فصلٌ
ومما يبيِّن فظاعة الشرك وشدَّة بغض الله ﷿ له: النظر فيما ورد في تعظيم شأن ضدِّه وهو التوحيد.
قال الله ﷿: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦].
جاء عن ابن عبَّاسٍ وغيره تفسير العبادة بالتوحيد (^١). ووَجْه ذلك: أن الله ﷿ يحبُّ أن يُعبد العبادة التي يقبلها، وهو لا يقبل إلا العبادة الخالصة التي لا شرك معها.
[٢٥] ومما يبيِّن عظمة شأن التوحيد وشدَّة خطر الشرك: أن أعظم سورة في القرآن، والسورة التي تعدل ثلثه، وإنما هي بضع عشرة كلمة، والسورة التي ورد أنها تعدل ربعه، وأعظم آية في القرآن= كلُّها مبنيَّةٌ على توحيد العبادة.
أما أعظم سورة في القرآن فأمُّ الكتاب.
روى البخاريُّ وغيره عن أبي سعيد بن المعلَّى أن النبيَّ ﵌ قال له: "ألا أعلِّمك أعظم سورةٍ في القرآن قبل أن تخرج من المسجد؟ "، فأخذ بيدي، فلما أردنا أن نخرج، قلت: يا رسول الله، إنك قلت: لأعلِّمنَّك أعظم سورةٍ من القرآن، قال: " ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، هي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيته" (^٢).
_________________
(١) أخرجه الطبري في تفسيره ١/ ٣٨٥، وابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٥٩ - ٦٠ كلاهما من طريق ابن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد مولى زيد، عن عكرمة أو عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس (اعبدوا ربكم) أي: وحِّدوا ربكم ..
(٢) صحيح البخاريِّ، [كتاب] فضائل القرآن، باب [فضل] فاتحة الكتاب، ٦/ ١٨٧، ح ٥٠٠٦. [المؤلف]
[ ٢ / ٣٧ ]
أشار ﵌ إلى قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾ [الحجر: ٨٧].
وجاء نحوه من حديث أُبَيِّ بن كعبٍ وأبي هريرة (^١).
وصحَّ في عدَّة أحاديث تسميتها أمَّ الكتاب وأمَّ القرآن. وفي ذلك أوضح الدَّلالة على أنها أعظم السور؛ لأن أمَّ الشيء في اللغة أعظم ما فيه، يُقال للدِّماغ: أمُّ الرأس.
[ب ١٩] ومما يدل على عظمتها: أن الله ﵎ فرض قراءتها في كلِّ ركعةٍ من الصلاة، فانظر كم شُرِع تكرارها كلَّ يومٍ، والصلاة أعظم الفرائض الدينيَّة.
وجاء أن الفاتحة هي الصلاة؛ ففي صحيح مسلمٍ وغيره من حديث أبي هريرة عن النبيِّ صلَّى الله تعالى عليه وآله وسلَّم: "قال الله تعالى: قَسَمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ولعبدي ما سأل، فإذا قال العبد: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، قال الله تعالى: حمدني [٢٦] عبدي، وإذا قال: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، قال الله تعالى: أثنى عليَّ عبدي" الحديث، فصَّل فيه الفاتحة فقط فجعلها هي الصلاة (^٢). ويشهد لذلك تسمية الصلاة صلاةً، فإن الصلاة في اللغة: الدعاء، وليس في الصلاة دعاءٌ أعظم من الفاتحة، والشيء إنما يسمَّى باسم جزئه إذا كان ذلك الجزء كأنه كلُّه.
_________________
(١) المستدرك، [كتاب فضائل القرآن، "ما أُنزِلت في التوراة ولا في الإنجيل ولا في الزبور ولا في القرآن مثل فاتحة الكتاب"]، ١/ ٥٥٧ - ٥٥٨. [المؤلف]
(٢) صحيح مسلمٍ، كتاب الصلاة، باب وجوب قراءة الفاتحة، ٢/ ٩، ح ٣٩٥. [المؤلف]
[ ٢ / ٣٨ ]
وبيان كون الفاتحة مبنيَّةً على توحيد العبادة: أن صدر السورة تمهيدٌ لقوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾.
فقوله تعالى: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: ١] معناه كما حقَّقه المفسِّرون وغيرهم: لا نبتدئ بشيءٍ مستعينين به أو متبرِّكين إلا باسم الله الرحمن الرحيم، وتَضَمُّنُ هذا للتوحيد ظاهر.
﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ معناه على ما حقَّقه المفسرون وغيرهم: كلُّ حمدٍ فهو مستحَقٌّ لله وحده، أي ليس معه تعالى أحدٌ يستحقُّ شيئًا من الحمد، وإيضاحه: أنَّ الكمالات التي يُسْتَحَقُّ عليها الحمد كلُّها لله ﷿؛ فإنَّ ما يُنْسَب إلى غيره من الكمالات فهو أثرٌ من آثار خلقه تعالى وفضله ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النحل: ٥٣].
رُوِي عن جعفر بن محمَّد بن عليِّ بن الحسين بن عليٍّ ﵈ قال: فَقَدَ أبي بغلة له فقال: لئن ردَّها الله ﷿ لأحمدنَّه بمحامد يرضاها، فما لبث أن أُتِيَ بها بسرجها ولجامها، فركبها، فلما استوى عليها وضَمَّ عليه ثيابه، رفع رأسه إلى السماء وقال: الحمد لله، لم يزد عليها، فقيل له في ذلك، فقال: وهل تركتُ أو أبقيتُ شيئًا؟ جعلتُ الحمد كلَّه لله ﷿ (^١).
وإذا كان لا يستحق شيئًا من الحمد إلا الله ﷿، فقد بان من ذلك أنه لا يَستحق غيرُه تعالى شيئًا من العبادة.
_________________
(١) صفة الصفوة ٢/ ٦٢. [المؤلف]. وقد رواه ابن أبي الدنيا في كتاب الشكر ص ٥٤، ح ١٠٦. ومن طريقه أبو نعيم في حلية الأولياء ٣/ ١٨٦، وفي إسناده محمد بن مسعر، لم نجد فيه جرحًا ولا تعديلًا.
[ ٢ / ٣٩ ]
قال ابن جريرٍ: " ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ الشكر خالصًا لله جَلَّ ثناؤه دون سائر ما يُعبد من دونه ودون كُلِّ ما يُرَى من خلقه" (^١).
[ب ٢٠] ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ أي مالكهم ومدبِّرهم، بيده ملكوت كلِّ شيءٍ، يدبِّر الأمر كلَّه، فكيف يعبد أحدٌ من عباده المخلوقين المربوبين عبدًا مخلوقًا مربوبًا مثله؟ !
[٢٧] ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ هذا إبطالٌ لما توهَّمه بعض المشركين بل جميعهم كما يأتي إيضاحه إن شاء الله تعالى في بيان اعتقاد قدماء المصريِّين (^٢)، توهَّموا أن الناس لحقارتهم وجهلهم وفجورهم لا ينبغي لهم أو لا يغنيهم التوجُّه إلى مَن له الكبرياء والجلال والعظمة ﵎، بل لا بدَّ لهم أن يتوجَّهوا إلى المقرَّبين عنده كالروحانيِّين والصالحين ليكونوا شفعاءهم عند الله ويقرِّبوهم إليه زُلفى؛ لأنهم متوسِّطون بين الجبار ﷿ وبين سائر الخلق، فدرجتهم لا ترفعهم عن الالتفات إلى العامَّة ولا تضعهم عن نظر الجبَّار تعالى إليهم وقبول شفاعتهم.
ويقول بعضهم: إذا كثرت ذنوب الإنسان كان حريًّا بألَّا تناله رحمة العزيز الجبَّار إلا أن يشفع له أحد المقرَّبين، وهذا جهلٌ برحمة الله تعالى التي قال فيها: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف: ١٥٦]، وقال جلَّ ثناؤه: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ﴾، إلى قوله: ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا﴾ [المؤمن: ٧]. وسيأتي بسط هذا المعنى إن شاء الله تعالى.
_________________
(١) تفسير ابن جرير ١/ ٤٥. [المؤلف]
(٢) انظر ص ٧٠٠ فما بعدها.
[ ٢ / ٤٠ ]
[٢٨] ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ فيه ردٌّ على مَن يقول: أما الدنيا فإن الله ﵎ يوسِّع فيها على البرِّ والفاجر؛ فيمكن ألَّا يحتاج المخلوق فيها إلى شفاعةٍ، وأما الآخرة فلا غنى فيها عن الشفاعة؛ فأخبر الله تعالى أنه مالك يوم الدِّين بما فيه، فهو الذي يملك الشفاعة والشافعَ والمشفوعَ له، ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [الزمر: ٤٣]، وقال تعالى: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ [النجم: ٢٦].
فمَن تدبَّر الآيات المتقدِّمة من الفاتحة واستحضر ما تضمنته من دلائل التوحيد لم يبقَ عنده ريب في أنَّ الله ﷿ هو وحده المستحق للعبادة، فإذا كان مع ذلك مستحضرًا أنه قائمٌ بين يدي ربِّ العالمين يثني عليه ويتضرَّع إليه، لم يتمالك نفسه أن يقول بلسانه وقلبه وعقله: [ب ٢١] ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، ومعنى ذلك كما أطبق عليه المفسرون وأهل العربية وأهل المعاني: نَخُصُّك اللَّهمَّ بعبادتنا ونَخُصُّك باستعانتنا، أي: لا نعبد غيرك، ولا نستعين أحدًا سواك.
وعبارة ابن جريرٍ: "وتأويل قوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ لك اللهم نخشع ونذلّ ونستكين إقرارًا لك يا ربنا بالربوبيَّة". ثم روى بسنده عن ابن عبَّاسٍ قال: "قال جبريل لمحمَّدٍ ﵌: قل يا محمَّد: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ نُوَحِّد ونخاف ونرجو يا ربَّنا لا غيرك"، إلى أن قال ابن جريرٍ: "ومعنى قوله: ﴿إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾: وإيَّاك ربنا نستعين على عبادتنا إياك وطاعتنا لك وفي أمورنا كلها لا أحدًا سواك، إذ كان مَنْ يكفر [٢٩] بك يستعين بسواك، ونحن
[ ٢ / ٤١ ]
بك نستعين في جميع أمورنا مخلصين لك العبادة". ثم روى بسنده عن ابن عبَّاسٍ: ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ قال: "إيَّاك نستعين على طاعتك وعلى أمورنا كلِّها" (^١).
وعلاقة بقيَّة السورة بالتوحيد تظهر بالتدبُّر.
ثم رأيت في نظم الدرر للعلامة البقاعيِّ تلميذ الحافظ ابن حجرٍ في الكلام على الفاتحة ما لفظه: "فالغرض الذي سيقت له الفاتحة هو: إثبات استحقاق الله تعالى لجميع المحامد وصفات الكمال واختصاصه بملك الدنيا والآخرة وباستحقاق العبادة ، ومدار ذلك كله مراقبة العباد لربهم. والمقصود من جَمْعهم تعريفهم بالمَلِكِ وبما يرضيه وهو إفراده بالعبادة، وهو مقصود القرآن الذي انتظمته الفاتحة لإفراده بالعبادة فهو مقصود الفاتحة بالذات، وغيره وسائل إليه ؛ لأن [المقصود من] (^٢) إرسال الرسل وإنزال الكتب: نصبُ الشرائع، والمقصود من نصب الشرائع: جمع الخلق على الحق، والمقصود من جمعهم: تعريفهم بالملِك وبما يرضيه، وهو إفراده بالعبادة، وهو مقصود القرآن الذي انتظمته الفاتحة بالقصد الأوَّل" (^٣).
أقول: ويتلخَّص من كلامه بإيضاحٍ أنَّ مقصود الشرائع مجموعٌ في
_________________
(١) تفسير ابن جريرٍ ١/ ٥٢. [المؤلف]
(٢) ما بين المعقوفين ساقط من الأصل، وأضفته من المطبوع.
(٣) كذا نقلته من أوراقٍ مأخوذةٍ بالتصوير عن نسخةٍ قلميَّةٍ محفوظةٍ بدار الكتب المصريَّة أو بإحدى مكاتب إسلامبول. [المؤلف]. وهو في المطبوع ١/ ٢٠ - ٢٢. وقد وضع المؤلف هنا في نسخة (أ) كلمة (ملحق). واستوفى في هذا الملحق المستقلِّ الكلامَ على سورتي الإخلاص والكافرون.
[ ٢ / ٤٢ ]