[العنكبوت: ٤٨].
فبالنظر إلى هداية الله تعالى له إلى الطرف الذي كان يلزمه قبل النبوة ثم إكماله له الهداية بالنبوة خاطبه ﷿ بقوله في سورة الضحى: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى (٧)﴾، فالهداية شاملة للأمرين. والله أعلم.
وبالنظر إلى أن معظم شريعة إبراهيم قد كان اندرس فلم تمكن الهداية إليه إلا بالنبوة خاطبه ﷿ بقوله: ﴿مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ﴾ [الشورى: ٥٢].
ونبه سبحانه على عذره فيما لم يكن يدريه بقوله: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ﴾ [يوسف: ٣].
ونصَّ سبحانه على عذر مَن كان غافلًا هذه الغفلة، وقد تقدم ذلك في الآيات الدالة على عذر مَن لم تبلغه الدعوة، وفيها: ﴿ذَلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ﴾ [الأنعام: ١٣١].
فصل
إنك إذا تدبرت الآيات السابقة في أنه سبحانه لا يعذب حتى يبعث رسولًا تبين لك أن بعث الرسول لا يكفي، بل لا بدَّ من بلوغ دعوته وغير ذلك مما يعبِّر عنه أهل العلم بقيام الحجة.
وإيضاح ذلك أن الناس على ثلاث طبقات:
[ ٢ / ١٢٦ ]
الطبقة الأولى: مَنْ لم يبلغه خَبَرُ دعوةٍ أصلًا.
الثانية: من بلغه الخبر.
الثالثة: مَنْ أَسْلَمَ.
أما الطبقة الأولى: فأهلها ثلاثة، رجل غافل البتَّة، ورجل متحيِّر قد تنبَّه بفطرته وعقله ونظره في آيات الآفاق والأنفس فاعترضه بعض الشبهات فبقي حائرًا، ورجل مستيقن قد بلغ بنظره إلى استيقان أن للعالم ربًّا هو الخالق المدبر القادر العليم الحكيم.
وأما الطبقة الثانية: فإنَّ الرجل أوَّل ما يبلغه خبر دعوة يكون إمّا متردِّدًا، وإما مستيقنًا؛ لأنَّ الغافل يتنبَّه فيتردَّد أو يستيقن، والمتردِّد يدرك أنَّه إذا كان للعالم ربٌّ وأرسل رسولًا وجبت طاعته، والمستيقن يدرك أنَّ الربَّ إذا أرسل رسولًا وجبت طاعته، فكلاهما تلزمه في الجملة الحجَّة ببلوغ الخبر.
وأما التفصيل فلا يخفى أنه بمجرد بلوغ الخبر لا تقوم الحجة في جميع العقائد والأحكام، والآيات التي قدمناها في عذر من لم تبلغه الدعوة تبيِّن هذا، فإذًا لا بدَّ من تحديد أمر يكون هو اللازم لمن بلغه الخبر إنْ تهاون به استحقَّ العقاب وإنْ أدَّاه بقي معذورًا فيما عداه حتى يتجدَّد ما يُلْزِمُه به.
[ز ٢٦] وهذا يختلف باختلاف الأحوال، فقد يكون المخبر معروفًا بالكذب، وقد يكون مجهولًا، وقد يكون معروفًا بالصدق، وقد يتواتر الخبر، وقد يكون هناك ما يوقع في النفس أنَّ المدعيَ كاذب، وقد لا يكون ما يدلُّ على كذبه ولا صدقه، وقد يكون ما يدلُّ على صدقه؛ وقد يكون بلده بعيدًا عمن بلغه الخبر، وقد يتوسط، وقد يقرب، وقد لا يمكن من بلغه الخبر أن
[ ٢ / ١٢٧ ]
يذهب إلى الداعي، وقد يمكنه بمشقة شديدة، وقد يمكنه بمشقَّة عاديَّة، وقد يمكنه بغير مشقَّة، وقد قال الله ﷿: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [خواتيم البقرة].
فقد يُقال: إنَّ من بلغه الخبر ولم يظهر له صدقه أو ظهر له صدقه ولكن كان هناك ما يظهر منه كذب المدعي كفاه أن يتبين ويتثبت، فيسائل كُلَّ من يَقْدَمُ من الجهة التي أُخْبِرَ بأنَّ الداعي فيها ويأمر مَنْ يذهب إليها أن يبحث ويسأل؛ فإذا قوي الخبر ولم يظهر ما يظهر منه كذب المدَّعي لزم مَن بلغه الخبر أن يبادر إلى التبيُّن كأن يرسل رسولًا إن شقَّ عليه ذهابه بنفسه؛ فإذا تحقق الخبر وظهر ما يدلُّ على صدق المدَّعي لَزِمَتِ المبادرة إليه، إلَّا أنه فيما يظهر يكفي القبيلةَ وأهلَ البلدة أن يوفدوا وفدًا ممن عُرِفَ بالعقل والحلم وقبول الحق.
وإذا كان المدَّعي نبيًّا حقًّا فلا بدَّ أن يظهر للذين يجتمعون به راغبين في الحق أنه صادق، أو على الأقلِّ يترجَّح لهم صدقُه، ويعلمون أن الذي يدعو إليه خير مما هم عليه، فيلزمهم إجابته حتمًا، وكذلك القبيلة إذا رجع إليها وفدُها، فإن الأخذ بالراجح واجب، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ [الشورى: ١٦].
فإنه إذا استجاب جماعة لمدَّعي النبوة في حين إمكانها كان ذلك مما يدل على صدقه، فيتحتَّم على مَن سمع به الاجتماعُ به أو إيفاد الوفد كما تقدَّم، فإذا اجتمعوا به راغبين في الحق فهم مجاهدون في الله محسنون؛ فلا
[ ٢ / ١٢٨ ]
بدَّ أن يهديهم الله بأن يهيِّئ لهم ما يفيدهم اليقين أو الرجحان، قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ (٦٨) وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (٦٩)﴾ [خاتمة العنكبوت].
وأنت ترى أن بين بلوغ الخبر ووجوب الإسلام مسافةً قد يموت الإنسان في أثنائها، أعني بعد أن أدَّى ما يلزمه من البحث عن صحة الخبر وما بعده، وقبل أن يلزمه الإسلام. والظاهر أن حكمه فيها كحكمه قبل بلوغ الخبر؛ فإن بلوغ الخبر إنما أوجب عليه البحث وما بعده كما مر، وقد فعل ذلك، فيبقى فيما عداه على ما كان عليه، فإن كان معذورًا كمن لم تبلغه قبلُ دعوةٌ أصلًا استمرَّ عذره. وكذلك من كان قد بلغته دعوة فأخذ بما يلزمه منها واستمرَّ على ذلك عند بلوغ خبر الدعوة الأخرى مع القيام بما لزمه من البحث ونحوه، فمات قبل أن يلزمه الإسلام، والله أعلم.
وأما الطبقة الثالثة: فإنَّ من الذين يسلمون من يكون قد حصل له اليقين قبل قبول الإسلام أو معه فيجتمع له الإسلام والإيمان، ومنهم من يسلم قبل أن يدخل الإيمان في قلبه، [ز ٢٧] كالأعراب الذين أنزل الله تعالى في شأنهم: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٤) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا﴾ الآيات [خاتمة الحجرات].
فهذا الضرب عليهم الطاعة والمتابعة وتحري مجالسة الرسول أو علماء دينه ونحو ذلك مما من شأنه أن يَكْسِبَهم الإيمانَ كتدبُّر القرآن والسنَّة والسيرة. ومعاملةُ النبيِّ ﵌ للأعراب تدلُّ أنه إنما
[ ٢ / ١٢٩ ]
يلزمهم من هذا ما ليس فيه مشقَّةٌ شديدةٌ، والله أعلم. فمن قام بما عليه من ذلك فعاجله الموت قبل أن يدخل الإيمانُ في قلبه، لم يَلِتْهُ الله من عمله شيئًا كما نصَّت عليه الآية. ومن جهة النظر لا يخفى أنه مع أصل العذر أحسن حالًا ممن هلك قبل بلوغ الدعوة، وممن بلغه الخبر فقام بما عليه فعاجله الموت قبل أن يلزمه الإسلام، فلا ينبغي التوقُّف في نجاته.
ومَن قَصَّر من هؤلاء؛ فإن بلغ في التقصير إلى أن يأتي في السرِّ ما أخبره الرسول بأنه كفر ويناجي أصحابه بتكذيب الرسول ونحو ذلك فهذا منافق هالك. وبهذا عُلِمَ الفرقُ بين الأعراب المذكورين في الآية وبين المنافقين، ولذلك قال الإمام الشافعي ﵀: إن الأعراب المذكورين صنف آخر غير المنافقين كما تقدم في أوائل الرسالة (^١). وانظر صفة المنافقين في أوائل سورة البقرة يتضح لك الحال.
وإن كان تقصيره بدون ذلك ففيه نظر، والظاهر أنه إذا لم يقصِّر فيما لزمه مما يكسبه الإيمان عادةً، وإنما قَصَّر بترك واجبٍ آخر أو ارتكاب حرامٍ، ثم عاجله الموت قبل أن يتوب وقبل أن يدخل الإيمان في قلبه= استحقَّ المؤاخذة بذنبه ولم يُخَلَّد في العذاب. والله أعلم.
وقد يتَّفق مَوْتُ هذا بعد أن حصل له جزءٌ من الإيمان دون النصاب الشرعيِّ أو قبل أن يحصل له شيءٌ وإنما معه قول: لا إله إلا الله، وعسى أن يكون هؤلاء داخلين فيمن ورد في الأحاديث الصحيحة أنهم يخرجون من النار، فإن فيها أنه يخرج من النار "مَن في قلبه مثقال شعيرةٍ من إيمان"، ثم "مَن كان في قلبه مثقال ذرة أو خردلة من إيمان". ثم "مَن كان في قلبه أدنى
_________________
(١) انظر ص ١٥.
[ ٢ / ١٣٠ ]
أدنى أدنى مثقال حبة خردل من إيمان"، وفي رواية: "أدنى شيء"، وفي رواية قال النبي ﵌: "فأقول: يا رب ائذن لي فيمن قال: لا إله إلا الله، قال: ليس ذاك لك، أو قال: ليس ذاك إليك، ولكن وعزَّتي وكبريائي وعظمتي وجبريائي لأُخْرِجَنَّ من النار مَنْ قال: لا إله إلا الله".
وذكر في روايةٍ شفاعة الشفعاء وإخراجهم مَنْ أذن لهم بإخراجهم ثم قال: "فيقولون: ربنا لم نذر فيها خيرًا" ثم يتفضَّلُ الله ﷿ "فيخرج منها قومًا لم يعملوا خيرًا قط"، وفي رواية في ذكر هؤلاء: "يعرفهم أهل الجنة، هؤلاء عتقاء الله الذين أدخلهم الجنة بغير عملٍ عملوه ولا خيرٍ قدَّموه" (^١).
فدخول هؤلاء النار إما أن يكون بذنوبٍ وخطايا، وإما أن يكون بتقصيرٍ في تحصيل الإيمان [ز ٢٨] تقصيرًا لا يهدم لا إله إلا الله، ولا يهدم الجزء الذي قد حصل لمن حصل له منهم. والله أعلم.
وفي بحث زيادة الإيمان ونقصانه من المواقف العَضُدِيَّة وشرحها للسيد الشريف: "والظاهر أن الظنَّ الغالب الذي لا يخطر معه احتمال النقيض بالبال حكمُه حكمُ اليقين ــ في كونه إيمانًا حقيقيًّا ــ؛ فإن إيمان أكثر العوامِّ من هذا القبيل" (^٢).
_________________
(١) راجع صحيح مسلمٍ، كتاب الإيمان، باب إثبات رؤية المؤمنين إلخ، والأبواب بعده، ١/ ١١٦ - ١١٧ و١٢٦ - ١٢٧، ح ١٨٣ (٣٠٢) و١٩٣ (٣٢٦). والأحاديث في صحيح البخاريِّ مفرَّقةٌ. [المؤلف]. انظر: كتاب الإيمان، باب زيادة الإيمان ونقصانه، ١/ ١٧، ح ٤٤. وكتاب التوحيد، باب كلام الربِّ ﷿ يوم القيامة ، ٩/ ١٤٦، ح ٧٥٠٩ - ٧٥١٠.
(٢) شرح المواقف العضديَّة ٣/ ٥٤٤.
[ ٢ / ١٣١ ]