لقد ذكرت في صدر هذه الرسالة عند ذكر عقيدة أهل السنة والجماعة في مسألة زيادة الإيمان ونقصانه نصوصًا كثيرة من الكتاب والسنة تدل بوضوح وجلاء على أن الإيمان يزيد وينقص، وضوحًا لا يقبل الرد أو التأويل، وذكرت هناك أن موقف أهل السنة والجماعة منها هو القبول والتسليم كما هم كذلك في جميع نصوص الشرع لا يقدمون بين يدي الله ورسوله رأيًا ولا عقلًا ولا غير ذلك، لكن القائلين بأن الإيمان لا يزيد ولا ينقص وجدوا أن هذه النصوص تتعارض مع نتاج فكرهم وما توصلوا إليه بآرائهم فلم يجدوا بدًا من تأويلها وصرفها عن ظاهرها الصريح إلى صنوف من التأويلات، وألوان عجيبة من التحريفات، حتى إن قارىء كتبهم والمطلع عليها ليلمس فيهم عند إيرادهم لنصوص الشرع أنهم إنما أوردوها ليشرعوا في ردها وتأويلها شروع من قصد ذلك أصلًا وابتداء وكيفما اتفق له ذلك الرد أو التأويل.
ولا ريب في فساد هذا المنهج وبطلانه وانحرافه وبعده عن الجادة السوية المرضية، بل إن معظم الفساد العقدي والانحراف الديني الذي منيت به أكثر الفرق الإسلامية إنما كان بسبب ذلك وثمرة من ثمراته.
وما من شك أن هذا الباب لو فتح- أعني باب التأويل- لولج كل مبطل بباطله، وادعى أن نصوص الوحي تدل عليه، ثم تأول النصوص
[ ٣٩٧ ]
لتتفق مع هواه وباطله، وليس هذا مجرد تصور، بل إن هذا هو ما حصل فعلا من عامة أهل البدع.
قال شيخ الإسلام: "وأما أهل البدع من أهل الكلام والفلسفة ونحوهم فهم لم يثبتوا الحق، بل أصلوا أصولًا تناقض الحق. فلم يكفهم أنهم لم يهتدوا ولم يدلوا على الحق حتى أصلوا أصولًا تناقض الحق، ورأوا أنها تناقض ما جاء به رسول الله ﷺ، فقدموها على ما جاء به الرسول.
ثم تارة يقولون: الرسول جاء بالتخييل، وتارة يقولون: جاء بالتأويل، وتارة يقولون: جاء بالتجهيل"١.
فهم لا يقبلون من نصوص الوحي ما خالف آراءهم وأصولهم وقواعدهم، بل ينصرفون إلى رده بأي وجه.
خلافًا لمنهج أهل الحق والسلامة والسنة والجماعة ﵏ ورضي عنهم أجمعين فإنهم كلهم متفقون على إثبات ما نطق به الكتاب والسنة على كل حال، فكلمتهم واحدة من أولهم إلى آخرهم لم يسوموها تأويلًا، ولم يحرفوها عن موضوعها تبديلًا، ولم يبدوا لشيء منها ابطالًا، ولا ضربوا لها أمثالًا، ولم يدفعوا في صدورها وأعجازها، ولم يقل أحد منهم يجب صرفها عن حقائقها وحملها على مجازها، بل تلقوها بالقبول والتسليم، وقابلوها بالإيمان والتعظيم، ولم يفعلوا كما فعل أهل الأهواء والبدع حيث جعلوا القرآن عضين.
فالواجب لزوم منهج أهل السنة والجماعة، والبعد عن هذه المناهج المنحرفة، وأن يكون الرد في موضع النزاع والخلاف إلى الكتاب
_________________
(١) ١ الفتاوى (١٦/٤٤٠)، وانظر أيضًا الفتاوى (١٣/ ١٤٢) و(١٧/ ٣٦١) .
[ ٣٩٨ ]
والسنة، وأن لا يقدم بين يدي الله ورسوله شيئًا من تلك التأويلات الفاسدة والآراء الباطلة، التي هي في الحقيقة زبالات الأذهان ونخالات الأفكار وعصارات الآراء ووساوس الصدور.
ومما يبين لنا فساد هذا المنهج أن نعلم أن كل فساد وخراب حل بالعالم إنما نشأ بسبب ذلك، بسبب تقديم الرأي على الوحي، والهوى على النقل، وما استحكم هذا الأمر في قلب أحد إلا استحكم هلاكه، ولا في أمة إلا وفسد أمرها أتم فساد١.
كل ذلك وغيره يقتضي فساد التأويل الذي هو مطية أهل البدع، والذي من خلاله يتوصلون إلى تحقيق أهوائهم موهمين الأغمار والبسطاء أنهم يحتكمون إلى الكتاب والسنة، وما أبعدهم عنهما، وفيهم أناس مغرر بهم، غرهم بهرجة التأويل وحسن تزويقه، وهم قريبون إن وقفوا على الحق وصلحت النية، وفيهم آخرون دخلوا فيه عن حسن قصد وصلاح نية ولكن ليس كل من أراد الخير أصابه، والموفق من وفقه الله.
وبعد، فإني ذاكرٌ ما وقفت عليه من تأويلات للقائلين بأن الإيمان لا يزيد ولا ينقص للنصوص المخالفة لقولهم، وهي عندهم تعد أجوبة على ما احتج به أهل السنة والجماعة على قولهم إن الإيمان يزيد وينقص، ثم اتبع ذكر ذلك بما يبين فساد تلك التأويلات، وإن كان فسادها معلومًا من خلال ما ذكر آنفًا في بيان فساد التأويل إجمالًا.
١- فمن أجوبتهم عن الآيات الدالة على زيادة الإيمان إدعاؤهم أنها محمولة على أنهم كانوا آمنوا في الجملة، ثم كانت تأتيهم الفروض
_________________
(١) ١ انظر لوامع الأنوار البهية للسفاريني (١/ ٦) .
[ ٣٩٩ ]
فرض بعد فرضًا، فكانوا يؤمنون بكل فرض خاص إلى أن تكاملت الفروض وكمل الدين، فكان الإيمان يزيد بزيادة المؤمن به. ثم لما كمل الشرع فلا مجال بعد ذلك لزيادة الإيمان إذ إن هذا لا يتصور في غير عصره صلى الله عليه وسلم١.
والجواب عن هذا أن يقال:
لا ريب في أن الإيمان الذي أوجبه الله على عباده وأمرهم به كان يزيد شيئًا فشيئًا كما أن القرآن الكريم كان يزيد شيئًا فشيئًا إلى أن أتم الله الدين وأكمله وأنزل في بيان ذلك قوله: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسلام دِينًا﴾ ٢.
والإكمال الذي نص عليه في الآية عائد إلى الإيمان الذي هو أمر الرب ﷾ حيث إنه سبحانه أمر عباده بالتوحيد ثم الصلاة ثم الصيام ثم الحج، فلم يكن سبحانه قد أنزل تشريعه على عباده جملة واحدة، وإنما أنزله عليهم شيئًا فشيئًا حتى تكامل التشريع.
وليس عائدًا على أفعال المكلفين وقيامهم به إذ إن الآية ليس المراد بها أن كل واحد من الأمة وجب عليه ما يجب علي سائر الأمة وأنه فعل ذلك وقام به، وإنما المراد أن الله أكمل التشريع، فالإكمال المشار إليه في الآية عائد إلى المؤمن به.
ولا يلزم من كمال الدين وتمامه من جهة المؤمن به أن يكون الناس متساوين فيما أمروا به من الإيمان، كما فهمه هؤلاء، فإن هذا من
_________________
(١) ١ انظر شرح العقائد النسفية (ص ١٢٤)، والنبراس شرح العقائد (ص٤٠٣) إتحاف السادة المتقين (٢/٢٦١)، تحفة القاري (ص ٤٧) . ٢ سورة المائدة، الآية: ٣.
[ ٤٠٠ ]
أصول غلطهم، فإنهم ظنوا أن الإيمان شيء واحد، وأنه يستوي فيه جميع المكلفين.
وغلطهم في هذا ظاهر، لأن الإيمان الذي أوجبه الله على عباده يتنوع ويتفاضل، وهم يتباينون فيه تباينًا عظيمًا، فيجب على الملائكة من الإيمان ما لا يجب على البشر. ويجب على الأنبياء من الإيمان ما لا يجب على غيرهم، ويجب على العلماء من الإيمان ما لا يجب على غيرهم، ويجب على الأمراء ما لا يجب على غيرهم، وليس المراد أنه يجب عليهم من العمل فقط، بل ومن التصديق والإقرار فإن الناس وإن كان يجب عليهم الإقرار المجمل بكل ما جاء به الرسول فأكثرهم لا يعرفون تفصيل كل ما أخبر به، وما لم يعلموه كيف يؤمرون بالإقرار به مفصلًا، وما لم يؤمر به العبد من الأعمال لا يجب عليه معرفته ومعرفة الأمر به، فمن أمر بحج وجب عليه معرفة ما أمر به من أعمال الحج والإيمان بها، فيجب عليه من الإيمان والعمل ما لا يجب على غيره، وكذلك من أمر بالزكاة يجب عليه معرفة ما أمر الله به من الزكاة ومن الإيمان بذلك والعمل به ما لا يجب على غيره، فيجب عليه من العمل والإيمان ما لا يجب على غيره إذا جعل العلم والعمل ليسا من الإيمان، وإن جعل جميع ذلك داخلا في مسمى الإيمان كان أبلغ فبكل حال قد وجب عليه من الإيمان ما لا يجب على غيره١.
فكيف يقال بعد هذا إن زيادة الإيمان غير متصورة ولا مجال لها بعد عصر رسول الله ﷺ، فهل الإيمان
المأمور به من وجب عليه الحج لوجود الاستطاعة كالإيمان المأمور به من لم يجب عليه الحج لعدم
_________________
(١) ١ انظر الفتاوى (١٣/ ٥٢، ٥٣) .
[ ٤٠١ ]
وجودها؟ وهل الإيمان المأمور به من وجبت عليه الزكاة لاكتمال النصاب، كالإيمان المأمور به من لم يكن عنده مال يبلغ النصاب؟ وهل الإيمان الواجب على من علم بتفاصيل الشريعة ودقائق مسائلها كإيمان من لم يبلغه من الأمر والنهي إلا الشيء اليسير؟ وهل إيمان من آمن بالرسول باطنًا وظاهرًا ثم مات قبل أن يعرف شرائع الدين كإيمان من عرف الشرائع بتفاصيلها فآمن بها وعمل بها؟
لذا يقول شيخ الإسلام: "فلا يمكن المنازعة أن الإيمان الذي أوجبه الله يتباين فيه أحوال الناس، ويتفاضلون في إيمانهم ودينهم بحسب ذلك"١.
ولهذا فإن قولهم إن الزيادة غير ممكنة بعد اكتمال الشرع وغير متصورة بعد عصر النبي ﷺ متعقب بما تقدم، بل إن الفرهاري شارح العقائد مع أنه من القائلين بعدم زيادة الإيمان ونقصانه قد تعقب هذا القول ونبه على غلطه، حيث قال بعد أن حكاه:
"وفيه نظر لأن الإطلاع على تفاصيل الفرائض ممكن في غير عصر النبي ﷺ فإن أحدنا لا يطلع على جميع الفرائض دفعة بل يطلع على بعضها فيؤمن به ثم على بعض آخر فيؤمن به، والإيمان يجب إجمالًا وتفصيلًا فيما علم تفصيلًا"٢.
٢- ومن أجوبتهم قولهم: إن الإيمان له معنيان:
أحدهما: تصديق الجنان بما لابد من تصديقه وهو قوله ﷺ في
_________________
(١) ١ الفتاوى (١٣/ ٥٤) . ٢ النبراس شرح العقائد (ص ٤٠٣) وانظر إرشاد الساري للقسطلاني (ص ١٢٢) ضمن مجموع شروح البخاري.
[ ٤٠٢ ]
جواب جبريل: "الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته.." الحديث فمن أتى بهذا التصديق صدقًا من قلبه حرمه الله تعالى عن النار الشديدة المؤبدة التي أعدها للكافرين وإن زنى وإن سرق وإن وإن أي: وإن عمل الكبائر.
والمعنى الثاني: السكينة والطمأنينه التي تحصل للمقربين وهو قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾ ١، وقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ ٢ وقوله تعالى: ﴿لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ ٣.
وخلاصة هذا: أن الإيمان قد يطلق على ما هو الأساس في النجاة وقد يطلق على الكامل المنجي بلا خلاف، فمن قال: لا يزيد ولا ينقص فمراده القدر الذي هو الأصل في النجاة، ومن قال يزيد وينقص أراد به الكامل٤.
قلت: لقد سأل رجل الحسن البصري ﵀ عن الإيمان فقال: "الإيمان إيمانان، فإن كنت تسألني عن الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله والجنة والنار والبعث والحساب فأنا مؤمن، وإن كنت تسألني عن قول الله ﷿: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا..﴾ ٥ فوالله ما أدري أنا
_________________
(١) ١ سورة الفتح، الآية: ٤. ٢ سورة البقرة، الآية: ٢٦٠. ٣ سورة الحديد، الآية: ٩. ٤ انظر تحفة القاري (ص ٤٤، ٤٦)، وإتحاف السادة المتقين (٢/٢٦١)، والنبراس شرح العقائد (ص ٤٠٤) . ٥ سورة الأنفال، الآية: ٢-٤.
[ ٤٠٣ ]
منهم أم لا"١.
فبين ﵀ أن للإيمان إطلاقين: أحدهما: أصل الإيمان الذي لا نجاة إلا بتحقيقه، والثاني كمال الإيمان الذي
ما يحصل به النجاة المطلقة من نار جهنم والفوز بالدرجات العالية في الجنة.
فتقسيم الإيمان على هذا النحو واضح لا إشكال فيه، لكن لا يلزم منه أن يكون القسم الأول منه غير قابل للزيادة والنقصان؛ لأنه لا ريب عند أهل العلم بالكتاب والسنة أن الناس يتفاوتون في تصديقهم بالله وملائكتة وكتبه ورسله وفي غير لك من أمور الإيمان بحسب قوة الأدلة وضعفها وقوة التصديق وضعفه، فليس تصديق النبي ﷺ بالله وملائكته وكتبه ورسله كتصديق آحاد الأمة، وليس تصديق الملائكة بذلك كتصديق آحاد الناس، بل بينهم من الفرق ما الله به عليم.
ثم إن قيل إن أصل الإيمان الذي لا يتحقق الإيمان إلا به لا يقبل النقص، فما وجه عدم قبوله الزيادة، وكيف يكون قد بلغ الكامل المنجي إلا لكونه زاد، وبهذا يعلم تناقض قول هؤلاء.
ومما يبين تناقضه أيضًا وصفهم للإيمان بالكامل إذ كيف يوصف بالكامل ما لا يقبل الزيادة ولا النقص، ولهذا تحرج بعضهم من إطلاق هذه العبارة لما تتضمنه من دلالة على قبول الإيمان للزيادة والنقصان.
يقول الزبيدي في الإتحاف بعد أن حكى القول االمتقدم: "قلت: وهو حسن، ولكن ما أعجبني تسمية القسم الأخير بالكامل، فإنه يستدعي أن يكون مقابله ناقصًا، وهو وإن كان صحيحًا في نفس الأمر لكن التعبير
_________________
(١) ١ رواه البيهقي في الاعتقاد (ص ١٢٠)، وفي الشعب (١/٢١٨) .
[ ٤٠٤ ]
غير حسن، والأولى أن يعبر عنه بالإيمان الشرعي"١.
فانظر لشدة التحرج من هذه الأسماء الشرعية "كمال الإيمان"، "نقصان الإيمان"، "زيادة الإيمان "واعجب لذلك. فلم يعجبه تسمية الإيمان التام الكامل بـ "الكامل"لمناقضته لأصولهم، وإن كان صحيحًا في نفس الأمر، والله المستعان.
٣- ومنها تأويلهم للنصوص الواردة في الزيادة بأن المراد بها الثبات والدوام على الإيمان، أي أنه يزيد بزيادة الأزمان؛ لأن التصديق عرض، والأعراض لا تبقى إلا بتجدد الأمثال.
وحاصل الجواب أنه ليس المراد بالزيادة في الآيات زيادة حقيقة التصديق في نفسه بل زيادة أعداده، وهذا بالاستمرار عليه وعدم الذهول عنه، فإن الاستمرار على التصديق يوجب تجدد الأمثال وحصول أعداد كثيرة من التصديق في كل وقت٢.
قلت: قولهم هذا مبني على أن التصديق عرض من الأعراض، والأعراض عندهم لا تقبل الزيادة والنقصان وإنما الذي يقبل الزيادة والنقصان الأجسام دون الأعراض٣.
والكلام على هذا يكون بعد معرفة حقيقة العرض ما هو:
فالعرض: هو الموجود الذي يحتاج في وجوده إلى موضع أي محل يقوم به كاللون المحتاج إلى جسم يحله ويقوم هو
_________________
(١) ١ إتحاف السادة المتقين (٢/ ٢٦١) . ٢ انظر شرح العقائد النسفية للتفتازاني (ص ١٢٥)، والإرشاد للجويني (ص ٣٣٦)، والمسامرة شرح المسايرة (ص ٣٧٣)، والبداية من الكفاية (ص ١٥٥) . ٣ انظر الإيمان لأبي يعلى (ص ٣٩٩) .
[ ٤٠٥ ]
به١.
بهذا عرفوا العرض، فالسواد والبياض وغيرهما من الألوان، والحركة والسكون وغيرهما أعراض لأنها تحتاج في وجودها إلى موضع تقوم به.
ولا ريب أن هذه تقبل الزيادة والنقصان، ومن ذا الذي يستريب في أن هناك سوادًا أشد من سواد وحركة أقوى من حركة وسكونًا أهدى من سكون، فقبول هذه الأمور الزيادة والنقصان أمر لا ريب فيه، فإذا كان ذلك كذلك، فالإيمان كذلك يقبل الزيادة والنقصان كسائر الأعراض لا فرق.
قال شيخ الإسلام: "إن نفس العلم والتصديق يتفاضل ويتفاوت كما يتفاضل سائر صفات الحي من القدرة والإرادة، والسمع والبصر والكلام، بل سائر الأعراض من الحركة والسواد والبياض ونحو ذلك فما من صفة من صفات الحي وأنواع إدراكاته وحركاته بل وغير صفات الحي إلا وهي تقبل التفاضل والتفاوت إلى ما لا يحصره البشر"٢.
أما حملهم النصوص الواردة في الزيادة على الثبات والدوام على الإيمان فتأويل باطل؛ لأن "حقيقة الزيادة لا يعقل منها الثبوت على الشيء، وإنما يعقل منها الزيادة في ذاته"٣.
فالآيات الواردة المنصوص فيها على زيادة الإيمان المراد بها زيادة الإيمان نفسه علمًا واعتقادًا وعملًا، كما في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا
_________________
(١) ١ انظر التعريفات للجرجاني (ص ١٤٨) . ٢ الفتاوى (٧/ ٥٦٤، ٥٦٥) . ٣ الإيمان لأبي يعلى (ص ٤٠٣) .
[ ٤٠٦ ]
وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ ١.
أي زادتهم تصديقًا وإقرارًا بما فيها ثم عملًا بذلك التصديق.
قال ابن جرير: "فإن قيل: فكيف زادتهم السورة تصديقًا وإقرارًا قيل: زادتهم إيمانًا حين نزلت؛ لأنهم قبل أن تنزل السورة لم يكن لزمهم فرض الإقرار بها، والعمل بها بعينها إلا في جملة إيمانهم بأن كل ما جاء به نبيهم ﷺ من عند الله فحق، فلما أنزل الله السورة لزمهم فرض الإقرار بأنها بعينها من عند الله، ووجب عليهم فرض الإيمان بما فيها من أحكام الله وحدوده وفرائضه، فكان ذلك هو الزيادة التي زادهم نزول السورة حين نزلت من الإيمان والتصديق بها، وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل "٢.
وسبق أن نقلت جميع نصوص القرآن المصرحة بزيادة الإيمان، في مبحث سبق ونقلت هناك من أقوال السلف وكلامهم الاستدلال بها على زيادة الإيمان ونقصانه، بل نقلت حكاية إجماعهم على ذلك عن غير واحد من أهل العلم.
ثم أيضًا قول هؤلاء إن المراد بالزيادة في الإيمان هو الثبات والدوام عليه، يلزم منه أن يكون النبي ﷺ إنما يفضل غيره بدوام إيمانه وثباته لا غير، وقد قالوا بهذا القول والتزموا هذا اللازم الفاسد.
قال شيخ الإسلام بعد أن أشار إلى قولهم هذا: "فهذا هو الذي يفضل به النبي ﷺ غيره في الإيمان عندهم، ومعلوم أن هذا في غاية الفساد من
_________________
(١) ١ سورة التوبة، الآية: ١٢٤. ٢ تفسير ابن جرير (٧/٧٢) .
[ ٤٠٧ ]
وجوه كثيرة كما قد بسط في مواضع أخرى"١.
٤- ومنها حملهم للنصوص الواردة في زيادة الإيمان بأن المراد بها زيادة إشراق نوره في القلب وزيادة ثمراته٢.
قلت: وهذا التأويل من جنس الذي قبله، مفاده صرف النص عن ظاهره الصريح إلى تأويلات بعيدة غير مرادة منه.
وإلا فمن المعلوم أن ثمرات الإيمان أمر خارج عن الإيمان، ولا يقول عاقل إن الجزاء على فعل الطاعة والإثابة علبها هو الطاعة نفسها، بل كل عاقل يعلم أن الثواب على الطاعة غير الطاعة، بل أمر خارج عنها.
ولهذا أجاب القاضي أبو يعلى عن الشبهة بقوله: "وثواب الإيمان ليس بإيمان"٣.
وقال أيضًا: "والإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية نفسه وثوابه، خلافًا للمعتزلة في قولهم لا يزيد ولا ينقص لا ثوابه ولا نفسه، وخلافًا للأشعرية في قولهم يزيد وينقص ثوابه لا نفسه، والدلالة على ما ذكرنا قوله تعالى ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ وقوله تعالى: ﴿لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ
_________________
(١) ١ الفتاوى (٧/ ١٥٣) . ٢ انظر المسامرة شرح المسايرة (ص ٣٧٣)، وشرح العقائد النسفية للتفتازاني (ص ١٢٥)، وإتحاف السادة المتقين (٢/ ٢٦٠)، والنبراس شرح العقائد (ص ٤٠٤)، والسواد الأعظم (ص ٣٨)، والبداية من الكفاية (ص ١٥٥) . ٣ الإيمان لأبي يعلى (ص ٤٠٧) .
[ ٤٠٨ ]
الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا ﴾ ١.
وتأويلهم هذا، والتأويل الذي قبله هو من جنس تأويلهم لنصوص الصفات سواء بسواء، فالباب في الجميع واحد، وهو صرف النصوص عن ظواهرها المرادة إلى معاني بعيدة غير مرادة من النصوص".
وقد بين أهل العلم فساد منهج التأويل وقبحه وضرره على الدين، حتى قال ابن القيم ﵀ في كتابه الصواعق المرسلة: "والدين إذا أحيل على تأويلات المتأولين أنتقضت عراه كلها، ولا تشاء طائفة من طوائف أهل الضلال أن تتأول النصوص على مذاهبها إلا وجدت السبيل إليه"٢، وكفى بذلك بيانًا لقبح التأويل، ثم إنه ﵀ قد استوفى الرد على أهل التأويل وبين فساد منهجهم هذا، في كتابه المذكور أنفًا ولاسيما في المجلد الأول منه.
٥- ومنها قولهم إن النقصان والزيادة يرجع إلى أحد أمرين: إما أن يكون ذلك راجعاُ إلى القول والعمل، دون التصديق؛ لأن ذلك يتصور فيهما مع بقاء الإيمان فأما التصديق فمتى انخرم منه أدنى شيء بطل الإيمان
والأمر الثاني: في جواز إطلاق الزيادة والنقصان على الإيمان، يتصور أيضًا أن يكون من حيث الحكم لا من حيث الصورة، فيكون ذلك أيضًا في الجميع من التصديق والإقرار والعمل، ويكون المراد بذلك في الزيادة والنقصان راجعًا إلى الجزاء والثواب والمدح والثناء، دون نقص
_________________
(١) ١ المعتمد في أصول الدين لأبي يعلى (ص ١٨٩، ١٩٠) . ٢ الصواعق المرسلة (١/١٥٦) .
[ ٤٠٩ ]
وزيادة في التصديق من حيث الصورة١.
والجواب عن هذين الأمرين أن يقال: عن الأمر الأول وهو جعلهم الزيادة والنقصان راجعين إلى العمل والقول دون التصديق أن هذا تحكم في النص بلا دليل سوى تصور خاطىء وهو ظنهم أن التصديق متى انخرم منه أدنى شيء بطل الإيمان، وقد سبق الجواب عن هذا بما يشفي ويكفي وذلك بالنقل عن أهل العلم المحققين في أن التصديق يقبل الزيادة والنقصان دون أن يكون قبوله للنقصان يقتضي شكًا أو كفرًا كما فهمه هؤلاء، بل إنه يكون تصديقًا دون تصديق وهذا أمر يحسه كل أحد من نفسه فإن تصديق المرء ببعض الأمور يختلف من وقت لآخر قوة وضعفًا بحسب قوة الأدلة والبراهين، فكيف يقال بعد ذلك إن التصديق متى انخرم منه أدنى شيء بطل الإيمان؟.
أما الجواب عن الأمر الثاني وهو حملهم معنى الزيادة والنقصان على أن ذلك إنما يكون من حيث الحكم لا من حيث الصورة أي أنه يرجع إلى الجزاء والثواب والمدح والثناء. فيقال هذا عين التأويل المتقدم في الشبه الثاني قبل هذه والجواب المتقدم هناك جواب على هذا.
٦- ومنها: قول بعضهم الإيمان الشرعي معاهدة التزام الطاعة وعقد على التسليم والانقياد ظاهرًا وباطنًا، وهو أمر واحد لا يتجزأ ولا يتبعض ولا يقبل الزيادة والنقصان، ولكن هذا العهد والعقد ينسحب على العقائد والأخلاق والأعمال كلها فالعقد واحد والمعقود عليه متعدد فإن أتى بجميع ما التزمه وعقد عليه فعقده وعهده تام وكامل، وإلا فناقص، ومثاله النكاح
_________________
(١) ١ الإنصاف للباقلاني (ص ٨٧، ٨٨)، ونقله عنه الكاندهلوي في تحفة القاري (ص ٤٧) .
[ ٤١٠ ]
فإنه عقد على التزام موجب الزوجية، وهو أمر بسيط لكنه يتضمن جميع حقوق الزوجية، فالنكاح لا يزيد ولا ينقص، وإنما الزيادة والنقصان في وفاء حقوقه، ويشير إلى هذا المعنى قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ﴾ ١، وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ ٢، فكذلك الإيمان عهد واحد وميثاق بسيط لا زيادة فيه ولا نقصان، وإنما الزيادة والنقصان في الأمور المنطوية تحت هذا الميثاق٣.
قلت: وهذا الكلام مشتمل على تكلف زائد جهد قائله في إبطال دلالة النصوص على زيادة الإيمان ونقصانه حسبما فهمها السلف، وحملها على هذا المعنى المتوعر الذي لم يفقه قبله غيره.
وكلامه مشتمل على أمور باطلة ودعاوى غير صحيحة أوضحها قوله عن الإيمان أنه أمر واحد لا يتجزأ ولا يتبعض ولا يتقبل الزيادة والنقصان. ومعنى لا يتجزأ أي ليس له أجزاء، ويبطل هذا قول النبي ﷺ: "الإيمان بضع وسبعون شعبة" الحديث.
ومعنى لا يتبعض أي ليس له أبعاض فإذا ذهب بعضه ذهب كله، ويبطل هذا قوله ﷺ "يخرج من النار من كان في قلبه أدنى مثقال ذرة من إيمان" الحديث.
وقد تقدم تخريج الحديثين وبيان دلالتهما على زيادة الإيمان ونقصانه بالنقل في ذلك عن أئمة أهل السنة والجماعة.
وكذلك قوله: " فكذلك الإيمان عهد واحد وميثاق بسيط لا زيادة
_________________
(١) ١ سورة الرعد، الآية: ٢٥. ٢ سورة المائدة، الآية: ١. ٣ تحفة القاري (ص ٤٦، ٤٧) .
[ ٤١١ ]
فيه ولا نقصان".
فإن المراد بالبسيط عندهم ضد المركب وهو مالا أجزاء له١، وقد سبق التنبيه على ما في وصف الإيمان بأنه ليس له أجزاء من غلط وما فيه من مخالفة للأحاديث الصريحة الدالة على أن الإيمان له شعب وأجزاء يزيد الإيمان بزيادتها وينقص بنقصها.
وقائل هذا الكلام بنى قوله بعدم زيادة الإيمان ونقصانه على مقدمة فاسدة وهي: وصف الإيمان بأنه بسيط أي غير مركب، فإذا علم فساد هذه المقدمة يعلم فساد نتيجتها.
وكذلك قوله في ختام كلامه: "وإنما الزيادة والنقصان في الأمور المنطوية تحت هذا الميثاق".
فإن الأمور المنطوية تحت ميثاق الإيمان وهي الأعمال الصالحة بأنواعها كلها داخلة في مسمى الإيمان بدلالة نصوص الكتاب والسنة على ذلك والإيمان يزيد بزيادتها وينقص بنقصها كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ ٢.
فجعل الله سبحانه الصلاة والزكاة والتوكل من أعمال الإيمان الداخلة في مسماه، فإذا قام المسلم بتحقيقها والقيام بها على أكمل وجه زاد إيمانًا، وارتقى إلى أن يصبح إيمانًا حقًا.
_________________
(١) ١ التعريفات للجرجاني (ص ٤٥) . ٢ سورة الأنفال، الآية: ٢.
[ ٤١٢ ]
فإذا تبين هذا يعلم أن في قوله: إن الزيادة والنقصان في الأمور المنطوية تحت هذا الميثاق يعد ردًا على قوله إن الإيمان لا يزيد ولا ينقص؛ لأن الأمور المنطوية تحت الإيمان إيمان بدلالة الكتاب والسنة، وقد ذكر أنها تزيد وتنقص، وبالله التوفيق.
وهذا آخر ما يتعلق بالفصل الثالث، وقد كان الحديث فيه عمن قال: إن الإيمان لا يزيد ولا ينقص، وذكر شبههم ومواقفهم من نصوص الشرع المخالفة لقولهم مع الرد عليهم في ذلك كله.
والذي أريد أن أقوله هنا: هو أن هذه الأفكار الباطلة، والأقوال الخاطئة، والتي منها الإرجاء وعدم القول بزيادة الإيمان ونقصانه لا تزال موروثة إلى يومنا هذا، فالأمر كما قيل: لكل قوم وارث، ولكل أرض حارث.
فليس الأمر كما يزعمه بعض الناس أنها أفكار ماتت بموت أهلها، وانقرضت بانقراضهم، ثم يجعل ذلك مدخلًا له ليعترض على البحث فيها، وفي تخطئة من قال بها.
فالأمر ليس كما يزعمه هذا الزاعم، والمهون بقوله هذا من شأن العقيدة ونشرها، والدفاع عنها، وتنقيتها من الأفكار الدخيلة، فإنه يوجد من المعاصرين من يقول بتلك الأقوال، ويدافع عنها، وينتصر لها، ويسعى على قدم وساق في بثها ونشرها في الأمة.
ولعلي أشير هنا إشارة سريعة إلى بعض من تأثر بهذه الأقوال من أهل عصرنا وانتصر لها، مع التنبيه على من رد عليهم إن وجد.
ا- فمن هؤلاء محمد أنور الكشميري الديوبندي المتوفى سنة ١٣٥٢ هـ، صاحب كتاب فيض الباري على صحيح البخاري، وليت
[ ٤١٣ ]
صحيح البخاري سلم من فيض هذا الكشميري، فقد شحن كتابه بالمغالطات المكشوفة، والافتراءات الواضحة، والتأويلات البغيضة، والسباب لبعض أهل العلم، كل ذلك بعبارات مفككة، وأسلوب غث ضعيف.
ومن مفضوح أكاذبيه وأوضح مغالطاته قوله عن الإمام المصلح، والداعية المجدد الشيخ محمد عبد الوهاب رحمه الله تعالى: "أما محمد بن عبد الوهاب النجدي فإنه كان رجلًا بليدًا قليل العلم فكان يتسارع إلى الحكم بالكفر، ولا ينبغي أن يقتحم في هذا الوادي إلا من يكون متيقظًا متقنًا عارفًا بوجوه الكفر وأسبابه"١.
قلت: ولا يقول هذا من يدري ما يقول، بل لا يقوله إلا حانق حاقد مريض القلب بالهوى.
أما من عرف الشيخ وخبر سيرته وطالع مؤلفاته وتجنب الأهواء المضلة والدعايات الكاذبة لا يجد إلا سيرة عالم فذ، وإمام مجدد، ومصلح غيور، ولا تزال دعوته تؤتي أكلها- وان رغمت أنوف- بحمد الله تعالى.
وقول الكشميري عن الشيخ إنه يتسارع في التكفير كذب على الشيخ وافتراء عليه تبرأ منه الشيخ نفسه، قال ﵀: "وأما ذكره الأعداء عني أني أكفر بالظن وبالموالاة أو أكفر الجاهل الذي لم تقم عليه الحجة. فهذا بهتان عظيم، يريدون به تنفير الناس عن دين الله ورسوله"٢.
ويقول حفيده الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن: "والشيخ محمد ﵀ من أعظم الناس توقفًا وإحجامًا عن إطلاق الكفر، حتى إنه
_________________
(١) ١ فيض الباري (١/ ١٧٠، ١٧١) . ٢ مجموع المؤلفات (٥/٢٥) .
[ ٤١٤ ]
لم يجزم بتكفير الجاهل الذي يدعو غير الله من أهل القبور أو غيرهم إذا لم يتيسر له من ينصحه ويبلغه الحجة التي يكفر تاركها"١.
وقد أطال الكشميري في كتابه المتقدم الكلام على مسألة الإيمان على طريقة المرجئة، وقد قام بنقده والرد عليه الشيخ محمد أمين المصري في كتابه من هدي سورة الأنفال٢، والشيخ ابن عبد الحق النورفوري في كتابه إرشاد القارىء في الرد على كتاب فيض الباري، والكتاب لا يزال مخطوطًا، وهو مشتمل على ردود جيدة وتتبعات دقيقة، إلا أن مؤلفه لم يكمله بعد، يسر الله له إكماله وطبعه.
٢- ومنهم جهمي هذا العصر وحامل لواء التعطيل فيه محمد زاهد الكوثري المتوفى سنة ١٣٧١ هـ في كتابه تأنيب الخطيب وفي غيره من كتبه، وأكاذيب هذا الرجل لم تعد تخفى على أحد، وسوآته الفكرية تمتلىء بها كتب السنة التي قام بإخراجها وتحقيقها.
وقد شفى وكفى في الرد عليه وبيان كذبه ومغالطاته الشيخ العلامة ذهبي هذا العصر عبد الرحمن المعلمي في كتابه الفذ "التنكيل بما في كتاب الكوثري من الأباطيل"٣.
_________________
(١) ١ منهاج التأسيس والتقديس (ص ٩٨، ٩٩) . وانظر كتاب "عقيدة الشيخ محمد بن عبد الوهاب السلفية وأثرها في العالم الإسلامي" للشيخ صالح العبود (ص ٢٠٦ وما بعدها) وكتاب: "دعاوى المناوئين لدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب عرض ونقد" للشيخ عبد العزيز العبد اللطيف (ص ١٦٢ وما بعدها) . ٢ انظره من (ص ١٠٤ وما بعدها) . ٣ انظر رد المعلمي عليه فيما يتعلق بمسألة الإيمان في التنكيل (٢/٣٦٢ وما بعدها) .
[ ٤١٥ ]
٣- ومنهم مريد الكوثري والمتهالك في حبه عبد الفتاح أبو غدة، ودور هذا المريد ظاهر في حرثه لأفكار شيخه والإشادة بها، ووصف كلام شيخه بأنه تحقيق متين، وإطارئه دائمًا بالعلامة والمحقق والإمام وغير ذلك.
ولنشر هنا إلى بعض كلام أبي غدة فيما يتعلق بمسألة زيادة الإيمان ونقصانه ورأيه فيه.
فقد نقل كعادته كلام شيخه محتفيًا به رغم ما في كلام شيخه من ثلب للسلف بعامة، ولإمام المحدثين وأمير المؤمنين في الحديث أبي عبد الله البخاري بخاصة.
واسمع ماذا نقل عن شيخه في الطعن بالإمام البخاري ﵀.
قال- أي الكوثري-: "ومن الغريب أن بعض من يعدونه من أمراء المؤمنين في الحديث يتبجح قائلًا: إني لم أخرج في كتابي عمن لا يرى أن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص مع أنه أخرج عن غلاة الخوارج ونحوهم في كتابه وهو يدري أن الحديث القائل بأن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص غير ثابت عند النقاد، ولا التفات إلى المتساهلين ممن لا يفرقون بين الشمال واليمين ".
ومن شدة احتفاء هذا المريد بكلام شيخه المتقدم، رغم ما فيه من اساءات ومغالطات، فقد نقله في موضعين من مؤلفاته١ ثم وصفه بأنه بيان شافي!!
_________________
(١) ١ انظر هامش الرفع والتكميل للكنوي (ص ٣٠) وهامش قواعد في علوم الحديث للتهانوي (ص ٢٣٧) كلاهما بتحقيق أبي غدة.
[ ٤١٦ ]
قلت: ولننبه على بعض ما في هذا البيان الشافي من مغالطات:
أولًا: في وصفه للإمام البخاري بأنه "يعدونه من أمراء المؤمنين في الحديث"إشارة إلى أنه ليس معدودًا عندهم كذلك ولا يقول هذا إلا مكابر ممرض، والبخاري ﵀ أمير المؤمنين في الحديث وإمامهم رغم بغض شانئيه، ولا خلاف في ذلك بين أهل العلم.
ثانيًا: وصفه للبخاري ﵀ بأنه "يتبجح "وقد جاء في تهذيب اللغة للأزهري في مادة "بجح"عن الليث وغيره: فلان يتبجح بفلان ويتمجح إذا كان يهذي به إعجابًا١.
قلت: فاختيار هذه الكلمة دون غيرها في وصف أمير المؤمنين في الحديث وقدوة الموحدين والمقدم على أضرابه وأقرانه يدل على قلة ورع قائله وسوء أدبه وبذائة أسلوبه وسلاطة لسانه مع العلماء وخاصة مع الأكابر منهم، وليس هذا بغريب من الكوثري فله قصب سبق في هذا المضمار، بل هو فارس هذا الميدان وحامل لوائه، وسبابه وشتائمه لأئمة الدين وهداة الإسلام لا تحصى إلا بكلفه، ومن ألقى نظرة عاجلة في بعض مؤلفاته أو تعليقاته علم ذلك٢.
ثالثًا: اعتراضه على البخاري في قوله بأنه لم يخرج في صحيحه
_________________
(١) ١ تهذيب اللغة (٤/ ١٦٤) . ٢ وانظر لزامًا التنكيل للمعلمي كاملًا، ورسالة براءة أهل السنة عن الوقيعة في علماء الأمة للشيخ بكر أبو زيد، وكتاب الماتريدية وموقفهم من توحيد الأسماء والصفات للشيخ شمس الدين بن محمد أشرف (ص ١٣٧ وما بعدها) ففي هذه الكتب البيان الشافي والتحقيق الوافي لحال هذا الخبيث المارد.
[ ٤١٧ ]
عمن يرى أن الإيمان لا يزيد ولا ينقص، مع أنه أخرج فيه عن غلاة الخوارج ونحوهم.
قلت: روى قول البخاري المتقدم عنه وراقه محمد بن أبي حاتم قال سمعته- أي البخاري- يقول دخلت بلخ، فسألوني أن أملي عليهم لكل من كتبت عنه حديثًا، فأمليت ألف حديث لألف رجل ممن كتبت عنهم.
قال: وسمعته قبل موته بشهر يقول: كتبت عن ألف وثمانين رجلًا ليس فيهم إلا صاحب حديث، كانوا يقولون: الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص١.
قلت: وهذا الذي سماه الكوثري: "تبجحًا"يعد في معيار العدل والإنصاف ميزة ومنقبة لكتاب البخاري الصحيح؛ لأن عدم الرواية عن مثل هؤلاء وإن كانوا حفاظًا فيه إخماد لبدعتهم وإطفاء لنارها.
قال بن دقيق العيد: "إن وافقه غيره فلا يلتفت إليه إخمادًا لبدعته وإطفاءًا لناره، وإن لم يوافقه أحد ولم يوجد ذلك الحديث إلا عنده مع ما وصفنا من صدقه وتحرزه عن الكذب واشتهاره بالتدين وعدم تعلق ذلك الحديث ببدعته فينبغي أن تقدم مصلحة تحصيل ذلك الحديث ونشر تلك السنة على مصلحة إهانته وإطفاء ناره"٢.
إذن فماذا يضير البخاري ﵀ إن ترك الرواية عن مثل هؤلاء وتمدح بفعله هذا ليكون في عمله هذا إخمادًا لهذه البدعة وعدم نشر لها ولاسيما وأن تخريج البخاري لأي راو في صحيحه مقتض لعدالته عنده، فإن ترك البخاري ﵀ الرواية عن مثل هؤلاء- على بحث عند أهل
_________________
(١) ١ سير أعلام النبلاء (١٢/ ٣٩٥) . ٢ التنكيل (١/٤٩) .
[ ٤١٨ ]
العلم في جواز الرواية عنهم أو عدم جوازها١ سائغ لتيسر الرواية عنده عن غيرهم ممن شاركوهم في الرواية لتلك الأحاديث، وفارقوهم في عدم الابتداع، ولما في عمله هذا من مصلحة إخماد البدعة وعدم تقديم أهلها وإبرازهم.
ولأمر آخر وهو أن أهل البدع كما سماهم السلف: "أصحاب أهواء"وأتباعهم لأهوائهم في الجملة ظاهر، فلربما يكذب ويتجرأ على الكذب لينتصر لهواه- كما سبق أن مر معنا عن بعض هؤلاء- ولهذا المعنى قال علي بن حرب الموصلي: "كل صاحب هوى يكذب ولا يبالي"قال المعلمي معلقًا عليه "يريد والله أعلم أنهم مظنه ذلك فيحترس من أحدهم حتى يتبين براءته"٢.
وأمر آخر أيضًا وهو أن البخاري ﵀ لم يخرج في صحيحه عمن كان داعية إلى بدعته، وإنما خرج عمن كان مستترًا بها غير مظهر لها، كما قال شيخ الإسلام ﵀: "ولهذا لم يخرج أهل الصحيح لمن كان داعية، ولكن رووا هم وسائر أهل العلم عن كثير ممن كان يرى في الباطن رأى القدرية والمرجئة والخوارج والشيعة"٣.
فترك البخاري الرواية عن أهل هذه البدعة لمثل هذه الأسباب المتقدمة يعد منقبة لصحيحه ﵀، وميزة له، وحق له أن يذكرها وإن كان في ذكره لها يقصد التأكيد على الحذر من أهل هذه الأهواء ومجانبتهم
_________________
(١) ١ طالع تفصيل هذه المسألة في: هدي الساري لابن حجر (ص ٣٨٥)، وفي التنكيل للمعلمي (١/ ٤٢ وما بعدها) بحث جيد وتحرير واف لهذه المسألة فليطالع. ٢ التنكيل (١/٤٤) . ٣ الفتاوى (٧/ ٣٦٨) .
[ ٤١٩ ]
وعدم التلقي عنهم ليسلم للمرء دينه ومعتقده، فرحم الله البخاري على شدة تحريه وقوة حرصه على سلامة التوحيد والسنة، ولكن هذا كله يعد في ميزان الغوغائيه مذمة له والله المستعان.
رابعا: قوله: "وهو يدري أن الحديث القائل بأن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص غير ثابت عند النقاد، ولا التفات إلى المتساهلين ممن لا يفرقون بين الشمال واليمين..".
قلت: وصنيع الكوثري هنا خداع عجيب ومكر مفضوح فهو يوهم القارىء أن البخاري ﵀ إنما اعتمد بقوله في زيادة الإيمان ونقصانه على هذا الحديث الضعيف الذي لا يثبت عند نقاد الحديث لكن البخاري- كما يرى هذا الزاعم- احتج به على قوله بل ولم يجد له حجة على قوله غيره.
فيقال لهذا الكوثري المخادح: إنما أنت مفتر، فقد قرأت أدلة البخاري في كتابه الصحيح على هذه المسألة، نصوص بينة من كتاب الله، وأحاديث نيرة من كلام رسول الله ﷺ ساقها ﵀ مستدلًا بها على زيادة الإيمان ونقصانه قال ﵀:
باب زيادة الإيمان ونقصانه، وقول الله تعالى: ﴿وَزِدْنَاهُمْ هُدىً﴾ ١ وقال: ﴿وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ ٢، وقال: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ ٣ فإذا ترك شيئًا من الكمال فهو ناقص.
ثم ساق بسنده حديث أنس عن النبي ﷺ قال: "يخرج من النار من
_________________
(١) ١ سورة الكهف، الآية: ١٣. ٢ سورة المدثر، الآية: ٣١. ٣ سورة المائدة، الآية: ٣.
[ ٤٢٠ ]
قال لا إله إلا الله وفي قلبه وزن برة من خير- الحديث "ثم أشار إلى لفظة أخرى للحديث فيها "من إيمان"لا مكان "من خير" ١.
فهل البخاري ﵀ احتج على قوله بأن الإيمان يزيد وينقص بذلك الحديث كما يزعمه الكوثري، أو أنه استدل على قوله بهذه الآيات البينات والحديث الواضح.
أقول: لا شك أن الكوثري كان يعلم بماذا احتج البخاري على مذهبه، وبماذا استدل على قوله، ولكن من دأب على المكر والتدليس والتلبيس على الأغمار من شأنه أن يتجاهل تلك الاستدلالات، ويتغافل ويتعامى عنها، لينفذ بعد ذلك إلى ما يريد.
وعلى كل فهذه التلبيسات المفضوحة والمغالطات المكشوفة سماها مريده أبو غدة بيانًا شافيًا، والأمر في الحقيقة لا يعدو كونه حبًا مفرطًا في الشيخ وتعلقًا بأقواله وتعظيمًا لها، لا أقل ولا أكثر، رغم أن تلك الأقوال لا تحمل علمًا يذكر، فضلًا عما فيها من مغالطات وأكاذيب.
٤- ومنهم الشيخ حسن أيوب وذلك في كتابه "تبسيط العقائد الإسلامية"فقد سلك فيه طريقة المرجئة في مسائل الإيمان، بالإضافة إلى ما فيه من انحرفات عقدية أخرى.
وقد كتب الشيخ أبو تراب الظاهري في الرد عليه مقالًا نشر في جريدة المدينة٢ بعنوان: "التحذير مما كتب الشيخ حسن أيوب في تبسيط العقائد الإسلامية ".
_________________
(١) ١ صحيح البخاري (١/ ١٠٣ فتح) . ٢ جريدة المدينة عدد (٦١٩٧) الخميس ١٣/٥/١٤٠٤ هـ.
[ ٤٢١ ]
ذكر في أوله أنه اطلع على هذا الكتاب الذي شاع وانتشر بين الناس ثم قال: "فراعني فيه أشياء تمس العقيدة الصحيحة فتنحرف بها عن جادة الصواب والحق، وأشفقت أن يعتنقها الشباب في هذا العصر غضة عقولهم فترسخ في أذهانهم فيتنكبوا السبيل الأقوم فبادرت إلى كتابه هذا الرد على ما كتبه الشيخ حسن أيوب ليتنبه له قراؤه ويلتزموا المسلك الصحيح وأول المآخذ على كتابه المذكور: أنه قرر مذهب المرجئة والجهمية في الإيمان، وصحح هذا المذهب ونسبه إلى الجمهور "ثم شرع في نقده والرد عليه.
٥- ومنهم محمد إدريس الكاندهلوي كما في كتابه: "تحفة القارىء بحل مشكلات البخاري"١ وهو في كثير من المواضع فيه ينقل عن شيخه محمد أنور الكشميري، وقد تقدم الكلام على شيخه قريبًا.
هذا ولم أشأ الاستطراد بذكر جميع من وقفت على أنه قال بهذا القول من أهل عصرنا ولم أشأ كذلك تسمية المؤسسات العلمية القائمة عليه وإنما أردت فقط الإشارة إلى بعض الأفراد من القائلين بهذا القول، لأدل بهم على غيرهم، ولأنبه بهم على من سواهم، ولأبين كذب دعوى من قال إن هذه الأفكار قد ماتت ولم يين منها شيء في زماننا.
ثم إن هؤلاء الخالفين الذين أشرت إلى بعضهم لم يأتوا بجديد في مجال الاستدلال غير تكرار شبه من سبقهم، وإعادة ترديدها، وهذا يفيدنا أن الردود التي ذكرت سابقًا في الرد على أسلافهم كافية في الرد عليهم.
_________________
(١) ١ تقدمت الإحالة على كلامه ني هذه المسألة في مواضع كثيرة من هذه الرسالة.
[ ٤٢٢ ]
هذا والله أسأل أن يغيث قلوبنا بالإيمان الصحيح، والسنة القويمة، وأن يعيذنا من الفتن ما ظهر منها وما بطن.
[ ٤٢٣ ]