أما وقت الساعة: فهو مما استأثر الله بعلمه، وهي إنما تقع بغتة، قال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٧] (الأعراف الآية: ١٨٧) .
وقد قال رسول الله ﷺ: «بعثت أنا والساعة كهاتين»، ويشير بأصبعيه - رواه البخاري ومسلم.
وكان ﷺ إذا سئل عن موعدها ينفي علمه بها، ويرشد إلى ما هو أصلح للسائل وهو الاستعداد لها قبل وقوعها، وربما أشار إلى القيامة الصغرى وهي الموت، إذ لما قال له جبريل ﵇: «أخبرني عن الساعة "، قال الرسول ﷺ: " ما المسؤول عنها بأعلم من السائل» رواه البخاري ومسلم، وفيهما «أن أعرابيا قال له: متى الساعة؟ قال ﷺ: " ويحك إن الساعة
[ ٦١ ]
آتية، فما أعددت لها» وفيهما عن عائشة - ﵂ - قالت: «كان رجال من الأعراب يأتون النبي ﷺ فيسألونه متى الساعة؟ فكان ينظر إلى أصغرهم فيقول: " إن يعش هذا لا يدركه الهرم حتى تقوم عليكم ساعتكم» يعني موتهم.
لكن وردت الأخبار في القرآن والسنة بذكر علاماتها وأشراطها، فمما ذكره الله سبحانه من علاماتها الكبار، الدخان، ونزول عيسى بن مريم - ﵇ -، وخروج يأجوج ومأجوج، وطلوع الشمس من مغربها، وخروج الدابة.
وقد بين الرسول ﷺ تفاصيل هذه الأمور، وذكر أيضا أمورا أخرى منها: خروج الدجال، وثلاثة خسوف: خسف بالمشرق، وخسف بالمغرب، وخسف بجزيرة العرب، ونار تخرج من اليمن تطرد الناس إلى محشرهم وأخبر ﵇ أنه لا تقوم الساعة حتى تقتتل فئتان عظيمتان، يكون بينهما مقتلة عظيمة، دعوتهما واحدة، وحتى يبعث دجالون كذابون قريب من ثلاثين كلهم يزعم أنه نبي، وحتى يقبض العلم، وتكثر الزلازل، ويتقارب الزمان، وتظهر الفتن، ويكثر الهرج، وهو القتل، وحتى تخرج نار من أرض الحجاز تضيء أعناق الإبل ببصرى ".
وهذه العلامات وغيرها تنقسم إلى قسمين: صغرى وكبرى، والصغرى أقسام: منها ما وقع وانقضى، ومنها ما وقع واستمر، ومنها ما لم يقع، أما الكبار فلم تقع، وهي متتابعة، إذا وقعت أولاها تبعها الباقي.
والإيمان باليوم الآخر يتناول الإيمان بكل ما دلت عليه نصوص القرآن والسنة من أحوال الموت وما بعده، والإيمان بالموت يتضمن أمورا:
أ - أن الموت حتم لازم لجميع الخلق في هذه الدنيا، قال تعالى:
[ ٦٢ ]
﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ [العنكبوت: ٥٧] (العنكبوت الآية: ٥٧)، وقال: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [القصص: ٨٨] (القصص الآية: ٨٨) .
ب - أن كُلًّا له أجل محدود، لا يتجاوزه ولا يقصر عنه، فقد سبق به علم الله سبحانه، وقد قدره وقدر السبب الذي يموت به، قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا﴾ [آل عمران: ١٤٥] (آل عمران الآية: ١٤٥)، وقال: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٤] (الأعراف الآية: ٣٤) .
جـ - أن ذلك الأجل غيب استأثر الله به، قال تعالى: ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [لقمان: ٣٤] (لقمان الآية: ٣٤) .
د - أن للشخص إذا نزل به الموت أحوالا، قال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ﴾ [الأنعام: ٦١] (الأنعام الآية: ٦١)، وقال تعالى: ﴿فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ - وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ - وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ﴾ [الواقعة: ٨٣ - ٨٥] (الواقعة الآية: ٨٣ - ٨٥) .
والمقصود أن الروح إذا بلغت الحلقوم حال احتضار الميت، ومن حوله ينظرون إليه، والله ﷾ أقرب إليه منهم بعلمه وملائكته ولكن لا يبصرون.
والمفرط الظالم إذا حضره الموت يندم ويطلب الرجوع إلى الدنيا، قال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ - لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون: ٩٩ - ١٠٠] (المؤمنون الآية: ٩٩ - ١٠٠) .
قد وصف الله حال إخراج روح الكافر، قال تعالى: ٣٠ ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ﴾ [الأنعام: ٩٣]
[ ٦٣ ]
(الأنعام الآية: ٩٣)، أي باسطو أيديهم إليهم بالضرب وأنواع العذاب.
وفي مسند الإمام أحمد وغيره عن البراء بن عازب - ﵁ - أن رسول الله ﷺ قال: «إن العبد المؤمن إذا كان في إقبال من الآخرة وانقطاع من الدنيا نزلت إليه ملائكة من السماء، بيض الوجوه، كأن وجوههم الشمس، معهم كفن من أكفان الجنة، وحنوط من حنوط الجنة، حتى يجلسوا منه مدّ البصر، ثم يجيء ملك الموت حتى يجلس عند رأسه، فيقول: أيتها النفس الطيبة اخرجي إلى مغفرة من الله ورضوان "، قال: " فتخرج تسيل كما تسيل القطرة من في السقاء، فيأخذها، فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين، حتى يأخذوها فيجعلوها في ذلك الكفن وذلك الحنوط، ويخرج منها كأطيب نفحة مسك وجدت على وجه الأرض فيصعدون بها ".
قال: " وإن العبد الكافر إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال من الآخرة نزل إليه من السماء ملائكة سود الوجوه، معهم المسوح (١) فيجلسون منه مد البصر، ثم يجيء ملك الموت حتى يجلس عند رأسه، فيقول: أيتها النفس الخبيثة، اخرجي إلى سخط من الله وغضب، قال: فتفرق في جسده فينتزعها كما ينتزع السفود (٢) من الصوف المبلول، فيأخذها، فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين، حتى يجعلوها في تلك المسوح، ويخرج منها كأنتن ريح خبيثة وجدت على وجه الأرض، فيصعدون بها. .» الحديث.
أما ما بعد الموت فجليل وخطير، منه ما هو في القبر، ومنه ما يكون بعد البعث من القبور.
_________________
(١) المسوح جمع مسح، بكسر الميم وهو ما يلبس من الشعر.
(٢) السفود: الحديدة كثيرة الشعب، والجمع سفافيد.
[ ٦٤ ]
فالذي في القبر شيئان:
أ - فتنة القبر: فإن الميت يمتحن إذا وضع في قبره، إذ يأتيه ملكان ويسألانه: من ربك؟ وما دينك؟ وما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فأما المؤمن فيقول: ربي الله، وديني الإسلام، وعن الرجل الذي بعث فيهم يقول: هو عبد الله ورسوله.
ويقول الكافر: هاه، هاه، لا أدري، ويقول المنافق أو المرتاب: لا أدري سمعت الناس يقولون شيئا فقلته.
ب - نعيم القبر وعذابه: بعد فتنة القبر يبقى الميت إما في نعيم أو عذاب إلى أن تقوم القيامة وهذا يحصل لروحه وبدنه جميعا، ويحصل للروح منفردة عن البدن.
وقد تضافرت الأدلة من القرآن والسنة في ثبوت سؤال الملكين ونعيم القبر وعذابه، فيجب اعتقاده والإيمان به، ولا نتكلم في كيفيته.
فمن الأدلة على ذلك:
قوله تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [إبراهيم: ٢٧] (إبراهيم الآية: ٢٧) .
وقوله تعالى: ﴿وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ - النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر: ٤٥ - ٤٦] (غافر الآية: ٤٥ - ٤٦) .
وفي الصحيحين عن البراء بن عازب - ﵁ - عن النبي ﷺ قال: «إذا أقعد المؤمن في قبره أتى ثم شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول
[ ٦٥ ]
الله فذلك قوله: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ﴾ [إبراهيم: ٢٧]» (إبراهيم الآية: ٢٧) .
وفي رواية أخرى فيهما زاد ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [إبراهيم: ٢٧] نزلت في عذاب القبر وفي مسند الإمام أحمد وغيره عن البراء (وقد تقدم أوله) بعد ذكر صعود الملائكة بروح المؤمن وإعادتها إلى الأرض: قال: «فتعاد روحه في جسده فيأتيه ملكان، فيجلسانه، فيقولان له: من ربك؟ فيقول: ربي الله، فيقولان له: ما دينك؟ فيقول: ديني الإسلام، فيقولان له: ما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول: هو رسول الله، فيقولان له: ما علمك؟ فيقول: قرأت كتاب الله فآمنت به، وصدقت، فينادي مناد من السماء: أن صدق عبدي فأفرشوه من الجنة، وافتحوا له بابا إلى الجنة، قال فيأتيه من روحها وطيبها، ويفسح له في قبره مد البصر ".
وقال عن الكافر: " فتعاد روحه في جسده، ويأتيه ملكان فيجلسانه، فيقولان له: من ربك؟ فيقول: هاه، هاه، لا أدري، فيقولان له: ما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول: هاه، هاه، لا أدري، فينادي مناد من السماء أن كذب، فأفرشوه من النار، وافتحوا له بابا إلى النار، فيأتيه من حرها وسمومها، ويضيق عليه قبره، حتى تختلف فيه أضلاعه. .» .
وفي الصحيحين عن أنس بن مالك - ﵁ - عن رسول الله ﷺ أنه قال: «إن العبد إذا وضع في قبره، وتولى عنه أصحابه، إنه ليسمع قرع نعالهم فيأتيه ملكان فيقعدانه فيقولان له: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ لمحمد ﷺ فأما المؤمن فيقول: أشهد أنه عبد الله ورسوله، فيقال له: انظر إلى مقعدك من النار، قد أبدلك الله به مقعدا من الجنة، فيراهما جميعا، وأما المنافق والكافر فيقال له: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ فيقول: لا أدري، كنت أقول ما يقول الناس، فيقال لا دريت ولا تليت، ويضرب بمطارق من
[ ٦٦ ]
حديد ضربة، فيصيح صيحة يسمعها من يليه غير الثقلين» .
وفي الصحيحين عن ابن عباس - ﵄ - أن النبي ﷺ مر بقبرين يعذبان فقال: «إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير، أما أحدهما فكان لا يستتر من بوله، وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة " ثم أخذ جريدة رطبة فشقها بنصفين ثم غرز في كل قبر واحدة، فقالوا: يا رسول الله: لم فعلت هذا؟ فقال: " لعله أن يخفف عنهما ما لم ييبسا» .
وكان النبي ﷺ يتعوذ من عذاب القبر، ويأمر بالتعوذ منه، والأحاديث في هذا كثيرة.