أما المتكلمون وأهل العقائد المسمّى بعلم التوحيد فلم أقف لهم على كلام بيِّن في تفسير العبادة، وكأنهم يرون أن الكلام عليها خارج عن فنِّهم، بل صرّح به السعد في شرح المقاصد ــ كما تقدم ــ، وكذلك الفقهاء مع حكمهم بالردّة على من عظّم غير الله تعالى أو تذلَّل له على سبيل العبادة. وهذا عجيب؛ يبنون الأحكام على العبادة ويهملون تفسيرها!، ولو قال قائل: إن أكثر الفقهاء بعد القرون الأولى لم يكونوا يعرفون معنى العبادة على وجه التحديد لما وجدنا حجّة ظاهرة تردّ قوله.
وأما المفسِّرون؛ فقال ابن جرير: "تأويل: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ لك اللهمّ نخشع ونذلّ ونستكين إقرارًا لك يا ربّنا بالربوبيّة لا لغيرك" (^٢).
وفي الكشّاف: [والعبادة أقصى غاية الخضوع والتذلّل، ومنه: ثوب ذو عَبْدَةٍ، إذا كان في غاية الصفاقة وقوّة النسج؛ ولذلك لم تستعمل إلا في الخضوع لله تعالى؛ لأنه مولي أعظم النعم، فكان حقيقًا بأقصى غاية الخضوع] (^٣).
وأما أهل اللغة؛ ففي لسان العرب (^٤):
"قال الأزهري: ولا يقال عبد يعبد عبادة إلا لمن يعبد الله، ومن عبد دونه إلهًا فهو من الخاسرين.
_________________
(١) هذا الفصل ثلاث صفحات غير مرقمة من نسخة (ب).
(٢) تفسير الطبري ١/ ١٥٩.
(٣) الكشّاف ١/ ١٠، وقد بيّض المؤلِّف لكلام الزمخشري فأضفته.
(٤) ٣/ ٢٧١ - ٢٧٤.
[ ٢ / ٤٠١ ]
قال: وأمَّا عبدٌ خَدَم مولاه فلا يقال: عَبَده.
قال الليث: ويقال للمشركين: عبدة الطاغوت، ويقال للمسلمين: عباد الله يعبدون الله، والعابد الموحِّد
وعبد الله يعبده عبادة ومعبدًا ومعبدة: تألّه له؛ /والتعبد التنسك، والعبادة الطاعة، وقوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ﴾ [المائدة: ٦٠] وقال الزجاج قال: تأويل (عبد الطاغوتَ) أي: أطاعه، يعني الشيطانَ فيما سوَّل له وأغواه. قال: والطاغوت هو الشيطان.
وقال في قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾، أي نطيع الطاعة التي يُخْضَع معها. وقيل: إياك نوحِّد، قال: ومعنى العبادة في اللغة الطاعة مع الخضوع، ومنه طريق مُعبَّد إذا كان مُذلَّلًا بكثرة الوطء
وقال ابن الأنباري: فلان عابد، هو الخاضع لربِّه المستسلم المنقاد لأمره. وقوله ﷿: ﴿اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ [البقرة: ٢١] أي: أطيعوا ربَّكم".
وفي القاموس (^١): "والعبادة: الطاعة". قال في شرحه تاج العروس (^٢): أما عَبَد اللهَ فمصدره عبادة وعبودة وعبودية، أي: أطاعه قال ابن الأثير: ومعنى العبادة في اللغة: الطاعة مع الخضوع (^٣).
_________________
(١) ص ٣٧٨.
(٢) ٨/ ٣٣٠.
(٣) تقدم قريبًا نقل هذه العبارة عن الزجاج، ولم أجدها في كتاب النهاية لابن الأثير.
[ ٢ / ٤٠٢ ]
وفي المصباح (^١): "عبدت الله أعبده عبادة وهي الانقياد والخضوع، والفاعل: عابد ثم استُعْمِل فيمن اتخذ إلهًا غير الله، وتقرَّب إليه، فقيل: عابد الوثن والشمس، وغير ذلك".
وقال الراغب: "العبودية: إظهار التذلُّل، والعبادة أبلغ منها، ولا يستحقها إلا مَنْ له غاية الإفضال، وهو الله تعالى، ولهذا قال: ﴿أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [يوسف: ٤٠] " (^٢).
وتحرير هذه النقول أن لهم في تفسير العبادة عبارات:
١ - الطاعة.
٢ - الطاعة التي يُخْضَع معها.
٣ - غاية التَذَلُّل، أو أقصى درجات الخضوع.
٤ - التَألُّه أو الطاعة مع اعتقاد أن المُطاعَ إله.
فأقول: أما العبارة الأولى فقصورها واضح، وقد مرَّ (^٣) عن الأزهري قوله: "وأما عبدٌ خَدَم مولاه فلا يقال: عَبَدَه".
وقد جاء في الكتاب والسنة في مواضع لا تحصى النهيُ عن عبادة غير الله تعالى، وأن ذلك شرك، وهذا من ضروريّات الدين. وجاء في الكتاب والسنة الأمر بطاعة الرسول وأولي الأمر والوالدين، وهو /من ضروريات الدين أيضًا.
_________________
(١) ص ٣٨٩.
(٢) انظر: المفردات ص ٥٤٢.
(٣) ص ٤٠٢.
[ ٢ / ٤٠٣ ]
فإن قيل: فلعلَّ للعبادة استعمالين: أحدهما بمعنى الطاعة مطلقًا.
قلت: لم ترد العبادة في الكتاب والسنة وكلام أهل العلم لغير الله تعالى إلا مَنْهِيًّا عنها، ومطلق الطاعة منها المأمور به والمستحبُّ والجائز، وقد مرّ عن الأزهري قوله: فأمّا عبد خدم مولاه فلا يقال: عَبَده.
والحاصل أن قصور تلك العبارة أمر يقينيّ.
وأما العبارة الثانية؛ فالخضوع إن كان هو التذلُّلَ كما هو المعروف فهو غير منهيٍّ عنه مطلقًا، فقد قال تعالى: ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾ [الإسراء: ٢٤]، وقال سبحانه: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: ٥٤]. وإن كان غيره فما هو؟
وأيضًا فلا يرتاب أحد أن العبد يطيع مولاه خاضعًا له. وقد مرّ (^١) عن الأزهري أن طاعة العبد لمولاه لا تسمَّى عبادة.
وزاد بعض الأئمة في هذه العبارة قيد المحبَّة (^٢)، ولم يصنع شيئًا؛ فإن العبد قد يطيع مولاه ويخضع له مع محبته إيّاه، وليس هذا بعبادة، والولد مأمور بطاعة والديه والخضوع لهما ومحبتهما، إلى غير ذلك.
وأما العبارة الثالثة ــ وهي المشهورة بين العلماء ــ فمجملة؛ للجهل بالحدِّ الفاصل بين ما يُعَدُّ من الغاية وما لا يُعَدُّ منها.
وأيضًا، فإن أريد بالتذلّل والخضوع ما يظهر للنظر فالأمور المعلوم بأنها
_________________
(١) ص ٤٠٢.
(٢) انظر: مجموع الفتاوى ١٥/ ١٦٢، ١٦/ ٢٠٢، وإغاثة اللهفان ٢/ ٨٥٢.
[ ٢ / ٤٠٤ ]
عبادة تختلف في درجات التذلّل والخضوع، كاستلام ركن الكعبة بمحجنٍ، ولمسه باليد، وتقبيله، ووضع الجبهة عليه، وكالقيام في الصلاة والركوع والسجود، وهذه كلها عبادات، فهي بمقتضى العبارة الثالثة من غاية التذلّل وأقصى درجات الخضوع.
وإذًا فالغاية وأقصى الدرجات لها في نفسها درجات؛ فالأمور التي لم يُنَصَّ على أنها عبادات كيف نعلم أنها من الغاية، أو من أقصى الدرجات ما دامت درجات الغاية متصلة بدرجات ما قبل الغاية؟ ومَثَل ذلك مِرْقاة لها خمسون درجة مثلًا، فقال رجل لمملوكه: اصْعَدْ هذه المرقاة ولا تَبْلُغ أقصى الدرجات، وأراد بالأقصى عدّة درجات من أعلى، فمن أين يعلم المملوك عدّة الدرجات التي جعلها السّيّد غاية؟
وأوضح من ذلك أنَّ كثيرًا من الأفعال قد يكون تارة عبادة قطعًا، ثم يكون مثله ليس قطعًا بعبادة، كالسجود لله تعالى وسجود المشرك للصنم مع سجود الملائكة لآدم وآل يعقوب ليوسف ﵈.
وأما العبارة الرابعة، ففهمها متوقف على فهم معنى كلمة (إله). وقد تقدَّم أن معنى (إله) معبود، وأن معرفة معنى (معبود) تتوقَّف على معرفة معنى العبادة، وهذا دور وتفسير مجهول بمجهول. سألنا ما معنى إله؟ قالوا: معبود، قلنا: نحن لا نعرف معنى (معبود) فما معناه؟ قالوا: (إله). وهذا كما تراه.
وإنما (^١) التفسير الصحيح أن يُفَسَّر المجهول بمعلوم، فنستعين الله ﷿ في تحقيق ذلك ونقول:
_________________
(١) من هنا تكملة مأخوذة من المسوَّدة (س) من ص ٣٣/أ، وسأثبت ترقيم صفحاتها الخاصَّ بها مسبوقًا بحرف س.
[ ٢ / ٤٠٥ ]