لقد تعلق أهل هذا القول بشبه نظرية وحجج عقلية، احتكموا إليها في هذه المسألة وردوا النزاع إليها، وهي في الحقيقة حجج إذا تدبرها العاقل بحق وجدها دعاوى لا تقوم على دليل، وحججًا لا تعتمد على برهان، وإنما تعتمد أولًا وآخرًا على رأيهم القاصر، وعلى ما تأولوه بفهمهم للغة العرب.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "وهذه طريقة أهل البدع، ولهذا كان الإمام أحمد يقول أكثر ما يخطيء الناس من جهة التأويل والقياس. ولهذا تجد المعتزلة والمرجئة والرافضة وغيرهم من أهل البدع يفسرون القرآن برأيهم وما تأولوه من اللغة، ولهذا تجدهم لا يعتمدون على أحاديث النبي ﷺ والصحابة والتابعين وأئمة المسلمين، فلا يعتمدون على السنة ولا على إجماع السلف وآثارهم، وإنما يعتمدون على العقل واللغة، وتجدهم لا يعتمدون على كتب التفسير المأثورة والحديث وآثار السلف، وإنما يعتمدون على كتب الأدب وكتب الكلام التي وضعتها رؤوسهم"١.
قلت: ومن يتأمل كلام شيخ الإسلام السالف يجد أنه ﵀ يحكي ترجمة حرفية لواقع أهل البدع في مجال الحجج والبراهين،
_________________
(١) ١ الفتاوى (٧/ ١١٨، ١١٩) .
[ ٣٧١ ]
ويكشف حال هؤلاء كشفًا دقيقاُ، وهو واقع يشمل عامة أهل البدع بدون استثناء؛ لأن من جاء بباطل فليس في القرآن أو السنة ما يدل على باطله أو يؤيده، إذًا فلا حجة له إلا رأيه السقيم وفهمه القاصر للغة.
وجميع ما وقفت عليه من حجج لهؤلاء في هذه المسألة لا يخرج عما ذكره شيخ الإسلام﵀- غير أن بعضهم تكايس فأضاف في الاستدلال بعض ما وقف عليه من أحاديث موضوعة ترفع إلى النبي ﷺ كذبًا وزورًا.
أما كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ الصحيحة فلا حجة لهم فيهما؛ لأنهما يدلان صراحة على زيادة الإيمان ونقصانه، فهم على هذا بين خيارين:
إما أن يدعوا قولهم ويتركوا رأيهم إتباعًا لما جاء في الكتاب والسنة، فيصيبوا الحق بهذا ويوافقوه، أو أن يعتمدوا على عقولهم ويستمسكوا برأيهم، فيفارقوا الحق ويجانبوه، ويكون بعدهم عن الحق بقدر بعدهم عما جاء في الكتاب والسنة.
وبهذا تعتبر في قلة أخطاء السلف الصالح وكثرة موافقتهم للحق والصواب في مسائل الشرع والدين، وكثرة أخطاء من بعدهم ممن لم يكن على نهجهم، لاعتصام السلف بالكتاب والسنة وتمسكهم بهما، ولاعتماد الخلف على العقول الكاسدة والآراء الفاسدة ولجوئهم إليها، وشتان بين الفريقين.
وبعد هذا التمهيد الذي لا بد منه، أعرض هم شبه هؤلاء وأبرز دلائلهم في هذه المسألة، ثم أتبع كل شبهة بما يبين بطلانها ويكشف زيفها، مستمدًا العون والتوفيق من الله وحده.
[ ٣٧٢ ]
الشبهة الأولى:
وهي عمدة جميع من قال بهذا القول من مرجئة وخوارج ومعتزلة وغيرهم، وهي: قولهم إن الإيمان كلٌ واحدٌ لا يتجزأ إذا ذهب بعضه ذهب كله، وعليه فهو لا يزيد ولا ينقص.
إلا إن الفرق بين الخوارج والمعتزلة وبين المرجئة مع اتفاق الجميع على القول بهذه الشبهة، هو أن الخوارج والمعتزلة قالوا إن فعل الواجبات وترك المحرمات من الإيمان، فإذا ذهب بعض ذلك ذهب الإيمان كله، فلا يكون مع الفاسق إيمان أصلًا بحال، ويكون يوم القيامة مخلدًا في النار.
وأما المرجئة، فقالوا: إنه لا يخلد في النار من أهل التوحيد أحد، ثم ظنوا أن هذا لا يكون إلا مع وجود كمال الإيمان، لاعتقادهم أن الإيمان لا يتبعض، فقالوا كل فاسق فهو كامل الإيمان، وإيمان الخلق متماثل لا متفاضل وإنما التفاضل في غير الإيمان من الأعمال١.
قلت: وقد سبق ذكر هذه الشبهة عند حكاية قول المعتزلة والخوارج، لاقتضاء المقام ذلك، وقد ذكر هنا أوجه عديدة وردود سديدة تكشف زيف هذه الشبهة وتبين بطلانها٢ وفيه كفاية إن شاء الله.
الشبهة الثانية:
قولهم إن الإيمان لا يزيد ولا ينقص لأنه التصديق القلبي الذي بلغ حد الجزم والإذعان، وهذا لا يتصور فيه زيادة ولا نقصان حتى إن من
_________________
(١) ١ انظر الفتاوى (١٨/ ٢٧٠) . ٢ انظر (ص ٣٤٨ وما بعدها) .
[ ٣٧٣ ]
حصل له حقيقة التصديق فسواء أتى بالطاعات وارتكب المعاصي فتصديقه باق على حاله لا تغيير فيه أصلًا١.
والجواب عن هذه الشبهة من وجوه:
أحدها: جعلهم الإيمان الشرعي هو التصديق القلبي فقط والعمل خارج عن مسماه قول باطل، وقد تقدم الكلام في بيان بطلانه ونقضه من خلال اللغة والشرع في صدر هذه الرسالة
ثانيها: لو فرض أن الإيمان هو التصديق وحده، فإنه يكون تصديقًا مخصوصًا، بمعنى أنه يشمل تصديق القلب واللسان والجوارح، إذ إن أفعال الجوارح تسمى تصديقًا كما دل على ذلك الشرع، فقد ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ قال قال: رسول الله ﷺ: "كتب على ابن ادم نصيبه من الزنى مدرك ذلك لا محالة، فالعينان زناهما النظر، والأذنان زناهما الاستماع، واللسان زناه الكلام، واليد زناها البطش، والرجل زناها الخطا، والقلب يهوى ويتمنى، ويصدق ذلك الفرج ويكذبه" ٢.
وجاء عن الحسن البصري ﵀ أنه قال: "ليس الإيمان بالتمني ولا بالتحلي ولكن الإيمان ما وقر في القلب وصدقته الأعمال"٣.
_________________
(١) ١ انظر شرح العقائد النسفية (ص ١٢٥)، والمسامرة شرح المسايرة (ص ٣٦٩)، والنبراس شرح العقائد (ص ٤٠٢) . ٢ البخاري (١١/ ٣٦ فتح)، ومسلم (٤/ ٢٠٤٧)، واللفظ له. ٣ رواه ابن أبي شيبة في الإيمان (ص ٣١) .
[ ٣٧٤ ]
فالعمل يصدق أن في القلب إيمانًا، وإذا لم يكن عمل كذب أن في قلبه إيمانًا؛ لأن ما في القلب مستلزم للعمل الظاهر، وانتفاء اللازم يدل على انتفاء الملزوم وقد ذكر شيخ الإسلام أنه قال بهذا القول أي: أن أفعال الجوارح تسمى تصديقًا أهل اللغة وطوائف من السلف والخلف، وأطال في شرح ذلك وبيانه١.
قال شيخ الإسلام: "واعلم أن الإيمان وإن قيل هو التصديق، فالقلب يصدق بالحق، والقول يصدق في القلب، والعمل يصدق القول "٢.
فإذا علم هذا، وعلم معه أنه لا خلاف بين أهل السنة والمرجئة في أن الأعمال تتفاضل وتزيد وتنقص، تبين من ذلك وجه هذا الرد ووجا هته.
ثالثها: قولهم: "وهذا لا يتصور فيه زيادة ولا نقصان"غير صحيح، بل باطل؛ لأن الزيادة والنقصان فيه متصورة عقلًا ثابتة شرعًا واقعة عرفًا؛ لأن كل مصدق بشيء يجد في نفسه تفاوتًا في التصديق من وقت لآخر بحسب تعدد الأدلة وقوة البراهين، وقد سبق الكلام على هذا والاحتجاج له في مبحث أوجه زيادة الإيمان ونقصانه وبين هناك أن الإيمان يزيد وينقص عند أهل السنة والجماعة من جهة التصديق، وذكر ما يدل على ذلك من نصوص الشرع ومن أقوال أهل العلم.
_________________
(١) ١ انظر الفتاوى (٧/ ٢٩٣ وما بعدها)، وانظر شرح العقيدة الطحاوية (٢/ ٤٧٨) . ٢ الصارم المسلول (ص ٥٢٤) .
[ ٣٧٥ ]
رابعها: أن محققي هؤلاء تعقبوا هذا القول، ونبهوا على غلطه وذلك للقطع عندهم بأن تصديق آحاد الأمة ليس كتصديق النبي ﷺ أو كتصديق جبريل ﵇ أو كتصديق الخلفاء الأربعة ﵃، وقد اختار هذا القول النووي١، وعزاه التفتازاني لبعض المحققين٢، وقال الإيجي في المواقف إنه الحق وذكر أن ذلك يتبين من وجهين:
الأول: القوة والضعف وعدم القول بالتفاوت يقتضي أن يكون إيمان النبي وآحاد الأمة سواء، وهذا باطل إجماعًا.
الثاني: التصديق التفصيلي في أفراد ما علم مجيئه به جزء من الإيمان يثاب عليه ثوابه على تصديقه بالإجمال، والنصوص دالة على قبوله لهما٣.
خامسها: أن يقال ما المانع من تفاوت التصديق وقبوله للزيادة والنقصان كما هو الشأن في تفاوت الناس في الأمور الأخرى غير التصديق، وقد نطر أهل العلم له بقوة البصر وضعفه، ولا شك أن البصراء يختلفون في قوة البصر وضعفه فمنهم الأخفش والأعشى ومن يرى الخط الثخين دون الرفيع إلا بزجاجة ونحوها، ومن يرى عن قرب زائد على العادة وآخر بضده٤.
_________________
(١) ١ انظر شرح مسلم للنووي (١/ ١٤٢) . ٢ انظر شرح العقائد النسفية (ص ١٢٦) . ٣ انظر المواقف في علم الكلام (ص ٣٨٨) . ٤ انظر شرح العقيدة الطحاوية لابن أبي العز (٢/٤٦٣) .
[ ٣٧٦ ]
ومثل هذا التفاوت في الإبصار بين الناس التفاوت في التصديق بينهم، بل إن تفاوتهم في التصديق أعظم من تفاوتهم في أي شيء آخر١.
سادسها: أن يقال لو لم تتفاوت حقيقة الإيمان لكان إيمان آحاد الأمة بل المنهمكين في الفسق والمعاصي مساويًا لإيمان الأنبياء والملائكة ﵈. واللازم باطل فكذا الملزوم، رقد تقدمت الإشارة إلى هذا القول عند ذكر قول محققي هؤلاء في هذه المسألة٢.
سابعها: أن يقال إن تفاوت التصديق في القلوب أمر يعلمه كل إنسان من نفسه فكل أحد يعلم أن ما قام في قلبه من التصديق واليقين في حين أقوى منه في بعض الأحيان، ومن ثم كان إيمان الصديقين أقوى من إيمان غيرهم بحيث لا تعتريهم الشبه ولا يتزلزل إيمانهم بعارض بل لا تزال قلوبهم منشرحة مستنيرة وإن اختلفت عليهم الأحوال، وأما غيرهم من المؤلفة وما قاربهم ونحوهم فليسوا كذلك مما لا يمكن إنكاره، ولا يتشكك عاقل في أن نفس تصديق أبي بكر الصديق ﵁ لا يساويه تصديق آحاد الناس٣.
وفي هذه الأوجه كفاية، وليطالع معها ما سبق ذكره في مبحث أوجه زيادة الإيمان ونقصانه من تدليل ونقول عن السلف في ذلك.
_________________
(١) ١ انظر الفتاوى (٧/ ٥٦٩) . ٢ وانظر روح المعاني للألوسي (٩/ ١٦٥) . ٣ انظر شرح صحيح البخاري للنووي (١/ ١١٢) ضمن مجموع شروح البخاري.
[ ٣٧٧ ]
الشبهة الثالثة:
قولهم إن الزيادة والنقصان لا يدخلان إلا في شيء مخلوق، فمن قال إن الإيمان يزيد ويقص فالإيمان إذًا عنده مخلوق١.
والجواب عن هذه الشبهة أن يقال: سبق بيان أن الإيمان عند أهل السنة والجماعة يتفاضل من جهتين من جهة أمر الرب ومن جهة فعل العبد، وسبق التدليل على ذلك٢. ولم يقل أحد ممن يعتد بكلامه أو يعتبر بقوله إنه يلزم من إثبات الزيادة والنقصان أن يكون الإيمان مخلوقًا ولم يقل أحد إنه يلزم من ذلك أن يكون غير مخلوق، وإنما طرح هذا من ابتلي ببعض الأهواء وأشرب ببعض البدع، ومن السؤالات التي طرحها أهل البدع قديمًا على السنة والجماعة قولهم هل الإيمان مخلوق أو غير مخلوق؟
وأشفى جواب في ذلك وأوفاه هو ما نقل عن الإمام أحمد ﵀ أنه سئل عن ذلك فأجاب بقوله: "أما ما كان من مسموع فهو غير مخلوق، وأما كان من عمل الجوارح فهو مخلوق"٣.
فبالتفصيل يستبين السبيل، فإن الإيمان يقصد به أمران: أمر الرب وفعل العبد، فما كان منه من أمر الرب فهو غير مخلوق بل صفة من صفات الخالق اللائقة بجلاله وكماله سبحانه، وأما ما كان منه من فعل العبد كالحركات فهو مخلوق.
_________________
(١) ١ انظر السواد الأعظم لابن الحكيم السمرقندي (ص ٣٣) . ٢ وانظر الفتاوى لابن تيمية (١٣/٥١ وما بعدها) . ٣ طبقات الحنابلة لابن أبي يعلى (١/٩٤) ولوامع الأنوار البهية للسفاريني (١/٤٤٦) .
[ ٣٧٨ ]
قال شيخ الإسلام: "وإذا قال الإيمان مخلوق أو غير مخلوق؟ قيل له: ما تريد بالإيمان؟ أتريد به شيئًا من صفات الله وكلامه كقوله: "لا إله إلا الله"وإيمانه الذي دل عليه اسمه المؤمن، فهو غير مخلوق، أو تريد شيئًا من أفعال العباد وصفاتهم فالعباد كلهم مخلوقون وجميع أفعالهم وصفاتهم مخلوقة ولا يكون للعبد المحدث المخلوق صفة قديمة غير مخلوقة ولا يقول هذا من يتصور ما يقول، فإذا حصل الاستفسار: والتفصيل ظهر الهدى وبان السبيل"١.
وقال الذهبي: "لا يجوز أن يقال الإيمان والإقرار والقراءة والتلفظ بالقران غير مخلوق فإن الله خلق العباد وأعمالهم والإيمان قول وعمل والقراءة والتلفظ من كسب القاريء، والمقروء الملفوظ هو كلام الله ووحيه وتنزيله وهو غير مخلوق، وكذلك كلمة الإيمان وهي قول لا إله إلا الله محمد رسول الله داخلة في القرآن وما كان من القرآن فليس بمخلوق، والتكلم بها من فعلنا وأفعالنا مخلوقة"٢.
وعليه عن قال إن الإيمان مخلوق أر قال غير مخلوق فهو مبتدع في كلا الحالين، إلا أن يفصل القول، ويعطي كل ذي حق حقه.
ولهذا قال الإمام أحمد ﵀: "من قال الإيمان مخلوق فهو كافر ومن قال قديم فهو مبتدع".
قال الحافظ عبد الغني المقدسي ﵀ موضحًا هذا القول: "وإنما كفر من قال بخلقه؛ لأن الصلاة من الإيمان، وهي تشتمل على
_________________
(١) ١ الفتاوى (٧/ ٦٦٤) . ٢ السير (١٤/ ٣٩، ٤٠)، وانظر السير أيضًا (١٢/ ٦٣٠) .
[ ٣٧٩ ]
قراءة وتسبيح وذكر الله عز وجل١ ومن قال بخلق ذلك كفر، وتشتمل على قيام وقعود وحركة وسكون، ومن قال بقدم ذلك ابتدع"ئ٢.
قلت: وبهذا البيان والتفصيل تزول شبهة هذا الملبس والله المستعان.
الشبهة الرابعة:
قولهم إن الإيمان إنما يزيد بغلبته على ضده وينقص بغلبة ضده عليه، قالوا والإيمان لا يحصل إلا بعد الغلبة على الكفر فلا يضامه حتى يقال إنه يغلب عليه٣.
قلت: وهذه الشبهة مبنية على أن الإيمان عندهم لا يجتمع مع شيء من الكفر أو النفاق في القلب الواحد، فإن وجد الإيمان فلا وجود لشيء من الكفر في القلب، وكذلك لا وجود لشيء من النفاق، ولهذا قالوا هنا: إنه إنما يزيد بغلبته على ضده وهو الكفر وينقص بغلبة ضده وهو الكفر- عليه، أما أن يضامه ويجتمعان فمحال.
قال شيخ الإسلام: "ومن العجب أن الأصل الذي أوقعهم- أي المرجئة- في هذا اعتقادهم أنه لا يجتمع في الإنسان بعض الإيمان وبعض الكفر، أو ما هو إيمان وما هو كفر، واعتقدوا أن هذا متفق عليه بين المسلمين، كما ذكر ذلك أبو الحسن وغيره، فلأجل اعتقادهم هذا
_________________
(١) ١ مراده بالقراءة والتسبيح والذكر الملفوظ وليس المراد فعل العبد الذي هو التلفظ كما سبق بيان ذلك في كلام الذهبي قريبًا. ٢ انظر ذيل طبقات الحنابلة لابن رجب (٢/ ٣٤)، وانظر أيضًا مجموعة الرسائل والمسائل لابن تيمية (٣/ ٣٩٥) . ٣ انظر الذريعة إلى مكارم الشريعة للأصفهاني (ص ١٣٠)، وانظر شرح الفقه الأكبر لفخر الإسلام علي بن محمد بن حسين (ق ٣٣/أ) .
[ ٣٨٠ ]
الإجماع وقعوا فيما هو مخالف للإجماع الحقيقي، إجماع السلف الذي ذكره غير واحد من الأئمة"١.
يقصد بذلك إجماع السلف على أن الإيمان يزيد وينقص وبقبل التفاضل ويتبعض كما هو ظاهر من دلالات النصوص.
ولكن هؤلاء لما قالوا هذا القول المخالف للنص والإجماع، وتوهموا أن قولهم هذا مجمع عليه بين أهل العلم، وقعوا فيما وقعوا فيه من مخالفات لنصوص الشرع الصحيحة الصريحة في أن الإيمان يزيد وينقص، وهذا الغلط الذي وقعوا فيه هو في الحقيقة سبب غلطهم في كثير من مسائل الشرع والدين، "يقول الإنسان قولًا مخالفًا للنص والإجماع القديم حقيقة، ويكون معتقدًا أنه متمسك بالنص والإجماع"٢.
فإذا تبينت مخالفة هذا القول للنص والإجماع علم بطلانه٣، ثم إن قولهم إن الإيمان لا يجتمع معه شيء من الكفر أو شيء من النفاق غلط بين، ومخالف لكثير من النصوص الدالة على إمكان اجتماع شيء من الكفر أو النفاق مع الإيمان.
قال شيخ الإسلام في كلام له: "وحينئذ فقد يجتمع في الإنسان إيمان ونفاق وبعض شعب الإيمان وشعبة من شعب الكفر، كما في الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: "أربع من كن فيه كان منافقًا خالصًا،
_________________
(١) ١ الفتاوى (٧/٤٠٤) . ٢ الفتاوى لابن تيمية (٧/ ٤٠٥) . ٣ انظر ما تقدم ذكره في الفصل الأول من هذه الرسالة من أدلة ونقول عن السلف في بيان زيادة الإيمان ونقصانه ونقل إجماعهم على ذلك.
[ ٣٨١ ]
ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا حدث كذب وإذا أئتمن خان، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر" ١.
وفي الصحيح عنه ﷺ قال: "من مات ولم يغز ولم يحدث نفسه بالغزو، مات على شعبة نفاق" ٢ وقد ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال لأبي ذر: "إنك امرؤ فيك جاهلية"٣ وفي الصحيح عنه ﷺ قال: "أربع من أمر الجاهلية لن يدعوهن: الفخر بالأحساب والطعن في الأنساب والنياحة، والاستسقاء بالنجوم" ٤ وفي الصحيحين عنه ﷺ أنه قال: "سباب المسلم فسوق وقتاله كفر" ٥.."٦.
ثم أطال شيخ الإسلام ﵀ في الاحتجاج لذلك، بما لا يدع مجالًا لمنصف وناشد حق أن يتردد في امكان اجتماع شيء من الكفر والنفاق مع الإيمان، فيكون بذلك مؤمنًا ناقص الإيمان أو مؤمنًا ضعيف الإيمان، فلا يقال إنه ذاهب الإيمان لوقوعه في بعض هذه الأعمال المنصوص في الشرع على أنها كفر، ومن قال بخلاف ذلك فقد حكم على جميع الأمة إلا النزر القليل بالكفر لكثرة الكذب وإخلاف الوعد وضعف الأمانة ووجود السباب والفجور، والطعن في الأنساب والنياحة على الميت وغير ذلك من الأعمال المنصوص في الشرع على أنها كفر، فدل ذلك على أن هذه الأعمال وإن سماها الشارع كفرًا فهي كفر عملي لا تخرج صاحبها من الملة، ودل أيضًا على إمكان وجود هذه الأمور
_________________
(١) ١ تقدم تخريجه (ص ٣٥٤) . ٢ تقدم تخريجه (ص ٣٥٤) . ٣ رواه البخاري (١/ ٨٤ فتح)، ومسلم (٣/١٢٨٢) . ٤ رواه مسلم (٢/٦٤٤) . ٥ تقدم تخريجه (ص ٩٨) . ٦ الفتاوى (٧/ ٥٢٠) .
[ ٣٨٢ ]
المنصوص على إنها كفر في المسلمين، وبهذا تنتقض شبهة هؤلاء، والله أعلم.
ومما تنقض به هذه الشبهة قوله تعالى: ﴿وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لأَمْرِ اللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ﴾ ١.
فهؤلاء ليسوا مؤمنين كما أنهم ليسوا كفارًا، فهم مؤمنون ناقصوا الإيمان، وبهذه الآية احتج أيوب السختياني لنقض قول المرجئة هذا.
فقد روى ابن بطة بإسناده إلى سلام بن أبي مطيع قال شهدت أيوب وعنده رجل من المرجئة فجعل يقول: إنما هو الكفر والإيمان قال: وأيوب ساكت، قال: فأقبل عليه أيوب، فقال: أرأيت قوله: ﴿وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لأَمْرِ اللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ﴾ أمؤمنون أم كفار؟ فسكت الرجل، فقال له أيوب: اذهب فاقرأ القران، فكل آية فيها ذكر النفاق فإني أخافها على نفسي٢.
الشبهة الخامسة:
احتجاج بعضهم ببعض الأحاديث المكذوبة على رسول الله ﷺ والمحتجون بهذه الأحاديث صنفان:
الأول: واضعوا هذه الأحاديث فجميعهم من المرجئة كما سيأتي بيان ذلك، وقد وضعوها للاحتجاج بها على مذهبهم
الباطل.
الثاني: أناس آخرون من المرجئة ليس عندهم تمييز بين الصحيح
_________________
(١) ١ سورة التوبة، الآية: ١٠٦. ٢ الإبانة (٢/ ٧٥٤) .
[ ٣٨٣ ]
والسقيم رأوا هذه الأحاديث واغتروا بها لموافقتها أهواءهم١.
وجملة ما وقفت عليه في هذا من أحاديث ستة أحاديث، ويفرغ من أمرها بمعرفة كذبها على النبي ﷺ واختلاقها عليه، وقد قمت بدراسة هذه الأحاديث ونقدها، وبينت أنها جميعها مكذوبة مفتراة على النبي ﷺ وذلك بالنقل عن أئمة هذا الشأن من علماء الجرح والتعديل.
ثم إني وجدت أن جميع واضعي هذه الروايات والذين تولوا كبرها وتحملوا وزرها من المرجئة القائلين بأن الإيمان لا يزيد ولا ينقص، وقد نص أهل العلم على أنهم من الكذبة، وستأتي تراجمهم وأقوال علماء الجرح والتعديل فيهم عند ذكر روايتهم، وقد أوغل هؤلاء في الضلال حينما تجرأوا على الكذب على رسول الله ﷺ دعمًا لمذهبهم الباطل وتأييدًا له، وتعرضوا بذلك لوعيد الله وأليم عقابه.
وقد قال تعالى عن الكذب بعامة: ﴿إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ ٢.
وقال ﷺ عن عاقبة الكذب عليه بخاصة، وأنه ليس ككذب على أي أحد: "إن كذبًا عليّ ليس ككذب على أحد، من كذب عليّ فليتبوأ مقعده من النار" ٣.
ولا نقول إلا قاتل الله الهوى فكم فعل بأهله من الأفاعيل، وكم
_________________
(١) ١ انظر السواد الأعظم لابن الحكيم السمرقندي (ص ٣٤)، والنبراس شرح العقائد (ص ٤٠٢)، وعمدة القاري (١/١١٠) . ٢ سورة النحل، الآية: ١٠٥. ٣ أخرجه البخاري (٣/ ١٦٠ فتح)، ومسلم (١/ ١٠) .
[ ٣٨٤ ]
أدخلهم في مزالق ومعاطب مردية، حتى بلغ بهم إلى الكذب على خير الخلق ﵊ نصرة لباطلهم وترويجًا له. ثم إليك تلك الروايات مسوقة مع كلام أهل العلم عليها:
١ - حديث مأمون بن أحمد السلمي، قال حدثنا أحمد بن عبد الله الجويباري، قال حدثنا سفيان بن عيينة عن ابن طاوس عن ابن عباس عن النبي ﷺ قال: "الإيمان لا يزيد ولا ينقص" ١.
موضوع مأمون والجويباري كذابان.
فمأمون: قال عنه أبو نعيم: "خبيث وضاع يأتي عن الثقات مثل هشام بن عمار ودحيم بالموضوعات، مثله يستحق من الله ومن الرسول ﷺ ومن المسلمين اللعنة".
وقال ابن حبان: "كان دجالًا من الدجاجلة، ظاهر أحواله مذهب الكرامية "وقال الذهبي:"له طامات وفضائح"٢.
وأحمد بن عبد الله الجويباري: قال عنه النسائي والدارقطني: "كذاب"، وقال الجوزجاني: "كان يضع الحديث، ما أدري حسب إيمانه"،
_________________
(١) ١ رواه الجورقاني في الأباطيل (١/١٧)، وابن الجوزي في الموضوعات (١/١٣٢)، وأبو الليث السمرقندي في تفسيره كما في شرح الطحاوية (ص ٣٧٥)، وذكره ابن حبان في المجروحين (١/ ١٤٢)، والذهبي في الميزان (١/١٠٦)، وابن حجر في اللسان (١/١٩٣)، والزبيدي في إتحاف السادة المتقين (٢/٢٦٢) . ٢ انظر المجروحين لابن حبان (٣/٤٥)، والضعفاء لأبي نعيم (ص ١٥٠)، والضعفاء والمجروحين لابن الجوزي (٣/ ٣٢)، والأباطيل للجورقاني (١/٤١)، والمغني في الضعفاء للذهبي (٢/١٤١)، وديوان الضعفاء له (ص ٣٣٥)، والميزان له (٣/ ٤٢٩)، واللسان لابن حجر (٥/ ٧) .
[ ٣٨٥ ]
وقال أبو حاتم: "دجال من الدجالين، كذاب يضع على الذين يروي عنهم ما لم يحدثوا به، لا يحل ذكره في الكتب إلا على سبيل الجرح فيه"، وقال ابن عدي: "كان يضع الحديث لابن كرام على ما يريده "، وقال أبو سعيد النقاش: "لا نعرف أحدًا أكثر وضعًا منه"، وقال الحاكم: "هذا كذاب خبيث لا تحل رواية حديثه بوجه"، وقال البيهقي: "أما الجويباري فإني أعرفه حق المعرفة بوضع الأحاديث على رسول الله ﷺ، فقد وضع عليه أكثر من ألف حديث"، وقال الذهبي: "كذاب ممن يضرب المثل بكذبه"١.
فحديثهما موضوع بيقين، قال ابن الجوزي: "هذا من موضوعات الجويباري والذي رواه عنه وهو مأمون فقد اسمه، وإنه أحد الوضاعين، ذكر أنه وضع مائة ألف حديث"٢.
وقد وضع مأمون هذا حديثًا في الإيمان فروى عن عبد الله بن مالك بن سليمان عن سفيان بن عيينة عن ابن طاوس عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: "الإيمان قول والعمل شرائعه" ٣.
قال ابن حبان: "فمما وضع على الثقات أنه روى عن عبد الله بن
_________________
(١) ١ انظر الضعفاء للنسائي (ص٢٢)، وأحوال الرجال للجوزجاني (ص٢٠٦)، والمجروحين لابن حبان (١/ ١٤٢)، والضعفاء والمتروكين للدار قطني (ص ١١٤)، والضعفاء والمجروحين لابن الجوزي (١/ ٧٨)، والمغني في الضعفاء للذهبي (١/٨٣)، وديوان الضعفاء له (ص ٦)، والميزان له (١/ ١٠٦)، واللسان لابن حجر (١/ ١٩٣) . ٢ الموضوعات (١/١٣٢) . ٣ ذكره ابن حبان في المجروحين (٣/٤٥) وابن الجوزي في الموضوعات (١/ ١٣٣)، والذهبي في الميزان (٣/ ٤٢٩) .
[ ٣٨٦ ]
ما لك.."فذكره١.
وقال ابن الجوزي: "وهذا من موضوعات مأمون بلا شك، وقد ذكرنا أنه من الكذابين"٢.
٢- حديث محمد بن كرام٣، قال حدثنا أحمد بن عبد الله الشيباني قال حدثنا سفيان بن عيينة عن الزهري، عن سالم عن أبيه أن النبي ﷺ قال: "الإيمان لا يزيد ولا ينقص" ٤.
موضوع محمد بن كرام: ساقط الحديث، وأحمد بن عبد الله الشيباني هو الجويباري كذاب خبيث تقدم ذكره.
قال الحافظ بن عدي: "كان يضع الأحاديث لابن كرام على ما
_________________
(١) ١ المجروحين (٣/ ٤٥) ونقله الذهبي في الميزان (٣/ ٤٢٩) . ٢ الموضوعات (١/ ١٣٣) . ٣ هو محدث مذهب الكرامية ومنشىء ضلالتهم، تبعه عليه عالم لا يحصون بنيسابور وهراة ونواحيها فيقال لكل واحد منهم كرامي، لم يحسن العلم ولا الأدب، وأكثر كتبه صنفها له مأمون بن أحمد السلمي الكذاب، وفي الحديث كثر من الرواية عن أحمد الجويباري ومحمد بن تميم السعدي وكانا كذابين. قال ابن حبان: "خذل حتى اختار من المذاهب أردأها، ومن الأحاديث أوهاها"، وقال الذهبي: "ساقط الحديث على بدعته " ت ٢٥٥ هـ. انظر الأباطيل للجورقاني (١/ ٢٩٢)، والوافي بالوفيات للصفدي (٤/ ٣٧٥)، واللباب لابن الأثير (٣/ ٣٢)، والميزان للذهبي (٤/٢١)، واللسان لابن حجر (٥/٣٥٣) . ٤ رواه الجورقاني في الأباطيل (١/١٨)، وابن الجوزي في الموضوعات (١/١٣١)، وأورده ابن طاهر في تذكرة الموضوعات (ص ٥٠)، والذهبي في الميزان (١/١٥٦)، وابن حجر في اللسان (١/١٩٣)، وابن عراق في تنزيه الشريعة (ص ١٤٩)، والسيوطي في اللآليء (١/ ٣٩)، وعزاه لابن عدي.
[ ٣٨٧ ]
يريده، وكان ابن كرام يضعها في كتبه عنه، ويسميه أحمد بن عبد الله الشيباني"١.
وقال أبو العباس محمد بن إسحاق السراج: شهدت محمد بن إسماعيل البخاري ﵀ ورفع إليه كتاب من محمد بن كرام يسأله عن أحاديث منها سفيان بن عيينة عن الزهري عن سالم عن أبيه أن النبي ﷺ قال: "الإيمان لا يزيد ولا ينقص".
فكتب محمد بن إسماعيل البخاري على ظهر كتابه: "من حدث بهذا استوجب الضرب الشديد والحبس الطويل"٢.
وقال الجورقاني بعد أن ساق الحديث بإسناده: "هذا حديث موضوع باطل، وليس له أصل، وهو من موضوعات أحمد بن عبد الله الجويباري، وأحمد بن عبد الله هذا كان خبيثًا دجالًا من الدجاجلة، كذابًا، يروي عن ابن عيينة ووكيع وأبي ضمرة وغيرهم من ثقات أصحاب الحديث ويضع عليهم ما لم يحدثوا، وقد روى عن هؤلاء الأئمة ألوف حديث ما حدثوا بشيء منها، كان يضعها عليهم، لا يحل ذكره في الكتب إلا على سبيل الجرح فيه"٣.
٣- حديث أبي مطيع البلخي، قال حدثنا حماد بن سلمة عن أبي المهزم عن أبي هريرة: "أن وفد ثقيف جاءوا إلى النبي ﷺ فسألوه عن
_________________
(١) ١ رواه الجورقاني في الأباطيل (١/١٩)، وابن الجوزي في الموضوعات (١/١٣٢) . ٢ رواه الجورقاني في الأباطيل (١/١٩)، وابن الجوزي في الموضوعات (١/١٣٢)، والحاكم في تاريخه كما في اللآليء للسيوطي (١١/٣٩)، وذكره الزركشي في التذكرة (ص ٣٢)، وفي المعتبر (ص ٣٠٠) ونقله عنه جمع. ٣ الأباطيل (١/ ١٨) .
[ ٣٨٨ ]
الإيمان هل يزيد وينقص؟ فقال: لا، زيادته كفر ونقصانه شرك" ١.
موضوع. فيه أبو مطيع البلخي وأبو المهزم وكلاهما متروك والمتهم فيه هو أبو مطيع.
أما الأول وهو أبو مطيع الحكم بن عبد الله البلخي فقد قال عنه أحمد: "لا ينبغي أن يروى عنه شيء"، وقال ابن معين: "ليس بشيء"، وقال أبو داود: "تركوا حديثه"، وقال البخاري: "ضعيف صاحب رأي"، وقال ابن حبان: "كان من رؤساء المرجئة ممن يبغض السنن ومنتحليها"، وقال أبو حاتم: "كان مرجئًا كذابًا"، وقال الفلاس والدارقطني: "ضعيف"، وقال الجورقاني: "كان أبو مطيع من رؤساء المرجئة ممن يضع الحديث"٢.
وأما الأخر: وهو أبو المهزم بتشديد الزاي المكسورة التميمي البصري فقد قال عنه ابن معين: "ضعيف"، وقال مرة: "لا شيء"، وقال أبو زرعة: "ليس بقوي شعبة يوهنه"، وقال أبو حاتم: "ضعيف الحديث"،
_________________
(١) ١ رواه الجورقاني في الأباطيل (١/٢٠)، وابن الجوزي في الموضوعات (١/١٣٠)، والحاكم في تاريخه كما في اللآليء للسيوطي (ص ٣٨)، وذكره ابن حبان في المجروحين (١/٢٥٠)، وأورده ابن طاهر في تذكرة الموضوعات (ص ٤٥) وقال: فيه الحكم بن عبد الله وهو وضعه، وأورده الذهبي في الميزان (٣/٤٤) وابن حجر في اللسان (٢/٣٣٥)، وابن عراق في تنزيه الشريعة (ص ١٤٩)، وقال: والمتهم بوضعه أبو مطيع. ٢ انظر التاريخ الكبير للبخاري (٤/ ٥٧٤)، والضعفاء للنسائي (ص ١١٣)، والجرح والتعديل لابن أبي حاتم (٣/ ١٢١)، والمجروحين لابن حبان (١/٢٥٠)، والكامل في الضعفاء لابن عدي (٢/٦٣١)، والضعفاء والمجروحين لابن الجوزي (١/ ٢٢٧)، والميزان للذهبي (١/ ٥٧٤)، واللسان لابن حجر (٢/٣٣٥) .
[ ٣٨٩ ]
وقال النسائي: "متروك"، وقال مسلم بن إبراهيم عن شعبة: "رأيت أبا المهزم ولو أعطوه فلسين لحدثهم سبعين حديثًا"، وفي رواية عنه: "لوضع"، وقال علي بن الجنيد: "شبه المتروك"، وقال ابن عدي: "عامة ما يرويه ينكر عندهم"، وقال ابن حجر: "متروك"١.
وواضع الحديث هو أبو مطيع كما تقدم.
قال الحاكم: "إسناده فيه ظلمات، والحديث باطل، والذي تولى كبره أبو مطيع"٢.
وقال الجورقاني: "هذا حديث موضوع باطل لا أصل له، وهو من موضوعات أبي مطيع البلخي"٣.
وقال ابن الجوزي: "هذا حديث موضوع باطل بلا شك، وهو من وضع أبي مطيع"٤.
وقال الذهبي: "فهذا وضعه أبو مطيع على حماد"٥.
٤-حديث عثمان بن عبد الله الأموي، قال حدثنا حماد بن سلمة عن أبي المهزم عن أبي هريرة قال:
_________________
(١) ١ انظر التاريخ الكبير للبخاري (٨/٣٣٩)، والضعفاء الصغير له (ص١٢١)، والضعفاء للنسائي (ص ١١١)، والمجروحين لابن حبان (٣/ ٩٩)، والميزان للذهبي (٤/٤٢٦)، والكاشف له (٣/٣٣٧)، وتهذيب التهذيب لابن حجر (١٢/٢٤٨)، وتقريب التهذيب له (٢/٤٧٨) . ٢ ذكره ابن حجر في اللسان (٤/١٤٦)، والسيوطي في اللآليء (ص ٣٨) . ٣ الأباطيل (١/٢١) . ٤ الموضوعات (١/١٣١) . ٥ الميزان (٣/ ٤٢) .
[ ٣٩٠ ]
"قدم وفد من ثقيف على رسول الله ﷺ فقالوا: يا رسول الله جئناك نسألك عن الإيمان، أيزيد أو ينقص؟ قال: الإيمان مثبت في القلوب كالجبال الرواسي وزيادته ونقصانه كفر" ١.
موضوع فيه عثمان الأموي، وأبو المهزم.
أما أبو المهزم فتقدم ذكره.
وأما عثمان بن عبد الله الأموي فقال عنه الأزدي: "لا يحتج بحديثه"، وقال ابن عدي: "حدث بمناكير عن الثقات وله أحاديث موضوعات "، وقال ابن حبان: "يضع الحديث على الثقات لا يحل كتب حديثه إلا اعتبارًا"، وقال الدارقطني: "متروك الحديث"، وقال مرة: "يضع الأباطيل على الشيوخ الثقات"٢.
قلت: أما واضع هذا الحديث فهو أبو مطيع البلخي المتقدم في الحديث الذي قبله، فسرقه عثمان بن عبد الله هذا منه فحدث به.
قال ابن حبان: "هذا شيء وضعه أبو مطيع البلخي فسرقه هذا الشيخ
_________________
(١) ١ رواه الجورقاني في الأباطيل (١/٢٢)، وذكره ابن حبان في المجروحين (٢/١٠٣)، وابن الجوزي في الموضوعات (١/ ١٣١)، وابن طاهر في تذكرة الموضوعات (ص ٥٠)، وقال: فيه عثمان بن عبد الله وهو كذاب، وذكره الذهبي في الميزان (٣/ ٤٢)، وابن حجر في اللسان (٤/ ١٤٦) . ٢ انظر المجروحين لابن حبان (٢/١٠٣)، والكامل في الضعفاء لابن عدي (٥/ ١٨٢٣)، والضعفاء والمتروكين لابن الجوزي (٢/١٧٠)، والمغني في الضعفاء للذهبي (١/٦٠٣)، والميزان له (٣/٤١)، واللسان لابن حجر (٤/١٤٣) .
[ ٣٩١ ]
وحدث عنه"١ وقال الجورقاني بعد أن روى الحديث: "هذا حدث لا يرجع منه إلى الصحة، وليس هذا الحديث أصل من حديث رسول الله ﷺ، وعثمان بن عبد الله هذا كذاب، فسرق هذا الحديث عن أبي مطيع البلخي، فرواه عن حماد ابن سلمة، وهذا شيء وضعه أبو مطيع البلخي عن حماد بن سلمة"٢.
وقال ابن الجوزي: "وقد سرق هذا الحديث من أبي مطيع، أبو عمرو عثمان بن عبد الله بن عمرو.. وغير لفظه، فرواه عن حماد عن أبي المهزم عن أبي هريرة.."ثم ساق لفظه٣.
وقال الذهبي: "فهذا وضعه أبو مطيع على حماد، فسرقه هذا الشيخ منه٤.
٥ - حديث محمد بن القاسم الطايكاني: عن عبد العزيز بن خالد عن سفيان الثوري عن أبي هارون عن أبي سعيد الخدري قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من زعم أن الإيمان يزيد وينقص فزيادته نفاق، ونقصانه كفر، فإن تابوا والإ فاضربوا أعناقهم بالسيف، أولئك أعداء الرحمن، فارقوا دين الله، وانتحلوا الكفر، وخاصموا في الله، طهر الله الأرض منهم ألا ولا صلاة لهم، ألا ولا صوم لهم، ألا ولا زكاة لهم، ألا ولا حج لهم، ألا ولا بر لهم، هم براء من رسول الله ﷺ، ورسول الله برىء منهم" ٥.
_________________
(١) ١ المجروحين (٢/١٠٣) . ٢ الأباطيل (١/ ٢٣) . ٣ الموضوعات (١/١٣١) . ٤ الميزان (٣/ ٤٢) . ٥ رواه ابن حبان في المجروحين (٢ / ٣١١)، والجورقاني في الأباطيل (١/ ٢٣)، وابن الجوزي في الموضوعات (١/ ١٣٣) وأورده الذهبي في الميزان (٤/ ١٢)، وابن حجر في اللسان (٥/ ٣٤٤)، والسيوطي في اللآلىء (١/٤٠) .
[ ٣٩٢ ]
موضوع. فيه محمد بن القاسم الطايكاني كذاب وهو واضعه.
قال ابن حبان: "روى عن أهل خراسان أشياء لا يحل ذكرها في الكتب"، وقال الحاكم: "من رؤوس المرجئة يضع الحديث على مذهبهم"، وقال: "حدث بأحاديث موضوعة"، وكذا قاله أبو نعيم، وقال الجورقاني: "كان يضع الحديث ويكذب"، وقال الذهبي: "كان يضع الحديث"١.
قال الجورقاني وقد روى الحديث: "هذا حديث موضوع، وهو من موضوعات محمد بن القاسم الطايكاني، ومحمد بن القاسم هذا كان كذابًا خبيثًا"٢.
وقال ابن الجوزي: "هذا حديث موضوع، وهو من موضوعات محمد بن القاسم الطايكاني"٣.
وقال السيوطي: "موضوع آفته الطايكاني، كذاب خبيث من المرجئة، كان يضع الحديث لمذهبه"٤.
٦- حديث محمد بن تميم السعدي الفريا بي، من حديث أنس
_________________
(١) ١ انظر المجروحين لابن حبان (٢/٣١١)، والضعفاء والمتروكين لابن الجوزي (٣/٩٣)، والمغني في الضعفاء للذهبي (١/٦٢٥)، وديوان الضعفاء له (ص ٢٨٥)، والميزان له (٤/١١)، واللسان لابن حجر (٥/٣٤٣) . ٢ الأباطيل (١/٢٤) . ٣ الموضوعات (١/١٣٣) . ٤ اللآليء (١/٤٠) .
[ ٣٩٣ ]
﵁ قال: قال رسول ﷺ.
"من قال الإيمان يزيد وينقص فقد خرج من أمر الله، ومن قال أنا مؤمن إن شاء الله فليس له في الإسلام نصيب" ١.
موضوع. وآفته محمد بن تميم، وهو واضعه.
قال فيه ابن حبان: "كان يضع الحديث"، وقال الحاكم: "كذاب خبيث"، وقال النقاش: "وضع غير حديث"، وقال أبو نعيم "كذاب وضاع"٢.
قال ابن الجوزي: "وضعه ابن تميم"٣.
وقال ابن عراق: "وهو من وضع محمد بن تميم"٤.
قلت: فجميع الأحاديث المروية في أن الإيمان لا يزيد ولا ينقص باطلة موضوعة بلا ريب.
ولهذا قعد ذلك ابن القيم في مناره المنيف، فقال: "وكل حديث فيه
_________________
(١) ١ أورده ابن الجوزي في الموضوعات (١/ ١٣٥) وابن عراق في تنزيه الشريعة (ص ١٥٠)، والسيوطي في اللآليء (١/٤٢)، والشوكاني في الفوائد المجموعة (ص ٤٥٣) . ٢ انظر المجروحين لابن حبان (٢/٣٠٦)،: والضعفاء لأبي نعيم (ص ١٤٥)، والضعفاء والمتروكين لابن الجوزي (٣/ ٤٤)، والمغني في الضعفاء للذهبي (٢/١٧٠)، والميزان له (٣/ ٤٩٤)، واللسان لابن حجر (٥/ ٩٨) . ٣ الموضوعات (١/١٣٥) وأقره السيوطي في اللآليء (١/٤٢) وتصحفت فيه هذه الكلمة تصحفًا مشينًا فكتب بدلًا من "وضعه ابن تميم "، "وضعفه محمد بن تميم"؟ فصار بهذا التصحيف إمامًا في الجرح بدل أن يكون وضاعًا. ٤ تنزيه الشريعة (ص ١٥٠) .
[ ٣٩٤ ]
أن الإيمان لا يزيد ولا ينقص فكذب مختلق"١.
ويكفي في بطلان تلك الروايات مصادمتها الصريحة لنصوص الكتاب والسنة المصرحة بزيادة الإيمان ونقصانه، فهي باطلة لا وجه لها من الصحة.
ومع هذا فقد قال ملا علي القارىء بعد أن نقل هذه القاعدة عن ابن القيم: "ومعنى اللفظ الأول- أي: الإيمان لا يزيد ولا ينقص- صحيح عند المحققين من المتأخرين"٢!!
قلت: وأي صحة لما خالف وصادم نصوص الكتاب والسنة، فنصوص الكتاب والسنة صريحة بأنه يزيد وينقص، وهذه الأباطيل صريحة بأنه لا يزيد ولا ينقص، فهل من توفيق بين ضدين أو جمع بين نقيضين، لا ريب أن ذلك محال.
شتان بين الحالتين فإن ترد جمعًا فما الضدان يجتمعان
ثم إن من العجب حقًا أن يلتمس لتلك الأحاديث الأباطيل معنى من الصحة وقد افتراها أناس سمتهم الكذب وديدنهم الوضع على رسول الله ﷺ والافتراء عليه، أو من كان كذلك يتطلب لأقواله وأحاديثه المفتراة معنى من الصحة.
وقد أحسن عندما قيد تصحيح معناه بالمتأخرين، إذ إن المتقدمين من سلفنا الصالح أهل السنة والجماعة لا ريب عندهم في بطلان مثل هذا، ولهذا ضمنوا مؤلفاتهم في السنة باب زيادة الإيمان ونقصانه وأوردوا تحته الأدلة
_________________
(١) ١ المنار المنيف (ص ١١٩) . ٢ الأسرار المرفوعة (ص٣٤٤) .
[ ٣٩٥ ]
الكثيرة عليه، المبطلة لما خالفه، أما المتأخرون فلا عبرة بأقوالهم ولا اعتداد بها ما خالفت النص، وهؤلاء الذين وصفهم القارىء بالمحققين جاءوا بما ناقض التحقيق، بل والعقول الرزينة والفطر السليمة، وكيف يوصف ما جاء على الضد تمامًا لما في القرآن والسنة بأنه تحقيق؟
أما السلف الصالح أهل العلم والإيمان فعندهم أن هذا القول بدعة محدثة وليس من التحقيق في شيء كما سبق أن مر معنا في أقوال السلف، بل هو عندهم من الكذب والتلفيق؛ ولهذا يقول عبد الله بن إدريس: "كذاب من زعم أن الإيمان لا يزيد ولا ينقص"١.
وبهذا نصل إلى ختام ذكر شبه هؤلاء مع الرد عليها، وبحق لو لم نقل في رد هذه الشبه وبيان زيفها إلا أنها مخالفة لصريح ما جاء في الكتاب والسنة لكفى وشفى، فكيف وقد أتبعت كل شبهة بما يبين بطلانها ويكشف فسادها وزيفها وينقضها من الأساس؟
_________________
(١) ١ رواه الخطيب في تاريخه (١٣/٣٨٣) .
[ ٣٩٦ ]