قال في الفتح: "ولما عَبَّر الراوي بالعبادة احتاج أن يوضِّحها بقوله: "ولا تشرك به شيئًا"، ولم يحتج إليها في رواية عمر؛ لاستلزامها ذلك" (^١).
[٨] وفي الصحيحين أيضًا حديث ابن عبَّاسٍ في قصَّة وفد عبد القيس، وفيه: أمرهم بأربعٍ، ونهاهم عن أربعٍ. أمرهم بالإيمان بالله وحده، قال: "أتدرون ما الإيمان بالله وحده؟ " قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: "شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمَّدًا رسول الله " (^٢).
[ب ٥] وفي صحيح مسلمٍ من حديث أبي سعيدٍ في هذه القصة: "آمركم بأربع: اعبدوا الله ولا تشركوا به شيئًا " (^٣).
فيُعلَم بما تقدَّم أن الصحابة ﵃ كانوا يرون اتِّحاد معنى شهادة أن لا إله إلا الله ومعنى التزام عبادة الله وعدم الشرك به، وهو المطلوب، والله أعلم.
هذا، ومَن تدبَّر تبيَّن له أن الشروط السابقة ــ وهي الاعتراف والتصديق والتسليم والرضا ــ إنما هي بمثابة الوسيلة للالتزام، وكأنه المقصود.
بل لو قيل بأن جانب الالتزام هو المغلَّب في شهادة أن لا إله إلا الله لما كان بعيدًا، بدلالة الاكتفاء بها من المشرك المحارب وإن لم يسمع شيئًا من البراهين المبطلة للشرك.
_________________
(١) فتح الباري ١/ ٨٨. [المؤلف]
(٢) البخاريّ، كتاب الإيمان، بابٌ أداء الخمس، ١/ ٢١، ح ٥٣. مسلم، كتاب الإيمان، باب [الأمر] بالإيمان إلخ، ١/ ٣٥ - ٣٦، ح ١٧. [المؤلف]
(٣) مسلم، كتاب الإيمان، باب الأمر بالإيمان إلخ، ١/ ٣٦، ح ١٨. [المؤلف]
[ ٢ / ١٢ ]
وفي حديث أسامة قال: بعثنا رسول الله ﵌ إلى الحُرَقة من جهينة، قال: فصبَّحنا القوم فهزمناهم، قال: ولحقت أنا ورجلٌ من الأنصار رجلًا منهم، قال: فلما غشيناه قال: (لا إله إلا الله)، قال: فكفَّ عنه الأنصاريُّ، فطعنته برمحي حتى قتلته، قال: فلما قدمنا بلغ ذلك النبيَّ - ﷺ -، قال: فقال لي: "يا أسامة، أقتلته بعد ما قال: (لا إله إلا الله)؟ " قال: قلت: يا رسول الله، إنما كان متعوِّذًا، قال: "أقتلته بعد أن قال: (لا إله إلا الله)؟ " قال: فما زال يكرِّرها عليَّ حتى تمنَّيت أني لم أكن أسلمت قبل ذلك اليوم (^١).
وفي حديث المقداد أنه قال: يا رسول الله، إن لقيتُ كافرًا فاقتتلنا، فضرب يدي بالسيف فقطعها، ثم لاذ بشجرةٍ، وقال: أسلمتُ لله، آقتله بعد أن قالها؟ قال رسول الله ﵌: "لا تقتله". قال: يا رسول الله، فإنه طرح إحدى يديَّ ثم قال ذلك بعد ما قطعها، آقتله؟ قال: "لا تقتله؛ فإن قتلته فإنه بمنزلتك قبل أن تقتله، وأنت بمنزلته قبل أن يقول كلمته التي قال" (^٢).
وفي حديث ابن عمر "قال: بعث النبيُّ - ﷺ - خالد بن الوليد إلى بني
_________________
(١) صحيح البخاريِّ، كتاب الديات، باب ٢ [قول الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا﴾]. صحيح مسلمٍ، كتاب الإيمان، باب تحريم قتل الكافر بعد أن قال (لا إله إلا الله)، ١/ ٦٨، ح ٩٦ (١٥٩). [المؤلف]
(٢) صحيح البخاريِّ، كتاب الديات، باب ١ [قول الله تعالى: "ومَن يقتل مؤمنًا متعمِّدًا فجزاؤه جهنَّم"]. صحيح مسلمٍ، كتاب الإيمان، باب تحريم قتل الكافر بعد أن قال (لا إله إلا الله)، ١/ ٦٦، ح ٩٥. [المؤلف]
[ ٢ / ١٣ ]
جَذِيمة، فدعاهم إلى الإسلام، فلم يحسنوا أن يقولوا: (أسلمنا)، فجعلوا يقولون: (صبأنا) فجعل خالدٌ يقتل ويأسر" الحديث، وفي آخره: فرفع النبيُّ - ﷺ - يده، فقال: "اللهمَّ إني أبرأ إليك مما صنع خالدٌ" (^١).
وفي حديث أنسٍ: فجاء أبو طلحة فخطب أمَّ سُلَيمٍ، وهي أمُّ أنس، فكلَّمها في ذلك، فقالت: يا أبا طلحة، ما مثلُك يُرَدُّ، ولكنك امرؤٌ كافرٌ، وأنا امرأةٌ مسلمةٌ، لا يصلح لي أن أتزوَّجك. فذكر الحديث، وفيه: فانطلق أبو طلحة يريد النبيَّ - ﷺ -، ورسول الله جالس في أصحابه، [ب ٦] فلما رآه [٩] قال: "جاءكم أبو طلحة، غُرَّة الإسلام بين عينيه" الحديث (^٢).
بل قال الله ﵎: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الحجرات: ١٤].
فهؤلاء شهدوا أن لا إله إلا الله على سبيل الالتزام وقُبِلَتْ منهم مع شهادة الله تعالى عليهم بأنه لم يدخل الإيمان في قلوبهم، وبذلك انتفى صدقُ الاعتراف، وانتفى التصديقُ، وانتفى الرضا الحقيقي، فلم يبق إلَّا الالتزام، فتدبَّرْ.
وقد قال العلماء: إن (لمَّا) النافية تشعر بأن المنفيَّ سيقع بعدُ، وعلى
_________________
(١) صحيح البخاريِّ، كتاب المغازي، باب بعث النبيِّ ﵌ خالد بن الوليد إلخ، ٥/ ١٦٠، ح ٤٣٣٩. [المؤلف]
(٢) رواه أبو داود الطيالسيّ في مسنده، حديث ٢٠٥٦ [وفي طبعة التركي ٣/ ٥٣٣، ح ٢١٦٨]، وسنده صحيحٌ. [المؤلف]
[ ٢ / ١٤ ]
هذا ففي الآية وَعْدٌ من الله ﷿ لهؤلاء القوم بأنه سيدخل الإيمان في قلوبهم، وقد وعدهم صريحًا بقوله: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ الآية، فيُعلَم من هذا أن هؤلاء لم يكونوا من المنافقين؛ فإن الله تعالى وعد هؤلاء بما سمعت، وأوعد المنافقين بأن يُضِلَّهم ويزيدَهم مرضًا ورِجْسًا.
والفرق بين الفريقين أنَّ المنافقين التزموا بألسنتهم وكانوا ينقضونه في السرِّ بالتكذيب والطعن والعدوان والسعي بالفساد وكيد الإسلام وأهله. وأما هؤلاء الأعراب فإنهم التزموا ووفَوْا بما التزموه وإن لم يكن قد دخل الإيمان في قلوبهم، فتدبَّرْ.
ثم رأيت الإمام الشافعيَّ رحمه الله تعالى قد ألمَّ بهذا في كتاب (إبطال الاستحسان)، قال: "ثم أَطْلَع الله رسولَه على قومٍ يظهرون الإسلام ويُسِرُّون غيره فقال لنبيِّه: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا ﴾ [الحجرات: ١٤].
قال الشافعيُّ: ﴿أَسْلَمْنَا﴾، يعني: أسلمنا بالقول بالإيمان مخافة القتل والسِّباء، ثم أخبر أنه يجزيهم إن أطاعوا الله ورسوله، يعني: إن أحدثوا طاعة الله ورسوله، وقال له في المنافقين وهم صنفٌ ثانٍ: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ ﴾ [المنافقون: ١] " (^١).
محلُّ الشاهد قوله في المنافقين: "وهم قسم ثانٍ" (^٢).
والمقصود أن الأحكام الدنيويَّة بُنِيت على الالتزام وحده، ولو ممن عُلِم أنه لم يؤمن قلبه. وبهذا يُعلَم أنَّ ما جاء في بعض روايات حديث أسامة من
_________________
(١) كتاب الأمّ ٧/ ٢٦٨. [المؤلف]
(٢) كذا في الأصل.
[ ٢ / ١٥ ]
قول النبيِّ ﵌: "فهلَّا شققت عن قلبه حتى تعلم أقالها أم لا" ليس المراد منه: آمن قلبه أم لا، بل المراد
_________________
(١) والله أعلم : آلتزم الإسلام بقلبه كما التزمه بلسانه أم لا؟ لأنَّ حرمة القتل لا تتوقَّف على الإيمان بالقلب كما سمعت. وقال الله ﷿: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النحل: ١٠٦]. [ب ٧] استثناؤه مَن أُكرِه وقلبه مطمئنٌّ بالإيمان يدلُّ أن المستثنى منه وهو قوله: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ﴾ يعمُّ مَن تظاهر بالكفر وإن لم يكفر قلبه، وإنما استثنى مَن تظاهر بالكفر مكرهًا. وعلى هذا فقوله: ﴿مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا﴾ يعمُّ مَن تظاهر به مختارًا غير مكرهٍ وإن لم يكفر بقلبه؛ فإن تظاهره بالكفر مختارًا كافٍ في شرح الصدر بالكفر، وذلك أنه بتظاهره بالكفر قد نقض التزامه. وظاهر الآية أن المكرَه إذا كفر وقلبه مطمئنٌّ بالإيمان قد كفر بعد إيمانه، ولكن لما كان معذورًا وقلبه مطمئنٌّ بالإيمان عذره الله تعالى، فالعذر مبنيٌّ على الأمرين معًا: الإكراه، واطمئنان القلب بالإيمان، فلا يكفي أحدهما، والله أعلم.
(٢) ويشهد لهذا قول الله ﵎: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (٩٧) إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا (٩٨) فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ
[ ٢ / ١٦ ]
عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ [النساء: ٩٧ - ٩٩].
أخرج البخاريُّ عن ابن عبَّاسٍ أن ناسًا من المسلمين كانوا مع المشركين يكثِّرون سواد المشركين على رسول الله ﵌، يأتي السهم فيصيب أحدهم فيقتله، أو يُضرب فيُقتل، فأنزل الله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ﴾ الآية (^١).
وأخرج البخاريُّ عن ابن عبَّاسٍ أيضًا أنه تلا: ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ﴾، قال: كنتُ أنا وأمِّي ممن عذر الله (^٢).
وهذا الأثر الثاني يدلُّ أن ابن عبَّاسٍ لم يرد بالأثر الأوَّل أن الآية خاصَّةٌ بمن كان يكثِّر السواد في الحرب، بل تعمُّ المتخلِّفين عن الهجرة. وجاء عن بعض السلف أن هؤلاء المتخلِّفين غيرَ المعذورين كفروا بعد إيمانهم، واستبعده بعض المتأخِّرين ظنًّا أنه لم يقع منهم إلَّا التخلُّف عن الهجرة. والذي تدلُّ عليه الآثار أن المتخلِّفين كانوا يُكرَهون على الكفر، [١١] وعلى هذا فمُكْثُ مَن مكث منهم مع استطاعته الهجرة وعلمِه أنه إن لم يهاجر أُكرِه على الكفر= ضربٌ من الاختيار؛ فلذلك ــ والله أعلم ــ لم يُعذَروا.
ثم رأيت في سنن البيهقيِّ ما لفظه: "قال الله جَلَّ ثناؤه في الذي يُفْتَن عن
_________________
(١) صحيح البخاريِّ، كتاب التفسير، تفسير هذه الآية [باب: "إن الذين توفَّاهم الملائكة ظالمي أنفسهم "]، ٦/ ٤٨، ح ٤٥٩٦. [المؤلف]
(٢) الصحيح، كتاب التفسير، باب: "وما لكم لا تقاتلون" إلخ، ٦/ ٤٦، ح ٤٥٨٨. [المؤلف]
[ ٢ / ١٧ ]
دينه، قَدَر (^١) على الهجرة فلم يهاجر حتى توفي: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ﴾ الآية [النساء: ٩٧] " (^٢). وهذا صريحٌ فيما ظهر لي، ولله الحمد.
هذا، وقوله تعالى في الذين لا يستطيعون حيلةً ولا يهتدون سبيلًا: ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ فيه دلالةٌ على [أن] مَن أُكرِه منهم على الكفر فتظاهَر به فقد أساء، وإن كان معفوًّا عنه، أي ــ والله أعلم ــ: لأنه كان الأولى لهم أن يصبروا [ب ٨] على العذاب أو القتل ولا يتظاهروا بالكفر. وقد كان جماعةٌ من أصحاب النبيِّ ﵌ قبل أن يُؤذَن لهم بالهجرة يعذَّبون فصبر أكثرهم، وقال النبيُّ ﵌ لعمَّارٍ وأبيه وأمِّه وهم يعذَّبون: "صبرًا آل ياسر؛ فإنَّ موعدكم الجنَّة" (^٣).
ومما يدلُّ على الالتزام قول الله جلَّ ثناؤه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ﴾، إلى قوله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ﴾، إلى قوله: ﴿فَبَايِعْهُنَّ﴾ [الممتحنة: ١٠ - ١٢].
_________________
(١) كذا في الأصل والسنن الكبرى للبيهقيِّ.
(٢) سنن البيهقي ٩/ ١٢. [المؤلف]
(٣) أخرجه الحاكم في كتاب معرفة الصحابة، ذكر مناقب عمَّار بن ياسرٍ ﵁، إيذاء الكفَّار آل ياسرٍ، ٣/ ٣٨٣، من طريق ابن إسحاق مرسلًا. ثم أخرجه في الكتاب المذكور، ذكر مناقب عمَّار بن ياسرٍ ﵁، "ما خُيِّر عمَّارٌ بين أمرين إلا اختار أرشدهما"، ٣/ ٣٨٨ - ٣٨٩، من طريق أبي الزُّبير عن جابرٍ ﵁، نحوه، وقال: "صحيحٌ على شرط مسلمٍ ولم يخرجاه"، ولم يتعقَّبْه الذهبيُّ.
[ ٢ / ١٨ ]
يعني ــ والله أعلم ــ: فبايعهنَّ على ذلك عند قدومهنَّ من دار الكفر، على أن هذه المبايعة كانت غير خاصَّةٍ بهنَّ؛ ففي الصحيحين عن عبادة بن الصامت أحد النقباء أنَّ النبيَّ ﵌ قال وحوله عصابةٌ من أصحابه: "بايعوني على ألا تشركوا بالله شيئًا، ولا تسرقوا" الحديث، كما في بيعة النساء (^١).
وجاء نحوه عن جرير بن عبد الله وعبد الله بن عمرو بن العاص (^٢).
وهذه المبايعة كالتفسير للشهادتين وبعض ما يتعلَّق بهما؛ ولذلك ــ والله أعلم ــ ترك أئمَّةُ الصحابة ومن بعدهم مبايعةَ مَنْ يُسلم مثل المبايعة المذكورة اكتفاء بالشهادتين، وبأنَّ معناهما وما يتعلَّق به [١٢] قد اشتهر بين الناس.
وقال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ الآية [البقرة: ٨٣].
فأَخَذَ الميثاق منهم لا يعبدون إلا الله على وجه الالتزام، وهو معنى شهادة أن لا إله إلا الله.
ومما يوضِّح اشتراط الالتزام أنَّ الكافر لو قال: أنا أعلم أن دين الإسلام حقٌّ ولكن لا أدع ديني، أو قال: أنا أعلم أن شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمَّدًا رسول الله حقٌّ ولكني لا أحبُّ الدخول في الإسلام، أو قال: أنا لا أدع ديني أبدًا مع أني أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمَّدًا رسول الله؛ فإنه لا
_________________
(١) البخاريّ، كتاب الإيمان، باب ١١، ١/ ١٢، ح ١٨. مسلم، كتاب الحدود، بابٌ الحدود كفَّارةٌ لأهلها، ٥/ ١٢٧، ح ١٧٠٩. [المؤلف]
(٢) انظر: فتح الباري ١/ ٥١. [المؤلف]
[ ٢ / ١٩ ]
يصير بشيءٍ من ذلك مسلمًا، ولا تلزمه أحكام الإسلام. وقد وردت في معنى هذا آثارٌ كثيرةٌ، منها قصة أبي طالبٍ (^١) ومنها قصَّة ابن صُوريا (^٢) وغيره من اليهود كانوا يعترفون ولكنهم أبَوْا الدخول في الإسلام، فلم يَعُدَّ النبي صَلّى الله عليه وآله [١٣] وسلَّم اعترافَهم إسلامًا، ولا تمسُّكَهم بعده بدينهم ردَّة.
ومنها قصة هرقل (^٣) والأعشى ميمون (^٤) وغير ذلك.
_________________
(١) انظر: صحيح البخاريِّ، كتاب مناقب الأنصار، باب قصَّة أبي طالبٍ، ٥/ ٥٢، ح ٣٨٨٤. وصحيح مسلمٍ، كتاب الإيمان، باب صحَّة إسلام مَن حضره الموت ما لم يُشرع في النزع، ١/ ٤٠، ح ٢٤.
(٢) هو عبد الله بن صوريا اليهوديّ، أعلم بني إسرائيل. رُوِي أن النبيَّ ﵌ قال له: "يا ابن صوريا، أنشدك الله وأذكِّرك أيَّامه عند بني إسرائيل، هل تعلم أنَّ الله حكم فيمَن زنى بعد إحصانه بالرجم في التوراة؟ " فقال: اللهمَّ نعم، أما والله يا أبا القاسم إنهم ليعرفون أنك نبيٌّ مرسل ولكنهم يحسدونك. أخرجه البيهقي في كتاب الحدود، باب ما جاء في حدِّ الذمِّيِّين ، ٨/ ٢٤٥، من حديث أبي هريرة. وأصل القصَّة في الصحيحين من حديث ابن عمر. انظر: صحيح البخاريِّ، كتاب المناقب، باب قول الله تعالى: ﴿يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾، ٤/ ٢٠٦، ح ٣٦٣٥. وصحيح مسلمٍ، كتاب الحدود، باب رجم اليهود أهلِ الذمَّة في الزنى، ٥/ ١٢١، ح ١٦٩٩.
(٣) هو ملك الروم، وهرقل اسمه، ولقبه قيصر. وقصَّته مع أبي سفيان مشهورةٌ، وفيها أنه قال له بعدما سأله عن النبيِّ - ﷺ -: (فإن كان ما تقول حقًّا فسيملك موضع قدميَّ هاتين، وقد كنت أعلم أنه خارجٌ، لم أكن أظنُّ أنه منكم، فلو أني أعلم أني أخلص إليه لتجشَّمت لقاءه، ولو كنت عنده لغسلت عن قدميه). انظر: صحيح البخاريِّ، كتاب بدء الوحي، ١/ ٨، ح ٧. وصحيح مسلمٍ، كتاب الجهاد والسير، باب كتاب النبيِّ - ﷺ - إلى هرقل، ٥/ ١٦٣، ح ١٧٧٣.
(٤) هو ميمون بن قيس بن ثعلبة الشاعر الجاهليُّ المشهور، ذُكِر أنه خرج إلى رسول الله - ﷺ - يريد الإسلام، فأنشأ قصيدةً يمدح بها النبيَّ - ﷺ -، ومِن ضمنها أبيات يقرُّ فيها بأن محمَّدًا نبيُّ الإله، ويحضُّ على فرائض الإسلام، وينهى عن المحرَّمات المشهورة، فمرَّ بمكَّة في الفترة التي هادن فيها النبيُّ ﵌ قريشًا، فصدَّه بعضُ المشركين عن نيَّته. انظر: السيرة النبويَّة لابن هشام ٢/ ٢٩ - ٣٢، وديوان الأعشى ١٨٥ - ١٨٧
[ ٢ / ٢٠ ]
وقد أطلت في بيان هذا الشرط لأنني لم أره مشروحًا فيما وقفت عليه.
ثم رأيت صاحب "الهَدْي" ذكر قصَّةً وقعت لبعض النصارى في العهد النبويِّ، ثم قال: [ب ٩]: "وفيها: أن إقرار الكاهن الكتابي لرسول الله ﵌ بأنه نبي لا يُدْخِلُه في الإسلام ما لم يلتزم طاعته ومتابعته، فإذا تمسَّكَ بدينه بعد هذا الإقرار لا يكون ردّة منه، ونظير هذا قول الحَبْرَين له وقد سألاه عن ثلاث مسائل، فلما أجابهما قالا: نشهد أنك نَبِيٌّ، قال: فما يمنعكما من اتِّباعي؟ قالا: نخاف أن تقتلنا اليهود (^١)، ولم يَلْزَمْهُما بذلك الإسلامَ، ونظير ذلك شهادةُ عمِّه أبي طالبٍ له بأنه صادقٌ وأنّ دينه من خير أديان البريّة دينًا (^٢)، ولم تدخله هذه الشهادة في الإسلام.
ومَن تأمَّل ما في السير والأخبار الثابتة من شهادة كثير من أهل الكتاب والمشركين له ﵌ بالرسالة، وأنه صادق، فلم تُدخلهم هذه الشهادة في الإسلام، عَلِمَ أن الإسلام أَمْرٌ وراء ذلك، وأنه ليس هو المعرفة فقط، ولا المعرفة والإقرار فقط، بل المعرفةَ والإقرار والانقياد
_________________
(١) أخرجه التِّرمِذيّ في كتاب التفسير، بابٌ ومن سورة بني إسرائيل،، ح ٣١٤٤، وقال: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. والنَّسائيُّ في كتاب تحريم الدم، السحر، ٧/ ١٠٢ - ١٠٣.
(٢) قال ذلك في قصيدةٍ له، أورد بعضها ابن إسحاق في سيرته ص ١٣٦.
[ ٢ / ٢١ ]