وسلَّم: "إنا نجد في أنفسنا ما يتعاظم أحدنا أن يتكلم به، قال: أَوَ قد وجدتموه؟ قالوا: نعم، قال: ذاك صريح الإيمان".
فصل
ومما ورد في الأعذار ما تقدَّم في الكلام على اشتراط العلم بمعنى: لا إله إلا الله، من قصة أُبَيِّ بن كعب وغيره، فراجعه.
وقد اختلفت فرق من المسلمين في أشياء من صفات الله تعالى، ولا يخفى أن في الأقوال المختلفة ما يلزمه الكفر بالكذب على الله ﷿ ونسبة النقص إليه، وتكذيب آياته، [ز ٣٢] كلُّ ذلك أو أكثره عن جهلٍ وخطأ، ومن الذاهبين إلى ذلك مَنْ لم يحمله عليه إلا اتِّباع الرؤساء والشياطين والهوى فيلزمه الشرك باتخاذ هذه الأشياء أربابًا وآلهة، كما ألزم الله تعالى أهل الكتاب وغيرهم بذلك كما يأتي مبسوطًا. ومع هذا اتفق المحققون من علماء الفرق الإسلامية على عدم الكفر الحقيقي على من أُلزِم بالكفر على الوجه المذكور مادام ملتزمًا أصول الإسلام الضرورية وزاعمًا أنه لا يلزمه ما أُلزِم به، على تفصيلٍ يؤخذ من مظانِّه، وَمَنْ شدَّد فحكم بالكفر على بعض مَنْ تقدَّم إنما حكم به على مَنْ يرى أنه قد قامت عليه الحجَّة فعاند، لا على الأتباع من العوامِّ ونحوهم.
ومما ورد في الأعذار قول الله ﷿: ﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَامُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (١٣٨) إِنَّ هَؤُلَاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٣٩) قَالَ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَهًا وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف: ١٣٨ - ١٤٠].
[ ٢ / ١٤١ ]
يظهر من جواب موسى ﵇ أنه وإن أنكر عليهم وجَهَّلَهُمْ لم يجعل طلبهم ارتدادًا عن الدين. ويشهد لذلك أنهم لم يؤاخذوا هنا بنحو ما أوخذوا به عند اتخاذهم العجل، فكأنهم هنا ــ والله أعلم ــ عُذِرُوا بقرب عهدهم. وقد مرَّ جماعة من المسلمين مع النبي ﵌ على شجرةٍ يعكف عليها المشركون، فسألوا النبي ﵌ أن يجعل لهم مثلها، فقال: "قلتم والذي نفسي بيده كما قال قوم موسى لموسى: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ (^١)، ولم يعدَّ النبيُّ ﵌ كلمتهم ردَّةً، فكأنه عذرهم لقرب العهد.
وسيأتي في ذكر الأمور التي ورد في الشرع أنها شرك عدة أحاديث وآثار فيها أنَّ النبيَّ ﵌ مع حكمه على تلك الأمور أنها شرك لم يحكم على من فعلها من المسلمين قبل البيان أنه أشرك وارتدَّ. وكذلك تأتي آثارٌ عن أصحابه أنهم كانوا يرون الشيء من ذلك فيغيِّرونه وينكرونه ويُبَيِّنون أنَّ النبيَّ ﵌ أخبر أنه شركٌ ولا يحكمون على مَنْ فعله من المسلمين قبل أن يبيِّنوا له بأنه أشرك وارتدَّ.
وتقدَّم في أواخر الباب الذي قبل هذا "اتَّقوا هذا الشرك؛ فإنه أخفى من دبيب النمل" (^٢)، وسيأتي الكلام عليه مبسوطًا، وفي روايةٍ للإمام أحمد وغيره: "فقال له مَن شاء الله أن يقول: وكيف نتَّقيه وهو أخفى من دبيب النمل يا رسول الله قال: قولوا: اللهم إنا نعوذ بك من أن نشرك بك شيئًا
_________________
(١) المسند للإمام أحمد ٥/ ٢١٨ [وفي الأصل ١١٨]، وسيأتي تصحيحه وشواهده [ص ٢٣٠]. [المؤلف]
(٢) انظر ص ٥٤ - ٥٥.
[ ٢ / ١٤٢ ]
نعلمه، ونستغفرك لما لا نعلم" (^١).
وسيأتي أنَّ في سياق الأحاديث ما يؤيد ظاهرَها من أنَّ المراد بهذا الشرك: الشرك الحقيقيُّ، لا ما يحمله عليه بعض الناس من الرئاء، إلَّا أنَّه وإن كان شركًا حقيقيًّا في نفسه فقد دلَّت الأحاديث على أن مَنْ وَقَعَ منه وهو لا يعلم أنه شركٌ فهو معذورٌ، أي ــ والله أعلم ــ بشرط ألَّا يكون مقصِّرًا تقصيرًا هادمًا. وسيتَّضح لك ــ عندما تعلم حقيقة معنى الإله ومعنى العبادة، ومعنى الشرك ــ أَنَّ كثيرًا من الآراء والأقوال والأفعال التي لا يكاد يسلم منها أحدٌ غير من عصمه الله يَصْدُقُ عليها لولا العذر أنها شركٌ.
اللهمَّ إنَّا نعوذ بك أن نشرك بك شيئًا نعلمه ونستغفرك لما لا نعلم.
[(^٢) ومما يدل على هذا ما أخرج الإمام أحمد بسند صحيح عن أبي علي الكاهلي قال: خطبنا أبو موسى الأشعري، فقال: يا أيها الناس، اتقوا هذا الشرك؛ فإنه أخفى من دبيب النمل. فقام إليه عبد الله بن حزن وقيس بن المضاب، فقالا: لتخرجَنَّ مما قلت أو لنأتينَّ عمر مأذون (^٣) لنا أو غير مأذون، قال: بل أخرج مما قلتُ. خطبنا رسول الله ﵌ ذات يومٍ، فقال: "أيها الناس، اتقوا هذا الشرك؛ فإنه أخفى من دبيب النمل"، فقال له مَن شاء الله أن يقول: وكيف نتَّقيه وهو أخفى من دبيب النمل يا رسول الله؟ قال: "قولوا: اللهم إنا نعوذ بك من أن نشرك بك شيئًا
_________________
(١) مسند أحمد ٤/ ٤٠٣. [المؤلف]، وفي إسناده: أبو علي رجل من بني كاهل، لم يوثقه إلا ابن حبان.
(٢) من هنا إلى نهاية الفصل ملحق ص ٣٢ من المخطوط.
(٣) كذا في الأصل والمسند، وفي التاريخ الكبير ومجمع الزوائد: (مأذونًا)، وهو الوجه.
[ ٢ / ١٤٣ ]
نعلمه، ونستغفرك لما لا نعلم" (^١). أبو علي الكاهلي ذكره ابن حبان في الثقات (^٢).
وأخرج الحاكم في المستدرك من طريق عبد الأعلى بن أعْيَن، عن يحيى بن أبي كثير، عن عروة، عن عائشة ﵂، قالت: قال رسول الله ﵌: "الشرك أخفى من دبيب الذَّرِّ على الصفا في الليلة الظلماء، وأدناه أن تحبَّ على شيءٍ من الجور وتبغض على شيءٍ من العدل، وهل الدين إلا الحبُّ والبغض، قال الله ﷿: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١] ". قال الحاكم: "هذا حديثٌ صحيح الإسناد "، تعقَّبه الذهبيُّ، فقال: "قلتُ: عبد الأعلى قال الدارقطنيُّ: ليس بثقةٍ" (^٣).
أقول: ولكن للحديث شواهد؛ ففي كنز العمال نحوه عن معقل بن
_________________
(١) مسند أحمد ٤/ ٤٠٣ [المؤلف]. وأخرجه ابن أبي شيبة، كتاب الدعاء، في التعوُّذ من الشرك ، ١٥/ ٢٧٩ - ٢٨٠، ح ٣٠١٦٣. وعنه البخاري في التاريخ الكبير ٩/ ٥٨. وأخرجه الطبرانيُّ في الأوسط ٤/ ١٠، ح ٣٤٧٩. قال الهيثميُّ: (ورجال أحمد رجال الصحيح غير أبي علي، وقد وثَّقه ابن حبان). مجمع الزوائد ١٠/ ٣٨٤.
(٢) ٥/ ٥٦٢. وانظر: الجرح والتعديل ٩/ ٤٠٩.
(٣) المستدرك ٢/ ٢٩١ [المؤلف]. وهو في مسند البزَّار (كما في كشف الأستار) ٤/ ٢١٧، ح ٣٥٦٦. والضعفاء للعقيلي ٣/ ٦٠. والحلية لأبي نعيم ٨/ ٣٦٨ و٩/ ٢٥٣. قال الهيثمي: (وفيه عبد الأعلى بن أعين، وهو ضعيف). مجمع الزوائد ١٠/ ٣٨٤. وانظر ترجمة عبد الأعلى بن أعين في ميزان الاعتدال ٢/ ٥٢٩، وتهذيب التهذيب ٦/ ٩٣.
[ ٢ / ١٤٤ ]
يسارٍ، عن أبي بكر الصِّدِّيق، عن النبي - ﷺ -، ونسبه إلى إسحاق بن راهويه وأبي يعلى، قال: "وسنده ضعيفٌ".
ونحوه عن قيس بن أبي حازمٍ، عن أبي بكر الصِّدِّيق، عن النبي ﵌، ونسبه إلى الحسن بن سفيان، والبغوي (^١).
/وذكر أيضًا نحوه عن ابن عباسٍ، ونسبه إلى الحكيم الترمذي والحلية لأبي نعيمٍ" (^٢).
ووجه الدلالة أمران:
- الأول: أن الحديث صريح في أنَّ من الشرك ما هو خفيٌّ جدًّا وأنَّ كلَّ أحد معرَّض للوقوع فيه، ومثل هذا لا يليق بيسر الدين ونفي الحرج عنه المؤاخذةُ به.
- الأمر الثاني: أنه أرشدهم إلى الدعاء المذكور، وفيه: "ونستغفرك لما لا نعلم" أي: من الشرك، كما هو ظاهر، فعُلم منه أن الشرك الذي لا يُعلم قابل للمغفرة.
فإن عورض هذا بقول الله ﷿: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء: ٤٨] فسيأتي الجواب (^٣) عن ذلك إن شاء الله تعالى.
_________________
(١) انظر: كنز العمَّال ٢/ ١٦٩ [المؤلف]. ورواية معقل بن يسارٍ عن أبي بكرٍ في مسند أبي يعلى ١/ ٦١ - ٦٢، ح ٥٩ - ٦١.
(٢) كنز العمَّال ٢/ ٩٧ و٩٨ [المؤلف]. وانظر: الحلية ٣/ ٣٦ - ٣٧.
(٣) صفحة ٦٥٠ [المؤلِّف]. ص ٩٢٤.
[ ٢ / ١٤٥ ]
ولكن لا بدَّ من تقييد الشرك الذي يقبل المغفرة لكون فاعله لم يعلم به بأن يكون فاعله معذورًا في جهله على ما مرَّ.
فإن قلت: إنما يصح الاستدلال بقوله: "ونستغفرك لما لا نعلم" إذا حُمل على معنى: لا نعلم أنه شرك، وقد تعمَّدنا فعله، وقد يحتمل معنًى آخر وهو أن يقال: أي: لا نعلم أننا نفعله أي: لم نتعمَّد فعله أصلًا، بل وقع سهوًا كالقائل: "اللهم أنت عبدي وأنا ربك". قلت: المعنى الأول هو المتعيِّن لدلالة السياق على أنَّ الذي لا يُعلم هو الخفيُّ، فإنما لم يُعلم لخفائه لا لعدم تعمُّده، ولدلالة التمثيل بالحب على جورٍ والبغض على عدلٍ، ومعناه: أن تحبَّ رجلًا لجورٍ جارَه من حيث هو جور، وتبغض رجلًا لعدلٍ عدَله من حيث هو عدْل، فلا يدخل في هذا حبك حاكمًا حكم لك بمالٍ جورًا وتبغض آخر حكم عليك بعدلٍ إذا أحببت ذاك من حيث نفعك نفعًا دنيويًّا وأبغضت هذا من حيث ضرَّك ضررًا دنيويًّا.
فأما قول الله ﷿: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥]. /فقد قيل: إنَّ المعنى: لا يؤمنون إيمانًا كاملًا، وفيه نظر، والأولى أن يقال: المراد بالحرج الحرجُ الذي يصحبه نسبة النبي ﵌ إلى الجور والظلم، فأما مَن حكم عليه النبي ﵌ بمالٍ يدفعه إلى صاحبه فدفعه موقنًا بأن الحكم حق وعدل ولكن نفسه كارهة للدفع حبًّا للدنيا وحرصًا عليها، فمثل هذه الكراهة لا تنافي أصل الإيمان.
[ ٢ / ١٤٦ ]