وجاء في الصحيح أن أمة محمد تشهد لنوح ﵇ بالبلاغ (^١)، وهم إنما يشهدون لإعلام الله تعالى لهم في كتابه وعلى لسان نبيهم ﵌.
ثم إن ذكره ﷿ في السياق قصة هود ﵇ وفيها ذكر الآلهة، وقوله تعالى بعد ذلك: ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرَى فَلَوْلَا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ قُرْبَانًا آلِهَةً بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ وَذَلِكَ إِفْكُهُمْ وَمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (٢٨)﴾ ظاهر في أن حال المشركين المذكور قبل ذلك هو من هذا القبيل. أي: إنهم اتخذوا الملائكة آلهة، ولهذا ذكرنا هذه الآيات في هذا الفصل.
وقد تقدَّم تفسير القربان (^٢) وأنه اسم لمن يتقرب إلى الملِك يستوي فيه الواحد والجمع، والله أعلم.
[س ٥٦/أ] فصل
وأما العبادة فأخبر الله ﷿ أنها وقعت:
١) للأصنام.
وعامَّة ما جاء صريحًا في ذلك عن قوم الخليل ﵇.
فمن ذلك قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ (٣٥) رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ﴾ [إبراهيم: ٣٥ - ٣٦].
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب التفسير، سورة البقرة، باب ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾، ٦/ ٢١، ح ٤٤٨٧، من حديث أبي سعيد ﵁.
(٢) انظر: ص ٣٣٨.
[ ٢ / ٤٣٠ ]
وقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا (٤١) إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَاأَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾ [مريم: ٤١ - ٤٢].
وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ (٥١) إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ (٥٢) قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ﴾ [الأنبياء: ٥١ - ٥٣].
وجاء بعد قصة تكسيره ﵇ الأصنام قوله: ﴿قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ (٦٦) أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [الأنبياء: ٦٦ - ٦٧].
[س ٥٦/ب] وقال تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ (٦٩) إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ (٧٠) قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ﴾ [الشعراء: ٦٩ - ٧١].
ومثله قوله ﷿: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١٦) إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا﴾ [العنكبوت: ١٦ - ١٧].
وقوله ﷿: ﴿وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ (٨٣) قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ (٩٥) وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٨٣ - ٩٦].
فهذه المواضع المارَّة كلها في قوم إبراهيم ﵇، وبقي غيرها فيهم أيضًا.
فأما غيرهم فلم أر ذلك صريحًا، وقد يكون منه ما جاء عن قوم نوحٍ كما
[ ٢ / ٤٣١ ]
تقدَّم في فصل التأليه، وكذا ما في قوله تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [يونس: ١٨].
[س ٥٧/أ] فإن لفظ ﴿هَؤُلَاءِ﴾ إشارةٌ للقريب، وهذا يأبى أن يكون المراد الملائكة أو الأشخاص الخيالية أو الشياطين، وأيضًا فقوله: ﴿هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ يأبى أن يكون المراد الشياطين؛ لما قدمنا أن المشركين لم يكونوا يقصدون عبادة الشياطين، وأيضًا لم يكونوا يعتقدون في الشياطين الخير ولا القرب من الله ﷿.
ولكن ربما يجاب عن الأول بأن الملائكة أو الأشخاص الخيالية قريب بالنظر إلى الذكر؛ لتقدُّم قوله: ﴿وَيَعْبُدُونَ﴾ فكأنهم كانوا عند عبادة الملائكة أو الأشخاص الخيالية يذكرون بعض أسمائهم أو صفاتهم ثم يقولون ﴿هَؤُلَاءِ﴾ يعنون المذكورين.
ويؤيده ما يأتي تقريره في تفصيل شرك العرب أنهم لم يكونوا يزعمون للأصنام نفعًا ولا ضرًّا، وإنما يعبدونها على أنها تماثيل أو رموز لأشخاص عُلويِّين يرجون شفاعتهم (^١)، وأما نفي الضر والنفع فالمراد ــ والله أعلم ــ نفي ملكه، كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ
_________________
(١) انظر ص ٥٩٠ - ٥٩١، ٦٢٧ فما بعدها.
[ ٢ / ٤٣٢ ]
كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (٧٥) قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٧٦) قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ ﴾ [المائدة: ٧٣ - ٧٧]، وسيأتي إن شاء الله تعالى تحقيق الكلام في الآية في بحث اعتقاد المشركين في الأصنام (^١).
[س ٥٨/أ] ٢) الشمس.
قال تعالى حكاية عن الهدهد: ﴿وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ إلى أن قال تعالى: ﴿وَصَدَّهَا مَا كَانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنَّهَا كَانَتْ مِنْ قَوْمٍ كَافِرِينَ﴾ [النمل: ٢٤ - ٤٣].
وقال تعالى: ﴿لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [السجدة: ٣٧].
[س ٥٨/ب] ٣) الشياطين.
من ذلك ما مرَّ في الفصل قبله في قوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء: ٩٨].
وقوله ﷿: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ (٢٢) مِنْ دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٢٢ - ٢٣].
وقوله جلَّ شأنه: ﴿وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (٩٢) مِنْ دُونِ اللَّهِ هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ أَوْ
_________________
(١) انظر ص ٥٠٠ - ٥٠١.
[ ٢ / ٤٣٣ ]
يَنْتَصِرُونَ﴾ [الشعراء: ٩٢ - ٩٣].
وقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ (٤٠) قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾ [سبأ: ٤٠ - ٤١].
وقال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ﴾ [المائدة: ٦٠].
قد مرَّ (^١) في تفسير أهل العلم للفظ العبادة قول الزجاج: تأويل ﴿وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ﴾ يعني: أطاعهُ فيما سوَّل له وأغواه، قال: والطاغوت هو الشيطان، وهو قول ابن عباس والحسن، وقد قرئ: (وعابد الشيطان)، والشيطان طاغوت بلا شك، ولعل من ذلك قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا﴾ [النساء: ٧٦].
ولكن الأقرب أن المراد بالطاغوت في قوله تعالى: ﴿وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ﴾ قول من قال: هم كهنتهم وكلُّ من أطاعوه من دون الله، ويدخل الشيطان في ذلك؛ ليوافق الآيات الواردة في تربيبهم الأحبار وتأليههم وعبادتهم، وقد ذُكِرَت في مواضعها.
وقد جاء تسمية الكاهن طاغوتًا في قوله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ﴾.
_________________
(١) ص ٤٠٢.
[ ٢ / ٤٣٤ ]
وقد روى ابن أبي حاتم والطبراني بسند صحيح كما في أسباب النزول عن ابن عباس قال: كان أبو برزة الأسلمي كاهنًا يقضي بين اليهود فيما يتنافرون فيه، فتنافر إليه ناس من المسلمين، فأنزل الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا﴾ إلى قوله: ﴿إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا﴾ [النساء: ٦٠ - ٦٢] (^١). وهنالك روايات أخرى قريب من هذا المعنى.
[س ٥٩/أ] وقال تعالى حكاية عن خليله إبراهيم ﵇: ﴿يَاأَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا﴾ [مريم: ٤٤].
وقال تعالى إخبارًا بما يخاطب به يوم القيامة: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٦٠) وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٦١) وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ (٦٢)﴾ [يس: ٦٠ - ٦٢].
وقال تعالى: ﴿فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ (١٦١) مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ (١٦٢) إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات: ١٦١ - ١٦٣].
[س ٥٩/ب] ٤) الأحبار والرهبان.
قال الله ﵎: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: ٣١]. وقد
_________________
(١) انظر: تفسير ابن أبي حاتم ٣/ ٩٩١، ح ٥٥٤٧، والمعجم الكبير ١١/ ٣٧٣، ح ١٢٠٤٥، ولباب النقول ٦٤، والدرّ المنثور ٢/ ٥٨٠.
[ ٢ / ٤٣٥ ]
مرَّت الآية في فصل الألوهيَّة، وإيضاحُ دلالتها هنا يُعلم مما هنالك.
ومنه قوله تعالى: ﴿وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ﴾، وقد مرّ الكلام عليها آنفًا.
وقال الله تعالى: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا﴾ [آل عمران: ٦٤].
٥) المسيح وأمه ﵉.
في الآية المارَّة قريبًا ذِكْرُ المسيح ﵇، وقال الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (٧٥) قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [المائدة: ٧٣ - ٧٦].
وقال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (١١٦) مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ ﴾ [المائدة: ١١٦ - ١١٧].
[س ٦٠/أ] ٦) أشخاص متخيَّلة.
ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا قَالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاءٍ سَمَّيْتُمُوهَا
[ ٢ / ٤٣٦ ]
أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا نَزَّلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾ [الأعراف: ٦٥ - ٧١].
وقال تعالى حكاية عن يوسف ﵇: ﴿يَاصَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (٣٩) مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ ﴾ [يوسف: ٣٩ - ٤٠].
[س ٦٠/ب] ٧) الملائكة.
من ذلك ما مرّ في فصل الألوهية عن سورة الفرقان، وفيه: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلَاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ (١٧) قَالُوا سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ ﴾ [الفرقان: ١٧ - ١٨].
وفي سورة سبأ: ﴿ وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ (٤٠) قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ (٤١)﴾.
واعلم أن المشركين كانوا يزعمون أنهم يعبدون الملائكة، ولكن سيأتي في تحقيق العبادة أنّ لها إطلاقين: تطلق على طاعة مخصوصة، [س ٦١/أ] وعلى تعظيم مخصوص.
فبالنظر إلى الإطلاق الأوَّل لم يكن المشركون يعبدون الملائكة؛ لأن الملائكة لم يأمروهم بذلك، وإنما أمرتهم الشياطين فأطاعوها.
وبالنظر إلى الثاني لم يكونوا يعبدون الملائكة أيضًا؛ لأنهم كانوا يعبدون ملائكة هم بنات الله، وليس الملائكة كذلك.
[ ٢ / ٤٣٧ ]
ولما لم يكن هناك ما يَتَوَجَّه التعظيم إليه كان الأولى بأن يتوجه إليه مَنْ أمرهم بذلك، وهم الشياطين، فتنبَّه.
ومرَّ في فصل الألوهية عن سورة يونس: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكَانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكَاؤُكُمْ فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ وَقَالَ شُرَكَاؤُهُمْ مَا كُنْتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ (٢٨) فَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ إِنْ كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَافِلِينَ (٢٩)﴾.
وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ (٣) لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لَاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ سُبْحَانَهُ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ [الزمر: ٣ - ٤].
[س ٦١/ب] وقال ﷿: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ (١٩) وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾ [الزخرف: ١٩ - ٢٠].
وقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكَانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكَاؤُكُمْ فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ وَقَالَ شُرَكَاؤُهُمْ مَا كُنْتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ (٢٨) فَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ إِنْ كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَافِلِينَ﴾ [يونس: ٢٨ - ٢٩].
وهذا مثل ما تقدَّم في آيتي الفرقان وسبأ.
وما اعتُرِضَ به من أن قوله تعالى: ﴿مَكَانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكَاؤُكُمْ﴾ تهديد، وهو لا يناسب مقام الملائكة، غفلة عما يقتضيه المقام؛ فإن المقام يقتضي تأكيد الوحدانية، وأنه لا هَوادة فيه للملائكة ولا غيرهم، وذلك كقوله تعالى
[ ٢ / ٤٣٨ ]
لعيسى ﵇: ﴿أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [المائدة: ١١٦] فإنه لا يخفى ما في هذا السؤال من صورة التهديد، ولذلك جاء عن السلف أن عيسى ﵇ يعتريه من خشية الله ﷿ عند السؤال أمر عظيم (^١).
ومن هذا الباب قوله تعالى في حق الملائكة ﵈: ﴿وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٢٩].
وقال الله تعالى لنبيه ﵊: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الزمر: ٦٥].
وقال تعالى بعد تعداد ثمانية عشر نبيًّا: ﴿وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٨٧) ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: ٨٧ - ٨٨].
[س ٥٧/ب] فصل
ملخَّص ما تقدم أن الله ﷿ حكى تأليه غيره وعبادة غيره عن أممٍ:
١) قوم نوحٍ ﵇، اتَّخذوا الأصنام آلهةً وعبدوها، واتَّخذوا جماعة من الصالحين الذين ماتوا قبلهم آلهةً.
_________________
(١) ورد عن ميسرة أنه أرعدت مفاصله. وعن الحسن بن صالح أنه زال كل مفصل له من مكانه خيفة. انظر: تفسير الطبري ٩/ ١٣٤، تفسير ابن أبي حاتم ٤/ ١٢٥٢، ح ٧٠٤٨ - ٧٠٤٩. وانظر أيضًا: الدر المنثور ٣/ ٢٣٨، وروح المعاني ٧/ ٦٥ - ٦٦.
[ ٢ / ٤٣٩ ]
٢) قوم هودٍ ﵇، اتَّخذوا أشخاصًا متوهَّمةً آلهةً وعبدوها.
٣) قوم صالحٍ، عبدوا مع الله تعالى غيره.
٤) قوم إبراهيم ﵇، اتخذوا الأصنام آلهة وعبدوها، وعبدوا الشيطان، وعظَّموا الكواكب كما يأتي تفصيله إن شاء الله تعالى.
٥) أهل مصر الذين دعاهم يوسف ﵇ اتخذوا أشخاصًا متوهمة وعبدوها.
٦) فرعون ادّعى أنه إله وأطاعه قومه.
٧) القوم الذين أتى عليهم أصحاب موسى اتخذوا أصنامًا وعكفوا عليها وسماها أصحاب موسى آلهة وسألوه أن يجعل لهم إلهًا مثلها.
٨) قوم موسى فيما مرَّ. واتخذ بعضهم العجل إلهًا وعبدوه، ثم اتخذوا أحبارهم آلهة وعبدوهم.
٩) النصارى اتخذوا عيسى وأمه ﵉ إلهين من دون الله تعالى، وعبدوهما، واتخذوا رهبانهم آلهة من دون الله تعالى، وعبدوهم.
١٠) (^١) مشركو العرب اتخذوا الأصنام آلهة وعبدوها. [س ٥٥/ج] وهذا وإن لم أره صريحًا في القرآن فهو معروف في السنة والتاريخ وكتب اللغة أنهم كانوا يسمُّون أصنامهم آلهة ويعبدونها. واتخذوا الملائكة آلهة وعبدوهم. واتخذوا أشخاصًا متخيَّلة زعموا أنها بنات الله ــ تعالى الله عن قولهم ــ اتخذوها آلهة وعبدوها. واتخذوا الشياطين آلهة وعبدوهم.
_________________
(١) تكرّر هنا الرقم (٩) عند الشيخ.
[ ٢ / ٤٤٠ ]