا من هواء منخرق بين جرمين كيف وقد بينا بطلان دعواه قبل هذا.
وقبل كل شيء ينبغي أن يعلم اعتمادنا في المعتقدات أجمع على السمع، فإذا ورد السمع بشيء قلنا به، ولم نلتفت إلى شبهة يدعيها مخالف.
وقد ورد السمع بذكر الصوت من قبل الله تعالى، ومن قبل أنبيائه- (﵈) ١ ومن قبل الأئمة والعلماء بعدهم.
قال الله سبحانه لموسى ﵇: ﴿فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى﴾ ٢ وكان يكلمه من وراء حجاب، لا ترجمان بينهما، واستماع البشر في الحقيقة لا يقع إلا للصوت. ومن زعم أن غير الصوت يجوز في المعقول أن يسمعه من كان على هذه البنية التي نحن عليها، احتاج إلى دليل.
وقد روى الزهري٣ عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن
_________________
(١) ١ ليست في الأصل. ٢ سورة طه: (أية ١٣) . ٣ هو: محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب بن عبد الله بن الحارت بن زهرة ابن كلاب القرشي الزهري، وكنيته أبو بكر، الفقيه الحافظ، متفق على جلالته وإتقانه. مات سنة ١٢٥، وقيل قبل ذلك بسنة أو سنتين. (ابن حجر: تقريب ٢/ ٢٠٧) .
[ ٢٤٤ ]
الحارث١ عن جرير بن جابر٢ عن كعب٣ أنه قال: "لما كلم الله موسى ﵇ كلمه بالألسنة كلها، قبل لسانه فطفق موسى يقول: والله يا رب ما أفقه هذا حتى كلمه بلسانه آخر الألسنة بمثل صوته". وذكر الحديث٤.
_________________
(١) ١ هو: أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارت بن هشام بن المغيرة المخزومي المدني، قيل: اسمه محمد، وقيل: المغيرة، وقيل أبو بكر اسمه، وكنيته: أبو عبد الرحمن، وقيل اسمه كنيته. ثقة، فقيه عابد، مات سنة ٩٤ هـ وقيل غير ذلك (ابن حجر: تقريب ٢/ ٣٩٨) . ٢ اختلف في اسمه: فقال البخاري: جرز بن جابر وقال عبد الرزاق عن معمر: جرير، وقال يونس وابن أخي الزهري والزبيدي: جزؤ، وقال إسماعيل عن أخيه عن ابن عتيق: جرو ابن جابر) التاريخ الكبير (٢/ ٢٥٦ حـ ٢٣٧٨) . وقال ابن أبي حاتم: جزء بن جابر الخثعمي، روى عن كعب وروى عنه أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام. في رواية شعيب بن أبي حمزة، عن الزهري، وفي رواية معمر جزء بن جابر وهو وهم. وتابعه الزبيدي، ويقال: حزن بن جابر سمعت أبي يقول ذلك. (الجرح والتعديل ٢/ ٥٤٧) . وقال الحافظ المزي في ترجمة تلميذه أبي بكر بن عبد الرحمن: روى عن جرير بن جابر ويقال جزء بفتح الجيم وسكون الزاي الخثعمي. (تهذيب الكمال: ٧٩٢/ آ) . ٣ هو كعب بن ماتع الحميري أبو إسحاق المعروف بكعب الأحبار ثقة، من أوعية العلم ومن كبار علماء أهل الكتاب، ثقة مخضرم، قدم من اليمن في زمن عمر فسكن الشام، مات في خلافة عثمان وقد زاد على المائة. انظر: (الذهبي: التذكرة ١/ ٥٢) و(ابن حجر: تقريب ٢/ ١٣٥) . ٤ أخرجه عبد الله بن أحمد من طريق معمر عن الزهري به ولفظه: "لما كلم الله موسى كلمه بالألسنة كلها قبل لسانه فطفق موسى يقول: يا رب والله ما أفقه هذا حتى كلمه آخر ذلك بلسانه مثل صوته، فقال: موسى هذا يا رب كلامك فقال الله: "لو كلمتك بكلامي لم تك شيئًا" أو قال: "لم تستقم له" قال: أي رب فهل من خلقك شيء يشبه كلامك قال: لا. وأقرب خلقي شبهًا بكلامي أشد ما يسمع الناس من الصواعق. قال عبد الله: والحديث على لفظ حديث أبي عن عبد الرزاق. (السنة ص ٦٣) . وأخرجه: الدارمي من طريق شعيب عن الزهري. بمثل لفظ المصنف وفي آخره زيادة (يعني بمثل لسان موسى وبمثل صوت موسى) . (الرد على الجهمية ٩٣) . وذكر نحوه الإمام أحمد بدون سند، مع اختلاف في اللفظ يسير. (الرد على الجهمية والزنادقة ١٣٢) . وابن كثير في التفسير: من طريق معمر أيضًا عن الزهري. وقال: "وهذا موقوف على كعب الأحبار، وهو يحكي عن الكتب المتقدمة المشتملة على أخبار بني إسرائيل وفيها الغث والسمين". (تفسير ابن كثير ١/ ٥٨٨) وأخرجه الطبراني في الأوسط ١/ ٥٢٧. وفي الآيات القرآنية الكريمة، والأحاديث الصحيحة والحسنة الواردة في هذا الباب ما يغني ويكفي.
[ ٢٤٥ ]
وهذا محفوظ عن الزهري رواه عنه ابن أبي عتيق١ والزبيدي٢، ومعمر٣
_________________
(١) ١ هو عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق، أبو بكر، المعروف بابن أبي عتيق، صدوق فيه مزاح. انظر: (ابن حجر: التقريب ١/ ٤٤٧) . ٢ هو محمد بن الوليد بن عامر الزبيدي، الزاي والموحدة، مصغرًا، أبو الهذيل الحمصي، القاضي، ثقة ثبت من كبار أصحاب الزهري، مات سنة ست، وقيل سبع، وقيل تسع وأربعين ومائة. انظر: (ابن حجر: التقريب ٢/ ٢١٥) . ٣ هو: معمر بن راشد الأزدي مولاهم، أبو عروة البصري، نزيل اليمن، ثقة، ثبت فاضل، أحد الأعلام وعالم أهل اليمن مات سنة ١٥٤هـ، وهو ابن ثمان وخمسين سنة، وقال الذهبي: مات سنة ١٥٣، وقيل: سنة أربع، والأول أصح ولم يبلغ الستين. انظر: (ابن حجر: التقريب ٢/ ٢٦٦)، و(الذهبي: التذكرة ١/ ١٩٠) وتقدم تخريج روايته عند عبد الله بن أحمد وابن كثير.
[ ٢٤٦ ]
شمالك، وأمامك، وخلفك، ومحيط بك)، وذكر الحديث١.
وررى أبو الحويرث٢: أن قوم موسى (﵇) كانوا ينظرون إلى أذنه، فقال ﵇ (ما لكم تنظرون إلى أذني؟ فقالوا: أذن سمعت كلام الله سبحانه٣.
وروى همام بن يحيى ٤ عن القاسم بن عبد الواحد ٥ عن عبد الله
_________________
(١) ١ أخرجه ابن قتيبة بسنده عن عبد المنعم عن أبيه عن وهب بن منبه وذكره باختلاف يسير في اللفظ. ولم يزد على رواية المولف شيئًا. (تأويل مختلف الحديث ٢٧٥) . وذكره الملطي بدون سند عن وهب بن منبه. وزاد على لفظ المؤلف "فلما سمع موسى ﵇ علم أنه لا ينبغي ذلك إلا لربه ﷿، فأيقن به فقال كذلك أنت يا إلهي فكلامك أسمع أم رسولك؟ قال: بل انا الذي أكلمك". ولعل هذه الزيادة هي التي أشار إليها المؤلف بقوله: (وذكر الحديث) انظر: (التنبيه والرد على أهل الأهواء والبدع ١٢٦) . وقال ابن القيم: رواه عبد بن حميد في تفسيره، ويعقوب بن سفيان الفسوي، وذكره عن الإمام أحمد. انظر: (مختصر الصواعق ٢/ ٢٨٥) . ٢ هو عبد الرحمن بن معاوية بن الحويرث – بالتصغير – الأنصاري الزرقي أبو الحويرث المدني، مشهور بكنيته، صدوق سيء الحفظ، رمي بالارجاء، مات سنة ١٣٠ وقيل بعدها. (ابن حجر: التقريب ١/ ٤٩٨) وذكر الذهبي الاختلاف في توثيقه والاحتجاج به. انظر: (الميزان ٢/ ٥٩١) . ٣ لم أقف على تخريجه. ٤ هو همام بن يحيى بن دينار العوذي، "بفتح المهملة وسكون الواو وكسر المعجمة" أبو عبد الله، أبو بكر، البصري، ثقة ربما وهم. مات سنة أربع وقيل خمس وستين ومائة. (ابن حجر: التقريب ٢/ ٣٢١) و(الذهبي: في الميزان ٤/ ٣٠٩) و(التذكرة ١/ ٢٠٠) . ٥ هو: القاسم بن عبد الواحد بن أيمن المكي، مولى بني مخزوم، مقبول. قاله ابن حجر في: (التقريب ٢/ ١١٨) وقال الذهبي: وثق. وقال أبو حاتم: يكتب حديثه، وقيل له يحتج به؟ قال: يحتج بسفيان وشعبة. مات شابًا، روى عنه همام وعبد الوارث وداود العطار. (الميزان ٣/ ٣٧٥) .
[ ٢٤٨ ]
ابن محمد بن عقيل١ عن جابر بن عبد الله٢ عن عب د الله بن أنيس٣ عن النبي ﷺ أنه قال: "يحشر الله الناس يوم القيامة عراة حفاة٤ بهما٥
_________________
(١) ١ هو: عبد الله بن محمد بن عقيل بن أبي طالب الهاشمي، أبو محمد المدني، أمه زينب بنت علي، صدوق، في حديثه لين، ويقال تغير بآخره مات بعد الأربعين. (ابن حجر: التقريب ١/ ٤٤٧) . ونقل الذهبي الاختلاف في توثيقه والاحتجاج به عن الأئمة في الميزان ٢/ ٤٨٤. وقال: قلت حديثه في مرتبة الحسن) . ٢ هو: جابر بن عبد الله بن عمرو بن حرام، بمهملة وراء، الأنصاري، ثم السلمي بفتحتين، صحابي ابن صحابي، غزا تسع عشرة غزوة، يكنى أبا عبد الله وأبا عبد الرحمن وأبا محمد، أحد المكثرين عن النبي ﷺ. مات بالمدينة سنة أربع وسبعين وقيل ثلاث وقيل ثمان وسبعين، ويقال عاش أربعًا وتسعين سنة. (ابن حجر: الإصابة ١/ ٢١٣، والتقريب ١/ ١٢٢) . ٣ هو: أبو يحيى عبد الله بن أنيس الجهني الأنصاري المدني، حليف بني سلمة، شهد العقبة وأحد وما بعدها، أحد الذين كسروا آلهة بني سلمة، توفي بالشام سنة ٥٤هـ. (ابن عبد البر: الاستيعاب ٢/ ٢٥٨ بهامش الإصابة) و(ابن حجر: الإصابة ٢/ ٢٧٨) . ٤ لفظة: حفاة: لم ترد في الروايات التي خرجتها. والذي فيها: (عراة غرلًا بهما) سوى البيهقي فعنده (عراة بهما) . ٥ بهما: في النهاية ١/ ١٦٧، جمع بهيم، وهو في الأصل الذي لا يخالط لونه لون سواه، يعني ليس فيهم شيء من العاهات والأعراض التي تكون في الدنيا كالعمى والعرج وغير ذلك، وإنما هي أجساد مصححة لخلود الأبد في الجنة أو النار. وقال بعضهم في تمام الحديث: قيل وما البهم؟ قال: ليس معهم شيء، وفي رواية البخاري في الأدب: قلنا ما بهما؟ قال: (ليس معهم شيء)، كذا في رواية أحمد وابن أبي عاصم.
[ ٢٤٩ ]
فيناديهم بصوت يسمعه من بُعد كما يسمعه من قرب: أنا الملك، أنا الديان" وذكر الحديث.
رواه عن همام، يزيد بن هارون١ وأبو الوليد الطيالسي٢ وجماعة من الأئمة، واستشهد به البخاري في كتابه الصحيح٣.
_________________
(١) ١ هو: يزيد بن هارون بن زادان، السلمي مولاهم، أبو خالد الواسطي، ثقة متقن عابد، ولد سنة ١١٨ وتوفي سنة ٢٠٦، وقد قارب التسعين. (الذهبي: التذكرة ١/ ٣١٧) و(ابن حجر: التقريب ٢/ ٣٧٢) . ٢ في الأصل: (أبو اليد) وهو خطأ. وهو: هشام بن عبد الملك الباهلي مولاهم، أبو الوليد الطيالسي البصري، ثقة ثبت، مات سنة ٢٢٧هـ. وله أربع وتسعون سنة. (ابن حجر: المصدر السابق ٢/ ٣١٩) . ٣ تعليقًا في كتاب التوحيد / باب قول الله تعالى: ﴿وَلا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ ١٣/ ٤٥٣، بصيغة التمريض، وذكر الارتحال بصيغة الجزم في كتاب العلم / باب الخروج في طلب العلم ١/ ١٧٣. وأخرجه: في الأدب المفرد / باب المعانقة ص ٢٥٢ حـ ٩٧٠ من طريق موسى عن همام.. وأخرجه في خلق أفعال العباد ص ١٩٢ (ضمن مجموعة عقائد السلف) من طريق داود بن شيبة عن همام. وأخرجه حم: ٣/ ٤٩٥ من طريق يزيد بن هارون. وابن أبي عاصم في السنة / باب ذكر الكلام والصوت ١/ ٢٢٥ حـ ٥١٤ من طريق شيبان بن فروخ عن همام. والحاكم: باب الأهوال ٤/ ٥٧٤ وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه. والبيهقي: الأسماء والصفات ص ٧٨ – ٧٩ من طريق يزيد بن هارون. وقال الألباني في ظلال الجنة في تخريج السنة: "حديث صحيح" وإسناده حسن (أو قريب منه وذكر من خرجه ثم قال: وقال الحاكم: صحيح الإسناد ووافقه الذهبي، كذا قالا - قال - وأحسن أحواله أن يكون حسنًا كما ذكرنا) (السنة لابن أبي عاصم ١/ ٢٢٥) . وقال الحافظ ابن حجر: وله طريق أخرى أخرجها الطبراني في مسند الشاميين، وتمام في فوائده من طريق الحجاج بن دينار عن محمد بن المنكدر عن جابر وإسناده صالح، وله طريق ثالثة أخرى أخرجها الخطيب في الرحلة من طريق أبي الجارود العنسي عن جابر، وفي إسناده ضعف. (الفتح ١/ ١٧٤) . وقال ابن القيم: "هذا حديث حسن جليل، وعبد الله بن محمد بن عقيل صدوق حسن الحديث وقد احتج به غير واحد من الأئمة، وتكلم فيه من قبل حفظه وهذا الضرب ينتفي من حديثهم ما خالفوا فيه الثقات ورووا ما يخالف روايات الحفاظ وشذوا عنهم، وأما إذا روى أحدهم ما شواهده أكثر من أن تحصر مثل هذا الحديث فلا ريب في قبول حديثه، وأما القاسم بن عبد الواحد فحسن الحديث أيضًا وقد احتج به النسائي مع تشدده في الرجال". إهـ. (مختصر الصواعق ٢/ ٢٨٠) .
[ ٢٥٠ ]
وروى عطية بن سعد١وأبو صالح السمان٢عن أبي سعيد الخدري٣
_________________
(١) ١ هو: عطية بن سعد بن جنادة – "بضم الجيم بعدها نون خفيفة" – العوفي الجدلي. "بفتح الجيم المهملة" الكوفي، أبو الحسن، صدوق يخطئ كثيرًا، كان شيعيًا مدلسًا. مات سنة١١١هـ. (ابن حجر: التقريب ٢/ ٢٤) ونقل الذهبي أقوال الأئمة فيه. انظر: (الميزان ٣/ ٨٠) . ٢ واسمه: ذكوان، أبو صالح السمان الزيات المدني ثقة ثبت، كان يجلب الزيت إلى الكوفة مات ١٠١. (ابن حجر: التقريب ١/ ٢٣٨) . ٣ هو: سعد بن مالك بن سنان بن عبيد بن ثعلبة الأنصاري، أبو سعيد الخدري، مشهور بكنيته استصغر بأحد، واستشهد أبوه بها، وغزا هو ما بعدها، روى عن النبي ﷺ الكثير، مات سنة ٧٤ وقيل ٦٤ وقيل ٦٣ وقيل ٦٥. (ابن حجر: الإصابة ٢/ ٣٥) و(التقريب ١/ ٢٨٩) .
[ ٢٥١ ]
(﵁) عن النبي ﷺ في ذكر إسرافيل١ أنه قد التقم القرن بفيه وحنى جبهته وأصغى سمعه تحت العرش ينتظر متى يؤمر فينفخ ٢ والنفخة الآخرة التي للبعث قد نطقت الأخبار بأنها تكون ولا حي إذ ذاك إلا الله سبحانه، ثم إن٣ إسرافيل٤ فإصغاء سمعه تحت العرش انتظارا للأمر لا يكون إلا لصوت٥ الآمر.
وقال الله تعالى: ﴿وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى﴾ ٦ وقال تعالى: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً﴾ ٧ وقال ﷻ: ﴿فَلَمَّا أَتَاهَا
_________________
(١) ١ اسرافيل – ﵇ -: هو الملك الموكل بالصور والنفخ فيه. وانظر عنه وما ورد فيه: (الحبائك في أخبار الملائك للسيوطي ٢٥ – ٣٠) . ٢ أخرجه: ت/باب: ومن سورة الزمر ٥/٣٧٢حـ ٣٢٤٣. وقال هذا حديث حسن. حم: ١/٣٢٦، ٣/٧ وفي ٣/٧٣ بلفظ (..وصاحب الصور قد التقم الصور ) والحميدي: في مسنده ٢/ ٣٣٢. (إن) زائدة. فيما ظهر لي من السياق. ٤ جاء في حديث الصور الطويل: أن نفخة البعث: تكون وقد أحيا الله حملة العرش وجبريل وميكائيل. انظر: (ابن كثير: التفسير ٢/ ١٤٦ – ١٤٧) قال: وقد روينا حديث الصور بطوله من طريق الحافظ أبي القاسم الطبراني في كتابه المطولات) . ٥ في الأصل: (الصوت الأمر) وهو تحريف. ٦ سورة الشعراء: (آية ١٠) . ٧ سورة النازعات: (آية ١٦) .
[ ٢٥٢ ]
نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ ١.والنداء عند العرب صوت لا غير٢، ولم يرد عن الله تعالى ولا عن رسوله ﵇ أنه من الله غير صوت. ولا خلاف بيننا في أن موسى مكَلَّم بلا واسطة، فسقط قول من زعم أن العرب تقول: نادى الأمير من ينادي.
وروى أحمد بن حنبل٣ رحمة الله عليه عن عبد الرحمن بن محمد المحاربي٤ عن الأعمش٥، عن مسلم بن صبيح٦ عن مسروق٧
_________________
(١) ١ سورة القصص: (آية ٣٠) . ٢ قال ابن منظور: النِّداء، والنُّداء: الصوت مثل الدعاء والرغاء، وقد ناداه ونادى به، وناداه مناداة ونداء: صاح به والنداء: ممدود: الدعاء بأرفع الصوت. (لسان العرب ١٥/ ٣١٥) . ٣ تقدم. ٤ هو: عبد الرحمن بن محمد بن زياد المحاربي، أبو محمد الكوفي، لا بأس به، وكان يدلس قاله أحمد، مات سنة ٢٩٥هـ. (ابن حجر: التقريب ١/٤٩٧) . ٥ هو: سليمان بن مهران الأسدي الكاهلي، أبو محمد الكوفي الأعمش، ثقة حافظ، عارف بالقراءة، ورع لكنه يدلس. مات سنة سبع أو ثمان وأربعين ومائة، وكان مولده سنة إحدى وستين. (المصدر نفسه ١/ ٣٣١) . ٦ هو: مسلم بن صبيح - بالتصغير - الهمداني، أبو الضحى الكوفي، العطار، مشهور بكنيته، ثقة فاضل. مات سنة مائة هـ. (المصدر نفسه ٢/ ٢٤٥) . ٧ هو: مسروق بن الأجدع بن مالك الهمداني الوادعي، أبو عائشة، الكوفي، ثقة، فقيه، عابد، مخضرم. مات سنة اثنتين وستين، وقيل ثلاث وستين. (المصدر نفسه ٢/ ٢٤٢) .
[ ٢٥٣ ]
عن عبد الله بن مسعود١ (﵁) قال: "إذا تكلم الله سبحانه بالوحي سمع صوته أهل السماء فيخرون سجدًا".
ذكره بهذا اللفظ عبد الله بن أحمد٢ عن أبيه في "كتاب الرد على الجهمية"٣ وما في رواته إلا إمام مقبول٤.
_________________
(١) ١ هو: الصحابي الجليل، تقدمت ترجمته. ٢ وهو: عبد الله بن أحمد بن حنبل الشيباني، أبو عبد الرحمن، ولد الإمام ثقة، مات سنة تسعين ومائتين وله بضع وسبعون سنة (ابن حجر: التقريب ١/ ٤٠١) . ٣ أخرجه في كتاب (السنة له) وليس له كتاب بعنوان الرد على الجهمية ولعل المقصود كتاب السنة فإنه فيه بلفظ المصنف. وفي آخره بعد قوله (سجدًا): "حتى إذا فزع عن قلوبهم قال: سكن عن قلوبهم نادى أهل السماء ماذا قال ربكم؟ قالوا الحق قال كذا وكذا". (ص:٦٢) وقال ابن القيم: (رواه عبد الله بن أحمد في كتاب السنة عن أبيه) (مختصر الصواعق ٢/ ٢٨٤) . وأخرجه: خ: تعليقًا عن ابن مسعود باختلاف في اللفظ / كتاب التوحيد / باب قول الله ﷿: ﴿وَلا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ ١٣/ ٤٥٢. د: مرفوعًا: كتاب السنة / باب في القرآن ١٠٥حـ ٤٧٣٨ باختلاف في اللفظ. وكذا ابن خزيمة: باب صفة تكلم الله ﷿ بالوحي (كتاب التوحيد ١٤٥) . والبيهقي موقوفًا ومرفوعًا في: الأسماء والصفات ٢٠١. ٤ العبارة في الأصل مضطربة ونصها: "وما في رواية الإمام مقبول". والتصويب من كتاب (الصراط المستقيم في إثبات الحرف القديم. للشيخ موفق الدين ابن قدامة لوحة ١٩٥ مخطوط مجموع رقم ١٥٤٦ بالمكتبة المركزية بالجامعة الإسلامية) حيث نقل عن المصنف أنه قال عقب حديث ابن مسعود: هذه العبارة (وما في رواة هذا الخبر إلا إمام مقبول) . وهو في المطبوع ص ٤٨.
[ ٢٥٤ ]
وقد ذكرنا في كتاب الإبانة١ عدة أحاديث سوى ما ذكرناه هاهنا في ذكر الصوت.
وحد الصوت: هو ما يتحقق سماعه، فكل متحقق سماعه صوت، وكل ما لا يتأتى سماعه البتة ليس بصوت٢.
وصحة الحد هذا وهو أن يكون مطردًا، منعكسًا٣ يمنع غيره من الدخول عليه.
وأما قول خصومنا إن الصوت هو: الخارج من هواء بين جرمين. فحد غير صحيح، لأنا قد بينا أنه قد يوجد خلاف ما زعموه، والله أعلم٤.
فإن قالوا: الصوت والحرف إذا ثبتا في الكلام اقتضينا ٥ عددًا والله سبحانه واحد من كل وجه٦.
_________________
(١) ١ تقدم التعريف به. ٢ قال الأزهري: "وأما الصوت فهو الذي يسمعه الناس" انظر: (النووي: تهذيب الأسماء واللغات ١/ ١٨٠) . ٣ الطرد هو: تحقيق المحدود مع تحقق الحد. و(العكس) هو: انتفاء المحدود مع انتفاء الحد. انظر: (الرد على المنطقيين) ١٧ نقله عن أبي المعالي. وانظر أيضًا: التعريفات للجرجاني ١٤١، ١٥٣. ٤ يشير إلى تكلم الحجر وحنين الجذع وتسبيح الحصا والطعام. وقد تقدم. ٥ هكذا بالأصل ولعل الصواب (اقتضيا) . ٦ وانظر هذا المعنى عند الباقلاني، وهو من أئمة الأشاعرة ومقدميهم، إذ يقول: ( وأيضًا فإن الحروف متناهية معدودة، وكلام الله قديم لا مفتتح لوجوده، ولا نهاية لدوامه كعلمه وقدرته، ونحو ذلك من صفات ذاته، وقد أكد الله تعالى ذلك بغاية التأكيد وأن كلامه لا يدخله العدد والحصر والحد بقوله: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾ . فأخبر تعالى أنه لا نهاية لكلامه إذ كل ما له نهاية له بداية وإنما نتصور النهاية في حق من يتصور في حقه البداية. (الإنصاف ١٠٣) .
[ ٢٥٥ ]
قيل لهم: قد بينا لكم مرارًا أن اعتماد أولى الحق في هذه الأبواب على السمع، وقد ورد السمع بأن القرآن ذو عدد١، وأقر المسلمون بأنه كلام الله حقيقة لا مجازًا.
وكلامه صفة وقد عد الأشعري صفات الله سبحانه (سبع عشرة) ٢ صفة، وبين أن منها ما لا يعلم إلا بالسمع٣ وإذا جاز أن يوصف بصفات معدودة لم يلزمنا بدخول العدد في الحروف شيء.
فإن قالوا: إن التعاقب يدخلها وكل ما تأخر عن ما سبقه محدث٤.
_________________
(١) ١ وأنه سور وآيات وحروف، وقد تقدم بيان ذلك في ص ٢٣٥. ٢ في الأصل: (سبعة عشر) . ٣ انظر: (الإبانة: ٢١ – ٣٣) و(المقالات ١/ ٣٤٥ – ٣٤٩) . ٤ وقد قالوا نحو هذا. قارن هذا القول بكلام الباقلاني في الإنصاف ص ٩٩ إذ يقول: "وأيضًا فإن حروف الكلمة يقع بعضها سابقًا لبعض، فعند خط الكاتب (با) قد حصلت وثبتت قبل خطه (سينا) وكذلك السين حصلت وثبتت قبل خطه ميما - في كلمة (بسم) - وما تقدم بعضه على بعض وتأخر بعضه عن بعض فهو صفة الخلق لا صفة الحق، وكذلك الأصوات يتقدم بعضها على بعض ويتأخر بعضها عن بعض ويخالف بعضها بعضًا، وكل ذلك صفة كلام الخلق لا صفة كلام الحق الذي هو قديم ليس بمخلوق".إهـ فجعل تعاقب الحروف والأصوات ومجيء بعضها عقب بعض دليلًا على حدوث الكلام وخلقه، ثم نفى أن يكون كذلك. أي: ليس بحرف ولا صوت.
[ ٢٥٦ ]
قيل: دخول التعاقب إنما يتعين فيما يتكلم بأداة، والأداة تعجز عن (أداء) ١ شيء إلا بعد الفراغ من غيره.
وأما المتكلم بلا جارحة٢ فلا يتعين في تكلمه التعاقب.
وقد اتفقت العلماء على أن الله سبحانه يتولى الحساب بين خلقه يوم القيامة في حالة واحدة٣، وعند كل واحد منهم أن المخاطب في الحال هو وحده، وهذا خلاف التعاقب. ثم لو ثبت التعاقب لم يضرنا، لأن النبي ﷺ قال لما خرج من باب الصفا: "نبدأ بما بدأ الله به ثم قرأ: ﴿إن
_________________
(١) ١ في الأصل: (أداة) وهو تحريف. ٢تقدم التعليق على إثبات الجوارح ونفيها في تكلم الله جلَّ وعلا. ٣ يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "والله سبحانه يحاسب الخلق في ساعة واحدة، ولا يشغله حساب هذا عن حساب هذا. وكذلك إذا ناجوه أو دعوه أجابهم، كما في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: " يقول الله تعالى: قسمت الصلاة بيني ويبن عبدي نصفين نصفها لي ونصفها لعبدي ولعبدي ما سأل فإذا قال العبد الحمد لله رب العالمين قال الله حمدني عبدي " الحديث - أخرجه مسلم ١/ ٢٩٦ حـ ٣٩٥ كتاب الصلاة باب قراءة الفاتحة من حديث أبي هريرة – قال شيخ الإسلام: فقد أخبر النبي ﷺ أن الله يقول هذا لكل مصل والناس يصلون في ساعة واحدة والله تعالى يقول لكل منهم هذا – وقال -: وقد روي أن ابن عباس قيل له: كيف يحاسب الله الخلق في ساعة واحدة؟ فقال: كما يرزقهم في ساعة واحدة. انظر: (درء تعارض العقل والنقل ٤/ ١٢٩ – ١٣٠) .
[ ٢٥٧ ]
الصفا والمروة من شعائر الله﴾ ١ ٢ فبين أن الله بدأ بذكر الصفا. والقرآن كله بإجماع المسلمين كلام الله سبحانه. وفي هذا القدركفاية لمن وفق للصواب.
وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل في كتاب "الرد على الجهمية"٣ سألت أبي فقلت: إن قومًا يزعمون أن الله لا يتكلم بصوت فقال أبي: بلى إن الله سبحانه يتكلم بصوت وإنما (ينكر) ٤ هذا الجهمية، وإنما يدورون على التعطيل٥. واحتج بحديث عبد الرحمن بن محمد المحاربي
_________________
(١) ١ سورة البقرة: (آية ١٥٨) . ٢ أخرجه: م: الحج / باب حجة النبي ﷺ ٢/ ٨٨٦ حـ ١٤٧ من حديث جابر وفيه "أبدأ" بدل "نبدأ". ت: التفسير / سورة البقرة ٥/ ٢١٠ حـ ٢٩٦٧ من جابر وقال: هذا حديث حسن صحيح والعمل على هذا عند أهل العلم. د: مناسك/باب صفة حجة النبي ﷺ ٢/٤٥٥ حـ ١٩٠٥ من حديث جابر أيضًا. ط: الحج / باب البدء بالصفا ١/ ٣٧٢ حـ ١٢٦. ن: الحج / باب الصفا والمروة ٥/ ١٩١. جه: مناسك / باب حجة النبي ﷺ ٢/ ١٠٢٢ حـ ٣٠٧٤. دي: المناسك / باب في سنة الحاج ٢/ ٤٦. ٣ وهو المشهور بكتاب السنة كما تقدم. ٤ في الأصل في الهامش (واضحة في الميكروفلم وهي غير ظاهرة في المكبرة) . ٥ انظر: (السنة ص ٦٢ ولفظه: قال: سألت أبي عن قوم يقولون: لما كلم الله موسى لم يتكلم بصوت. فقال أبي: بلى تكلم بصوت، هذه الأحاديث نرويها كما جاءت، وقال أبي: حديث ابن مسعود: "إذا تكلم الله سمع له صوت كجر السلسلة على الصفوان" قال أبي: وهذه الجهمية تنكره، قال أبي: وهؤلاء كفار يريدون أن يموهوا على الناس من زعم أن الله لم يتكلم فهو كافر إلا أنا نروي هذه الأحاديث كما جاءت.
[ ٢٥٨ ]
الذي سقناه١.
فقول خصومنا: إن أحدًا لم يقل إن القرآن٢ كلام الله حرف وصوت كذب وزور.
بل السلف كلهم كانوا قائلين بذلك، وإذا أوردنا فيه المسند وقول الصحابة من غير مخالفة وقعت بينهم في ذلك صار كالإجماع.
ولم أجد أحدًا يعتد به ولا يعرف ببدعة (من) ٣ نفر من ذكر الصوت إلا البويقي٤ إن صح عنه ذلك. فإن عند أهل مصر رسالة يزعمون أنها عنه وفيها: لا أقول إن كلاَم الله حرف وصوت ولا أقول إنه ليس بحرف وصوت٥.
_________________
(١) ١ تقدم في هذا الفصل ص ٢٥٣. ٢ في الأصل فراغ بقدر كلمة مسحت، وقد تبينتها بواسطة الميكروفلم فإذا هي (القرآن) . (من) مثبتة في الأصل، والمعنى لا يستقيم، فلعلها زائدة، أو لعلها (ممن) وهو متجه. ٤ كذا بالأصل (البويقي) وهو تحريف، وصوابه: البويطي. وهو أبو يعقوب يوسف ابن يحيى المصري، صاحب الإمام الشافعي، كان ممن امتحن في مسألة القرآن وثبت على الحق حتى مات في قيده مسجونًا بالعراق سنة ٢٣١هـ. انظر ترجمته في: سير أعلام النبلاء ١٢/ ٥٨ – ٦١. ٥ لم أجد تخريج هذا القول عنه ولم أطلع على ذكر لرسالته تلك عند غير المصنف.
[ ٢٥٩ ]
وهذا إن صح عنه فليس فيه أكثرمن إعلامنا أنه لم يتبين هذه المسألة ولم يقف على الصواب فيها.
وأما غيره ممن نفى الحرف والصوت فمبتدع ظاهر البدعة أو مقروف بها ١ مهجور على ما جرى منه. والله الموفق للصواب.
_________________
(١) ١ أي: متهم بها. وانظر: ص ٣٢٦.
[ ٢٦٠ ]