١ - قال تعالى في وصف كتابه: ﴿هُدًى لِلنَّاسِ﴾ [البقرة: ١٨٥]؛ فإن كان الذين نريد هدايتهم بالقرآن من الناس، فلم نزد على أن أوصلناهم لحقهم
[ ٨٢ ]
من كتاب ربهم.
٢ - وقال على لسان نبيه - ﷺ -: ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ [الأنعام: ١٩]؛ فعطف على ضمير المخاطبين من المشركين من بلغه القرآن في زمنهم وبعد عصرهم.
٣ - وقال: ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ﴾ [الأنعام: ٥١]، والذين يخافون الحشر هم المؤمنون ومن هم مظنة الإِيمان ممن لم يطبع الله على قلوبهم؛ فلم تخص الآية المشركين بالإِنذار.
٤ - وقال بعد حكاية حادثة قوم لوط: ﴿وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾ [هود: ٨٣]؛ فسر البغوي الظالمين هنا بمشركي مكة أو ظالمي هذه الأمة، والجمع بين الوجهين غير ممتنع، وعلى كل حال دلت الآية على إلحاق المتأخر بالمتقدم في استحقاق عقوبته متى كان على مثل حالته.
وفسر ابن كثير الآية على التعميم، فجعلها بمعنى حديث ابن عباس ﵄ عن النبي - ﷺ -: «مَنْ وَجَدْتُمُوهُ يَعْمَلُ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ فَاقْتُلُوا الْفَاعِلَ وَالْمَفْعُولَ بِهِ» (٢٦). أخرجه أحمد، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه، والحاكم، والبيهقي، وحكي عن أبي حنيفة أنه يلقى من شاهق ويتبع بالحجارة كما فعل الله بقوم لوط.
فالآية دلت على أن ما أصاب قوم لوط غير خاص بهم، والحديث دل على تنفيذ حكمها فيمن أشبههم، وقول أبي حنيفة دل على مراعاة صفة التنفيذ.
_________________
(١) صحيح: خرّجه- متتبعًا طرقه وشواهده، مبيّنًا من صححه من الأئمة الحفاظ- الحافظ السيوطي رحمه الله تعالى في رسالته " بلوغ المأمول في خدمة الرسول - ﷺ - "، المطبوعة ضمن كتابه " الحاوي للفتاوي " (٣/ ١١٠ - ١١٥)؛ فلتنظر بتعليقاتنا، والله الموفق.
[ ٨٣ ]
٥ - وأخرج أبو داود عن ابن مسعود ﵁ - ﷺ -؛ قال: «إِنَّ أَوَّلَ مَا دَخَلَ النَّقْصُ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ كَانَ الرَّجُلُ يَلْقَى الرَّجُلَ، فَيَقُولُ: يَا هَذَا! اتَّقِ اللَّهَ، وَدَعْ مَا تَصْنَعُ؛ فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ لَكَ. ثُمَّ يَلْقَاهُ مِنَ الْغَدِ وَهُوَ عَلَى حَالِهِ؛ فَلَا يَمْنَعُهُ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ أَكِيلَهُ وَشَرِيبَهُ وَقَعِيدَهُ، فَلَمَّا فَعَلُوا ذَلِكَ؛ ضَرَبَ اللَّهُ قُلُوبَ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ».
ثُمَّ قَالَ: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (٧٨) كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (٧٩) تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ ﴾ إلى قوله: ﴿فَاسِقُونَ﴾ [المائدة: ٧٨ - ٨١].
ثُمَّ قَالَ: «كَلَّا؛ وَاللَّهِ؛ لَتَأْمُرُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، وَلَتَنْهَوُنَّ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَلَتَأْخُذُنَّ عَلَى يَدِ الظَّالِمِ، وَلَتَأْطُرُنَّهُ عَلَى الْحَقِّ أَطْرًا، وَلَتَقْصُرُنَّهُ عَلَى الْحَقِّ قَصْرًا، أَوْ لَيَضْرِبَنَّ اللَّهُ قُلُوبَ بَعْضِكُمْ بِبَعْضٍ، ثُمَّ لَيَلْعَنَنَّكُمْ كَمَا لَعَنَهُمْ» (٢٧).
وهذا الحديث صريح في تنزيل ما نزل في اليهود على المسلمين.
_________________
(١) ضعيف: أخرجه أبو داود (٢/ ٢١٦)، والترمذي (٨/ ٤١٢ - ٤١٤/ ٥٠٣٨ و٥٠٣٩ و٥٠٤٠) بنحوه، وكذا ابن ماجه (٤٠٠٦)، وأحمد (٥/ ٢٦٨/ ٤٧١٣)، والطبراني (١٠/ ١٧٩ - ١٨١/ ١٠٣٦٤ - ١٠٢٦٨)، وابن وضاح في " البدع والنهي عنها " (ص ٨٩ و٩٠) وغيرهم من طرق عن أبي عبيدة، عن عبد الله بن مسعود مرفوعًا. وهذا سند ضعيف؛ فـ " إنَّ أبا عبيدة بن عبد الله بن مسعود لم يسمع من أبيه؛ فهو منقطع "، كما قال الحافظ المنذري في " مختصر السنن " (٦/ ١٨٧). وانظر: " تعليق العلّامة أحمد شاكر على " المسند "، و" الضعيفة " (١١٠٥)، و" ضعيف [الجامع الصغير " (١٨٢٢)، و" سنن أبي داود " (٩٣٢)، و" سنن الترمذي " (٥٨٢ و٥٨٣)، و" سنن ابن ماجه " (٨٦٧)]: خمستها لمحدّث العصر.
[ ٨٤ ]
٦ - وروى الشيخان عن عائشة وابن عباس ﵄؛ أنه - ﷺ - قال في مرض موته: «لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى؛ اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ»، يحذر ما صنعوا (٢٨).
فقد فهما أن اللعنة غير خاصة بأهل الكتابين، وأن المقصود تحذير المسلمين من فعلهم، حتى لا تشملهم لعنتهم، ومنزلتهما في العلم والدين منزلتهما.
وتقدم (*) حديث أبي سعيد الخدري في سلوكنا سبيل من قبلنا في المخالفة؛ فكان الواجب أن نعتني بما نزل في غيرنا لنحفظ أنفسنا من مشابهتهم في العقائد الزائفة، والأقوال المنكرة، والأفعال الخاطئة.
٧ - وفي " سيرة الحسن البصري " لأبي الفرج ابن الجوزي: أن الحسن قال: " رحم الله رجلًا خلا بكتاب الله، وعرض عليه نفسه، فإن وافقه، حمد ربه وسأله المزيد من فضله، وإن خالفه؛ تاب وأناب ورجع من قريب " [ص:٤٥]
٨ - وقال أبو عبد الله الأبلي التلمساني المتوفى منتصف القرن الثامن: " لولا انقطاع الوحي؛ لنزل فينا أكثر مما نزل في بني إسرائيل " لأننا أتينا أكثر مما أتوا ". نقله ابن مريم في " البستان " (٢١٨).
٩ - وقال الحافظ ابن حجر المتوفى منتصف القرن التاسع في " فتح الباري " بعدما أشار إلى كثرة ما أنذر به النبي - ﷺ - أمته: " وقد وقع معظم ما أنذر به، وسيقع بقية ذلك " (١٣/ ٢٥٦).
_________________
(١) أخرجه البخاري (١/ ٥٣٢/ ٤٣٥ و٤٣٦)، ومسلم (١/ ٣٧٧/ ٥٣١). (*) مضى مخرجًا برقم (١٩).
[ ٨٥ ]
فهذه دلائل وشواهد تريك صواب العلماء المجددين في تحذيرهم لإِخوانهم المسلمين، وتكشف لك عن غرض المبطلين وخطأ المعارضين.
ثم إنك تجد الإِسلام خاتمة الأديان، ونبيه خاتم النبيين، وكتابه خاتم الكتب، وهذه الأمة خاتمة الأمم، وهي من جنس تلك الأمم الماضية؛ تقسو قلوبها كما قست قلوبهم، وتفسد عقائدها كما فسدت عقائدهم، وتعصي كما عصوا، وتبتدع كما ابتدعوا؛ فهل من حكمة أحكم الحاكمين ورحمة رب العالمين أن يقصر ما عاب به من قبلنا عليهم، ويدعنا سدى من غير دليلٍ يعرفنا فسادنا وقبيح أعمالنا إذا نزل بنا ما نزل بالأمم قبلنا؟!
لقد أحاط ربك بكل شيء علمًا، ووضع لكل حال حكمًا، والقرآن الذي فضح من قبلنا هو الذي يفضحنا، والقرآن الذي هدى من تقدمنا هو الذي يهدينا.
ها قد نقضنا في هذا الفصل وسابقه طائفة من شبه الطرقيين ومن في معناهم، وهي شبه ظاهرها حماية الدين، وباطنها استخدام الدين لحماية منافعهم الخاصة، وإن الدين ليبرأ من تلك الحماية الظاهرة، وإن عقبى ذلك الاستخدام عليهم لوخيمة.
ولفتنة الناس بظواهر تلك الأقوال أطلنا في هذين الفصلين القول في نقضها، وسبق أن كتبنا في ردها بما عطل من صحف جمعية العلماء فصولًا، تحت عنوان: " آثار وأخبار ": أن حماية الدين لا تكون إلا بالعلم، وأن أصل علم الدين الكتاب والسنة، ولقد أجاد من قال: