كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [المؤمنون: ٨٤ - ٩١].
وقوله ﵎: ﴿ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا (٣٩) أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ إِنَاثًا إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيمًا (٤٠) وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِيَذَّكَّرُوا وَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا نُفُورًا (٤١) قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا (٤٢) سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا (٤٣) تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ [الإسراء: ٣٩ - ٤٤].
وتقرير هذا البرهان: أنه لو كان مع الله تعالى أحياء يدبِّرُ كلٌّ منهم الخلق والرزق ونحوهما من الأمور العظمى في العالم تدبيرًا مستقلًّا [١٣٠] لاختلفوا، وإذا اختلفوا فسدت السموات والأرض، كما أن الأمور الصغيرة التي يدبِّرها الناس مستمرة الفساد.
ولا ريب أن قدرة الناس لو تتناول نحو إنزال المطر ومنعِه، وإرسال الرياح وحبسها، وتيسير (^١) الهواء ورفعه، وتحريك الزلازل ونحو ذلك؛ لكان الفساد أظهر، ومعلوم بالمشاهدة أن الأمور العظمى لا يتطرَّق إليها الفساد، وما قد يظهر في بعضها مما يُتَوهَّم فسادًا تُعْلَم مصلحته عند التدبُّر. فعلم بذلك أنه ليس في العالم مع الله تعالى أحياء كلٌّ منهم يدبِّر تدبيرًا مستقلًّا.
والمراد بالآلهة هنا الجنس، أي واحد مع الله فأكثر؛ لأن الفساد كما يلزم من وجود ثلاثة مثلًا مع الله يَلْزَمُ من وجود اثنين وواحدٍ أيضًا.
_________________
(١) كذا في الأصل، ولعله: «تسيير».
[ ٢ / ٣٥٠ ]
وقد علم من هذا البرهان إبطالُ ما يزعمه المشركون من أن الملائكة متمكِّنون من التصرُّف بهواهم واختيارهم كالبشر، وبيان ذلك: أن الفساد كما يلزم من تصرُّفهم بهواهم واختيارهم بناءً على أنهم مدبِّرون استقلالًا، فكذلك يلزم من تصرُّفهم بهواهم واختيارهم بناء على أن الله ﷿ مَكَّن لهم في ذلك كما مكَّن للبشر في الأرض؛ فإنّ تصرُّف البشر يَحْدُثُ منه الفسادُ قطعًا، وذلك معلومٌ بالمشاهدة، ولو تناولت قدرتُهم الأمورَ العظمى ومُكِّنوا من التصرُّف فيها تمكينَهم من الصغرى لظهر الفساد فيها حتمًا.
وبهذا التقرير اجْتُثَّتْ شبهةُ المشركين من أصلها، فلم يبق حاجةٌ إلى بيان أنه لو فُرِضَ أنَّ الملائكة مُمَكَّنون من التصرف تمكين البشر لم يستحقُّوا أن يُعْبَدُوا، مع أن القرآن قد بَيَّنَ هذا في مواضع، منها قوله تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (٣٦) وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُضِلٍّ أَلَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي انْتِقَامٍ (٣٧) وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ [الزمر: ٣٦ - ٣٨].
وتقريره: أنه إذا ثبت أن الله ﷿ محيطٌ بالملائكة قدرةً وعلمًا ومهيمنٌ عليهم في جميع أعمالهم، فلا يستطيعون نفع أحد يقضي الله ضرَّه ولا ضرَّ أحد يقضي الله نفعَه، ولا أن ينالوا أحدًا بشيء لا يقضيه الله تعالى له، فلم يبق معنىً لإشراكهم معه سبحانه في العبادة. فأما عدم التشديد على الناس في خضوع بعضهم لبعض فإنما ذلك فيما لم يكن عبادة على ما يأتي تحقيقه إن شاء الله تعالى.
[ ٢ / ٣٥١ ]
والناس في هذه الدار مغمورون بالحسِّيات والعاديَّات، حتى إنَّ الإنسان يجد بحسب الظاهر أن سؤاله إنسانًا مثله أقربُ إلى حصول غرضه من الاقتصار على سؤال الله ﷿، وتوجيهُ ذلك معروفٌ في العقل والدين، ولكن الإنسان يصعب عليه أن يقتصر في أعماله على مقتضى العقل والدين لغلبة الحسّ والعادة عليه.
هذا مع أن كثيرًا من الأحكام الشرعية أو أكثرها كالمبنيِّ على هذه الأمور العادية، ألا ترى أنه ليس للإنسان أن يتناول السُّمَّ أو يمتنع من الطعام والشراب أو يمتنع من العمل بطاعة الله تعالى والكفِّ عن معاصيه قائلًا: ما سبق في علم الله فهو كائن لا محالة ففيم العناء؟
فأما حال الملائكة فإنه مخالف لحال البشر؛ فليس هناك حسٌّ ولا عادة يوهم بظاهره أن الالتجاء إلى الملائكة أقربُ في حصول المقصود من الالتجاء إلى الله ﷿، بل الأمر بالعكس، كما يدلُّ عليه حالُ المشركين حيث كانوا عند الشدائد يدعون الله ﷿ وحده، وسيأتي الكلام على ذلك إن شاء الله تعالى.
وبهذا التقرير يُعْلَمُ أن الجنَّ وأرواح الموتى كالملائكة، ولا سيما إذا ثبت أن دعاء الجن وأرواح الموتى عبادة، وسيأتي الكلام عليه إن شاء الله تعالى. هذا مع أن ما أشرنا إليه من عدم التشديد على الناس في خضوع بعضهم لبعض ليس معناه أن ذلك مباح لهم مطلقًا، بل فيه تفصيلٌ سيأتي في موضعه إن شاء الله تعالى.
واعلم أن البرهان المتقدِّم
_________________
(١) أي: لو كان مع الله تعالى أحياء إلخ هو برهان التمانع المشهور بين المتكلمين، ولهم في تقريره خبط طويل، والذي
[ ٢ / ٣٥٢ ]