والقائلون بأنه قد يكون حجَّةً قطعيَّةً يشترطون أن يُعْلَم بالعلم القطعي أنَّ أهل العصر محصورون في عدد كذا، ثم يُنقل ذلك القول عن كلِّ فرد منهم بالتواتر، أي: ينقله عن زيد جماعةٌ يستحيل عادةً تواطؤُهم على الكذب وحصوله منهم اتفاقًا، فيحصل العلم القطعي بأنَّ ذلك الرجل قاله، كعلم المطَّلِع على أخبار العالم في هذا العصر أنَّ (باريس) اسم مدينة للفرنسيس، وينقله عن عمرٍو جماعة كذلك، وعن خالد كذلك، حتى يستغرق جميع أفراد ذلك العصر، ويُعْلمَ قطعًا أنهم استمرُّوا على ذلك القول إلى أن ماتوا، وأنَّ كل واحد منهم قاله غير مكرَه، ويعلم قطعًا أنه لم يخالفهم أحد قبل انقراض عصرهم، وأنه لم يكن قبلهم في الأمة مَنْ يقول بخلاف قولهم، وأن يتسلسل النقلُ إلينا بالتواتر [٥٠] التفصيليّ القطعيِّ في كل درجة، إلى غير ذلك من الشرائط المسطورة في كتب الأصول (^١)، فإن لم تجتمع فغايته أن يكون حجَّة ظنيَّة بشرطه. فلا يصلح للتمسك في أصول العقائد إلَّا إذا انضمَّ إليه أدلَّةٌ أخرى من ظواهر القرآن وعِدَّة من الأحاديث، بحيث يكون كلُّ فرد منها مفيدًا للظن، ولكن مجموعها يفيد القطع.
وإذا كان هذا حال الإجماع، فما بالك بقول الأكثر؟
فإن قيل: فأين الأحاديث الآمرة بالتمسك بالجماعة والسواد الأعظم؟
قلت: فما تصنع أنت بحديث الطائفة وغيره مما مرّ؟ وقد مرّ كلام ابن بطَّالٍ. ثم ما تصنع إذا دلّ كتاب الله تعالى أو سنة رسوله ﵌ على معنىً، وقولُ الأكثر على خلافه؟ وهذا كثيرٌ.
_________________
(١) انظر: قواطع الأدلَّة ٣/ ٢٥٠، ٢٧٠،، ٢٩٦، ٣٠٣، ٣١٠، ونهاية السول ٣/ ٣٠٣ فما بعدها.
[ ٢ / ٢٣٤ ]
لا مخرج إلا أحد أمرين:
الأول: أن يقال: إن أحاديث الجماعة والسواد الأعظم خاصة بما إذا لم يوجد دليل من الكتاب ولا من السنة، وعلى هذا يدل قول الله ﷿: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: ٥٩].
والأدلَّة في هذا من الكتاب والسنَّة كثيرةٌ. وعلى [٥١] ذلك كان عمل الصحابة، فقد جاء عن أبي بكرٍ ﵁ أنه كان إذا عرضت حادثةٌ يقضي بالكتاب، فإن لم يجد فبالسنَّة، فإن لم يجد شاور الناس (^١).
وعن عمر ﵁ أنه كان يقضي بالكتاب، فإن لم يجد فبالسنَّة، فإن لم يجد فبما قضى به أبو بكرٍ، فإن لم يكن شاور الناس (^٢).
وعلى هذا يدلُّ كتابه إلى شريح (^٣). وروي نحو ذلك عن ابن مسعود (^٤).
_________________
(١) انظر: سنن الدارميّ، (المقدِّمة)، باب الفتيا وما فيها من الشدَّة، ١/ ٥٨، ح ١٦٣. وإعلام الموقعين ١/ ٧٤ - ٧٥. [المؤلف]
(٢) انظر: إعلام الموقعين ١/ ٧٤ - ٧٥. [المؤلف]
(٣) انظر: سنن النسائيّ، كتاب آداب القضاة، الحكم باتِّفاق أهل العلم، ٢/ ٣٦٠، ح ٥٤١٤. وسنن الدارميّ، الموضع السابق، ١/ ٦٠، ح ١٦٩. وانظر: إعلام الموقعين ١/ ٦١ - ٦٢.
(٤) انظر: المستدرك، كتاب الأحكام، الخصمان يقعدان بين يدي الحاكم، ٤/ ٩٤، سنن النسائيّ، الموضع السابق، ٢/ ٣٠٦، ح ٥٤١٢. سنن الدارميّ، الموضع السابق، ١/ ٥٩، ح ١٦٧. [المؤلف]
[ ٢ / ٢٣٥ ]
وعن ابن عباس أنه كان إذا سئل عن الأمر فكان في القرآن أخبر به، وإن لم يكن في القرآن وكان عن رسول الله ﵌ أخبر به، فإن لم يكن فعن أبي بكر وعمر، فإن لم يكن قال فيه برأيه (^١).
وفي طبقات ابن سعد: «أخبرنا سفيان بن عيينة، عن عبيد الله بن أبي يزيد قال: كان ابن عباس» فذكر نحوه (^٢).
وفي سنن البيهقي من طريق ابن وهب، أخبرني عمرو بن الحارث، أن بكير بن عبد الله أخبره، عن يزيد بن أبي حبيب، عن مسلمة بن مخلد، أنه قام على زيد بن ثابت فقال: يا ابن عم: أُكرِهْنا على القضاء، فقال زيد: اقض بكتاب الله ﷿، فإن لم يكن في كتاب الله ففي سنة النبي ﵌، فإن لم يكن في سنة النبي ﵌ فادع أهل الرأي، ثم اجتهد، واختر لنفسك، ولا حرج (^٣).
وعلى هذا كان عمل أئمة التابعين وعلماء السلف، كالأئمة الأربعة أصحاب المذاهب المشهورة، ترى أحدهم إذا ظفر بدلالة من كتاب الله تعالى أو سنة رسوله ﵌ قال بها، وإن كان جمهور الأمة على خلافها.
_________________
(١) سنن الدارميّ، الموضع السابق، ١/ ٥٩، ح ١٦٨. ونحوه في المستدرك، كتاب العلم، الناس كانوا لا يكذبون في عهد النبيِّ - ﷺ -، ١/ ١٢٧. قال الحاكم: «صحيحٌ على شرط الشيخين»، وأقرَّه الذهبيّ. [المؤلف]
(٢) الطبقات ٢/ ١٠١.
(٣) سنن البيهقي، كتاب آداب القاضي، باب ما يقضي به القاضي ، ١٠/ ١١٥. [المؤلف]
[ ٢ / ٢٣٦ ]
الأمر الثاني: ما نقله الشاطبي في الاعتصام (^١) عن ابن جرير الطبري، وحاصله: أن أحاديث السواد الأعظم خاصَّة بمسألة الإمارة، والمعنى أنه إذا اجتمع أكثر المسلمين على تأمير أحدهم وجب عليهم وعلى غيرهم طاعته.
أقول: وهذا هو الذي يدلُّ عليه سياق تلك الأحاديث، وقد بُيِّنَ في بعضها أن المراد الطاعة في غير معصية الله تعالى، وقد دلّت على ذلك الآية السابقة، وبَيَّن في بعض الأحاديث أنَّ الخروج على الأمير لا يجوز إلَّا أن يكفر كفرًا بواحًا أو يترك الصلاة.
وعلى هذا أو ما في معناه يُحْمَل عمل الحسين بن علي ﵉، ثم خلاف ابن الزبير وأهل المدينة ثم ابن الأشعث ومن خرج معه من الأئمة كسعيد بن جبير والشعبي وغيرهما.
وبالجملة، فالنظر في هذه المسألة مبنيٌّ على الأصل الإسلامي المشهور، وهو أنه إذا تعارضت مفسدتان ولم يكن بدٌّ من ارتكاب إحداهما وجب ارتكاب الصغرى لدرء الكبرى. وَمِنْ هنا يُعْلَمُ عُذْرُ أهلِ السنة بعد القرن الأول في حظر الخروج على السلطان مادام مسلمًا، فإنَّ التجارب علّمتهم أنَّ نتيجة الخروج تكون أعظم فسادًا وشرًّا وضرًّا مما كان قبله.
والمقصود أنَّ أحاديث الجماعة والسواد الأعظم لا حجة فيها على أنَّ قول الأكثر يكون حجة شرعية في المسائل العلمية، ولا سيَّما فيما يُطْلَبُ فيه العلم القطعيُّ من أصول الدين.
هذا مع أنَّه إذا فُرض ضلالُ الأكثر في أصلٍ من أصول الدِّين الكلِّيَّة، فقد
_________________
(١) ٣/ ١٤٠. نقل في الاعتصام أقوالًا أخرى فراجعها إن أحببت. [المؤلف]
[ ٢ / ٢٣٧ ]
خرجوا بذلك عن رسم الأمة فلا يصدق عليهم الجماعة ولا السواد الأعظم؛ لأنَّ المراد جماعة المسلمين، والسواد الأعظم منهم، كما هو ظاهر، والله أعلم.
وليس غرضي مما تقدَّم الحكمَ على أكثر الأمَّة بالضلال، وإنما مقصودي أن يعلم الناظر أنَّ ذلك أمر محتمل في نفسه، فلا يصُدُّه حسن الظن عن تدبُّر كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﵌ وما كان عليه سلف الأمة. (^١) فأما حديث البخاري وغيره عن عقبة بن عامرٍ في صلاة النبي ﵌ على شهداء أحد وخطبته بعد ذلك وقوله: «وإني والله ما أخاف أن تشركوا بعدي» (^٢)، فقال الحافظ في الفتح: أي على مجموعكم؛ لأنَّ ذلك قد وقع من البعض، أعاذنا الله تعالى (^٣).
وأشار في موضعٍ آخر إلى أنه خاصٌّ بالصحابة؛ لأنهم المخاطَبون، وعبارته: «ووقع من ذلك في هذا الحديث إخباره وبأنَّ أصحابه لا يشركون بعده، فكان كذلك» (^٤).
وفي صحيح مسلمٍ من طريق أبي سفيان عن جابرٍ قال: سمعت النبي
_________________
(١) من هنا يبدأ ملحق ٥٢.
(٢) أخرجه البخاريُّ في كتاب الجنائز، باب الصلاة على الشهيد، ٢/ ٩١، ح ١٣٤٤، ومواضع أخرى. ومسلمٌ في كتاب الفضائل، باب إثبات حوض نبيِّنا - ﷺ - وصفاته، ٧/ ٦٧، ح ٢٢٩٦، من حديث عقبة بن عامرٍ ﵁.
(٣) الفتح ٣/ ١٣٩. [المؤلف]
(٤) الفتح ٦/ ٤٠٠. [المؤلف]
[ ٢ / ٢٣٨ ]
﵌ يقول: «إنَّ الشيطان قد أيس أن يعبده المصلُّون في جزيرة العرب ولكن في التحريش بينهم».
قال الأُبِّيُّ: «يعارضه ما يأتي في الأشراط من أمر دوسٍ، ويُجاب أنَّ الإياس المذكور هو قبل قرب قيام الساعة، وعبادة دوسٍ من الأشراط، أو يقال: إن ذلك الإياس إنما هو من الشيطان، ولا يضره عدم صدقه» (^١).
ويعني بأمر دوسٍ ما جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة أنَّ النبيَّ ﵌ قال: «لا تقوم الساعة حتى تضطرب أَلَيَاتُ نساء دوسٍ على ذي الخَلَصَة»، وذو الخَلَصَة: طاغية دوسٍ التي كانوا يعبدونها في الجاهلية (^٢).
وأخرج مسلمٌ وغيره من حديث عائشة قالت: سمعت النبي ﵌ يقول: «لا يذهب الليل والنهار حتى تُعبد اللات والعزَّى»، فقلت: يا رسول الله! إن كنتُ لأظنُّ حين أَنْزَلَ الله: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: ٣٣، والصف: ٩] أن ذلك تامًّا (^٣)، قال: «إنه سيكون من ذلك ما شاء الله، ثم يبعث الله ريحًا طيبة فتَوَفَّى كل من في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان،
_________________
(١) إكمال إكمال المعلم ٧/ ٢٠٦. [المؤلف]
(٢) البخاريّ، كتاب الفتن، باب تغيير الزمان حتى يعبدوا الأوثان، ٩/ ٥٨، ح ٧١١٦. مسلم، كتاب الفتن ، بابٌ لا تقوم الساعة حتى تعبد دوسٌ ذا الخلَصة، ٨/ ١٨٢، ح ٢٩٠٦. [المؤلف]
(٣) كذا في الأصل وفي صحيح مسلمٍ، والتقدير: يكون تامًّا، كما في الطبريّ ٢٣/ ٣٦١، والمستدرك ٤/ ٤٤٧ وتلخيصه.
[ ٢ / ٢٣٩ ]