" الخاتمة الجامعة لسبع قواعد جامعة نافعة في الرد على المعطلة"
قال شيخ الإسلام:
"وأما الخاتمة الجامعة: ففيها قواعد نافعة:
القاعدة الأولى
أن الله سبحانه موصوف بالإثبات والنفي
فالإثبات كإخباره أنه بكل شيء عليم، وعلى كل شيء قدير، وأنه سميع بصير، ونحو ذلك.
والنفي كقوله: ﴿لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، وينبغي أن يعلم أن النفي ليس فيه مدح ولا كمال إلا إذا تضمن إثباتًا وإلا فمجرد النفي ليس فيه مدح ولا كمال لأن النفي المحض عدم محض، والعدم المحض ليس بشيء، وما ليس بشيء هو كما قيل: ليس بشيء فضلًا أن يكون مدحًا أو كمالًا، ولأن النفي المحض يوصف به المعدوم والممتنع، والمعدوم والممتنع لا يوصف بمدح ولا كمال.
فلهذا كان عامة ما وصف الله به نفسه من النفي متضمنًا لإثبات مدح كقوله: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ* لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ﴾ [البقرة: ٢٥٥] إلى قوله: ﴿وَلا يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا﴾ [البقرة: ٢٥٥]
[ ٢٠٤ ]
فنفيُ السِّنة والنوم يتضمن كمال الحياة والقيام، فهو مبيِّن لكمال أنه الحي القيوم.
وكذلك قوله: ﴿وَلا يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا﴾ أي لا يكرثه، ولا يثقله، وذلك مستلزم لكمال قدرته وتمامها، بخلاف المخلوق القادر إذا كان يقد على الشيء بنوع كلفة ومشقة، فإن هذا نقص في قدرته، وعيبٌ في قوته.
وكذلك قوله تعالى: ﴿لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْض﴾ [سبأ: ٣]، فإن نفي العزوب مستلزم لعلمه بكل ذرة في السماوات والأرض.
وكذلك قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ [قّ: ٣٨]، فإنّ نفيَ مسَّ اللغوب الذي هو التعب والإعياء دل على كمال القدرة، ونهاية القوة، بخلاف المخلوق الذي يلحقه من النصب والكلال ما يلحقه.
وكذلك قوله: ﴿لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ [الأنعام: ١.٣]، إنما نفى الإدراك الذي هو الإحاطة، كما قاله أكثر العلماء، ولم ينفِ مجرد الرؤية؛ لأن المعدوم لا يُرَى وليس في كونه لا يُرى مدح، إذ لو كان كذلك لكان المعدوم ممدوحًا، وإنما المدح في كونه لا يُحاط به وإن رُئي، كما أنه لا يُحاط به وإن عُلم، فكما أنه إذا عُلِم لا يُحاط به علمًا، فكذلك إذا رُئي لا يُحاط به رؤية.
فكان في نفي الإدراك من إثبات عظمته ما يكون مدحًا وصفة كمال، وكان ذلك دليلًا على إثبات الرؤية لا على نفيها، لكنه دليل على إثبات الرؤية مع عدم الإحاطة، وهذا هو الحق الذي اتفق عليه سلف الأمة وأئمتها.
وإذا تأمّلت ذلك وجدتَ كل نفي لا يستلزم ثبوتًا هو مما لم يصف الله به نفسه، فالذين لا يصفونه إلا بالسلوب لم يثبتوا في الحقيقة إلهًا محمودًا، بل ولا موجودًا.
وكذلك من شاركهم في بعض ذلك كالذين قالوا: إنه لا يتكلم، أو لا يُرى، أو ليس فوق العالم، أو لم يستوِ على العرش، ويقولون: ليس
[ ٢٠٥ ]
بداخل العالم ولا خارجه، ولا مباين للعالم ولا محايث له، إذ هذه الصفات يمكن أن يُوصف بها المعدوم، وليس هي مستلزمة صفة ثبوت، ولهذا قال محمود بن سُبكتكين لمن ادّعى ذلك في الخالق: ميِّز لنا بين هذا الرب الذي تثبته وبين المعدوم.
وكذلك كونه لا يتكلم، أو لا ينزل، ليس في ذلك صفة مدح ولا كمال، بل هذه الصفات فيها تشبيه له بالمنقوصات أو المعدومات، فهذه الصفات منها ما لا يتصف به إلا المعدوم، ومنها م لا يتصف به إلا الجماد أو الناقص.
فمن قال: لا هو مباين للعالم ولا مداخل للعالم، فهو بمنزلة من قال: لا هو قائم بنفسه ولا بغيره، ولا قديم ولا محدَث، ولا متقدم على العالم ولا مقارن له.
ومن قال: أنه ليس بحي ولا سميع، ولا بصير ولا متكلم، لزمه أن يكون ميتًا أصم أعمى أبكم.
فإن قال: العمى عدم البصر عمّا من شأنه أن يقبل البصر، وما لا يقبل البصر كالحائط لا يقال له: أعمى ولا بصير
قيل له: هذا اصطلاح اصطلحتموه، وإلا فما يُوصف بعدم الحياة والسمع والبصر والكلام يمكن وصفه بالموت والصمم والعمى والخرس والعجمة.
وأيضًا: فكل موجود يقبل الاتصاف بهذه الأمور ونقائضها، فإن الله قادر على جعل الجماد حيًا، كما جعل عصا موسى حيَّة، ابتلعت الحبال والعصي.
وأيضًا: فالذي لا يقبل الاتصاف بهذا الصفات أعظم نقصًا ممن يقبل الاتصاف بها مع اتصافه بنقائضها، فالجماد الذي لا يُوصف بالبصر ولا العمى، ولا الكلام ولا الخرس، أعظم نقصًا من الحيّ الأعمى الأخرس.
قيل: إن الباري ﷿ لا يمكن اتصافه بذلك، كان في ذلك من وصفه بالنقص أعظم مما إذا وصف بالخرس والعمى والصمم ونحو
[ ٢٠٦ ]
ذلك، مع أنه إذا جُعل غير قابل لهما كان تشبيهًا له بالجماد الذي لا يقبل الاتصاف بواحد منهما، وهذا تشبيه بالجمادات لا بالحيوانات، فكيف ينكر من قال ذلك على غيره ما يزعم أنه تشبيه بالحي.
وأيضًا: فنفس نفي هذه الصفات نقصٌ، كما أن إثباتها كمالٌ، فالحياة من حيث هي هي - مع قطع النظر عن تعيين الموصوف بها - صفة كمال، وكذلك العلم والقدرة والسمع والبصر والكلام والفعل، ونحو ذلك، وما كان صفة كمال فهو ﷾ أحقّ بأن يتصف به من المخلوقات، فلو لم يتصف به مع اتصاف المخلوق به لكان المخلوق أكمل منه.
واعلم أن الجهمية المحضة كالقرامطة ومن ضاهاهم ينفون عنه تعالى اتصافه بالنقيضين حتى يقولون: ليس بموجود ولا ليس بموجود، ولا حيّ ولا ليس بحي.
ومعلوم أن الخلو عن النقيضين ممتنع في بدائهِ العقول، كالجمع بين النقيضين.
وآخرون وصفوه بالنفي فقط، فقالوا: ليس بحي ولا سميع، ولا بصير وهؤلاء أعظم كفرًا من أولئك من وجه، وأولئك أعظم كفرًا من هؤلاء من وجه.
فإذا قيل لهؤلاء: هذا يستلزم وصفه بنقيض ذلك كالموت والصمم والبكم.
قالوا: إنما يلزم ذلك لو كان قابلًا لذلك.
وهذا الاعتذار يزيد قولهم فسادًا.
وكذلك من ضاهى هؤلاء، وهم الذين يقولون: ليس بداخل العالم ولا خارجه، إذا قيل لهم: هذا ممتنع في ضرورة العقل، كما إذا قيل: ليس بقديم ولا محدث، ولا واجب ولا ممكن، ولا قائم بنفسه ولا قائم بغيره.
قالوا: هذا إنما يكون إذا كان قابلًا لذلك، والقبول إنما يكون من المتحيز، فإذا انتفى المتحيّز انتفى قبول هذين النقيضين.
[ ٢٠٧ ]
فيقال لهم: علم الخلق بامتناع الخلو من هذين النقيضين هو علم مطلق، لا يُستثنى منه موجود، والتحيز المذكور إن أُريد به كون الأحياز الموجودة تحيط به، فهذا هو الداخل في العالم، وإن أُريد به أنه منحاز عن المخلوقات، أي: مباين له متميز عنها، فهذا هو الخروج.
فالمتحيز يُراد به تارة ما هو داخل العالم، وتارة ما هو خارج العالم، فإذا قيل: ليس بمتحيز، كان معناه ليس بداخل العالم ولا خارجه.
فهم غيَّروا العبارة ليُوهِموا من لا يفهم حقيقة قولهم أن هذا معنى آخر، وهو المعنى الذي عُلم فساده بضرورة العقل، ولا عالم ولا جاهل".
معاني الكلمات:
وأما الخاتمة: عطف على قوله المتقدم: (فأما الأصلان. وأما المثلان ) وهو تفصيل لقوله: ويتبين هذا بأصلين شريفين ومثلين مضروبين.
موصوف بالإثبات والنفي: أي إثبات جميع صفات الكمال ونفي جميع صفات المعائب والنقائص.
المعدوم والممتنع: أي موصوف الكمال مع نفي جميع صفات المعائب والنقائص.
عناصر الموضوع:
١ - موضوع القاعدة الأولى:
إن الله موصوف بالإثبات لجميع صفات الكمال وموصوف بالنفي لجميع صفات النقص وهذا هو المدح،
فالمدح يكون بإثبات الكمال ونفي النقص ولا أحد أحب إليه من الله وأن النفي المحض لا مدح فيه إلا إذا تضمن إثبات كمال الضد.
٢ - على من يَردُّ شيخُ الإسلام بالقاعدة الأولى؟
يردُ شيخ الإسلام بالقاعدة الأولى على طائفتين:
[ ٢٠٨ ]
المعطلة: الذين يقتصرون على صفات النفي دون الإثبات فلا يصفونه إلا بالنفي والسلوب.
المشبهة: الغالين في إثبات الصفات ولكنهم لا ينزّهون الله عن النقائص.
٣ - شرح القاعدة الأولى:
يقرر شيخ الإسلام من خلال استقرائه للنصوص أن الله تعالى جمع فيما وصف به نفسه بين النفي والإثبات كما قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] وإنما جمع الله تعالى لنفسه بين النفي والإثبات، لأنه لا يتم كمال الموصوف إلا بنفي صفات النقص، وإثبات صفات الكمال، وكل الصفات التي نفاها الله عن نفسه صفات نقص كالإعياء واللغوب والعجز والظلم ومماثلة المخلوقين.
وكل ما أثبته الله لنفسه فهو صفات كمال كما قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ [النحل: ٦.]، سواء كانت من الصفات الذاتية التي يتصف بها أزلًا وأبدًا أم من الصفات الفعلية التي يتصف بها حيث تقتضيها حكمته؟، وإن كان أصل هذه الصفات الفعلية ثابتًا له أزلًا وأبدًا فإن الله تعالى لم يزل ولا يزال فعالًا، وكل صفة نفاها الله عن نفسه فإنها متضمنة لشيئين:
أحدهما: انتفاء تلك الصفة.
الثاني: ثبوت كمال ضدها.
٤ - من أصول أهل السنة والجماعة: أن النفي عندهم متضمن لإثبات كمال الضد:
تقدم أن من أصول أهل السنة في باب الأسماء والصفات أن النفي متضمن لإثبات كمال الضد، فإن النفي المحض ليس فيه مدح ولا كمال إلا إذا تضمن إثباتًا للكمال، وذلك للأسباب الآتية:
١ - لأن النفي المحض غير المتضمن للإثبات عدمٌ محض، والعدم المحض ليس بشيء لأنه عدم، وما دام عدمًا وليس بشيء فلا يكون كمالًا.
[ ٢٠٩ ]
٢ - ولأن النفي المحض يوُصف به المعدوم، فيقال ليس بموجود ولا حي وغير ذلك، بل يوصف به الممتنع فيقال: ليس بممكن ولا موجود.
٣ - ولأن النفي المحض فيه إساءة أدب، قال ابن أبي العز: "وهذا النفي المجرد مع كونه لا مدح فيه، فيه إساءة أدب، فإنك لو قلت للسلطان: أنت لستَ بزبّال ولا كساح ولا حجّام ولا حائك لأدّبك"١.
٥ - أمثلة ذكرها المؤلف للنفي المتضمن لكمال الضد:
فجميع ما وصف الله تعالى به نفسه من النفي متضمن لإثبات كمال ومدح وأمثلة ذلك يوضحها الجدول الآتي٢:
الآية
تضمنها لكمال الضد
﴿لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ﴾ [البقرة: ٢٥٥]
لكمال حياته وقيوميته.
﴿وَلا يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا﴾ [البقرة: ٢٥٥] .أي لا يكترثه ولا يثقله.
لكمال قدرته التي لا تتخلها مشقة.
﴿لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ﴾ [سبأ: ٣]
لكمال علمه.
﴿وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ [قّ: ٣٨]
لكمال قدرته ونهاية قوته.
﴿لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ [الأنعام: ١.٣] أي لا تحيط به.
لكمال عظمته.
﴿وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف: ٤٩]
لكمال عدله.٦ - صفات الله ﷿ لا يكون النفي فيها محضًا:
صفات الله لا يكون النفي فيها محضًا بل لا بد أن يكون لإثبات كمال ضد ذلك للوجوه الآتية:
١ - أن الله تعالى قال: ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ [النحل: ٦.] أي الوصف الأكمل، وهذا معدوم في النفي المحض.
_________________
(١) ١ شرح الطحاوية (١/٧.) . ٢ التوضيحات الأثرية (ص١٣.) .
[ ٢١٠ ]
٢ - النفي المحض عدم محض، والعدم المحض ليس بشيء وما ليس بشيء فكيف يكون مدحًا وكمالًا.
٣ - أن النفي إن لم يتضمن كمالًا فقد يكون لعدم قابلية الموصوف لذلك المنفي أو ضده أو يكون لنقص الموصوف لعجزه عن الكمال.
٧ - المعطلة يصفون الله تعالى بالنفي المحض:
المعطلة يقتصرون على النفي المحض ولا يثبتون كمال الضد، فيقولون عن الله تعالى: إن الله ليس بداخل العالم ولا خارجه ولا فوق العالم ولا تحته ولا متصل بالعالم ولا منفصل عنه، كما أنهم يقولون: إن الله ليس بحي ولا بصير ولا متكلم.
فلزمهم أن يكون ميتًا أصمًا أعمى وأبكم، وهم بهذا لا يثبتون إلهًا موجودًا بل إلهًا معدومًا.
والأخذ بالنفي دون الإثبات تفريق بين المتماثلين وهو ممتنع في بدائه العقول فلا بد من الجمع بين الإثبات والتنزيه كما قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] .
ومن القواعد المستنبطة من نصوص الكتاب والسنة الجمع بين الإثبات والتنزيه في باب الصفات وهذه الطريقة موافقة للعقل الصريح، وذلك لأن إثبات صفات الكمال لا يتأتَّى إلا بنفي صفات النقص المتضمن لإثبات الكمال.
٨ - مفهوم التنزيه عند المعطلة:
خالف المعطلةُ أهلَ السنة في مفهوم التنزيه، حيث جعلوه معولًا لهدم بنيان صفات الله الثابتة بالكتاب والسنة، وأول من أدخل النفي في التنزيه هم الجهمية، فقد قال عنهم الإمام أحمد: أن توحيدهم غالبه سلوب بدون إثبات، وتابعهم بعد ذلك المعتزلة، فقد نقل عنهم الأشعري في المقالات أنهم أجمعوا على:
"أن الله ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، وليس بجسم ولا شبح
[ ٢١١ ]
ولا جثة ولا صورة ولا لحم ولا دم ولا شخص ولا جوهر ولا عَرَض ولا بذي لون ولا طعم ولا رائحة ولا مجسة، ولا بذي حرارة ولا برودة ولا رطوبة ولا يبوسة، ولا طول ولا عرض ولا عمق، ولا اجتماع ولا افتراق ولا يتحرك ولا يسكن ولا يتبعض، وليس بذي أبعاض وأجزاء، وجوارح وأعضاء وليس بذي جهات ولا بذي يمين وشمال وأمام وفوق وتحت، ولا يحيط به مكان ولا يجري عليه زمان، ولا تجوز عليه الماسة ولا العزلة ولا الحلول في الأماكن ولا يوصف بشيء من صفات الخلق "١فهذه جملة قولهم في التوحيد وقد شاركهم في هذه الجملة الخوارج وطوائف المرجئة وطوائف من الشيعة.
قال ابن أبي العز في بيان فساد هذه الطريقة: "والمعطلة يعرضون عما قاله الشارع من الأسماء والصفات ولا يتدبرون معانيها، ويجعلون ما ابتدعوه من المعاني والألفاظ هو المحكم الذي يجب اعتقاده واعتماده والمقصود أن غالب عقائدهم السلوب ليس بكذا، ليس بكذا، وأما الإثبات فهو قليل وهو أنه قادر حيّ، وأكثر النفي المذكور ليس متلقى عن الكتاب والسنة ولا عن الطرق العقلية التي سلكها غيرهم من مثبتة الصفات فإن الله تعالى قال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] .
ففي هذا الإثبات ما يقرر معنى النفي، ففهم أن المراد انفراده سبحانه بصفات الكمال، فهو ﷾ موصوف بما وصف به نفسه ووصفه به رسوله ﷺ، ليس كمثله شيء في صفاته ولا في أسمائه ولا في أفعاله٢.
٩ - معنى قوله تعالى: ﴿لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾:
أي لا تحيط به الأبصار لعظمته وجلاله وكماله، وإن كانت تراه في الآخرة وتفرح بالنظر إلى وجهه الكريم، فنفي الإدراك لا ينفي الرؤية بل
_________________
(١) ١ مقالات الإسلاميين للأشعري (ص١٥٥) . ٢ شرح العقيدة الطحاوية (١/٧١) .
[ ٢١٢ ]
يثبتها بالمفهوم، فإنه إذا نفى الإدراك الذي هو أخص أوصاف الرؤية، دل على أن الرؤية ثابتة.
فإنه لو أراد نفي الرؤية لقال: لا تراه الأبصار، ونحو ذلك، فعُلِم أنه ليس في الآية حجة لمذهب المعطلة، الذين ينفون رؤية ربهم في الآخرة، بل فيها ما يدل على نقيض قولهم. وهذا الذي عليه جمهور أهل العلم من أهل السنة.
وقال بعضهم: إن الإدراك بمعنى أن الله لا يُرى في الدنيا دون الآخرة وأما أهل البدع فإن معنى الإدراك عندهم هو نفي الرؤية مطلقًا في الدنيا والآخرة، ولازم قولهم: إن الله معدومٌ؛ إذ المعدوم لا يُرى، وليس في كونه لا يُرى مدحٌ؛ إذ لو كان كذلك لكان المعدوم ممدوحًا وإنما المدح في كونه لا يُحاط به وإن رُؤي.
١. - معنى كلام شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀) فالذين لا يصفونه إلا بالسلوب ) .
أقول: السلوب جمع سلب والسلب هو النفي، والمراد أن هؤلاء المعطلة الغلاة لا يصفون الله تعالى بصفات ثبوتية كالسمع والبصر والعلو ونحوها من الصفات الكمالية الدالة على مطالب عظيمة ومعارف دالة على عظمة الله ﷾، بل هؤلاء المعطلة الغلاة - يصفون الله تعالى بأمور عدمية فيقولون: الله لا معدوم ولا موجود، ولا يتكلم ولا يرى ولا يسمع، ولا فوق ولا تحت، ولا يمين ولا شمال، ولا أمام ولا خلف، ولا داخل ولا خارج، ولا متصل ولا منفصل، فهذه الصفات في الحقيقة ليست بصفات كمالية بل هي صفات للمعدوم المحض، بل للممتنع البحت وليست هذه الصفات للموجود أصلًا، فضلًا عن أن تكون لواجب الوجود؟!
١١ - معنى كلام شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (قيل له: هذا اصطلاح اصطلحتموه مع اتصافه بنقائضها) .
أقول: هذا جواب عن اعتراض الجهمية، وتقرير هذا الاعتراض: أن
[ ٢١٣ ]
الجهمية لما وصفوا الله تعالى بأنه "لاحي ولا ميت"، فنفوا عن الله تعالى الحياة والممات معًا فأورد عليهم أهل السنة إشكالًا - تقريره:
إنكم أيها الجهمية قد وصفتم الله تعالى بأنه لا حي ولا ميت فنفيتم عن الله تعالى الحياة وضدها الممات. وهذا النفي لا يمكن عقلًا، لأنه إذا لم يكن حيًا لابد أن يكون ميتًا وإذا لم يكن ميتًا لابد أن يكون حيًا.
وإلا يلزم رفع النقيضين، ورفع النقيضين باطل باتفاق العقلاء.
فأجاب هؤلاء الجهمية عن هذا الإشكال فقالوا: لا يلزم من قولنا: (لاحي ولا ميت) - رفع النقيضين: لأن الحياة والممات ليسا نقيضين؛ بل هما من قبيل العدم والملكة والقاعدة في المتخالفين تخالف العدم والملكة: أن يكون محل العدمي صالحًا للوجودي وبالعكس.
نحو: العمى والبصر، فالعمى عدمي والبصر وجودي.
فمحل العدمي هنا صالح للوجودي وبالعكس، فزيد بصير مثلًا لكنه صالح لأن يكون أعمى، وبكر أعمى مثلًا ولكنه صالح لأن يكون بصيرًا.
وأما إذا لم يكن ذلك المحل قابلًا للآخر - فحينئذٍ يجوز لك أن تنفي الوجودي والعدمي كليهما؛ لأنه لا يلزم حينئذٍ ثبوت أحدهما بنفي الآخر أو بنفي أحدهما ثبوت الأخر.
وذلك كالجدار فإن الجدار ليس محلًا للعلم ولا للجهل، فإذا قلت: هذا الجدار لا عالم ولا جاهل جاز لك هذا؛ لأنه لا يلزم من قولك: الجدار ليس بعالم - أن يكون الجدار جاهلًا.
وإذا نفيت الجهل عن الجدار وقلت الجدار ليس بجاهل لا يلزم منه أن يكون الجدار عالمًا، فيصح لك أن تقول: هذا ليس بعالم ولا جاهل ولا حي ولا ميت، فهكذا يجوز لك أن تقول: الله ليس بحي ولا ميت ولا عالم ولا جاهل.
هذا كان تقرير اعتراض الجهمية وبيان إشكالهم على جواب أهل السنة؛
[ ٢١٤ ]
ولكن أجيب عن هذا الإشكال على لسان شيخ الإسلام فقال:
إن هذا الذي ذكرتم في بيان التناقض والتخالف والعدم والملكة - من تلك القاعدة - فهذه القاعدة فاسدة غير صادقة؛ فإن هذه القاعدة مجرد اصطلاح اصطلحتموه ولسنا متفقين معكم عليها؛ فلا حجة لكم فيها علينا؛ لأنه من المعلوم: أن ما يوصف بعدم الحياة والسمع والبصر والكلام يمكن وصفه بالموت والعمى والخرس والعجمة.
فكل موجود يقبل الاتصاف بهذه الأوصاف ونقائضها؛ يجوز لك أن تصفه بها أو بأضدادها كقولك: زيد بصير وعمرو أعمى، ولكن لا يجوز لك أن تقول: زيد لا بصير ولا أعمى. وكل من يجوز أن تصفه بهذه الكلمات دون أضدادها - لا يجوز لك أن تصفه بتلك الأضداد، فواجب عليك أن تقول: الله عليم بصير، ولا يجوز أن تقول: الله جاهل وأعمى؛ كما لا يجوز أن تقول: الله لا عالم ولا جاهل ولا حي ولا ميت فإنه أشد فسادًا. عقلًا ونقلًا.
وكل ما لا يجوز وصفه بتلك الكلمات ويجوز وصفه بأضدادها - تصفه بأضدادها كالجدار مثلًا، فيصح أن يقال للجدار: جاهل لا علم له، وإنه ميت لا حياة فيه فإن الله تعالى وصف الجماد بالموت وعدم العلم.
فقال: ﴿أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ [النحل: ٢١]، ولا تقول: الجدار لا عالم ولا جاهل ولا حي ولا ميت.
• هذا هو الجواب الأول.
• والجواب الثاني: أن نقول: إن الله تعالى قادر على جعل الجماد حيًا؛ كما جعل عصا موسى حيةً.
• والجواب الثالث: أن نقول: إن الذي لا يقبل الاتصاف بهذه الصفات هو أعظم نقصًا ممن يقبل الاتصاف بها - مع اتصافه بنقائضها - فإن الجماد الذي لا يوصف بالبصر ولا العمى ولا الكلام ولا الخرس أعظم نقصًا من الحي الأعمى الأخرس.
[ ٢١٥ ]
وإذا عرفت هذا فاعلم: أن من قال: إن الله لا حي ولا ميت ولا متكلم ولا أخرس فقد جعل الله تعالى أنقص من الميت الأخرس، فهذا الرجل قد وقع في أشد مما فر منه حيث جعل الله تعالى مشابهًا بشيء أنقص حالًا من الميت لأن هذا الرجل قد أراد تنزيه الله تعالى، ولكن وقع في أقبح التشبيه وأوقحه.
حيث أراد أن ينزه الله تعالى عن تشبيه الحيوان الذي يسمع.
فشبه الله تعالى بشيء أحط منزلة من الميت الذي لا يسمع.
فإن هذا تشبيه بالجمادات لا بالحيوانات فلو شبه الله تعالى بالحيوانات لكان أقل قبحًا وكلاهما قبيح.
• والجواب الرابع: الذي أشار إليه شيخ الإسلام أن الحيوان الذي يسمع أولى من الجماد الذي لا يسمع، فمن قال: إن الله تعالى لا حي ولا ميت بحجة أنه غير قابل للحياة والممات كان تشبيهًا لله تعالى بالجماد الذي لا يقبل الاتصاف بهذه الصفات وضدها.
وهذا لاشك أنه تشبيه بالجمادات لا بالحيوانات والتشبيه بالجمادات أبطل من التشبيه بالحيوانات.
١٢ - معنى كلام شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "قالوا: هذه إنما يكون إذا كان قابلًا لذلك والقبول إنما يكون من المتحيز، فإذا انتفى الحيز انتفى قبول هذين المتناقضين".
أقول: هذا الاعتراض شبيه بالاعتراض السابق من جريه على قاعدة القبول وعدم القبول أي اتصاف المحل بالعدم والملكة.
ولكن ساقه شيخ الإسلام لاعتراض آخر. وحاصل هذا الاعتراض: أن من ضاهى هؤلاء الجهمية الغلاة في قولهم: إن الله لا حي ولا ميت ولا متكلم ولا أخرس، ومشوا على منوالهم في الجحود والنفي للضدين عن الله ورفع المتناقضين عنه تعالى فقالوا:
[ ٢١٦ ]
إن الله تعالى ليس بداخل العالم ولا خارج العالم ولا متصلًا بالعالم ولا منفصلًا عنه.
فأورد عليهم أهل السنة إشكالًا تقريره: أنتم أيها الماتريدية والأشعرية، قد نفيتم عن الله تعالى الدخول والخروج والاتصال والانفصال وهذا رفع للنقيضين.
وهذا غير ممكن عقلًا؛ فإنه إذا لم يكن داخلًا في العالم كان خارجًا عنه ولا بد من ذلك.
وإذا لم يكن متصلًا بالعالم كان منفصلًا عنه ولا بد من ذلك!
فإن نفي أحدهما يستلزم إثبات الآخر إذ لا يجوز نفيهما جميعًا؛ لئلا يلزم رفع النقيضين.
فأجاب هؤلاء الجهمية الماتريدية والأشعرية عن إشكال أهل السنة هذا بقولهم: إن الله تعالى ليس بمتحيز أصلًا، والقبول وعدمه من صفات المتحيز أي كون الشيء داخلًا أو خارجًا أو متصلًا أو منفصلًا لا يتحقق إلا في المتحيز والله غير متحيز، فالله تعالى غير قابل للدخول والخروج والاتصال والانفصال.
فلا يرد ذلك الإشكال البتة.
فأجاب شيخ الإسلام عن هذا الاعتراض بجوابين:
• الجواب الأول بقوله: "فيقال لهم: علمُ الخلق بامتناع الخلو من هذين النقيضين علم مطلق لا يستثنى منه موجود".
والمعنى أن قولكم: إن الله لا داخل العالم ولا خارجه ولا متصل ولا منفصل عنه.
باطل في بداهة عقول الناس؛ فإن عِلم الناس بهذا البطلان علم مطلق قوي بديهي ضروري عند كل إنسان، فكل إنسان يعلم علمًا يقينيًا: أن كل موجود إما أن يكون داخلًا فلا يكون خارجًا وإما أن يكون خارجًا فلا يكون داخلًا، وهكذا في الاتصال والانفصال.
[ ٢١٧ ]
وأما إذا كان لا داخلا ولا خارجًا، فهذا ليس بشيء موجود وإنما هو معدوم، بل هو ممتنع.
وهذا واضح بالضرورة عند كل إنسان.
الحاصل أن قولكم هذا من أوضح الباطل في بداهة العقول. هذا هو الجواب الأول.
• الجواب الثاني: كم تقولون: إن الله ليس بمتحيز، فليس هو قابلًا لتلك الصفات وضدها فنقول: هذا باطل جدًا لأن المتحيز له معنيان:
الأول: أن يكون الشيء تحيط به الأحياز فهذا الشيء لاشك أنه في داخل العالم وليس بخارج العالم البتة ومتصل بالعالم وليس منفصلًا عنه؛ لأنه جزء من العالم.
والمعنى الثاني: هو كون الشيء بحيث يكون منحازًا عن العالم أي مباينًا عنه.
فالمتحيز بهذا المعنى لا شك أنه خارج عن هذا العالم وليس بداخل في العالم.
فالله تعالى في الحقيقة متحيز بالمعنى الثاني لا بالمعنى الأول.
وإذا عرفت المعنيين للمتحيز - نقول: إذا قلت: إن الله تعالى ليس بمتحيز هكذا مطلقًا ـ.
كان معناه أن الله تعالى ليس بداخل العالم ولا خارجه وهذا من أبطل الباطل في بداهة العقول كما سبق.
فهؤلاء قصدهم من قولهم: "ليس بمتحيز" أن الله ليس بداخل العالم ولا خارجه ولكنهم قد غيروا العبارة، فالذين لا يعرفون مصطلحات هؤلاء الماتريدية والأشعرية الجهمية، لا يعرفون حقيقة ما قصدوا.
الحاصل: أن قول الماتريدية: إن الله ليس بمتحيز، أو قولهم: إن الله
[ ٢١٨ ]
لا داخل العالم ولا خارجه هو بعينه مثل قول الجهمية الأولى. الغلاة: إن الله لا حي ولا ميت ولا متكلم ولا أخرس.
١٣ - الأسئلة والأجوبة الواردة على القاعدة الأولى:
س١ - هل يمكن أن يكون النفي في صفات الله ﷿ نفيًا محضًا، وضّح ذلك على التفصيل؟
ج - لا يمكن أن يكون النفي في صفات الله ﷿ نفيًا محضًا، بل لا بد أن يكون لإثبات كمال وذلك لما يأتي:
١ - أن الله تعالى قال: ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ [النحل: ٦.] أي الوصف الأكمل والوصف الأكمل معدوم في النفي المجرد المحض.
٢ - أن النفي المحض عدم محض والعدم المحض ليس بشيء، وما ليس بشيء كيف يكون مدحًا بل كيف يكون كمالًا.
٣ - أن النفي إن لم يتضمن إثبات كمال الضد فقد يكون لنقص الموصوف به بل لعجزه عنه.
س٢ - بيّن ما يترتب من وصف الله بالنفي المحض؟
ج - الذين يقتصرون على النفي المحض ولا يثبتون كمال الضد هم في الحقيقة لم يثبتوا إلهًا موجودًا بل إلهًا معدومًا، فقولهم في الله ﷿: إن الله ليس بداخل العالم ولا خارجه، ولا فوق العالم ولا تحته، ولا متصل بالعالم ولا منفصل عنه ونحو ذلك.
كما أن من قال عن الله ﷿: إنه ليس بحي ولا سميع ولا بصير ولا متكلم واقتصر على النفي المحض: لزمه أن يكون ميتًا أصمًا أعمى أبكم، تعالى الله عما يقولون علوًا كبيرًا.
س٣ - بيّن أوجه كون النفي المحض لا مدح فيه؟
ج - من أصول السلف كما سبق أن النفي متضمن لإثبات كمال الضد، فإن النفي المحض ليس فيه مدح ولا كمال إلا إذا تضمن إثباتًا للكمال وذلك للأسباب التالية:
[ ٢١٩ ]
١ - لأن النفي المحض غير المتضمن للإثبات عدم محض والعدم المحض ليس بشيء لأنه عدم، وما دام عدمًا وليس بشيء فلا يكون كمالًا.
٢ - ولأن النفي المحض يوصف به المعدوم فيقال: ليس بموجود ولا حي وغير ذلك بل ويوصف به الممتنع، فيقال: ليس بممكن ولا موجود وكلاهما لا يوصفان بمدح ولا كمال.
٣ - ولأن النفي المحض قد يكون لعدم قابلية الموصوف بذلك المنفي، فإذا قيل: الجدار لا يظلم فهذا ليس بمدح لعدم قابلية الجدار للظلم أصلًا.
٤ - ولأن النفي إن لم يتضمن كمال الضد فقد يكون لنقص الموصوف أو عجزه، كقول الشاعر النجاشي:
قبيلة لا يغدرون بذمة ولا يظلمون الناس حبة خردل
أراد بنفي الغدر والظلم بيان عجزهم لا مدحهم بدليل تصغيرهم بقوله: قبيلة.
٥ - ولأن النفي المحض فيه إساءة أدب، قال ابن أبي العز: وهذا النفي المجرد مع كونه لا مدح فيه، فيه إساءة أدب فإنك لو قلت للسلطان: أنت لست بزبال ولا كساح ولا حجَّام ولا حائك لأدبك.
س٤ - اذكر الخلاف في معنى الإدراك في قوله تعالى: ﴿لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ [الأنعام: ١.٣]؟
ج - اختلف في ذلك على ثلاثة أقوال:
• القول الأول: وهو لجمهور السلف أن الإدراك هو الإحاطة كما قال شيخ الإسلام وهو قول أكثر العلماء.
• القول الثاني: وهو لبعض السلف أن الإدراك بمعنى الرؤية وحملوا الآية على نفي الرؤية في الدنيا لقوله ﷺ: "إنكم لن تروا ربكم حتى تموتوا" رواه مسلم (٨/١٩٣) . وهذا قول عائشة ﵂ حيث استدلت بالآية على نفي رؤية النبي ﷺ لربه في ليلة الإسراء، مما يدل على أنها فهمت من الآية عدم الرؤية في الدنيا وبه قال الإمام أحمد في رده على الجهمية،
[ ٢٢٠ ]
والإمام الملطي حيث قال: فأما تفسير الآية ﴿لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ يعني لا يراه الخلق في الدنيا دون الآخرة. انظر أصول اعتقاد أهل السنة للالكائي (٣/٥٢.ـ٥٢٢) .
• القول الثالث: وهو قول عامة المعتزلة والخوارج فالإدراك عندهم بمعنى الرؤية ويستدلون بالآية على نفي الرؤية مطلقًا في الدنيا والآخرة، وقولهم هذا مخالف للكتاب والسنة والإجماع.
س٥ - كيف ترد على من استدل على نفي الرؤية بقوله تعالى: ﴿لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾؟
ج - يرد على استدلالهم بالآية بما يلي:
١ - مردود بالأدلة المصرحة بالرؤية في الآخرة كقوله تعالى: ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ*وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢١ـ٢٢]، وقوله ﷺ: "إنكم سترون ربكم كما ترون القمر".
٢ - ومردود بالآيات الدالة على أن الإدراك بمعنى الإحاطة كقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾ [الشعراء: ٦١] ففرق بين الرؤية والإحاطة.
٣ - نفي الرؤية ليس فيه كمال بل الكمال في إثبات الرؤية مع عدم الإحاطة لإظهار عظمته كما أنه ﷾ يعلم ولا يحاط به علمًا، فكذا يرى ولا يحاط به رؤية.
س٦ - أجب عن شبهة التقابل - وهي أن الله غبر قابل لهذه الصفات - من أربعة أوجه؟
ج - الجواب على ذلك في أربعة أوجه: وجهان على فرض المنع، ووجهان على فرض التسليم:
• الوجه الأول على فرض المنع: وهو أن هذا الاصطلاح اصطلحتموه أنت والفلاسفة وإلا فإن الأصل أن ما يوصف بعدم الحياة يجوز وصفه
[ ٢٢١ ]
بالموت كما سمى الله الجمادات أمواتًا في قوله: ﴿أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ﴾ [النحل: ٢١] . وهكذا بقية الصفات.
• الوجه الثاني على فرض المنع أيضًا: وهو أن كل موجود يقبل الاتصاف بهذه الصفات ونقائضها بقدرة الله كعصا موسى أصبحت حية، وهكذا طين عيسى كان يصير طيرًا بإذن الله، وهكذا حنين الجذع عند النبي ﷺ.
• الوجه الثالث على فرض التسليم: بأن الله تعالى لا يقبل هذه الصفات ونقائضها: من المعلوم أن الذي لا يقبل الاتصاف بها أصلًا أعظم نقصًا ممن يقبل الاتصاف بها مع الاتصاف بنقيضها، فالجماد الذي لا يقبل الاتصاف بالعمى مثلًا أعظم نقصًا من الحي الأعمى مثلًا.
• الوجه الرابع على فرض التسليم أيضًا: أن نفس نفي هذه الصفات نقص بقطع النظر عن تعيين الموصوف بها، فالعلم والقدرة والحياة والسمع والبصر والكلام والفعل كلها كمال، كما قال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٩]، وقال تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ﴾ [النحل: ١٧]، وكما حكي عن إبراهيم قوله: ﴿لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ﴾ [مريم: ٤٢]، وذم الله عجل قوم موسى بقوله: ﴿أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لا يُكَلِّمُهُم﴾ [لأعراف: ١٤٨] فنفي هذه الصفات نقص وإثباتها كمال.
فالله أحق بالاتصاف بها لأنه لو لم يتصف بها لكان المخلوق أكمل منه.
س٧ - قارن بين مذهب من ينفي النقيضين ومن يصف الله بالنفي فقط؟
ج - أشار شيخ الإسلام هنا إلى طائفتين:
الأولى: من ينفون عنه النقيضين: وهم الجهمية المحضة الغالية كالقرامطة الباطنية فيقولون: ليس بموجود ولا معدوم وهكذا.
• الثانية: من يصفونه بالنفي فقط وهم الجهمية والمعتزلة، فيقولون: ليس بحي ولا سميع ولا بصير.
[ ٢٢٢ ]
* ووجه المقارنة بينهما:
١ - أن الطائفة الأولى: أكفر من جهة أنهم شبهوه بالممتنعات، وهو أقبح من مجرد العدم.
٢ - والطائفة الثانية: أكفر من جهة أنهم لم يصرحوا بنفي النقائض عنه بل قالوا: ليس بحي، ولم يقولوا ليس بميت، فتنزيههم أقل من الطائفة الأولى التي صرحت بنفي النقائض عنه، فكل من الطائفتين أكفر من الأخرى من جهة.
س٨ - ما معنى التحيز وما المراد به؟ وما الذي يقصده النفاة بقولهم: "إنه ليس بمتحيز"؟ وكيف تجيب عن هذه الشبهة؟ وناقش من قال بنفي التحيز أو إثباته؟
ج - التحيز: هو الوقوع في الحيز. والمراد به عند المتكلمين: هو الفراغ المتوهم الذي يشغله شيء ممتد كالجسم أو غير الممتد كالجوهر الفرد، وهو أعم من المكان عندهم، فإن المكان هو البعد الذي يشغله الجسم الحاوي المماس للسطح الظاهر من الجسم المحوي.
* ويقصد هؤلاء النفاة بهذه العبارة: أن الله ليس بداخل العالم ولا خارجه.
* والرد على هذه الشبهة بما رُدَّ به على القرامطة لأن كليهما سالب للنقيضين فإن أراد بالتحيز:
١ - أن الله تحوزه المخلوقات فهذا باطل لأن الله أكبر وأعظم بل قد وسع كرسيه السموات والأرض قال الله تعالى: ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر: ٦٧] .
٢ - وإن أراد أنه منحاز عن المخلوقات، أي مباين لها منفصل عنها ليس حالًا فيها كما قال أئمة السلف وأهل السنة أن الله فوق سماواته مستوٍ على عرشه بائن من خلقه: فهذا صحيح.
[ ٢٢٣ ]
س٩ - كيف ترد على من نفى العلو بحجة أن ذلك يستلزم التحيز؟
ج - يرد عليهم من وجهين:
١ - أن امتناع الخلو من هذين النقيضين عام لا يستثنى منه موجود فالتفريق بين المتحيز وغيره باطل.
٢ - أن التحيز المذكور يراد به معنيان: إما أن الأحياز تحيط به، فهذا هو الداخل في العالم، وإما أنه منحاز عن العالم، فهذا هو الخارج المباين وهو الذي يوصف الله به.
[ ٢٢٤ ]