الأصل الثاني: الشرع والقدر
الأصل الثاني
الشرع والقدر
قال شيخ الإسلام:
"وأما الأصل الثاني، وهو التوحيد في العبادات المتضمن للإيمان بالشرع والقدر جميعًا؛ فنقول: إنه لابد من الإيمان بخلق الله وأمره، فيجب الإيمان بأن الله خالق كل شيء وربه ومليكه وأنه على كل شيء قدير، وأنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، فلا حول ولا قوة إلا بالله، وقد علم ما سيكون قبل أن يكون وقدر المقادير وكتبها حيث شاء، كما قال تعالى: ﴿ألَمْ تَعْلَمْ أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالأرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحج: ٧٠] .
وفي الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: "إن الله قدر مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، وكان عرشه على الماء"١.
ويجب الإيمان بأن الله تعالى أمر بعبادته وحده لا شريك له، كما خلق الجن والإنس لعبادته، وبذلك أرسل رسله وأنزل كتبه.
وعبادته تتضمن كمال الذل له والحب له، وذلك يتضمن كمال طاعته ومن يُطع الرسول فقد أطاع الله؛ وقد قال تعالى: ﴿وَمَا أرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلا
_________________
(١) ١ أخرجه مسلم في صحيحه (٤/٢٠٤٤ برقم ٢٦٥٣) في حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁.
[ ٣٥٨ ]
لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [النساء: ٦٤]، وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [آل عمران: ٣١] .
وقد قال تعالى: ﴿وَاسْألْ مَنْ أرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ [الزخرف: ٤٥]، وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلا نُوحِي إِلَيْهِ أنَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٢٥]، وقال تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أنْ أقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ..﴾ [الشورى: ١٣]، وقال تعالى: ﴿يا أيها الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ * وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ﴾ [المؤمنون: ٥١ـ٥٢]، فأمر الرسل بإقامة الدين وأن لا يتفرقوا فيه، ولهذا قال النبي ﷺ في الحديث الصحيح: "إنَّا معاشر الأنبياء ديننا واحد، والأنبياء إخوةٌ لعَلاّت، وأنا أوْلى الناس بابن مريم؛ لأنه ليس بيني وبينه نبي"١.
وهذا الدين هو دين الإسلام، الذي لا يقبل الله دينًا غيره، لا من الأولين ولا من الآخرين، فإن جميع الأنبياء على دين الإسلام، قال تعالى عن نوح:
﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَآ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يقَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأجْمِعُوا أمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لا يَكُنْ آمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلا تُنْظِرُونِ * فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَألْتُكُمْ مِنْ أجْرٍ إِنْ أجْرِيَ إِلا عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ أنْ أكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [يونس: ٧١ـ٧٢] .
وقال عن إبراهيم: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ * إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أسْلِمْ قَالَ أسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ * وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلا وَأنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٠ـ١٣٢] .
وقال عن موسى: ﴿وَقَالَ مُوسَى يقَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ﴾ [يونس: ٨٤] .
_________________
(١) ١ انظر الحديث في صحيح البخاري (٦/٤٧٨ برقم ٣٤٤٣) .
[ ٣٥٩ ]
وقال في خبر المسيح: ﴿وَإِذْ أوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأنَّنَا مُسْلِمُونَ﴾ [المائدة: ١١١] .
وقال فيمن تقدم من الأنبياء: ﴿يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا﴾ [المائدة: ٤٤] .
وقال عن بلقيس أنها قالت: ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [النمل: ٤٤] .
فالإسلام يتضمن الاستسلام لله وحده، فمن استسلم له ولغيره كان مشركًا، ومن لم يستسلم له كان مستكبرًا عن عبادته، والمشرك به والمستكبر عن عبادته كافر، والاستسلام له وحده يتضمن عبادته وحده وطاعته وحده.
وهذا دين الإسلام الذي لا يقبل الله غيره، وذلك إنما يكون بأن يُطاع في كل وقت بفعل ما أمر به في ذلك الوقت، فإذا أمر في أول الأمر باستقبال الصخرة، ثم أمر ثانيًا باستقبال الكعبة، كان كل من الفعلين حين أمر به داخلًا في دين االلإسلام، فالدين هو الطاعة والعبادة له في الفعلين، وإنما تنوّع بعض صور الفعل وهو وجهة المصلّي، فكذلك الرسل دينهم واحد، وإن تنوعت الشرعة والمنهاج والوجهة والمنسك، فإن ذلك لا يمنع أن يكون الدِّين واحدًا، كما لم يمنع ذلك في شرعة الرسول الواحد.
والله تعالى جعل من دين رسل أن أولهم يبشر بآخرهم ويؤمن به، وآخرهم يصدق بأولهم ويؤمن به، قال تعالى: ﴿وَإِذْ أخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أأقْرَرْتُمْ وَأخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ [آل عمران: ٨١]، قال ابن عباس ﵄: لم يبعث الله نبيًا إلا أخذ عليه الميثاق لئن بُعث محمَّد وهو حيّ ليؤمننّ به ولينصرنه،
[ ٣٦٠ ]
وأمره أن يأخذ الميثاق على أمته لئن بعث محمَّد وهم أحياء ليؤمنن به ولينصرنه١.
وقال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة: ٤٨] .
وجعل الإيمان بهم متلازمًا، وكفَّر من قال: إنه آمن ببعض وكفر ببعض، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ آنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا * أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا﴾ [النساء: ١٥٠ـ١٥١] .
وقال تعالى: ﴿أفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى آشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: ٨٥]، وقد قال لنا: ﴿قُولُوا أمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ * فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [البقرة: ١٣٦ـ١٣٧]، فأمرنا أن نقول: آمنا بهذا كله ونحن له مسلمون، فمن بلغته رسالة محمَّد ﷺ فلم يقر بما جاء به لم يكن مسلمًا ولا مؤمنًا بل يكون كافرًا، وإن زعم أنه مسلم أو مؤمن.
كما ذكروا أنه لما أنزل الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧]، فقالوا: لا نحج، فقال تعالى: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: ٩٧] .
_________________
(١) ١ أخرج ابن جرير الطبري في تفسيره (٦/٥٥٥، ٥٥٦) نحوًا من هذا الأثر وانظر تفسير ابن كثير ٢/١٧.
[ ٣٦١ ]
فإن الاستسلام لله لا يتم إلا بإقرار بما له على عباده من حج البيت، كما قال النبي ﷺ: "بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمَّدًا رسول الله، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت"١، ولهذا لما وقف النبي ﷺ بعرفة أنزل الله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾ ٢ [المائدة: ٣] .
وقد تنازع الناس فيمن تقدم من أمة موسى وعيسى هل هم مسلمون أم لا؟ وهو نزاع لفظي، فإن الإسلام الخاص الذي بعث الله به محمَّدًا ﷺ، المتضمن لشريعة القرآن - ليس عليه إلا أمة محمَّد ﷺ، والإسلام اليوم عند الإطلاق يتناول هذا، وأما الإسلام العام، المتناول لكل شريعة بعث الله بها نبيًا من الأنبياء - فإنه يتناول إسلام كل أمة متبعة لنبي من الأنبياء.
ورأس الإسلام مطلقًا شهادة أن لا إله إلا الله، وبها بعث الله جميع الرسل، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا آنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦]، وقال تعالى: ﴿وَمَا أرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلا نُوحِي إِلَيْهِ أنَّهُ لا إِلَهَ إِلا أنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٢٥]، وقال تعالى عن الخليل: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ * إِلا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ * وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الزخرف: ٢٦ـ ٢٨]، وقال تعالى عنه: ﴿قَالَ أفَرَأيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ * أنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الأقْدَمُونَ * فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلا رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: ٧٥ـ ٧٧] وقال تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ [الممتحنة:٤]، وقال تعالى: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ [الزخرف: ٤٥] .
وذكر عن رسله: كنوح وهود وصالح وغيرهم انهم قالوا لقومهم:
_________________
(١) ١ متفق عليه من حديث ابن عمر ﵄: صحيح البخاري (١/٩ برقم٨) ٢ أخرجه البخاري في صحيحه (١/١٠٥ برقم٤٥) .
[ ٣٦٢ ]
﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف:٥٩، ٦٥، ٧٣]، وقال عنهم أهل الكهف: ﴿إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى * وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا * هَؤُلاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَوْلا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ [الكهف: ١٣ـ١٥]، وقد قال ﷾: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨،١١٦] ذكر ذلك في موضعين من كتابه.
وقد بين في كتابه الشرك بالملائكة، والشرك بالأنبياء، والشرك بالكواكب، والشرك بالأصنام - وأصل الشرك، الشرك بالشيطان - فقال عن النصارى: ﴿اتَّخَذُوا أحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلآ لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لا إِلَهَ إِلا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [التوبة:٢١]، وقال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أأنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أنْ أقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أنْتَ عَلآمُ الْغُيُوبِ * مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلا مَا أمَرْتَنِي بِهِ أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ﴾ [المائدة: ١١٦ـ١١٧]، وقال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ * وَلا يَأْمُرَكُمْ أنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أرْبَابًا أيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:٧٩ـ٨٠]، فبيّن أن اتخاذ الملائكة والنبيين أربابًا كُفْرٌ.
ومعلوم أن أحدًا من الخلق لم يزعم أن الأنبياء والأحبار والرهبان أو المسيح ابن مريم شاركوا الله في خلق السموات والأرض، بل ولا زعم أحد من الناس أن العالم له صانعان متكافئان في الصفات والأفعال، بل ولا أثبت أحد من بني آدم إلهًا مساويًا لله في جميع صفاته، بل عامة المشركين بالله مقرّون بأنه ليس شريكه مثله، بل عامتهم مقرّون أن الشريك مملوك له سواء كان ملكًا أو نبيًا أو كوكبًا أو صنمًا، كما كان مشركو العرب يقولون في تلبيتهم: لبيك لا شريك لك، إلا شريكًا هو لك، تملكه وما ملك، فأهلّ
[ ٣٦٣ ]
رسول الله ﷺ بالتوحيد، فقال: "لبيك اللهم لبيك، [لبيك] لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك" ١.
وقد ذكر أرباب المقالات ما جمعوا من مقالات الأولين والآخرين في الملل والنحل والآراء والديانات، فلم ينقلوا عن أحد إثبات شريك مشارك له في خلق جميع المخلوقات، ولا مماثل له في جميع الصفات، بل من أعظم ما نقلوا في ذلك قول الثنوية، الذين يقولون بالأصلين: النور والظلمة، وأن النور خلق الخبر، والظلمة خلقت الشر، ثم ذكروا لهم في الظلمة قولين: أحدهما أنها محدثة، فتكون من جملة المخلوقات له، والثاني أنها قديمة، لكنها لم تفعل إلا الشر، فكانت ناقصة في ذاتها وصفاتها ومفعولاتها عن النور.
وقد أخبر الله ﷾ عن المشركين من إقرارهم بأن الله خالق المخلوقات ما بيّنه في كتابه، فقال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَألْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أفَرَأيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أوْ أرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ [الزمر: ٣٨]، وقال تعالى: ﴿قُلْ لِمَنِ الأرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أفَلا تَذَكَّرُونَ * قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أفَلا تَتَّقُونَ * قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأنَّى تُسْحَرُونَ﴾ [المؤمنون: ٨٤ - ٨٩] إلى قوله: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [المؤمنون:٩١]، وقد قال تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف: ١٠٦] .
وبهذا وغيره يعرف ما وقع من الغلط في مسمى (التوحيد)، فإن عامة المتكلمين الذين يقرّرون التوحيد في كتب الكلام والنظر - غايتهم أن يجعلوا
_________________
(١) ١ أخرجه مسلم في صحيحه (٢/٨٤٣ برقم ١١٨٥) و(٢/٨٨٦ـ٨٩٢) .
[ ٣٦٤ ]
التوحيد ثلاثة أنواع، فيقولون: هو واحد في ذاته لا قسيم له، وواحد في صفاته لا شبيه له، وواحد في أفعاله لا شريك له، وأشهر الأنواع الثلاثة عندهم هو الثالث: وهو توحيد الأفعال وهو أن خالق العالم واحد، وهم يحتجون على ذلك بما يذكرونه من دلالة التمانع وغيرها، ويظنون أن هذا هو التوحيد المطلوب، وأن هذا هو معنى قولنا: لا إله إلا الله، حتى قد يجعلون معنى الإلهية القدرة على الاختراع.
ومعلوم أن المشركين من العرب الذين بعث إليهم محمَّد ﷺ أولًا - لم يكونوا يخالفونه في هذا، بل كانوا يقرّون بأن الله خالق كل شيء، حتى إنهم كانوا مقرين بالقدر أيضًا، وهم مع هذا مشركون".
معاني الكلمات:
التوحيد: هو إفراد الله ذاتًا وصفة وفعلًا، وأنه مستحق وحده للعبادة والمقصود به هنا إفراد الله بالعبادة.
العبادات: هي الذل والخضوع لله سبحانه، وهي اسم جامع لكل ما يحبه الله من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة، وهي متضمنة كمال الذل والمحبة لله، ويترتب على ذلك كمال الطاعة لله وطاعة رسوله.
الشرع: هو الإيمان بأنه تعالى شرع الشرائع وخلق الخلق لعبادته.
القدر: تقدير الله لما كان وما يكون أزلًا وأبدًا وأنه كتبه في اللوح المحفوظ وأوجده على حسب علمه السابق.
عناصر الموضوع:
١ـ موضوع الأصل الثاني:
موضوع الأصل الثاني هما أصلان عظيمان يجب الإيمان بهما:
• الأصل الأول: الإيمان بشرع الله، وأنه تعالى شرع الشرائع وأرسل الرسل وخلق الخلق لعبادته. (ويسمى توحيد الألوهية وهذا توحيد العبادة) .
• الأصل الثاني: الإيمان بأن الله خالق كل شيء، وأن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، وهذا هو القدر.
[ ٣٦٥ ]
٢ـ الصلة بين الأصلين: (الأول والثاني)
تقدم أن موضوع الرسالة التدمرية هو الكلام في أصلين عظيمين:
الأول: التوحيد والصفات.
والثاني: الشرع والقدر.
فبيَّن المؤلف في الأصل الأول ما يجب على العباد أن يعتقدوه في الله نفيًا وإثباتًا، ورد على المخالفين في ذلك من المعطلة والممثلة، فناسب أن يبين في الأصل الثاني ما يجب على العباد من حق الله الذي من أجله خلق الثقلين الإنس والجن وأرسل الرسل وأنزل الكتب.
٣ـ عَلاَمَ يدور عليه الأصل الثاني؟:
مدار الأصل الثاني على مسألتلا:
١ـ الإيمان بربوبية الله تعالى الشاملة، وأنه خالق كل شيء، وأن ما شاء كان وما لم يشأ يكن.
٢ـ الإيمان بأنه خلق الخلق لعبادته.
٤ـ على من يرد شيخ الإسلام بالأصل الثاني؟:
يرد شيخ الإسلام بهذا الأصل على طائفتين:
أـ المنحرفون في الشرع وهم المتكلمون والمتصوفة.
ب - المنحرفون في القدر من القدرية والجبرية والصوفية.
٥ـ الإيمان بالقدر والشرع من تمام الإيمان بالله:
إن من تمام الإيمان بربوبية الله الإيمان بأن الله خالق كل شيء وأنه ربه ومليكه وأنه ما شاء كان ومالم يشأ يكن، وأنه المتصرف في خلقه، وكذا الإيمان بأنه المستحق وحده للعبادة وهذا هو دين الأنبياء جميعهم، وهو الإسلام: وهو الاستسلام لله بالطاعة وإفراده بالعبادة والخلوص من الشرك، قال تعالى عن نوح: ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [يونس: ٧٢]، وقال عن يعقوب: ﴿فَلا تَمُوتُنَّ إِلا وَأنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة:١٣٢] .
[ ٣٦٦ ]
٦ـ ضرورة الإيمان بالقدر والشرع:
الإيمان بالقدر والشرع أحد أركان الإيمان بالستة التي بينها رسول الله ﷺ لجبريل حين سأله عن الإيمان فقال: "أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره" (أخرجه مسلم ٨/١) .
فلا بد للإنسان من الإيمان بالقدر لأنه أحد أركان الإيمان الستة، ولأنه من تمام توحيد الربوبية، ولأنه به تحقيق التوكل على الله وتفويض الأمر إليه مع القيام بالأسباب الصحيحة النافعة، ولأن به اطمئنان الإنسان في حياته حيث يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه وأن ما أخطأه لم يكن ليصيبه، ولأنه ينتفي الإعجاب بالنفس عند حصوله المراد؛ لأنه يعلم أن حصوله بقدر الله وإنَّ عمله الذي حصل به مراده ليس إلا مجرد سبب يسره الله له، ولأن به يزول القلق والضجر عند فوات المراد، أو حصول المكروه، لأنه يعلم أن الأمر كله لله فيرضى ويسلم، وإلى هذين الأمرين يشير قوله تعالى: ﴿مَا أصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأرْضِ وَلا فِي أنْفُسِكُمْ إِلآ فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أنْ نَبْرَأهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ * لِكَيْ لا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ [الحديد: ٢٢ـ٢٣] .
ولابد للإنسان أيضًا من الإيمان بالشرع وهو ما جاءت به الرسل من أمر الله ونهيه، وما يترتب عليهما من الجزاء ثوابًا أو عقابًا، فيقوم بما يلزمه نحو الأمر والنهي، ويؤمن بما يترتب عليهما من الجزاء.
وذلك لأن الإنسان مريد فلا بد له من فعل يدرك به ما يريد، ويدفع به ما لا يريد، ولا بد له من ضابط يضبط تصرفه لئلا يقع فيما يضره، أو يفوته من حيث لا يشعر، والشرع الإلهي الذي جاءت به الرسل هو الذي يضبط ذلك، ويصدر الحكم الذي به التمييز بين النافع والضار، والصالح والفاسد، لأنه من عند الله العليم الرحيم الحكيم.
والعقول وإن كانت تدرك النافع والضار في الجملة لكن تفصيل ذلك والإحاطة به إحاطة تامة إنما يكون من جهة الشرع.
[ ٣٦٧ ]
ولهذا نقول: النفع أو الضرر قد يكون معلومًا بالفطرة، وقد يكون معلومًا بالعقل، وقد يكون معلومًا بالتجارب، وقد يكون معلومًا بالشرع، فالشرع يأتي مؤيدًا لما شهدت به الفطرة والعقل والتجارب، وهذه تأتي شاهدة لما جاء به الشرع.
وفي هذا المقام اختلف الناس في الأعمال هل يُعرف حسنها وقبحها بالشرع أو العقل؟
والتحقيق أن ذلك: يعرف تارة بالشرعو وتارة بالعقل، وتارة بهما، لكن علم ذلك على وجه الشمول والتفصيل، وعلم غايات الأعمال في الآخرة من سعادة وشقاء ونحو ذلك لا يعلم إلا بالشرع.
٧ـ الواجب في الشرع اعتقادًا وعملًا:
سبق أن بين شيخ الإسلام الواجب في هذا الأصل في مقدمته؛ فالواجب فيه إثبات أمره المتضمن لبيان ما يحبه الله ويرضاه من العمل، ويؤمن بشرعه وقدره إيمانًا خاليًا من الزلل.. وإليك تفصيل ذلك:
الواجب في الشرع اعتقادًا وعملًا يتضمن ما يلي:
• أولًا - الواجب في الشرع اعتقادًا؛ وهو يتضمن ما يلي:
١ـ الإيمان بأن الله أمر بعبادته وحده لا شريك له، قال تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ إلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: ٢٣] .
٢) وأنه خلق الجن والإنس ليعبدوه: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦]
٣) وأنه أرسل رسله وأنزل كتبه لتحقيق عبوديته، ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا أرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلا نُوحِي إِلَيْهِ أنَّهُ لا إِلَهَ إِلا أنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٢٥]
٤) وأن من يطع الرسول فقد أطاع الله: ﴿وَمَا أرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [النساء:٦٤] .
[ ٣٦٨ ]
• ثانيًا - الواجب في الشرع عملًا؛ ما يأتي:
١) عبادة الله ﷾ مع الإخلاص في الدين والموافقة للسنة.
٢) الاستغفار؛ كما قال تعالى: ﴿فاصبلذنبك﴾ [غافر: ٥٥]، أي: اصبر أيها الرسول فإن وعد الله حق ليس مشكوكًا فيه حتى يصعب عليك الصبر، واستغفر لذنبك المانع لك من تحصيل فوزك وسعادتك فأمر الله نبيه بالصبر الذي يحصل فيه المحبوب، وبالاستغفار الذي فيه دفع المحظور.
٨ - الواجب في القدر اعتقادًا وعملًا:
تقدم أن شيخ الإسلام بيَّن الواجب في هذا الأصل في مقدمته؛ فنؤمن بخلق الله المتضمن لكمال قدرته وعموم مشيئته، وما شاء الله كان ومالم يشأ لم يكن، وإليك تفصيل ذلك:
• أولًا - الواجب في القدر اعتقادًا:
الواجب في القدر اعتقادًا الإيمان بمراتبه الأربعة: وهي كما يلي على ترتيب شيخ الإسلام في هذه الرسالة:
المرتبة الأولى: الإيمان بأن الله خالق كل شيء وربه ومليكه، وأنه على كل شيء قدير، كما قال تعالى: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لا إِلَهَ إِلا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ﴾ [الأنعام: ١٠٢] .
المرتبة الثانية: الإيمان بأن لله المشيئة العامة، فما شاء كان ومالم يشأ لم يكن، كما قال تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلا أنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التكوير: ٢٩] .
المرتبة الثالثة: الإيمان بعلمه الأبدي بما سيكون قبل أن يكون.
المرتبة الرابعة: الإيمان بأن الله كتب مقادير كل شيء.
ودليل هاتين المرتبتين ما يلي:
١ـ من القرآن قوله تعالى: ﴿ألَمْ تَعْلَمْ أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنَّ
[ ٣٦٩ ]
ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحج: ٧٠] .
٢ـ من السنة قوله ﵇: "إن الله قدّر مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة وكان عرشه على الماء". أخرجه مسلم (٤/٢٠٤٤) . فكتابته تستلزم العلم.
وقد جمع بعضهم هذه المراتب بقوله:
علم كتابة مولانا مشيئته
وخلقه هو إيجاد وتكوي
• ثانيًا - الواجب في القدر عملًا:
الواجب في القدر عملًا يتضمن ما يلي:
١) الاستعانة بالله، والتوكل عليه والاعتماد عليه.
٢) الصبر على المقدور، فلا يكثر الأسى على المقدور، ولا يجزع مما يصيبه، ولا يحزن على ما يفوته، بل هو يصبر على أقدار الله الموجعة.
٩ـ مراتب الناس في تحقيق مقامي الشرع والقدر:
الناس في تحقيق مقامي الشرع والقدر على أربعة أقسام:
أـ من حقق مقامي الشرع والقدر هم المؤمنون المتقون الذين كان عندهم من عبادة الله تعالى والاستعانة به ما يصلح به أحوالهم، فكانوا لله وبالله وفي الله، وهؤلاء أهل القسط والعدل الذين شهدوا مقام الربوبية والألوهية وهم أعلى الأقسام، فإم هذا مقام الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين.
ب - من فاتهم التحقق في أصل القدر، فكان عندهم من عبادة الله والاستقامة في شرعه ما عندهم، لكن ليس عندهم قوة في الاستعانة بالله والصبر على أحكامه الكونية والشرعية، فيصيبهم عند العمل من العجز والكسل ما يمنعهم من العمل أو إكماله ويلحقهم بعد العمل من العجب والفخر ما قد يكون سببًا لحبوط عملهم وخذلانهم، وهؤلاء أضعف مما سبقهم، وأدنى مقامًا، وأقل عدلًا؛ لأن شهودهم مقام الألوهية غالب على شهود مقام الربوبية.
[ ٣٧٠ ]
ج - من فاتهم التحقيق في أصل الشرع فكانوا ضعفاء في الاستقامة على أمر الله ومتابعة شرعه، لكن عندهم قوة في الاستعانة بالله والتوكل عليه، ولكن قد يكون ذلك في أمور لا يحبها الله تعالى ولا يرضاها، فَيُعَانُ ويُمَكَّنُ له بقدر حاله، ويحصل له من المكاشفات والتأثيرات ما لا يحصل للقسم الذي قببه، لكن ما يحصل من هذه الأمور يكون من نصيب العاجلة في الدنيا، أما عاقبته في الدنيا، أما عاقبته فعاقبته سيئة، لأنه ليس من المتقين، وإنما العاقبة للمتقين، قال تعالى: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ * لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ .
فالله سبحانه يعلم أن هؤلاء سيشركون بعد أن ينجيهم، لكن لما كانوا في البحر كانوا مخلصين في دعائهم الله تعالى أن ينجيهم صادقين في تفويض الأمر إليه حتى يحصل مرادهم، ولما لم يكن لهم عبادة لم يستقم أمرهم وكان عاقبة أمرهم خسرًا.
فالفرق بين هؤلاء وبين القسم الذين فبلهم: أن الذين قبلهم كان لهم دين ضعيف لضعف استعانتهم بالله وتوكلهم عليه، لكنه مستمر باق إن لم يفسده صاحبه بالعجز والجزع، وهؤلاء لهم حال وقوة لكن لا يبقى لهم إلا ما وافقوا فيه الأمر واتبعوا السنة.
د - من فاتهم تحقيق أصلي الشرع والقدر، فليس عندهم عبادة الله، ولا استعانة ولا لجوء إليه عند الشدة، فهم مستكبرون من عبادة الله، مستغنون بأنفسهم عن خالقهم، وربما لجؤوا في الشدائد وإدراك مطالبهم إلى الشياطين فأطاعوها فيما تريد وأعانتهم فيما يريدون، فيظن الظاّن أن هذا من باب الكرامات! وهو من باب الإهانات لأن عاقبتهم الذل والهوان وهذا قسم شر الأقسام.
١٠ـ المنحرفون في باب القدر:
سأتناول هذا الموضوع فيما يلي:
[ ٣٧١ ]
أـ الفرق التي ضلّت في باب القدر:
وقد ضل في هذا الباب فرق ثلاث: المجوسية والمشركية والإبليسية، وتفصيل هذه الفرق كما يلي:
• الأولى - المجوسية: وهم الذين أنكروا القدر وأقروا بالشرع وهم: غلاة أنكروا مرتبتي العلم والكتابة كمعبد الجهني، ومقتصدون أنكروا عموم مرتبتي الخلق والمشيئة، وهم المعتزلة ومن وافقهم من الشيعة، وسُموا بذلك لأنهم أثبتوا خالقًا غير الله وهو العبد؛ حيث زعموا أنه خالق لفعله.
• الثانية - المشركية: الذين أقروا بالقدر ولكنهم غلوا فيه حتى أنكروا الأمر والنهي فصادموا الشرع بالقدر، وسُموا بذلك لأنهم احتجوا على تعطيل الشرع بالقدر، كما قال المشركون فيما حكى الله عنهم: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٤٨]، وهذا حال كثير ممن يدعى الحقيقة الكونية ويفنى في الربوبية حتى الصوفية.
• الثالثة - الإبليسية: وهم الذين أقروا بالأمرين - الشرع والقدر - ولكنهم جعلوا هذا تناقضًا وطعنوا في حكمة الله تعالى وعدله، قال تعالى عن إبليس: ﴿أنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ [الأعراف: ١٢]، وكذلك قوله: ﴿أأسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا﴾ [الإسراء: ٦١]، فهنا أقر إبليس بخلق الله تعالى وقدرته، وكذلك أقر بشرعه، ولكنه طعن في حكمة الله وعدله؛ لأنه أمره بالسجود لمن هو دونه بزعمه.
ب - مخالفة من ينظر إلى القدر دون الشرع للحس والعقل:
من ينظر إلى تقدير الله وخلقه الأشياء وتدبيره، دون أن ينظر على أوامر الله ونواهيه: يسقط تمييزهم؛ لوقوفهم عند الحقيقة الكونية، فهم مخالفون للحس والعقل. أمال مخالفتهم للحس فإنه لابد لكل إنسان من أن يشعر بما يسعده أو يؤذيه ولابد أن يميز بين ما يأكله وما لا يأكله، وبين الحر والبرد، فكيف لا يُميَّز الأوامر والنواهي؟! فلا يمكن تصور زوال الإحساس، ولا يستوي الأمران مع وجود الحياة.
[ ٣٧٢ ]
أما مخالفة من ينظر إلى القدر ويعرض عن الشرع للعقل والقياس: أنه إذا عومل أحدهم بموجب مذهبهم؛ مثل أن يضرب أو يجاع، فإن لام من فعل به ذلك فقد نقض قوله وخرج عن أصل مذهبه، فيقال له: هذا الذي فعل مقضي مقدور، فخلق الله ومشيئته وقدره متناول لك وله، فإن كان القدر حجة لهذا أيضًا، وإلا فليس بحجة لك ولا له١.
ج - الإيمان بالقدر لا ينافي الأسباب:
الإيمان بالقدر لا ينافي إثبات الأسباب، فللأسباب تأثير لذاتها بل بما أودعه الله فيها من القوى والأسباب، وهي قد تكون كونية، مثل جعل الله أودعه الله فيها من القوى والأسباب، وهي قد تكون كونية، مثل جعل الله السحاب سببًا لنزول المطر، ونزول المطر سببًا لإخراج الثمرات.
وقد تكون شرعية؛ مثل جعل إتباع الكتاب والسنة سببًا للهداية، والإعراض عنهما سببًا للضلال والغواية.
فإذا كان القدر لا ينافي الأسباب فكذلك لا ينافي في أن يكون للعبد قدرة وإرادة مع خلق الله الأسباب، والمنحرفون في هذا الباب طائفتان:
١ـ الغلاة في إثبات الأسباب حتى جعلوها هي المؤثرة بذاتها، فوقعوا في الشرك، وهؤلاء خالفوا المحسوس من عدة وجوه:
أـ أن الحس دل على أن ما من سبب إلا وهو مفتقر إلى سبب آخر في حصول مسببه.
ب - ولابد من عدم مانع يمنع أثره إذا لم يدفعه الله عنه، فلا يستقل شيء بفعل شيء إلا الله.
ج - أننا نشاهد تخلف بعض المسببات عن أسبابها كتخلف الإحراق عن النار في قصة إبراهيم، حيث قال: ﴿قُلْنَا ينَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [الأنبياء: ٦٩] . والغلاة في الأسباب هم القدرية.
٢ـ نفاة الأسباب وهم الأشاعرة؛ فينكرون تأثير الأسباب ويجعلونها
_________________
(١) ١ القاموس المحيط: ص ١٨١.
[ ٣٧٣ ]
مجرد علامات يحصل الشيء عندها لا بها، وهؤلاء خالفوا السمع وأنكروا ما خلق الله من القوى والطباع.
د - الأسباب لا تستقل بنفسها:
تقدم أن الأسباب لا تستقل شيء منها في تحصيل مسبباتها فيعلم بطلان مقولة الفلاسفة الملاحدة ومن وافقهم من المتفلسفة ممن ينتسبون إلى الإسلام كابن سينا، وهي أن الواحد لا يصدر عنه إلا واحد١. ويمكن تلخيص الرد عليهم بما يلي:
١ـ أنه ليس في الوجود واحد صدر عنه وحده شيء لا واحد ولا إثنان إلا الله تعالى، بل كل شيء محتاج إلى غيره في التسبب.
٢ـ فالنار مثلًا لا يحصل الإحراق بها إلا بمحل يقبل الاحتراق، فإذا وقعت على السمندل والياقوت ونحوهما لم تحرقهما، وكذلك إذا طلي الجسم بما يمنع إحراقه فلا يحترق.
السمندل: حيوان في الهند لا يحترق بالنار، قيل هو: هو دابة دون الثعلب يتلذذ بالنار، وقيل طائر لا يحترق ريشه٢.
الياقوت: حجر شفاف شديد الصلابة لا تذوبه النار.
ب - وكذلك شعاع الشمس لا بد له من جسم يقبل انعكاس الشعاع عليه، وإذا حصل حاجز من سحاب أو سقف لم يحصل وصول الشعاع٣.
فهذا يدل على أنه لا يوجد واحد يصدر عنه شيء بنفسه مفتقر إلى غيره وله مانع يمنع أثره.
٢ـ هذا القول من أعظم الجهل وليس عليه دليل عقلي ولا نقلي، بل الله ﷾ خلق المخلوقات كلها وقال: ﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ
_________________
(١) ١ الإشارات والتنبيهات لابن سينا (٣/١٤٧)، الملل والنحل (٣/٥٧٦) . ٢ الحيوان للجاحظ (٢/١١١) . ٣ المعجم الوسيط (٢/١٠٧٩) .
[ ٣٧٤ ]
لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [الذاريات: ٤٩]، فخالق الأزواج واحد، بل وخالق جميع المخلوقات واحد١.
١١ـ الأسئلة والأجوبة الواردة على ما في الأصل الثاني وهو (الشرع والقدر):
س١ـ اذكر مراتب القدر مع الأدلة.
ج - للقدر أربع مراتب وهي كما يلي:
ـ المرتبة الأولى: الإيمان بأن الله خالق كل شي وربه وملكيه، وأنه على كل شي قدير، والدليل قوله تعالى: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لا إِلَهَ إِلا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ﴾ [الأنعام: ١٠٢] .
ـ المرتبة الثانية: الإيمان بأن لله المشيئة العامة؛ فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن. والدليل قوله تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلا أنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التكوير: ٢٩] .
ـ المرتبة الثالثة: الإيمان بعلمه الأزلي الأبدي بما سيكون قبل أن يكون.
ـ المرتبة الرابعة: الإيمان بأن الله تعالى كتب مقادير كل شي.
* ودليل هاتين المرتبتين ما يلي:
١ـ من القرآن: قوله تعالى: ﴿ألَمْ تَعْلَمْ أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالأرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحج: ٧٠]
٢ـ ومن السنة: قوله ﵊: "إن الله قدر مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، وكان عرشه على الماء فكتابته تستلزم العلم، "هذا الحديث رواه مسلم في صحيحه (٤/٢٠٤٤) .
س٢ـ ما الذي يتضمنه الإيمان بالشرع؟
ج - يتصمن ما يلي:
_________________
(١) ١ منهاج السنة (١/٤٠٢) .
[ ٣٧٥ ]
١ـ الإيمان بأن الله أمر بعبادته وحده لا شريك له. قال الله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ ألا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: ٢٣] .
٢ـ وأنه خلق الجن والأنس ليعبدوه: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٣] .
٣ـ وأنه أرسل رسله وأنزل كتبه لتحقيق عبودبته، قال الله تعالى: ﴿وَمَا أرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلا نُوحِي إِلَيْهِ أنَّهُ لا إِلَهَ إِلا أنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٢٥] .
٤ـ وأن من يطع الرسول فقد أطاع الله. قال الله تعالى: ﴿وَمَا أرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ . ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [آل عمران: ٣١] .
* تعريف العبادة:
العبادة لغة: التذلل، مأخوذ من قولهم "عبّد" إذا ذلل.
واصطلاحًا: هي اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأفعال الظاهرة والباطنة.
س٣: ما هو دين الأنبياء جميعًا؟
ج: دين الأنبياء جميعًا واحد وهو الإسلام، وإن اختلفت شرائعهم، والدليل على ذلك ما يلي:
١ـ فمن القرآن قوله تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أنْ أقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ﴾ [الشورى: ١٣]، فأمر بإقامة الدين وألا يتفرقوا فيه، وقوله: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة: ٤٨] .
٢ـ ومن السنة قوله ﷺ: "إنا معاشر الأنبياء ديننا واحد، والأنبياء إخوة لعلاّت، وأنا أولى الناس بابن مريم، لأنه ليس بيني وبينه نبي" رواه البخاري ومسلم (٤/١٨٣٧) .
* والمراد: أن أمهاتهم شتى وأباءهم واحد؛ أي: شرائعهم شتى ودينهم
[ ٣٧٦ ]
واحد، كما في رواية البخاري: "أمهاتهم شتى ودينهم واحد". وقيل: المراد أزمنتهم مختلفة ودينهم واحد.
س٤: عرِّف الإسلام وبين أنواعه؟
ج: الإسلام هو الاستسلام والطاعة والعبادة لله، ثم إفراده بهذه العبادة؛ فمن لم يفرده بالعبادة كان مشركًا، ومن استكبر عن عبادته كان كافرًا متكبرًا، قال تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [النساء: ٣٦]، وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: ٦٠] .
والإسلام نوعان: عام وخاص:
فالعام: هو الاستسلام لله وحده؛ فهذا يصدق على كل أمة متبعة لنبي من الأنبياء.
والإسلام الخاص: هو ما بعث الله به نبيه ﷺ إلا الدين الذي جاء به.
س٥: ما الأدلة على أن أول الأنبياء يبشر بآخرهم، وآخرهم يصّدق أولهم؟
ج: الأدلة على ذلك ما يلي:
١ـ قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أأَقْرَرْتُمْ وَآخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾، قال القرطبي: "أخذ الله ميثاق الأول من الأنبياء أن يؤمن بما جاء به الآخر، والإصر: هو العهد. تفسير القرطبي (٤/١٢٣) .
٢ـ وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ﴾ [الأعراف: ١٥٧] .
٣ـ وقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ
[ ٣٧٧ ]
مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة: ٤٨] .
٤ـ وقد اجتمع التصديق بالأول والتبشير بالآخر في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يبَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أحْمَدُ﴾ .
س٦: هل من سبق من الأمم المتبعة لرسلهم مسلمون أم لا؟ وما ثمرة الخلاف؟
ج: إنهم مسلمون بالإطلاق العام لمعنى الإسلام؛ فالخلاف لفظي، وثمرة الخلاف: أن من قال: إن تلك الأمم مسلمون أراد الإسلام العام، ومن قال: إنهم غير مسلمين أراد الإسلام الخاص.
[ ٣٧٨ ]
التوحيد عند المتكلمين
قال شيخ الإسلام:
"وبهذا وغيره يعرف ما وقع من الغلط في مسمى التوحيد؛ فإن عامة المتكلمين الذين يقررون التوحيد في كتاب الكلام والنظر، غايتهم: أن يجعلوا التوحيد ثلاثة أنواع، فيقولون: هو واحد في ذاته لا قسيم له، وواحد في صفاته لا شبيه له، وواحد في أفعاله لا شريك له، وأشهر الأنواع الثلاثة عندهم هو الثالث، وهو توحيد الأفعال، وهو أن خالق العالم واحد، وهم يحتجون على ذلك بما يذكرونه من دلالة التمانع وغيرها، ويظنون أن هذا هو التوحيد المطلوب، وأن هذا معنى قولنا: "لا إله إلا الله"، حتى قد يجعلون معنى الإلهية: القدرة على الاختراع.
ومعلوم أن المشركين من العرب الذين بُعث إليهم محمَّد ﷺ أولًا لم يكونوا يخالفونه في هذا، بل كانوا يقرُّون بأن الله خالق كل شيء، حتى إنهم كانوا مقرين بالقدر أيضًا، وهم مع هذا مشركون.
وقد تبين أن ليس في العالم من ينازع في أصل هذا الشرك، ولكن غاية ما يقال: إن من الناس من جعل بعض الموجودات خلقًا لغير الله؛ كالقدرية وغيرهم، لكن هؤلاء يقرون بأن الله خالق العباد وخالق قدرتهم، وإن قالوا: إنهم خالقوا أفعالهم.
وكذلك أهل الفلسفة والطبع والنجوم الذين يجعلون بعض المخلوقات مبدعة لبعض الأمور، فهم مع الإقرار بالصانع يجعلون هذه الفاعلات مصنوعة مخلوقة، لا يقولون إنها غنية عن الخالق، مشاركة له في الخلق.
فأما من أنكر الصانع فذلك جاحد معطِّل للصانع، كالقول الذي أظهره
[ ٣٧٩ ]
فرعون، والكلام الآن مع المشركين بالله المقرَّين بوجوده، فإذا هذا التوحيد الذي قرروه لا ينازعهم فيه هؤلاء المشركون، بل يقرون به مع أنهم مشركون، كما ثبت بالكتاب والسنة والإجماع، وكما علم بالاضطرار من دين الإسلام.
وكذلك النوع الثاني، وهو قولهم: لا شبيه له في صفاته، فإنه ليس في الأمم من أثبت قديمًا مماثلًا له في ذاته، سواء قال: إنه مشاركه، أو قال: إنه لا فعل له، بل من شبَّه شيئًا من مخلوقاته فإنما يشبّهه به في بعض الأمور.
وقد عُلم بالعقل امتناع أن يكون له مِثْلٌ في المخلوقات، يشاركه فيما يجب أو يجوز أو يمتنع، فإن ذلك يستلزم الجمع بين النقيضين كما تقدم، وعلم أيضًا بالعقل أن كل موجودَيْن قائمين بأنفسهما فلابدّ بينها من قدر مشترك؛ كاتفاقهما في مسمى (الوجود) و(القيام بالنفس) و(الذات) ونحو ذلك، وأن نفي ذلك يقتضي التعطيل المحض، وأنه لابد من إثبات خصائص الربوبية، وقد تقدم الكلام على ذلك.
ثم إن الجهمية من المعتزلة وغيرهم أدرجوا نفي الصفات في مسمى (التوحيد)، فصار من قال: إن لله علمًا أو قدرة، أو إنه يُرى في الآخرة، أو إن القرآن كلام الله منزَّل غير مخلوق يقولون: إنه مشبَّه ليس بموحِّد.
وزاد عليهم غلاة الجهمية والفلاسفة والقرامطة فنفوا أسماءه الحسنى، وقالوا: من قال: إن الله عليم قدير عزيز حكيم فهو مشبِّه، ليس بموحد.
وزاد عليهم غلاة الغلاة، وقالوا: لا يوصف بالنفي ولا الإثبات، لأن في كل منهما تشبيهًا له.
وهؤلاء كلهم وقعوا من جنس التشبيه فيما هو شر مما فروا منه، فإنهم شبَّهوه بالممتنعات والمعدومات والجمادات فرارًا من تشبيههم - بزعمهم - له بالأحياء.
ومعلوم أن هذه الصفات الثابتة لله لا تثبت له على حد ما يثبت لمخلوق أصلًا، وهو ﷾ ليس كمثله شيء لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله، فلا فرق بين إثبات الذات وإثبات الصفات، فإذا لم يكن في إثبات
[ ٣٨٠ ]
الذات مماثلة للذوات لم يكن في إثبات الصفات إثبات مماثلة له في ذلك، فصار هؤلاء الجهمية المعطلة يجعلون هذا توحيدًا، ويجعلون مقابل ذلك التشبيه، ويسمون نفوسهم (الموحدين) .
وكذلك النوع الثالث، وهو قولهم هو واحد لا قسيم له في ذاته، أو لا جزء له، أو لا بعض له لفظ مجمل، فإن الله ﷾ أحد صمد لم يلد ولم يُولد، ولم يكن له كفوًا أحد، فيمتنع أن يتفرق، أو يتجزأ، أو يكون قد رُكِّب من أجزاء، لكنهم يدرجون في هذا الفظ نفي علوه على عرشه، ومباينته لخلقه، وامتيازه عنهم، ونحو ذلك من المعاني المستلزمة لنفيه وتعطيله، ويجعلون ذلك من التوحيد.
فقد تبيّن أن ما يسمونه (توحيدًا) فيه ما هو حق وفيه ما هو باطل، ولو كان جميعه حقًا، فإن المشركين إذا أقروا بذلك كله لم يخرجوا فيه من الشرك الذي وصفهم الله به في القرآن، وقاتلهم عليه الرسول ﷺ، بل لابد أن يعترفوا بأنه لا إله إلا الله.
وليس المراد بـ (الإله) هو القادر على الاختراع، كما ظنّه من ظنه من أئمة المتكلمين، حيث ظن أن الإلهية هي القدرو على الاختراع، وأن من أقرّ بأن الله هو القادر على الاختراع دون غيره فقد شَهِدَ أنه لا إله إلا هو، فإن المشركين كانوا يقرُّون بهذا وهم مشركون، كما تقدم بيانه، بل الإله الحق هو الذي يستحق أن يُعبد فهو إله بمعنى مألوه، لا إله إلا هو، فإن المشركين كانوا يقرُّون بهذا وهم مشركون، كما تقدم بيانه، لا إله بمعنى آله، والتوحيد أن يُعبد الله وحده لا شريك له، والإشراك أن يجعل مع الله إلهًا آخر".
معاني الكلمات:
المتكلمون: هم الذين يتعاطون علم الكلام المذموم كالجهمية والمعتزلة والأشعرية وغيرهم.
أهل النظر: هم الذين يوجبون النظر العقلي لإثبات الربوبية، فقالوا: أول واجب على العبد النظر أو القصد إلى النظر، وهم طوائف من الأشعرية والماتريدية.
[ ٣٨١ ]
دلالة التمانع: سُمي التمانع لأنه مبني على فرض تمانع الآلهة بعضها بعضًا عن الصنع ومغالبة بعضهم بعضًا.
عناصر الموضوع:
١ - حقيقة التوحيد عند أهل الكلام:
حقيقة التوحيد عند أهل الكلام هي اعتقاد الوحدانية لله ذاتًا وصفة وفعلًا، فنلحظ أنهم غلوا في توحيد الربوبية، وأهملوا توحيد الألوهية والعبادة تمامًا، مع نفيهم لكثير من الصفات كالعلو والاستواء، ويدَّعون أن هذا هو التحقيق والغاية من خلق الثقلين الإنس والجن، والغاية من إرسال الرسل وهذا خلاف الأدلة من الكتاب والسنة؛ قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦]، الحاصل أنهم لا يتعرضون لتوحيد الألوهية ويفسرونه بالربوبية.
٢ - أقسام التوحيد عند أهل الكلام:
ينقسم التوحيد عند أهل الكلام إلى ثلاثة أقسام:
١ـ توحيد الله في أفعاله لا شريك له.
٢ـ أنه واحد بصفاته ولا شبيه له.
٣ـ أنه واحد في ذاته لا قسيم له.
ولا يَخْفى أن من تدبر في توحيد المتكلمين يتبين له ما يلي:
١ـ أنه لا يوجد عندهم توحيد الألوهية ولا اهتمُّوا به، مع أن توحيد الألوهية هو المقصد الأعلى والهدف الأسمى من خلق الكون وما فيه، وإنزال الكتب، وإرسال الرسل كما تقدم بيانه.
غاية من خلق الثقلين الإنس والجن إثبات الصفات إثبات مماثلة له في ذلك، فصار هؤلاء المعطلة يجعلون هذا توحيدًا، ويجعلون مقابل ذلك التشبيه، ويسمون نفوسهم (الموحدين) .
٢ـ اهتمامهم الكبير بتوحيد الربوبية فقد جعلوه هو المقصد الأعلى والغاية العظمى، مع أنه أمر فطري لا يختلف فيه أهل الملل والنحل.
٣ـ قصدهم بتوحيد الذات أن الله لا يتجزأ ولا يتبعض، بل هو سبحانه أحد صمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد.
[ ٣٨٢ ]
وهذا حق، لكنهم أدخلوا فيه نفي كثير من الصفات كالوجه واليدين، وأدخلوا فيه نفي علو الله على خلقه، واستوائه على عرشه، فهم يظنون أنه لو ثبت هذه الصفات لله تعالى لكان مركبًا مبعَّضًا، فكلامهم هذا من قبيل كلمة حق أريد بها الباطل.
والنوع الثاني: أنه واحد في صفاته لا شبيه له، يراد به معنيان:
١ـ يعني حق وهو: أن يراد أن الله مسمى بالأسماء الحسنى، ومتصف بالصفات الكاملة التي لا يماثله فيها أحد.
٢ـ معنى باطل، وهو: أن يراد به نفي المماثلة من كل وجه، ووجه بطلانه: أنه ليس في الملل من يثبت قديمًا مماثلًا لله تعالى على السواء، وما ورد من التشبيه فهو تشبيه لبعض الخلق بالله تعالى من بعض الوجوه لا من جميعها.
ومقصودهم بتوحيد الأفعال: هو أنه واحد في أفعاله لا شريك له، أي أنه خلق العالم وهذا حق، لكنهم اخطئوا في جعله هو معنى لا إله إلا الله، نتيجة خلطهم بين الربوبية والألوهية.
الحاصل أنهم لا يتعرضون لتوحيد الألوهية ويفسرونه بتوحيد الربوبية، فظنوا أنه هو المطلوب من العباد، وأن معنى لا إله إلا الله: لا خالق إلا الله، أو لا قادر على الاختراع إلا الله.
٣ - أشهر أنواع التوحيد عند أهل الكلام:
أشهر أنواع التوحيد عند أهل الكلام هو أنه واحد في أفعاله لا شريك له، ومقصودهم به أن خالق العالم واحد، ويستدلون على ذلك بدليل التمانع؛ وهو دليل عقلي معناه: أنه لو كان للعالم صانعان وحصل اختلافهما؛ كأن يريد أحدهما إحياء جسم والآخر مماته، فلا يخلو إما أن يحصل مرادهما معًا أو لا يحصل مراد واحد منهما، أو يحصل مراد أحدهما دون الآخر، فالأول: ممتنع لأنه جمع بين النقيضين، والثاني: كذلك لأنه يستلزم خلو الجسم عن الحركة والسكون وهذا ممتنع لأنه يستلزم ارتفاع
[ ٣٨٣ ]
النقيضين وهذا باطل، والثالث: ممكن فيكون القادر إلهًا والعاجز لا يصلح أن يكون إلهًا، وهذا الاستدلال صحيح ولكن ليس هذا معنى لا إله إلا الله، لأن معناها: لا معبود إلا الله، وهؤلاء غلطوا في جعل الإله بمعنى الرب من وجهين:
أـ أنهم ظنوا أن الربوبية هي التوحيد المطلوب.
ب - أنهم ظنوا أن هذا هو معنى لا إله إلا الله؛ لأن معنى الألوهية عندهم القدرة على الاختراع.
ويرد عليهم: بأن المشركين الذين بعث إليهم الرسول ﷺ كانوا يقرون بتوحيد الربوبية، ولو كان هذا هو التوحيد المطلوب لم يمتنع المشركون من قول لا إله إلا الله، فلم ينازع أحد في أصل الربوبية، وغاية ما وجد من ذلك أنَّ من الناس من جعل لبعض الموجودات خالقًا غير الله، من القدرية ونحوهم، مع أنهم يقرون بأن الله خالق العباد وقدرتهم، أو قالوا إنهم خالقوا أفعالهم، وأهل الكلام يسمونه توحيد الربوبية، وقد غلطوا في الاستدلال على هذا القول بقوله تعالى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [البقرة: ١٦٣]؛ لأن المقصود من هذه الآية، بيان توحيد الربوبية كان معلومًا عند المشركين، فأفنوا أعمارهم بما لم ينازع فيه المشركون، لكن لم ينفعهم ذلك ولم يدخلهم في الإسلام، ومعلوم أن المقصد الأعظم الذي أرسل لأجله الرسل وأنزلت الكتاب وخلق له الجن والإنس هو عبادة الله وحده لا شريك له، فمعنى لا إله إلا الله: لا معبود بحق إلا الله.
٤ـ المشركون يقرون بتوحيد الربوبية وينكرون توحيد الألوهية:
أخبر الله أن المشركين الذين بعث فيهم الرسول ﷺ كانوا معترفين بالربوبية ولا ينكرونها، دلَّ على ذلك قوله تعالى:
١ـ ﴿وَلَئِنْ سَألْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [الزخرف: ٨٧] .
٢ـ ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأرْضِ أمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالآبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الأمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أفَلا تَتَّقُونَ﴾ [يونس: ٣١]
[ ٣٨٤ ]
٣ـ ﴿قُلْ لِمَنِ الأرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أفَلا تَذَكَّرُونَ * قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أفَلا تَتَّقُونَ * قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأنَّى تُسْحَرُونَ﴾ [المؤمنون: ٨٤ - ٨٩] .
فتبيَّن مما تقدم أن المشركين لا يجعلون أحدًا من آلهتهم شريكًا لله تعالى في ربوبيته من الخلق والرزق والملك والتدبير والتصريف، فهذه حقيقة لا ينكرها المشركون، وأخبر الله تعالى أن المشركين أنكروا على النبي ﷺ حقيقة أخرى لما نهاهم عن اتخاذ الشركاء وأمرهم بإخلاص العباد لله وحده، فهذا باطل عندهم وفاسد، وقالوا ما حكى الله عنهم في كتابه: ﴿أجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [ص: ٥]، لذا نعجبوا كيف ينهى عن اتخاذ الشركاء والأنداد ويأمر بإخلاص العبادة لله وحده.
• وأما الأدلة من السنة أن النبي ﷺ كان يُعلِّم أصحابه والداخلين في الإسلام من جديد، بأن يعبدوا الله وحده ولا يشركوا به شيئًا، حين كانوا مُقرِّين بأن الله الخالق، فقد روى البخاري عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ لما بعث معاذًا إلى اليمن قال له: "إنك ستأتي قومًا أهل كتاب، فإذا جئتهم فادعهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله" [أخرجه البخاري: ٣/٣٥٧] .
وفي رواية: "إنك تقدم على قوم أهل كتاب، فليكن أول ما تدعوهم إلى أن يوحدوا الله تعالى" [أخرجه البخاري، كتاب التوحيد: ١٣/٣٤٧ ح٧٣٧٢] .
وفي رواية أخرى: قال: "إنك تقدم على قوم أهل كتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه عبادة الله ﷿" [أخرجه مسلم، كتاب الإيمان ١/١٥ح ٣١] .
وكذلك قال النبي ﷺ: "أُمِرْتُ أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام، وحسابهم
[ ٣٨٥ ]
على الله" [أخرجه البخاري، كتاب الإيمان: ١/٧٥ ح٢٥] .
وأخبر النبي ﷺ أصحابه أن حق الله على العباد أن يوحدوا الله بالعبادة ويفردوه في ذلك، ويتجردوا من الشرك قليله وكثيره، صغيره وكبيره، حيث قال لمعاذ: "أتدري ما حق الله على العباد قال: الله ورسوله أعلم. قال: أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا، أتدري ما حقهم عليه؟ قال: الله ورسوله أعلم. قال: ألا يعذبهم" [أخرجه البخاري، كتاب التوحيد: ١٣/٤٣٧ ح٧٣] .
• وأما في لغة العرب فإن معنى الرب غير معنى الإله، فالأول يدل على الإحاطة والخلق والإيجاد والتربية، والثاني يدل على المعبود بحق أو باطل.
فالمقصود أن الكتاب والسنة واللغة دلت جميعها على أن هنالك فرقًا بين الربوبية والألوهية، وهذا خلاف ما عليه المتكلمون؛ فهم خلطوا معنى الألوهية بالربوبية، وظنوا أن الألوهية هي القدرة على الاختراع دون غيره فقد صار عندهم موحدًا، وليس الأمر كما ذهبوا إليه، بل الإله الحق هو الذي يستحق أن يعبد دون غيره.
[ ٣٨٦ ]
حقيقة التوحيد عند الصوفية
قال شيخ الإسلام:
"وإذا تبيّن أن غاية ما يقرره هؤلاء النظّار أهل الإثبات - للقدر، المنتسبون إلى السنة إنما هو توحيد الربوبية، وأن الله رب كل شيء، ومع هذا فالمشركون كانوا مقرين بذلك مع أنهم مشركون، وكذلك طوائف من أهل التصوف والمنتسبين إلى المعرفة والتحقيق والتوحيد، غاية ما عندهم من التوحيد هو شهود هذا التوحيد، وهو أن يشهد أن الله رب كل شيء ومليكه وخالقه، لاسيما إذا غاب العارف عندهم بموجوده عن وجوده، وبمشهوده عن شهوده، وبمعروفه عن معرفته، ودخل في فناء توحيد الربوبية بحيث يفنى من لم يكن ويبقى من لم يزل، فهذا عندهم هو الغاية التي لا غاية وراءها، ومعلوم أنّ هذا هو تحقيق ما أقرّ به المشركون من التوحيد، ولا يصير الرجل بمجرد هذا التوحيد مسلمًا، فضلًا عن أن يكون وليًا لله أو من سادات الأولياء.
وطائفة من أهل التصوف والمعرفة يقرُّون هذا التوحيد مع إثبات الصفات؛ فيفنون في توحيد الربوبية مع إثبات الخالق للعالم المبائن لمخلوقاته.
وآخرون يضمّون هذا إلى نفي الصفات فيدخلون في التعطيل مع هذا، وهذا شر من حال كثير من المشركين.
وكان جهم ينفي الصفات، ويقول بالجبر، فهذا تحقيق قول جهم، لكنه إذا أثبت الأمر والنهي، والثواب والعقاب، فارق المشركين من هذا
[ ٣٨٧ ]
الوجه، لكنّ جهمًا ومن اتبعه يقول بالأرجاء، فيضعف الأمر والنهي، والثواب والعقاب عنده.
والنجارية والضرارية وغيرهم يقربون من جهم في مسائل القدر والإيمان، مع مقاربتهم له أيضًا في نفي الصفات.
والكُلاّبية والأشعرية خير من هؤلاء في باب الصفات، فإنهم يثبتون لله الصفات العقلية، وأئمتهم يثبتون الصفات الخبرية في الجملة، كما فصّلتُ أقوالهم في غير هذا الموضع، وأما في باب القدر ومسائل الأسماء والأحكام فأقوالهم متقاربة.
والكُلاّبية هم أتباع أبي محمد عبد الله بن سعيد بن كُلاَّب، الذي سلك الأشعري خلفه، وأصحاب ابن كُلاَّب كالحارث المحاسبي وأبي العباس القلانسي ونحوهما خير من الأشعرية في هذا وهذا، فكلما كان الرجل إلى السلف والأئمة أقرب كان قوله أعلى وأفضل.
والكرّامية قولهم في الإيمان قول منكر لم يسبقهم إليه أحد، حيث جعلوا الإيمان قول اللسان، وإن كان مع عدم تصديق القلب، فيجعلون المنافق مؤمنًا، لكنه يخلد في النار، فخالفوا الجماعة في الاسم دون الحكم، وأما في الصفات والقدر، والوعد والوعيد، فهم أشبه من أكثر طوائف الكلام التي في أقوالها مخالفة للسنة.
وأما المعتزلة فهم ينفون الصفات ويقاربون قول جهم، لكنهم ينفون القدر، فهم وإن عظموا الأمر والنهي، والوعد والوعيد، وغلوا فيه، فهم يكذِّبون بالقدر، ففيهم نوع من الشرك من هذا الباب.
والإقرار بالأمر والنهي، والوعد والوعيد، مع إنكار القدر، خير من الإقرار بالقدر مع إنكار الأمر والنهي والوعد والوعيد، ولهذا لم يكن في زمن الصحابة والتابعين من ينفي الأمر والنهي، والوعد والوعيد، وكان قد نبغ فيهم القدرية كما نبغ فيهم الخوارج الحرورية، وإنما يظهر من البدع أولًا ما كان أخف، وكلما ضعف من يقوم بنور النبوة قويت البدعة.
فهؤلاء المتصوفون الذين يشهدون الحقيقة الكونية، مع إعراضهم عن
[ ٣٨٨ ]
الأمر والنهي شر من القدرية المعتزلة ونحوهم، أولئك يشبَّهون بالمجوس، وهؤلاء يشبَّهون بالمشركين الذين قالوا: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٤٨]، والمشركون شر من المجوس".
معاني الكلمات:
غاية: أي نهاية.
ما يقرره: أي يعتقدونه ويؤمنون به.
المنتسبون: أي المنتسبون إلى أهل السنة من المتصوفة وأرباب الكلام.
المشركون كانوا مقرين: أي المشركون في زمن النبي ﷺ كانوا معترفين بالربوبية.
أهل التصوف: يعرِّفونه: بأنه الأخذ بعقائد الصوفية، واليأس مما في أيدي الخلائق، وهو الزهد والصفي المؤدي إلى إهدار الأسباب وتركها.
المعرفة: أي المعرفة بالله رب كل شيء.
شهود هذا التوحيد: أي توحيد الربوبية.
العارف: أي الصوفي الذي عرف الله وأُفني فيه حبًا.
بموجوده: وهو الله ﷾، فغاية هؤلاء الصوفية أن يصلوا إلى حدِّ أنهم يزعمون أنه لا موجود إلا الله.
مشهوده: أي الله.
عن شهوده: أي شهود نفسه، لسقوط تمييزه.
بمعروفه: أي عن الله ﷾.
عن معرفته: أي عن معرفة نفسه، فيسقط تمييزه لاستغراقه في محبة الرب. المقصود (أن الموجود) و(المشهود) و(المعروف) هنا هو الله تعالى عند هؤلاء الصوفية، فغايتهم أن يصلوا إلى أنه لا موجود إلا الله ولا مشهود
[ ٣٨٩ ]
إلا الله ولا معروف إلا الله، فغايتهم الفناء في توحيد الربوبية، بحيث يفنى من لم يكن ويبقى من لم يزل، ومعلوم أن هذه الغاية هي ما أقر به المشركون من التوحيد، وهي الغاية لا يكون بها الرجل مسلمًا فضلًا أن يكون من أولياء الله.
الفناء: لغة: مصدر فنَِيَ، ومعناه: الاضمحلال والتلاشي. والزوال كقوله تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾ .
عناصر الموضوع:
١ـ حقيقة التوحيد عند الصوفية:
حقيقة التوحيد عند الصوفية أنهم انقسموا في ذلك إلى ثلاث طوائف:
• الطائفة الأولى: المتصوفة الذين وافقوا أهل الكلام في التوحيد؛ فحقيقة التوحيد عندهم هو ما عند أهل الكلام، ومعناه: هو اعتقاد الوحدانية لله ذاتًا وصفة وفعلًا، فيدّعون أن توحيد الربوبية هو غاية التوحيد وهو أن يشهد المرء أن الله رب كل شيء ومليكه وخالقه، ولا سيما إذا غاب العرف بموجوده عن نفسه، وبمشهوده عن شهوده، وبمعروفه عن معرفته، ودخل في فناء توحيد الربوبية بحيث يفنى من لم يكن ويبقى من لم يزل، ومعلوم أن هذه الغاية هي ما أقر به المشركون من التوحيد، وهي الغاية لا يكون بها الرجل مسلمًا فضلًا أن يكون من أولياء الله.
• الطائفة الثانية: المتصوفة الاتحادية؛ فتوحيدهم: أن الله موجود أزلًا في كل شيء حتى الكلب والخنزير والقرد، ويعتقدون أن كل المخلوقات ما هي إلا صور تتجلى فيها الذات الإلهية، أي أن الموجود الحقيق هو الله وحده وكل المخلوقات صورة له منذ الأزل.
• الطائفة الثالثة: المتصوفة الحلولية؛ فتوحيدهم: أن الله يحلُّ في عباده الصالحين بكثرة العبادة وإخلاص الحب لله.
٢ - أقسام التوحيد عند الصوفية:
ينقسم التوحيد عند الصوفية إلى ثلاثة أقسام:
[ ٣٩٠ ]
١ـ توحيد العامة: ويعنون به توحيد الألوهية، وهو الذي يصح بالشواهد أي الرسل.
٢ـ توحيد الخاصة: وهو الذي يثبت بالحقائق، ويقصدون به الفناء في الربوبية، وهو حقيقة التوحيد عندهم، والمحقق له يسمى عارفًا عندهم١، وأعلى مراتبه أن يغيب العارف بمشاهدة موجوده وهو الله تعالى عن وجود نفسه هو، أي يغيب عن الخلق باستحضاره للحق، وبمشهوده أي ربه عن شهوده لنفسه، وبمعروفه أي ربه عن معرفته لنفسه، وهذه الغيبة الصوفية٢ التي تسمى بوحدة الشهود؛ وهي تختلف عن وحدة الوجود؛ لأنهم يعتقدون وجود المخلوقات وأنها غير الله، ولكن لا يشاهدها لقوة تعلقه بالله، ويمثلون لذلك بشعاع الشمس، فإنه يطغى على جميع النجوم فلا تشاهد مع أنها موجودة.
وقولهم هذا باطل من وجهين:
• الأول: أنه حال ناقص؛ فإن غياب العقول عن المشاهدة والمعرفة لم يأتِ به الشرع، ولم يكن عليه الرسل ولا السلف الكرام من الصحابة والتابعين لهم بإحسان.
• الثاني: أنه لو أقر به المشركون وفنوا فيه لم يصيروا بذلك مسلمين، فضلًا عن أن يكونوا أولياء عارفين.
٣ـ توحيد خاصة الخاصة: وهو القائم بالقدم عندهم، وهو وحدة الوجود التي ينتهي إليها أئمتهم.
٣ - حقيقة الفناء:
لقد تقدّم تعريف الفناء في اللغة، أما عند المتصوفة فهو عدم الإحساس بعالم الملكوت في الاستغراق في عظمة البارئ ومشاهدة الحق.
_________________
(١) ١ انظر الكشف عن حقيقة الصوفية لمحمود قاسم، ص٢٩٥، والفتاوى (١٠/٢١٩) (١٣/١٩٩) . ٢ مدارج السالكين (١/١٦٩) وما بعدها.
[ ٣٩١ ]
والفناء على ثلاثة أقسام:
١ـ ديني شرعي وهوالفناء عن إرادة السوى: أي عن إرادة ما سوى الله ﷿ بحيث يفنى بالإخلاص لله عن الشرك، وبشرعيته عن البدعة، وبطاعته عن معصيته، وبالتوكل عليه عن التعلق بغيره، وبمراد ربه عن مراد نفسه، إلى غير ذلك مما يشتغل به عن مرضاة الله عما سواه.
وحقيقة: انشغال العبد بما يقربه إلى الله ﷿ عما لا يقربه إليه وإن سُمَّي فناء في اصطلاحهم.
٢ـ فناء صوفي بدعي وهو ما يذكره بعض الصوفية؛ أن يفنى عن شهود ما سوى الله، فيفنى بمعبوده وهو الله عن عبادته، أي ينشغل بالله إلى حدِّ يترك فيه عبادته، ويفنى بمذكوره أي الله عن ذكره، وبمعروفه أي الله عن معرفته لنفسه؛ بحيث يغيب عن شعوره بنفسه وبما سوى الله، وهذا حال ناقص كما مر، وقد يعرض لبعض السالكين لكنه ليس من لوازم طريق الله، لذلك لم يعرض للنبي ﷺ ولا للسابقين الأولين، ومن جعله نهاية السالكين فهو ضالٌّ ضلالًا مبينًا، ومن جعله من لوازم الطريق فهو مخطئ كما ذكره أبو إسماعيل الأنصاري في كتابه منازل السائرين.
وهذا النوع هو: الفناء عن شهود السوى: أي لا يشهد ولا يعرف إلا الله.
وخلاصة وجوه النقص في هذا النوع من الفناء ما يلي:
أـ أنه لم يقع للنبي ﷺ حتى في أعظم المواقف وهو موقف الإسراء والمعراج، وقد رأى النبي ﷺ من آيات ربه الكبرى، فكان غاية في الثبات ظاهرًا وباطنًا، أما ظاهرًا فكما قال تعالى: ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى﴾ [النجم: ١٧]، وأما باطنًا فقال: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأى﴾ [النجم:١١] .
وكذلك لم يقع هذا الفناء لخيرة خلقه بعد الرسل وهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم١.
_________________
(١) ١ التحفة المهدية، ص ٢٤٥
[ ٣٩٢ ]
ب - أن غياب العقل والوصول بصاحبه إلى حال كالمجانين والسكارى ليس فيه مدح لا عقلًا ولا شرعًا ولا عادة، بل يذم من يعتمد ذلك شرعًا وعقلًا وعادة.
ج - أن هذا الفناء دليل على ضعف قلب من يحصل له، وأنه لم يستطع الجمع بين الإيمان بالله وعبادته، فيظن أنه إن عبد الله انشغل عن معبوده١.
د - أن هذا الفناء فيه تعطيل للشرائع وفتح باب التهاون في الأعمال وتضييع الفرائض، ومعلوم ما في ذلك من مناقضة صريحة لدين الله.
٣ـ فناء شركي إلحادي وهو الفناء فيه تعطيل عن وجود السّوى بحيث يرى أن وجود الخالق هو عين وجود المخلوق، وأنه واحد بالعين، وهذا قول أصحاب وحدة الوجود والاتحاد، وقد سبق مذهبهم وأنهم أضل عباد الله كما هو مذهب ابن عربي وابن سبعين وابن فارض والتلمساني وغيرهم.
وهؤلاء الملحدون أكفر من النصارى، حيث إنهم جعلوا اتحاد الله عامًا في جميع المخلوقات، وانصارى خصوه بعبده الذي اصطفاه وهو عيسى عليه السلام٢. ولأن النصارى قالوا بالاتحاد بعد أن لم يكن الله متحدًا بعبده فلما خلقه اتحد به واما هؤلاء فجعلوا الاتحاد أزليًا أبديًا.
٤ـ العبارات المجملة عند مشائخ الصوفية:
ورد عن بعض مشائخ الصوفية عبارات مجملة محتملة هي:
١ـ أريد أن لا أكون.
٢ـ أن العارف لا حظَّ له.
٣ـ إنه يصير كالميت بين يدي الغاسل، ونحوها؛ فإن لها أحد احتمالين:
أـ إذا كان القائل من فضلاء الصوفية كعبد القادر الجيلاني وغيره فيحمل كلامه الأول على أنه لا يريد شيئًا إلا أن يكون مأمورًا بإرادته٣، وهذا معنى
_________________
(١) ١ تقريب التدمرية، ص ١٤٣. ٢ تقريب التدمرية، ص١٤٥. ٣ التحفة المهدية ص ٤٢٠.
[ ٣٩٣ ]
قول شيخ الإسلام: "فهذا إنما يمدح منه سقوط إرادته التي لم يُؤمر بها".
ويُحمل كلامه الثاني على أن العارف لاحظ له فيما يُؤمر بطلبه، وهذا معنى قول شيخ الإسلام: "وعدم حظه لم يؤمر بطلبه".
والثالث على أنه كالميت في طلب ما لم يُؤمر بطلبه، أو ترك رفع ما لم يُؤمر بدفعه، أي إنه مسلم لأوامره وأقداره.
ب - إن كان مقصوده أن إرادته تبطل بالكلية فلا يحس بالضار والنافع، ولا يميّز بين الأشياء؛ فقوله باطل، وقد سبق أنه مخاف للحس والعقل والدين.
٥ـ منهج الصوفية في الدين والعبادة:
للصوفية منهج في الدين والعبادة يخالف منهج السلف، ويبتعد كثيرًا عن الكتاب والسنة، فهم قد بنوا دينهم وعباداتهم على رسوم ورموز واصطلاحات اخترعوها وهي تتلخص فيما يلي:
١ـ قصرهم العبادة على المحبة فقط، فهم يبنون عبادتهم لله على المحبة ويهملون الجوانب الأخرى كالخوف والرجاء، كما قال بعضهم: أنا لا أعبد الله طمعًا في جنته ولا خوفًا من ناره! وبهذا قد خالفوا سبيل الأنبياء الذين قال عنهم الله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ [الأنبياء: ٩٠]، ولهذا يقول بعض السلف: من عبد الله بالحب وحده فهوزنديق،ومن عبد الله بالرجاء وحده فهو مرجىء، ومن عبد الله بالخوف وحده فهو حروري، ومن عبده بالحب والرجاء والخوف فهو مؤمن.
٢ـ الصوفية في الغالب لا يرجعون في دينهم وعبادتهم إلى الكتاب والسنة والاقتداء بالنبي ﷺ، وإنما يرجعون إلى أذواقهم وما يرسمه لهم شيوخهم من الطرق المبتدعة، وربما يستدلون بالحكايات والمنامات والأحاديث الموضوعة لتصحيح ما هم عليه.
٣ـ من دين الصوفية التزام أذكار وأوراد يضعها لهم شيوخهم، فيتقيدون
[ ٣٩٤ ]
بها ويتعبدون بتلاوتها، وربما فضلوا تلاوتها على تلاوة القرآن الكريم، ويسمونها ذكر الخاصة.
٤ـ غلو المتصوفة في الأولياء والشيوخ بخلاف عقيدة أهل السنة الجماعة؛ حيث جعلوا فيهم شيئًا من صفات الربوبية. وأنهم يتصرفون في الكون ويعلمون الغيب ويجيبون من استعان بهم، وأضافوا عليهم هالة من التقديس في حياتهم، وعبدوهم من دون الله بعد وفاتهم.
٥ـ من دين الصوفية الباطل تقربهم إلى الله بالغناء والرقص وضرب الدفوف والتصفيق، ويعتبرون هذا عبادة لله.
٦ـ ومن دينهم الباطل ما يسمونه بالأحوال التي تنتهي بصاحبها إلى الخروج عن التكاليف الشرعية نتيجة لتطور التصوف، فقد تطور بهم الحال من الزهد والحلم والصبر والإخلاص والصدق إلى الرقص والغناء والهيمان والخيالات والعشق، ثم إلى القول بالاتحاد والحلول، ثم على ترك الفرائض واستحلال المحارم وسقوط التكاليف.
فهذا دين الصوفية قديمًا وحديثًا، وهذه مواقفهم من العبادة والدين، ولم ننقل عنهم إلا القليل مما تضمنته كتبهم في هذا الموضوع.
٦ - معنى كلام شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "من التوحيد هو شهود هذا التوحيد.. إذا غاب العارف بموجوده عن وجوده "١.
أقول: من مصطلحات الصوفية: القول بوحدة الشهود: وفهم ذلك يتوقف على فهم وحدة الوجود.
فأقول: كثير من الصوفية يعتقدون عقيدة وحدة الوجود؛ ووحدة الوجود أن يعتقد أنه لا موجود إلا الله تعالى، فليس هناك موجود غير الله، فكل شيء هو الله! فالله عين الكون وعين الشمس والقمر والجبال ونحوها.
أما وحدة الشهود: فهي أن يعتقد الإنسان أن هناك أشياء موجودة غير الله تعالى.
_________________
(١) ١ التدمرية، ص٨٥.
[ ٣٩٥ ]
ولكنه لقوة فنائه في الله تعالى، وشدة عقيدته في ربوبية الله تعالى، وعدم التفاته إلى غير الله تعالى؛ لا يشاهد إلا الله تعالى مع اعتقاده أنه توجد أشياء غير الله تعالى ولكنه لشدة تعلقه بالله لا يشاهد إلا الله تعالى، وذلك كقوة شعاع الشمس فإن النجوم لا تشاهد عند شعاع الشمس بالنهار مع أنها موجود.
فلقوة شعاع وجود الرب تعالى لا يرى هذا الرجل، ولا يشاهد إلا الله تعالى، مع اعتقاده أن هناك أشياء موجودة غير الله تعالى، فلقوة تعلقه بالله في زعمه لا يلتفت ولا يرى لا زوجًا ولا أكلًا ولا شربًا ولا مالاص، فالعارف - يعني الصوفي العارف بالله (في زعمهم) - إذا غاب بموجوده أي بجسمه هو عن وجوده هو؛ فهو لا يشاهد إلا الله تعالى ولا يرى جسمه، وإذا غاب بمشهوده أي ربه [لأنه بشهود له فقط] غاب عن شهوده لغيره.
فهو لا يشاهد غير مشهوده وهو اللهو وإذا غاب بمعروفه [أي ربه الذي هو معروف لديه] عن معرفته لأشياء أخرى غير الله، فهو لا يعرف شيئًا غير الله تعالى، فإنه حينئذٍ يدخل في فناء التوحيد الكامل، وهو توحيد الربوبية عندهم، وهو توحيد كوني.
بحيث يعتقد أن من لم يكن في الأزل فهو فانٍ غير موجود، ونحو الأكل والشرب والزوجة والكون لم يكن موجودًا فهو الآن كأنه غير موجود، وأن من كان في الأزل وهو الله فهو باق، لم يزل ولا يزال، أما الأشياء الأخرى والموجودات الأخرى كأنها لا وجود لها أصلًا.
أقول: هذه الفلسفة الصوفية متضمنة للحق والباطل، فأما الحق فهو أن الكون لم يكن موجودًا وسيفنى أيضًا، والله كان وسيكون لم يزل ولا يزال موجودًا، وأما الباطل فهو اعتقاد أن هذا الكون غير موجود، وأنه غير مشهود، وأنه غير معروف، وأنه لا تعلق لنا بالدنيا والأكل والشرب والزوج والزوجة أصلًا.
[ ٣٩٦ ]
٧ـ معنى كلام شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ "أولئك يشبهون المجوس، وهؤلاء يشبهون المشركين".
أقول: يقصد شيخ الإسلام أن الصوفية الملاحدة الحلولية والوجودية الذين جلّ همهم التوحيد الكوني، يزعمون (أن الله حل في الكون، أو الكون هو الله) ويعرضون عن توحيد الألوهية، فلا يتقيدون بالشرع، ولا يأتمرون بأوامر الله، ولا ينتهون عن نواهي الله تعالى، فهؤلاء الصوفية شر من القدرية المعتزلة، بأن العبد خالق لأفعاله؛ فقالوا بخالقين! وتقول المجوس: إن خالق الشر غير الله.
فهم أيضًا قالوا بخالقين، ولكن هؤلاء الصوفية يشبهون المشركين الذين يعبدون الأوثان والأصنام ولا كتاب لهم.
ولا شك أن المشركين الوثنيين شر من المجوس؛ لأن المجوس يعدون من أهل الكتاب، ولذا قرر الفقهاء الفقهاء أن المشركين لا جزية عليهم ولكن المجوس عليهم الجزية، فأنزلوهم منزلة أهل الكتاب وهم لاشك أنهم مشركون، ولكن أخف شركًا من شرك المشركين الوثيين الذين يعبدون الأصنام.
٨ - معنى كلام شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ "ومن قال: إنه يفعل عندها لا بها؛ فقد خالف ما جاء به القرآن".
قصد شيخ الإسلام: أن الله تعالى - ولا شك - قد قدر الأشياء وعلمها في الأزل، وكل ما يحدث في الكون لا يحدث إلا تحت مشيئته وإرادته وتحت علمه وقدرته، ولكن الله تعالى ربط المسببات بالأسباب، فتلك المسببات لا تحدث إلا بتلك الأسباب كما قال: ﴿فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ﴾ [الأعراف: ٥٧] .
أي علق إنزال الماء بسبب السحاب، وقال تعالى: ﴿فَأخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾ [الأعراف: ٥٧]، فعلق الله تعالى إخراج الثمرات بسبب الماء من المطر والعيون.
[ ٣٩٧ ]
ولكن زعم قوم أن الله تعالى يحدث الأشياء ويخلق عند هذه الأسباب ولا يخلقها بها.
وهذا الزعم فاسد باطل مخالف لنصوص الكتاب والسنة، وصاحب هذا الزعم منكر للقوى التي أودعها الله تعالى في السباب، فهذا المنكر في الحقيقة منكر للمحسوسات فهو مكابر وليس بمناظر.
٩ - معنى كلام شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ " وذلك أنه ما من سبب من الأسباب إلا وهو مفتقر إلى سبب آخر في حصول مسببه".
أقول: (السبب) في اللغة عبارة عن الحبل، ويقال لكل شيء يكون الوصول به إلى شيء آخر: إنه سبب؛ فالسبب ما يتوصل به إلى المقصود، وهذا المقصود يسمى مسببًا، سواء كان ذلك السبب حبلًا، أو دلوًا، أو سلاحًا، أو شيئًا آخر.
والسبب في الاصطلاح العام (شرعًا وعرفًا): هو ما يتوقف عليه المقصود.
أي: السبب هو الذي لا يحصل المسبب إلا بوجوده؛ كالنصاب: فهو سبب لوجود الزكاة.
ثم السبب قد يكون تامًا، وهو الذي يكون سببًا وحيدًا لوجود المسبب، وقد يكون ناقصًا: وهو الذي يكون سببًا للمسبب، وقد يكون ناقصًا: وهو الذي يكون سببًا للمسبب، ولكن هو وحده لا يكون سببًا لهذا المسبب؛ بل يكون معه سبب آخر لذلك المسبب، وذلك إذا كان للمسبب سببان لا يستقل احدهما دون الآخر، وإذا اجتمعا يكونان سببًا كاملًا كالنصاب وحوَلان الحول كلاهما سبب لوجوب الزكاة.
الحاصل: أن قصد شيخ الإسلام هو الرد على من جعل الأسباب مستقلة مستغنية في إيجاب المسببات.
فأراد شيخ الإسلام أن يرد على هؤلاء من وجهين:
• الأول: أن الأسباب مفتقر بعضها إلى بعض، فما من سبب مستغنٍ عن الآخر؛ وما من سبب إلا وهو مفتقر بعضها إلى بعض، فما من سبب مستغن عن الآخر؛ وما من سبب إلا وهو مفتقر إلى سبب آخر في حصول مسببه.
[ ٣٩٨ ]
• الثاني: أنه لابد في كون الأسباب أسبابًا من عدم المانع، فإذا جاء المانع لا ينفع السبب فلا يوجد المسبب؛ فالنار سبب للاحتراق إن لم يكن هناك مانع؛ وإلا فلا.
فإن إبراهيم ﵇ ألقي في النار ولم يحترق، فالنار خلق الله فيها الحرارة لا يحصل الإحراق إلا بها، ولابد من المحل الذي يقبل الاحتراق، وإلا لا يوجد الاحتراق أصلًا، فإن وقع السمندل والياقوت ونحوهما في النار لا يحصل الاحتراق، وقد يطلى الجسم بما يمنع الإحراق فلا يحصل الاحتراق لوجود المانع.
والشمس سبب لوصول شعاعها إلى الأرض بشرط وجود الجسم الذي يقبل انعكاس الشعاع عليه، فإذا حصل حاجز من سحاب أو سقف لم يحصل وصول الشعاع إلى التحت.
الحاصل: أنه لا شيء يستقل ويستغني إلا الله تعالى؛ فكل شيء يفتقر إلى الله تعالى، والله وحده هو الغني الحميد.
١٠ - معنى كلام شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ "ولهذا من قال: إن الله لا يصدر عنه إلا واحد "
أقول: قصد شيخ الإسلام الرد على الفلاسفة اليونانيين الكفرة ومن سايرهم من المنتسبين إلى للإسلام كابن سينا وغيره من الملاحدة، حيث قالوا: إن الله واحد فلا يصدر عنه إلا واحد.
وفي هذا القول فسادان:
• الفساد الأول: أنه يدل على أن الله تعالى غير مريد ولا مختار في خلق المخلوقات؛ بل هو مضطر مجبور، حيث صدر منه واحد بالاضطرار بدون الاختيار.
• الفساد الثاني: أن هذه القضية كاذبة في نفسها؛ فإنه لا يوجد دليل على أن الواحد لا يصدر عنه إلا واحد، بل الحق والصدق أن الواحد يصدر عنه أشياء كثيرة. كما قال تعالى: ﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ﴾ [الذاريات: ٤٩]
[ ٣٩٩ ]
فعلم أن الله خالق الأزواج، وأن خالق الأزواج واحد، والأزواج كثيرة.
فدل ذلك على أن الواحد يخلق أشياء كثيرة.
فبطل قولهم: "إن الواحد لا يصدر منه إلا واحد"
١١ـ معنى كلام شيخ الإسلام: "عارض السكر "
أقول: (السكر): من خرافات الصوفية، وهو "غيبة بواردٍ قوي، وهو يعطي الطرب والالتذاذ، وهو أقوى من الغيبة، وأتم منها"١.
أقول: حاصل هذا التعريف: أن (السكر) حالة من أحوال الصوفية تحصل بسس وارد قوي يرد على قلب صوفي، إما من مشاهدته لله تعالى - حسب زعمه في كلب أو خنزير أو قرد - وإما لأجل عقيدته أن هذا الكون كله هو الله تعالى، أو لأجل دعواه الكاذبة أنه وصل في العشق والمحبة إلى حد فقد حواسه وقواه من شدة الوجد والعشق والمحبة، حتى سكر لا يعي ما يقول ولا يفهم، ولا يحس باكون ولا بالتكليف كأنه مجنون، أو نائم، أو ميت لا حراك له، أو يهذي هذيان المحمومين فيتكلم بكلمات الكفر والارتداد، وهذا كله انحلال وكفر وإلحاد وزندقة أيما زندقة.
ولذلك ترى شيخ الإسلام يرد على هؤلاء الزنادقة بقوله:
"فالأحوال التي يعبر عنها بالاصطلام والفناء والسكر - ونحو ذلك - إنما تتضمن عدم الإحساس ببعض الأشياء دون بعض فهي مع ضعف صاحبها وتوقف تمييزه - لا تنتهي إلى حد يسقط فيه التمييز مطلقًا؛ ومن نفى التمييز في هذا المقام مطلقًا وعظم هذا المقام - فقد غلط في الحقيقة الكونية والدينية قدرًا أو شرعًا، وغلط في خلق الله تعالى وفي أمره، (وأسقط التكليف)؛ حيث ظن أن وجود هذا (الكون) لا وجود له، (بل كل هذا الكون هو الله، لا موجود إلا الله) إلى آخر كلامه المهم.
_________________
(١) ١ التعريفات، ١٢٠.
[ ٤٠٠ ]
١٢ - معنى كلام شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ "ولكن توهمت طائفة أن للحسن والقبح معنى غير هذا ، وقابلتهم طائفة أخرى ظنت أن ما جاء به الشرع من الحسن والقبح يخرج عن هذا "
أقول: للناس نزاع في أن حسن الأشياء وقبحها عقليان؟ أم شرعيان؟
فطائفة ظنت أن القبح والحسن لا يعلمان إلا بالعقل، وطائفة ظنت أن القبح والحسن لا يعلمان إلا بالشرع.
وكلتا هاتين الطائفتين على غلط.
فأراد شيخ الإسلام أن يبين غلطهما ويبين الحق وهو القول الوسط.
وهو أن حسن الأشياء بمعنى كونها ملائمة للفاعل، وقبحها بمعنى كونها غير ملائمة للفاعل بل منفردة.
أو كون الأشياء مما يحبه الفاعل أو يكرهه، أو يتلذذ بها أو يتأذى بها.
فهذا لا شك يعلم تارة بالعقل، كعلمه بأن الطعام يشبع والماء يروي، وتارة يعلم بالشرع، وتارة يعلم بهما جميعًا.
ولكن تفاصيل الحسن وتفاصيل القبح، وأن هذا يحبه الله وذاك يبغضه الله ونحو ذلك؛ لا يعلم إلا بالشرع فقط.
كما قال سبحانه: ﴿وَكَذَلِكَ أوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾ [الشورى:٥٢] .
وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أضِلُّ عَلَى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي﴾ [سبأ: ٥٠] .
فدل ذلك على أن تفاصيل حسن الأمور وقبحها لا يعلم إلا بالوحي الذي هو مبنى الشرع، والعقل لا يدرك تفاصيل هذه الأمور، فحسن الأشياء وقبحها مركوز في الفطرة، والعقل مدرك إجمالًا، والشرع مزكٍّ ومرشد بالتفصيل ومبصر ومكمل١.
_________________
(١) ١ انظر الصواعق المرسلة: ٤/١٢٧٧ـ١٢٧٨.
[ ٤٠١ ]
١٣ - معنى كلام شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ "فمن نظر إلى القدر فقط، وعظم الفناء في توحيد الربوبية، ووقف عند الحقيقة الكونية - لم يميز بين العلم والجهل، والصدق والكذب، والبر والفجور، والعدل والظلم، والطاعة والمعصية، والهدى والضلال، والرشاد والغيّ، وأولياء الله وأعدائه".
أقول: مقصود شيخ الإسلام: أن هناك حقيقتين:
• الأولى - حقيقة كونية:
وهي ما خلقه الله تعالى ودبره وأراده وقدّره من الخير والشر، والتوحيد والشرك، والإسلام والكفر، والظلمة والنور، والعلم والجهل، والظلم والعدل، والبر والفجور، والهدى والضلال، وخلق له أولياء أمثال الأنبياء والمرسلين، وخلق أولياء للشيطان أمثال فرعون وقارون وأبي جهل، وغير ذلك من الأمور الكونية والموجودات الخارجية بقطع النظر عما يحبه الله وشرعه، أو يكرهه ولم يشرعه.
• والثانية - حقيقة شرعية:
وهي كل ما يحبه الله تعالى ويرضاه وشرعه لعباده وأمرهم به؛ كالتوحيد والإسلام والإيمان والبر والعلم والعدل وجميع أبواب الخير ونحوها.
وكل ما يكرهه الله تعالى ويمقته ويغضب عليه ولم يشرعه لعباده بل نهاهم عنه، كالكفر والشرك والسحر والكذب والزور والبهتان والظلم والغي والبغي وغيرها من الأمور التي يكرهها الله تعالى، فهذه كلها حقائق شرعية.
ولكن الذين نظروا إلى الكون من حيث إنه مخلوق موجود في الخارج؛ يرى في هذا الكون أولياء الله أمثال الأنبياء والمرسلين.
ويرى في هذا الكون أولياء الشيطان أمثال فرعون وقارون وهامان وأبي جهل وغيرهم.
[ ٤٠٢ ]
كما يرى في هذا الكون الإسلام والإيمان والتوحيد والصدق والخير والعلم والهدى والرشاد ومحبة الصالحين.
كذلك يرى في هذا الكون الكفر والشرك والكذب والشرور والجهل والغواية ومحبة الظالمين.
فمن نظر إلى هذا الكون نظرة واحدة نظرة كونية خلقية بدون التفريق بين الحلال والحرام، وبين الخير والشر، وبين الظلم والعدل، وبين الإسلام الكفر؛ وبين التوحيد والشرك، وجعل هذا الأمور كلها بمنزلة واحدة، فقد ألحد وتزندق وخلط الحق بالباطل، والكفر بالإسلام، وناقض توحيد الألوهية، وإن كان آمن بتوحيد الربوبية بعض الشيء.
فكثير من الصوفية الحلولية والاتحادية، وكثير من الفلاسفة والمتكلمين قد نظروا إلى الكون من حيث إنه كون، ولم يفرقوا بين الشرع وبين الكون؛ فوقعوا في أنواع من الكفر والإلحاد والزندقة، حيث أحلوا كثيرًا من المحرمات بحجة أنها أمور كونية، ولهذا ترى هؤلاء الحلولية والاتحادية يعتقدون أن جميع الأديان كلها حق وصواب، وأنه لا يوجد باطل في هذا الكون، ولا يوجد محرم في هذا الكون، فكل ما في هذا الكون حلال وصواب وحق.
فأحلوا جميع الفروج، وأن جميع ملل الكفار والوثنية كلها حق وصواب، لأنهم لم ينظروا إلى الكون بنظر الشرع١.
_________________
(١) ١ وفي ذلك يقول إمامهم الملحد الزنديق ابن عربي الصوفي الاتحادي الإلحادي (٦٣٨) هـ: ألا كل قول في الوجود كلامه سواء علينا نثره أو نظامه عقد الخلائق في الإله عقائد وأنا شهدت جميع ما اعتقدوه انظر فتوحاته المكية: ٤/١٤١، ٣/١٣٢.
[ ٤٠٣ ]
١٤ - معنى كلام شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ "فالأحوال التي يعبر عنها بالاصطلام والفناء والسكر ونحو ذلك"١.
أقول: الأحوال: جمع (الحال) .
والحال لغة غير الحال في اصطلاح أهل الكلام، وهو غير الحال في اصطلاح الصوفية، وهو غير الحال في اصطلاح النحاة؛ فالحال في اصطلاح الصوفية: "ما يرد على القلب بمحض الموهبة من غير تعمد ولا اجتلاب ولا اكتساب؛ من طرب أو حزن أو فيض أو بسط.
قلت الأحوال من خرافات الصوفية وترهاتهم.
ولكن المؤمن إذا سمع آيات الجهاد والإنفاق والتوحيد والرد على المشركين وأهل البدع، وفرح بذلك وسر وزاد إيمانه مع إيمانه السابق؛ فهذا من الأحوال الطيبة.
وإذا عمل عملًا صالحًا وفرح بذلك، فهذا من الأحوال الطيبة، وإذا عمل سيئة وحزن عليها وندم وتاب إلى الله تعالى فهذا من الأحوال الطيبة، وأما إذا خالف الكتاب والسنة وعمل السيئة ولم يحزن بل بعكس ذلك فرح بالفسق والفجور فهذا من الأحوال السيئة الفسقية.
وإذا سمع آيات الجنة واشتاق إليها فهذا من الأحوال الحسنة الطيبة، وإذا سمع آيات الترهيب والنار، خاف وَرَقَّ قلبه وخشع وبكى فهذا من الأحوال الحسنة، ولكن إذا سمع آيات الجنة والنار، ولم يترقق قلبه بل زاد قسوة على قسوة، فهذا من الأحوال السيئة.
أما (الاصطلام) فهو في اصطلاح الصوفية: "وجد غامر يرد على العقول فيسلبها، ويسلبها بقوة سلطانه وقهره"٢.
_________________
(١) ١ انظر: تعريفات الجرجاني، ٨١. واصطلاحات القاشاني، ٥٧. ٢ انظر: اللمع للسراج الطوسي، ص٤٥٠؛ كما في معجم ألفاظ الصوفية، ص٤٩.
[ ٤٠٤ ]
وأما (الفناء) في اصطلاح الصوفية فكما قاله الجرجاني الحنفي (٨١٦هـ):
"الفناء: سقوط الأوصاف المذمومة، كما أن البقاء وجود الأوصاف المحمودة، والفناء فناءان: أحدهما: ما ذكرنا، وهو بكثرة الرياضة.
والثاني: عدم الإحساس بعالم الملكوت، وهو بالاستغراق في عظمة الباري، ومشاهدة الحق"١.
أقول: فناء الصوفية هذيان وإلحاد وزندقة وانحلال؛ لأن سقوط الأوصاف المذمومة ووجود الأوصاف المحمودة، لا يمكن إلا بتقوى الله تعالى واجتناب نواهيه، وإيثار أوامره، وعبادته ﷾، وإتباع سنة نبيه محمَّد ﷺ مع الإخلاص التام؛ فمثل هذا يسمى تقوى وإسلامًا، وإيمانًا وصلاحًا، ورشدًا، وتوحيدًا، ولا يسمى فناءً.
وأما قولهم في معنى (الفناء): "إنه عدم الإحساس بالكون، ومشاهدة الحق" فهذا انحلال وكفر صريح وارتداد قبيح؛ لأن هذه عقيدة وحدة الوجود، فأصحاب وحدة الوجود، لا يرون شيئًا من هذا الكون؛ بل يعتقدون: أن الكون والجبال والسماء والأرض والجبال والشجر والمداد والبحر والناكح والمنكوح كل هذا هو الله بعينه، وأنهم يشاهدون الحق ويرون الله تعالى ولا يرون شيئًا آخر من الكون؛ فكل مايرونه من الكلب والخنزير والقرد وغيرها، فهو الله عندهم، فهم لا يرون - حسب زعمهم إلا الله٢.
_________________
(١) ١ التعريفات: ١٦٩. ٢ كما هذى بذلك ابن عربي الملحد الاتحادي (٦٣٨) هـ. فكان الحق أكوانًا وكنا نحن أعيانًا انظر: فتوحاته: ٢/٤٥، ٧٠. ولذا قال الأمير اليماني في بيان زندقتهم وخبث عقيدتهم الوجودية: مسماه كل الكائنات جميعها من الكلب والخنزير والقرد والفهد ديوان الصنعاني، ١٣١.
[ ٤٠٥ ]
سيرد شيخ الإسلام على هذه العقيدة بعد قليل، ويبين المفهوم الصحيح الشرعي للفناء.
وأما (السكر): فقد فسره الجرجاني (٨١٦) فقال: "وعند أهل الحق [أي الصوفية]:
(السكر٩: هو غيبة بوارد قوي، وهو يعطي الطرب والالتذاذ، وهو أقوى من الغيبة، وأتم منها"١.
قلت: هذه كلها من شطحات الصوفية نعوذ بالله منها.
١٥ - معنى كلام شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ (فصل في أقسام الفناء) .
أقول: قصد شيخ اإسلام ههنا هو الرد على الصوفية الحلولية والاتحادية بذكر معاني الفناء.
حيث ذكر للفناء معنى صحيحًا يوافق شرع الله تعالى، وذكر للفناء معنيين باطلين يصادمانشرع الله تعالى:
فقال رحمه الله تعالى ما حاصله:
(الفناء) على ثلاثة أقسام حسب اصطلاح الشرع واصطلاح الصوفية:
• الأول: هو الفناء الديني الشرعي المطلوب الواجب الذي جاءت به الرسل والشرائع وأنزلت به الكتب السماوية.
وهو أن يفنى المرء عما نهى الله عنه بفعل ماأمره الله به؛ فيفنى عن عبادة غير الله بعبادة الله تعالى، وعن طاعة غير الله تعالى بطاعته وطاعة رسوله ﷺ وبحلاله عن حرامه.
_________________
(١) ١ التعريفات: (١٢٠) . انظر: تعريفات الجرجاني، ٨١ واصطلاحات القاشاني، ٥٧.
[ ٤٠٦ ]
وهذا الفناء يسمى في الشرع: التقوى والبر والإحسان والإسلام والإيمان، والتوحيد، والسنة، وهو الطريقة السلفية.
وهو فناء مطلوب شرعًا مأمور به في الإسلام.
• الثاني: الفناء عن رؤية ما سوى الله وشهود غير الله.
فيفنى المرء بمعبوده عن عبادته، أي يشتغل بالله إلى حدٍّ يترك عبادته، ويترك التكاليف الشرعية بحيث يغيب عن الكون حتى يغيب عن نفسه إلى أن لا يشاهد إلا الله.
وهذا النوع من الفناء قد يقع فيه كثير من الصوفية الحلولية وأصحاب وحدة الشهود [أي الذين لا يشاهدون إلا الله الواحد، ولا يشلهدون الكون مع اعتقادهم أن الكون موجود] .
وهذا النوع من الفناء إلحاد وزندقة؛ لأن هذا الفناء لم يعرف للأنبياء والمرسلين ولا السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار.
• الثالث: الفناء عن وجود سوى الله تعالى:
بحيث يعتقد أن الوجود واحد، وأن الموجود واحد، وأن الكون هو الله بعينه، وأن الله هو الكلب والخنزير والفهد والقرد والحرباء والناكح والمنكوح والعاشق والمعشوق والواطئ والموطوء، وهذا الفناء قد يقع فيه الصوفية الوجودية من الملاحدة والزنادقة؛ أمثال الحلاج وابن عربي وابن سبعين وابن الفارض وعبد الكريم الجيلي، وهذا الفناء أعظم كفر على الإطلاق، وأكبر زندقة وأقبح إلحاد، وهؤلاء أشد كفرًا من اليهود والنصارى (١) .
_________________
(١) ١ وفي ذلك يقول الإمام الصنعاني الأمير اليماني (١١٤٢) هـ: وأكفر أهل الأرض من قال: إنه إله، وأن الله [جلّ عن الند] مسماه كل الكائنات جميعها من الكلب والخنزير والقرد والفهد
[ ٤٠٧ ]
١٦ - معنى كلام شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ "وهو أن يفنى عن شهود ما سوى الله".
أي هذا النوع من الفناء:
هو أن يفنى المرء عن رؤية ما سوى الله؛ فلا يشاهد غير الله؛ بل لا يشاهد إلا الله؛ مع اعتقاد أن غير الله موجود، ولكنه لا يشاهد إلا الله، وذلك كاعتقاد الناس أن النجوم موجودة في النهار، ولكنهم لا يشاهدون النجوم لأجل شعاع الشمس؛ فهؤلاء أيضًا لا يشاهدون الكون لأجل قوة شعاع نور الله تعالى (حسب زعمهم الفاسد)؛ وهو فناء أصحاب وحدة الشهود من الصوفية الحلولية.
١٧ - معنى كلام شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ "فهو الفناء عن وجود السوى".
أي النوع الثالث من الفناء هو فناء المرء عن وجود ما سوى الله، بحيث يعتقد أنه لا موجود إلا الله وأن الكون هو الله.
فهذا الفناء فناء أصحاب وحدة الوجود؛ وهم الوجودية الاتحادية الذين هم أشد كفرًا من الحلولية، وهو مذهب الغلاة من الصوفية كابن عربي وغيره.
١٨ - الأسئلة والأجوبة على ما تقدم:
س١: هل زعم أحد من الناس أن للعالم صانعين متكافئين؟ وهل وقع الشرك في الربوبية أم لا؟ فصّل القول.
ج: لم يزعم أحد من الناس أن للعالم صانعين متكافئين في الصفات والأفعال، بل عامتهم مقرُّون بأنه ليس له شريك مثله مساوٍ له في جميع الصفات، ولم يقع الشرك في الربوبية؛ وعامة المشركين بالله مقرّون بأنه ليس له شريك مثله، بل عامتهم يقرون أن الشريك مملوك له كما قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان: ٢٥]، وقوله: ﴿قُلْ لِمَنِ الأرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ [المؤمنون: ٨٥،٨٤]، وليس المقصود عدم الشرك في
[ ٤٠٨ ]
الربوبية مطلقًا، فإن طوائف من الناس ادعت أن هناك بعض المخلوقات خالقة ومبدعة، ولكن لم يقل أحد أنها مماثلة لله في جميع الأفعال والصفات. وأعظم الناس انحرافًا في الربوبية هم (الثنوية)؛ وهي فرقة من المجوس تقول بالأصلين: النور والظلمة، وأن النور خلق الخير والظلمة خلقت الشر، فهم يثبتون خالقين ومع ذلك لم يثبتوا التماثل في جميع الأفعال والصفات؛ لأنهم ذكروا في الظلمة قولين:
١ـ أنها محدثة مخلوقة من جملة المخلوقات.
٢ـ أنها قديمة لكنها لم تخلق إلا الشر؛ فتكون أنقص في صفاتها وأفعالها من النور، فبذلك لم يثبتوا صانعينمتكافئين.
س٢: اذكر أنواع التوحيد عند كل مما يلي مع التوضيح:
١ـ عند أهل السنة. ٢ـ عند الصوفية.
ج: التوحيد عند أهل السنة: قسّم علماء السنة إلى ثلاثة أقسام بالتتبع والاستقراء، وهي توحيد الربوبية، وتوحيد الألوهية، وتوحيد الأسماء والصفات، وقد اجتمعت هذه الأقسام الثلاثة في قوله تعالى: ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم: ٦٥] فالربوبية في قوله: ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾، والألوهية في قوله: ﴿فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ﴾، والأسماء والصفات في قوله: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ .
أما التوحيد عند الصوفية: فهو ثلاثة أنواع:
١ـ توحيد العامة: ويعنون به: توحيد الألوهية؛ وهو الذي يصح بالشواهد؛ أي الرسل.
٢ـ توحيد الخاصة: وهو الذي يثبت بالحقائق، ويقصدون به الفناء في الربوبية، وهو حقيقة التوحيد عندهم، والمحقق له يسمى عارفًا عندهم، وأعلى مراتبه أن يغيب العارف عن الخلق باستحضاره للحق (الله) .
٣ـ توحيد خاصة الخاصة: وهو القائم بالقدم عندهم؛ وهو وحدة الوجود التي ينتهي إليها أئمتهم.
[ ٤٠٩ ]
* فائدة: التعريف بالصوفية من حيث أصل النسبة، ثم التعريف الاصطلاحي، ثم النشأة باختصار.
• أولًا - من حيث النسبة: اختلف في نسبة الصوفية على أقوال كثيرة؛ والراجح منها ما يلي:
* رجح شيخ الإسلام وغيره أنها نسبة إلى الصوف لزهدهم ولبسهم الصوف.
• ثانيًا - التعريف الاصطلاحي للتصوف: فقد اختلف فيه كثيرًا وأشهرها ما يلي:
* التصوف: هو الأخذ بالحقائق واليأس مما في أيدي الخلائق، وهو تعريف الكرخي له، فالأخذ بالحقائق: فالحقائق تشمل الاعتقادات الصوفية. واليأس مما في أيدي الخلائق: يشمل الزهد الصوفي المؤدي إلى إهدار الأسباب.
• ثالثًا - نشأة التصوف: إن نشأة التصوف كانت في القرن الثاني عندما أقبل الناس على الدنيا، وانصرف أناس للزهد والعبادة فسموا بالصوفية، وهم الذين دعوا إلى الحب المجرد من الخوف والرغبة، فخالفوا بذلك سبيل الأنبياء الذين قال الله فيهم: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ [الأنبياء: ٩٠] .
س٣: بيِّن موقف الصوفية من العبادة والدين؟
ج: للصوفية - خصوصًا المتأخرين منهم - منهج في الدين والعبادة يخالف منهج السلف، ويبتعد عن الكتاب والسنة، فهم قد بنوا دينهم وعبادتهم على رسوم ورموز واصطلاحات اخترعوها، وهي تتلخص فيما يلي:
١ـ قصرهم العبادة على المحبة فقط، فهم يبنون عبادتهم لله على المحبة، ويهملون الجوانب الأخرى كالخوف والرجاء، كما قال بعضهم: أنا لاأعبد الله طمعًا في جنته ولا خوفًا من ناره، وبهذا قد خالفوا سبيل
[ ٤١٠ ]
الأنبياء الذين قال الله تعالى عنهم: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ [الأنبياء: ٩٠]، ولهذا يقول بعض السلف: من عبد الله بالحب وحده فهو زنديق، ومن عبده بالرجاء وحده فهو مرجئ، ومن عبد الله بالخوف وحده فهو حروري، ومن عبده بالحب والخوف والرجاء فهو مؤمن.
٢ـ الصوفية في الغالب لا يرجعون في دينهم وعبادتهم إلى الكتاب والسنة والاقتداء بالنبي ﷺ، وإنما يرجعون إلى أذواقهم وما يرسمه لهم شيوخهم من الطرق المبتدعة، وربما يستدلون بالحكايات والمنامات والأحاديث الموضوعة لتصحيح ما هم عليه.
٣ـ من دين الصوفية التزام أذكار وأوراد يضعها لهم شيوخهم، فيتقيدون بها ويتعبدون تلاوتها على تلاوة القرآن الكريم، ويسمونها ذكر الخاصة.
٤ـ غلو المتصوفة في الأولياء والشيوخ خلاف عقيدة أهل السنة والجماعة، حيث جعلوا فيهم شيئًا من صفات الربوبية، وأنهم يتصرفون في الكون، ويعلمون الغيب، ويجيبون من استعان بهم، وأضافوا عليهم هالة من التقديس في حياتهم، وعبدوهم من دون الله بعد وفاتهم.
٥ـ من دين الصوفية الباطل تقربهم إلى الله بالغناء والرقص وضرب الدفوف والتصفيق، ويعتبرون هذا عبادة لله.
٦ـ ومن دين الصوفية الباطل ما يسمونه بالأحوال التي تنتهي بصاحبها إلى الخروج عن التكاليف الشرعية نتيجة لتطور التصوف، فقد تطور بهم الحال من الزهد والحلم والصبر، والإخلاص والصدق، إلى الرقص والغناء والهيمان والخيالات والعشق، ثم إلى القول بالاتحاد والحلول، ثم إلى ترك الفرائض واستحلال المحارم وسقوط التكاليف.
فهذا هو دين الصوفية قديمًا وحديثًا، وهذا هو موقفهم من العبادة والدين، ولم ننقل عنهم إلا القليل مما تضمنته كتبهم في هذا الموضوع.
[ ٤١١ ]
س٤: اذكر أنواع التوحيد عند المتكلمين مبينًا مقصودهم في كل نوع مع ذكر حجتهم على النوع الأخير؟
ج: أنواع التوحيد عندهم ثلاثة:
١ - (توحيد الذات) وهو أنه واحد في ذاته لا قسيم له، وهذا النوع يراد منه معنيان:
• الأول: يراد به أن الله سبحانه لا يجوز عليه التعدد، بل هو واحد فرد صمد. وهذا المعنى حق.
• الثاني: أن يراد به نفي الصفات كصفة العلو ونحو ذلك، وهذا هو مرادهم زاعمين أن ذلك هو التوحيد. وهذا المعنى باطل.
٢ـ (توحيد الصفات) وهو أنه واحد في صفاته لا شبيه له، وهذا النوع يراد به معنيان أيضًا:
• الأول: يراد به أن الله مسمى بالأسماء الحسنى، ومتصف بالصفات الكاملة التي لا يماثله فيها أحد، وهذا المعنى حق.
• الثاني: يراد به نفي الصفات من كل وجه وهو الذي أرادوه، ووجه بطلانه: أنه ليس من الأمم من يثبت قديماُ مماثلًا لله في أسمائه وصفاته وأفعاله على السواء، وأقصى ما ورد من التشبيه: هو تشبيه لبعض الخلق بالله من بعض الوجوه لا من جميعها.
٣ـ (توحيد الأفعال) وهو أنه واحد في أفعاله لا شريك له، أي أن خالق العالم واحد، وهذا هو المراد عندهم. وأشهر الأنواع عندهم هو هذا النوع، ويظنون أنه هو المطلوب، وأنه معنى (لا إله إلا الله)، ويجعلون معنى الإلهية القدرة على الاختراع.
وحجتهم على هذا النوع من التوحيد هو دليل التمانع، ودليل التمانع عندهم هو استحالة وجود خالقين متكافئين، وذلك لو فرضنا أن هناك جسمًا وأراد أحدهما تسكينه والآخر تحريكه في وقت واحد، فلا يخلو الحال من أحد ثلاثة أمور:
١ـ أن يحصل مرادهما معًا: وهذا محال لأنه جمع بين النقيضين.
[ ٤١٢ ]
٢ـ أن لا يحصل مرادهما: وهذا محال لأنه خلو عن النقيضين؛ ولأنه يؤدي إلى عجزهما وعدم كونهما إلهًا.
٣ـ أن يحصل مراد أحدهما فيصير الثاني عاجزًا فلا يكون إلهًا، فثبت أن الإله واحد، ويستدلون عليه بقوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: ٢٢] فهم يغلطون من وجهين:
أـ أنهم يظنون أن هذا غاية التوحيد مع إهمالهم لتوحيد الألوهية الذي جاءت به الرسل.
ب - وأنهم يستدلون بالآية السابقة (على الربوبية)؛ مع أنها في تقرير الألوهية، فإنها ذكرت السموات والأرض فكانت موجودة مخلوقة، وقد قال: ﴿لَفَسَدَتَا﴾ وهذا الفساد بعد الوجود، والتمانع يمنع وجود المفعول ولا يوجب فساده بعد وجوده، وقال أيضًا: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ﴾ ولم يقل أرباب؛ فدل على أن المراد بالآية الإله المعبود لا الرب الخالق، والمعنى: لو كان في السموات والأرض إله معبود إلا الله لفسد نظام العالم لأنه قام بالعدل، والشرك أظلم الظلم.
س٥: وازن بين الفرق التي ضلت في الشرع والقدر.
ج: يمكن أن نبين هذه الموازنة بالشكلين الآتيين١:
القدر
غلاة (جبرية) نفاة (قدرية)
خالصة متوسطة غلاة النفاة مقتصدون
الجهمية الأشاعرة إنكار العلم إنكار المعيشة
وخلق الفعل
المعتزلة
١ التوضيحات الأثرية لأبي العالية ص ٣٢٧.
؟؟
؟؟
؟؟
؟؟
[ ٤١٣ ]
الإيمان
مرجئة وعيدية
الجهمية الأشاعرة الكرامية الحنفية خوارج حرورية معتزلة
المعرفة والماتريدية اللسان القلب
القلبية التصديق فقط واللسان
القلبي
فائدة١:
* تعريف الخوارج الحرورية: الحرورية نسبة إلى حروراء؛ وهي قرية بالكوفة نزل بها الخوارج الذين خرجوا على علي ﵁ بعد رجوعه من صفين بعد التحكيم، فنسبوا إليها.
* تعريف المرجئة: المرجئة هم من أخرجوا العمل عن مسمى الإيمان، وسموا بذلك لأحد سببين:
١ـ إما من الإرجاء وهو التأخير؛ لأنهم أخروا العمل عن الإيمان.
٢ـ أو من إعطاء الرجاء، لأنهم غلوا في الرجاء وأهملوا الوعيد.
* وهم أربع مراتب في تعريفهم للإيمان وهي كما يلي:
١ـ من يقول: إن الإيمان هو المعرفة فقط، وهؤلاء الغلاة وهم الجهمية.
_________________
(١) ١ المرجع السابق ص ٣٢٥. ؟؟ ؟؟ ؟؟ ؟؟
[ ٤١٤ ]
٢ـ ومن يقول: إن الإيمان هو التصديق فقط، وهذا مذهب الأشعري والماتريدي.
٣ـ ومن يقول: إن الإيمان هو قول اللسان فقط، وهذ قول الكرامية وهو أغربها.
٤ـ ومن يقول: إن الإيمان هو اعتقاد القلب وقول السان فقط، وهذا قول عامة الحنفية، وهم من يسمى بمرجئة الفقهاء، وخلافهم مع أهل السنة لفظي والله أعلم.
* أما تعريف الإيمان عند أهل السنة والجماعة فهو: اعتقاد بالقلب وقول باللسان وعمل بالجوارح، وهو يزيد وينقص، يزيد بالطاعات وينقص بالمعاصي.
س٦: اذكر الفرق الثلاث التي انحرفت في القدر، مع بيان سبب التسمية.
ج: الفرق الثلاث هم:
١ـ المجوسية: وهم الذين أنكروا القدر وأقروا بالشرع، وسُمّوا بذلك لأنهم أثبتوا خالقًا غير الله وهو العبد؛ حيث زعموا أنه خالق لفعله.
٢ـ المشركية: وهم الذين أقروا بالقدر ولكنهم غلوا فيه حتى أنكروا الأمر والنهي، فصادموا الشرع بالقدر وسموا بذلك لأنهم احتجوا على تعطيل الشرع بالقدر، كما قال المشركون فيما حكى الله عنهم: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٤٨] .
٣ـ الإبليسية: وهم الذين أقروا بالأمرين - الشرع والقدر - ولكنهم طعنوا في حكمة الله تعالى وعدله، وسموا بذلك لمشابهتهم لإبليس في طعنه في حكمة الله تعالى وعدله، حيث قال الله تعالى حكاية عن إبليس: ﴿أنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ [الأعراف: ١٢]، وكذلك: ﴿أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا﴾ [الإسراء: ٦١]، فهنا أقر إبليس بخلق الله تعالى وقدرته،
[ ٤١٥ ]
وكذلك أقر بشرعه، ولكنه طعن في حكمة الله وعدله؛ لأنه أمره بالسجود لمن هو دونه بزعمه.
س٧: بين مواقف الناس من الأسباب، مع التوضيح والمناقشة.
ج: مواقف الناس من الأسباب هما طرفان ووسط:
١ـ نفاة الأسباب: الذين ينكرون تأثير الأسباب ويجعلونها مجرد علامات يحصل الشيء عندها لا بها، حتى قالوا: انكسار الزجاجة بالحجر حصل عند الإصابة لا أن الإصابة هي التي كسرتها، وهؤلاء خالفوا السمع وأنكروا ما خلقه الله من القوى والطباع.
٢ـ غلاة: وهم الذين أثبتوا تأثيرها حتى جعلوها هي المؤثرة بذاتها، فوقعوا في الشرك؛ فأضافوا خلقًا إلى غير الله كما فعل القدرية، وهؤلاء خالفوا المحسوس من عدة وجوه:
• الوجه الأول: أن الحس دل على أنه ما من سبب إلا وهو مفتقر إلى سبب آخر في حصوله سببه.
• الوجه الثاني: ولا بد من عدم تمانعه يمنعه أثره إذا لم يدفعه الله عنه، فلا يستقل شيء بفعل شيء إلا الله.
• الوجه الثالث: أننا نشاهد تخلف بعض المسببات عن أسبابها؛ كتخلف الإحراق عن النار في قصة إبراهيم ﵇، حيث قال الله تعالى: ﴿ينَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [الأنبياء: ٦٩] .
٣ـ ووسط: وهم أهل السنة الذين يثبتون تأثير الأسباب لا لذاتها بل بما أودعه الله فيها من القوة؛ وهي قسمان: ١ـ كونية ٢ـ شرعية، وأمثلتها كما يلي:
أولًا: الكونية: قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا آقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾ [الأعراف: ٥٧]
ثانيًا: الشرعية: قوله تعالى: ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ﴾
[ ٤١٦ ]
[المائدة: ١٦] وقوله: ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا﴾ [البقرة: ٢٦] .
س٨: ما وجه احتياج الناس إلى الشرع؟
ج: وجه ذلك أن الله - تعالى - قد فطر الإنسان على الفعل لجلب المنافع، أو دفع المضار، ولا بد من التفكير والقدرة؛ فالتفكير لتقدير المنفعة والتمييز بينها وبين المفسدة، والقدرة للتمكن من الفعل، وهذا التفكير لا بد له من توجيه؛ فبعض الأمور قد يعلم نفعها بالفطرة، وبعضها بالتجربة، ولكن بعضها لا يعلمه إلا بالشرع، والله يرسل رسله لهداية خلقه إلى أقوم الطرق.
س٩: تكلم عن مسألة التحسين والتقبيح من خلال ما يلي:
١ـ المراد بالمسألة ٢ـ محل النزاع. ٣ـ الأقوال فيها. ٤ـ مناقشة الأقوال. ٥ـ ما يبنى عليها.
ج: أولًا: المراد بالمسألة:
المراد بها هو معرفة حسن الشيء وقبحه؛ هل هو ذاتي يدركه العقل، أم أنه اعتباري ونسبي وليست الأشياء في ذاتها حسنة ولا قبيحة؟
ثانيًا: تحرير محل النزاع:
١ـ اتفق الجميع على أن ما يوافق غرض الفاعل يسمى حسنًا ويدرك بالعقل؛ كحسن قتل العدو وغيره، وما خالف غرض الفاعل يسمى قبيحًا كالإيذاء ونحوه.
٢ـ اختلفوا في الأفعال هل توصف بالحسن والقبح لذاته أم هي أمور اعتبارية فقط بحسب موافقة أو مخالفة غرض الإنسان؟ وهل يترتب عليها الثواب والعقاب بمجرد تحسينها وتقبيحها أم ذلك متوقف على الرسل؟
ثالثًا: الأقوال في المسألة: وهي على ثلاثة أقوال:
• الأول: قول أهل السنة والجماعة: وخلاصته أن العقل قد يدرك قبح الأفعال وحسنها كقبح الكذب والظلم، وحسن الصدق والعدل، ولكن
[ ٤١٧ ]
لا يدرك تفاصيل ذلك، ولا يدرك الثواب والعقاب، بل ذلك لا يعرف إلا بالشرع.
• الثاني: قول المعتزلة: وخلاصته أن قبح الأفعال وحسنها يعرف بالعقل، ففيها صفات ذاتية لازمة ليس الشرع إلا كاشفًا لها، فيثبت الثواب والعقاب عليها وإن لم يأت الشرع.
• الثالث: قول الأشاعرة: وحاصله أنه ليس للأفعال حسن ولا قبح لذاتها؛ وإنما هي معانٍ إضافية غير حقيقية، وما جاء به الشرع من الثواب والعقاب إنما هو لمحض الإرادة لا لحكمة ولا لعلة في الفعل، فالحسن والقبح شرعي محض.
رابعًا: مناقشة الأقوال:
• القول الأول: وهو قول الأشاعرة: إن القبيح في حق الله ممتنع لذاته، فكل ما كان داخلًا في قدرة الله فهو حسن وله فعله؛ كتعذيب الطائعين وإكرام الكافرين ونحوهما.
• القول الثاني: وهو قول المعتزلة إن الله منزه عن القبيح لمجرد كونه قبيحًا عقلًا، وكل ما قبحه العقل فالله منزه عنه مع قدرته عليه.
خامسًا: كلا القولين - قول المعتزلة والأشاعرة - غاية في الانحراف؛ فقول الأشاعرة ليس في مدح لله - تعالى - على عدله وتركه للظلم، بل ليس فيه مدح له مطلقًا؛ لأنه لم يترك القبيح اختيارًا وإنما لامتناعه عليه لذاته - سبحانه، وقول المعتزلة فيه تسوية لله بخلقه، فكل ما قبحته عقولهم في حق المخلوقين نزهوا الله عنه، فلم يقدروا الله حق قدره.
س١ ٠: ناقش قول من قال: إن الله لا يصدر عنه إلا واحد. مع بيان القائلين به، والمقصود من قولهم.
ج: قولهم: إن الواحد لا يصدر عنه إلا واحد"ة قول باطل، ويمكن تلخيص الرد عليه بما يلي:
[ ٤١٨ ]
١ـ أنه ليس في الوجود واحد صدر عنه شيء لا واحد ولا اثنان إلا الله تعال، بل كل شيء محتاج إلى غيره في التسبب.
أـ فالنار مثلًا لا يحصل الإحراق بها إلا بمحلٍّ يقبل الإحراق.
ب - وكذلك شعاع الشمس لا بد له من جسم يقبل انعكاس الشعاع عليه، وإذا حصل حاجز من سحاب أو سقف لم يحصل وصول الشعاع.
٢ـ أن هذا القول من أعظم الجهل، وليس عليه دليل عقلي ولا نقلي، بل الله ﷾ خلق المخلوقات كلها حيث قال: ﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ﴾ فخالق الأزواج واحد، بل وخالق جميع المخلوقات واحد.
٣ـ أنه يلزم من قولهم هذا نفي إرادة الله؛ بل هو مجبور حيث صدر منه واحد بالاضطرار! تعالى الله عن قولهم علوًا كبيرًا.
* والقائلين بهذا القول هم الفلاسفة الملاحدة ومن وافقهم من المتفلسفة ممن ينتسب إلى الإسلام كابن سينا.
* والمقصود من قولهم: هو أن قولهم هذا مبني على قولهم في شبهة التركيب: إن الله واحد لا قسيم له. فيمكن أن يجاب عنه هنا بما سبق في شبهة التركيب فليراجع هناك.
س١١: اذكر بعض الألفاظ المجملة للصوفية، وبين ما تحتمله من معان.
١ـ (أريد أن أكون) .
٢ـ (إن العارف لا حظَّ له) .
٣ـ (إنه يصير كالميت بين يدي الغاسل) .
• الاحتمال الأول: إذا كان القائل من فضلاء الصوفية كعبد القادر الجيلاني فيحمل كلامه الأول على أنه لا يريد شيئًا إلا أن يكون مأمورًا بإرادته.
[ ٤١٩ ]
ويحمل كلامه الثاني على أن العرف لا حظ له فيما لم يؤمر بطلبه، والثالث على أنه مسلم لأوامر الله وأقداره.
• الاحتمال الثاني: إن كان مقصوده أن إرادته تبطل بالكلية فلا يحس بالضار والنافع ولا يميز بين الأشياء؛ وهو مخالف للحس والعقل والدين.
س١٢: اذكر أقسام الفناء عند الصوفية مع التوضيح.
ج: الفناء عند الصوفية ثلاثة أقسام:
١ـ الفناء عن إرادة السوى. ٢ـ الفناء عن شهود السوى. ٣ـ الفناء عن وجود السوى.
• الأول - الفناء عن إرادة السوى: (الفناء الديني الشرعي) فيفنى عن عبادة غير الله بعبادته وحده، وعن طاعة غيره بطاعته وطاعة رسوله، وهذا مطلوب شرعًا لكنه يسمى في الشرع بالإخلاص والإحسان والتقوى والبر والإيمان وغيرها، وينبغي ألا يعدل عن الألفاظ الشرعية؛ فإن تلك الألفاظ مجملة مشتملة على الحق والباطل، ولكن إثمها أكبر من نفعها.
• الثاني - الفناء عن شهود السوى: أي يفنى بمعبوده وهو الله عن عبادته، أي ينشغل بالله إلى حد يترك فيه عبادته، ويفنى بمذكوره - أي: الله - عن ذكره وبمعروفه - أي الله - عن معرفته لنفسه، بحيث يغيب عن شعوره بنفسه وبما سوى الله، وهذا حال ناقص، فمن جعله نهاية السالكين فهو ضال ضلالًا مبينًا، ومن جعله من لوازم الطريق فهو مخطئ.
* ووجوه النقص في هذا النوع ما يلي:
١ـ أنه لم يقع للنبي ﷺ حتى في أعظم المواقف وهو موقف الإسراء والمعراج.
٢ـ أن غياب العقل والوصول بصاحبه إلى حال كالمجانين ليس فيه مدح لا عقلًا ولا شرعًا ولا عادة؛ بل يذم من يعتمد ذلك شرعًا وعقلًا وعادة.
[ ٤٢٠ ]
٣ـ أن هذا الفناء دليل على ضعف قلب من يحصل له أنه لم يستطع الجمع بين الإيمان بالله وعبادته.
٤ـ أن هذا الفناء فيه تعطيل للشرائع وفتح لباب التهاون في الأعمال وتضييع الفرائض، ومعلوم ما في ذلك من مناقضة صريحة لدين الله.
• الثالث - الفناء عن وجود السوى: بحيث يرى أن وجود الخالق هو عين وجود المخلوق وأنه واحد بالعين، وهذا قول وحدة الوجود والاتحاد، وهم أضل عباد الله، وهو مذهب ابن عربي الصوفي وابن سبعين وابن الفارض وغيرهم.
[ ٤٢١ ]
أصل الإسلام الشهادتان
قال شيخ الإسلام:
"فهذا أصل عظيم، على المسلم أن يعرفه، فإنه أصل الإسلام الذي يتميز به أهل الإيمان من أهل الكفر، وهو الإيمان بالوحدانية والرسالة: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمَّدًا رسول الله.
وقد وقع كثير من الناس في الإخلال بحقيقة هذين الأصلين أو أحدهما، مع ظنه انه في غاية التحقيق والتوحيد والعلم والمعرفة، فإقرار المرء بأن الله رب كل شيء ومليكه وخالقه لا ينجيه من عذاب الله إن لم يقترن به إقراره بأنه لا إله إلا الله، فلا يستحق العبادة أحد إلا هو، وأن محمَّدًا رسول الله، فيجب تصديقه فيما أخبر. وطاعته فيما أمر، فلا بد من الكلام في هذين الأصلين.
• الأصل الأول: توحيد الإلهية، فإنه ﷾ أخبر عن المشركين - كما تقدم - بأنهم أثبتوا وسائط بينهم وبين الله يدعونهم ويتخذونهم شفعاء من دون الله تعالى، قال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الآرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [يونس: ١٨]، فأخبر أن هؤلاء الذين اتخذو هؤلاء الشفعاء مشركون، وقال تعالى عن مؤمن يس: ﴿وَمَا لِيَ لا أعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ * أأتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلا يُنْقِذُونِ * إِنِّي إِذًا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ * إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ﴾ [يس: ٢٢ـ٢٥] .
[ ٤٢٢ ]
وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ [الأنعام: ٩٤]، فأخبر سبحانه عن شفعائهم أنهم زعموا أنهم فيهم شركاء.
وقال تعالى: ﴿أمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أوَلَوْ كَانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلا يَعْقِلُونَ * قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [الزمر: ٤٣ـ٤٤]، وقال تعالى: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ﴾ [الأنعام: ٥١] .
وقد قال تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، وقال تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ * لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأمْرِهِ يَعْمَلُونَ * يَعْلَمُ مَا بَيْنَ آيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يَشْفَعُونَ إِلا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٦ـ٢٨] .
وقال تعالى: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلا مِنْ بَعْدِ أنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ [النجم: ٢٦]، وقال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الآرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ * وَلا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلا لِمَنْ آذِنَ لَهُ﴾ [سبأ: ٢٢ـ٢٣] .
وقد قال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلًا * أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أيُّهُمْ أقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾ [الإسراء: ٥٦ـ٥٧] .
قالت طائفة من السلف: كان أقوام يَدْعُون عزيرا والمسيح والملائكة، فأنزل الله هذه للآية بيَّن فيها أن الملائكة والأنبياء يتقربون إلى الله ويرجون رحمته ويخافون عذابه.
ومن تحقيق التوحيد أن يُعلم أن الله تعالى أثبت له حقًا لا يشركه فيه مخلوق، كالعبادة والخوف والخشية والتقوى، قال تعالى: ﴿لا تَجْعَلْ
[ ٤٢٣ ]
مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا﴾ [الإسراء: ٢٢]، وقال تعالى: ﴿إِنَّا آنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ * ألا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ [الزمر: ٢ـ٣]، وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ [الزمر ١١]، وقال تعالى: ﴿قُلْ أفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أعْبُدُ أيُّهَا الْجَاهِلُونَ * وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ * بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ [الزمر ٦٤ـ٦٦]، وكل من أرسل من الرسل يقول لقومه: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف: ٥٩] .
وقد قال تعالى في التوكل: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: ٢٣] .، ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ [إبراهيم: ١٢]، وقال تعالى: ﴿قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ [الزمر: ٣٨]، وقال تعالى: ﴿وَلَوْ آنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ﴾ [التوبة: ٥٩]، فقال في الإيتاء: ﴿مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ [التوبة: ٥٩]، وقال في التوكل: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ ولم يقل: ورسوله؛ لأن الإيتاء هو الإعطاء الشرعي، وذلك يتضمن الإباحة والإحلال الذي بلغه الرسول، فإن الحلال ما حلله، والحرام ما حرّمه، والدين ما شرعه، قال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧]، وأما الحسب فهو الكافي، والله وحده كافٍ عبده، كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران: ١٧٣]، فهو وحده حسبهم كلهم.
وقال تعالى: ﴿يا أيها النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال: ٦٤] أي حسبك وحسب من اتبعك من المؤمنين هو الله، فهو كافيكم كلكم، وليس المراد أن الله والمؤمنين حسبك، كما يظنه بعض الغالطين، إذ هو وحده كاف نبيه وهو حسبه، ليس معه من يكون هو وإياه حسبًا للرسول، وهذا في اللغة كقول الشاعر:
* فحسبك والضحّاك سيف مهند *
[ ٤٢٤ ]
وتقول العرب: حسبك وزيدًا درهم، أي يكفيك وزيدًا جميعًا درهم.
وقال في الخوف والخشية والتقوى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ [النور: ٥٢] فأثبت الطاعة لله وللرسول، وأثبت الخشية والتقوى لله وحده، كما قال نوح ﵇: ﴿إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ * أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأطِيعُونِ﴾ [نوح: ٢ـ٣]، فجعل العبادة والتقوى لله وحده، وجعل الطاعة للرسول، فإنه من يطع الرسول فقد أطاع الله.
وقال تعالى: ﴿فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [المائدة: ٤٤]، وقال تعالى: ﴿فلا تخا مؤمنين﴾ [آل عمران: ١٧٥]، وقال الخليل ﵇: ﴿وَكَيْفَ أخَافُ مَا آشْرَكْتُمْ وَلا تَخَافُونَ أنَّكُمْ أشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأيُّ الْفَرِيقَيْنِ أحَقُّ بِالآمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الأنعام: ٨١]، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الأمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام: ٨٢] .
وفي الصحيحين عن ابن مسعود ﵁ أنه قال: لما نزلت هذه الآية شق ذلك على أصحاب رسول الله ﷺ وقالوا: أيّنا لم يظلم نفسه؟ فقال النبي ﷺ: "إنما هو الشرك، ألم تسمعوا إلى قول العبد الصالح: ﴿إن الشرك لظلم عظيم﴾ ١ [لقمان: ١٣]، وقال تعالى: ﴿وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ [البقرة: ٤٠]، ﴿وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ﴾ البقرة: ٤١] .
ومن هذا الباب أن النبي ﷺ كان يقول في خطبته: "أمن يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما فإنه لا يضر إلا نفسه ولن يضر الله شيئًا" ٢، وقال: "لا تقولوا ما شاء الله وشاء محمَّد، ولكن قولوا ما شاء الله ثم شاء محمّد"٣.
_________________
(١) ١ متفق عليه: صحيح البخاري (١/٨٧ برقم ٣٢) وهو عنده في مواضع أخرى وصحيح مسلم (١/ ١١٤ـ ١١٥ برقم١٢٤) . ٢ أخرجه أبو داود في سننه (٣/٤٤٦ - ٤٤٧) وصحح النووي إسناده في شرح مسلم (٦/١٦٠) . ٣ أخرجه الإمام أحمد في المسند ٥/٣٩٣، وابن ماجة في سننه (١/٦٨٥ برقم ٢١١٨) .
[ ٤٢٥ ]
ففي الطاعة قرن اسم الرسول باسمه بحرف (الواو)، وفي المشيئة أمر أن يجعل ذلك بحرف (ثم) وذلك لأن طاعة الرسول طاعةٌ لله، فمن يطع الرسول فقد أطاع الله، وطاعة الله طاعة للرسول بخلاف المشيئة، فليست مشيئة أحد من العباد مشيئة لله، ولا مشيئة الله مستلزمة لمشيئة العباد، بل ما شاء الله كان وإن لم يشأ الناس، وما شاء الناس لم يكن إلا أن يشاء الله.
• الأصل الثاني: حق الرسول ﷺ، فعلينا أن نؤمن به، ونطيعه، ونتبعه، ونرضيه، ونحبه، ونسلم لحكمه، وأمثال ذلك، قال تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠]، وقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أحَقُّ أنْ يُرْضُوهُ إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة: ٦٢]، وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأمْرِهِ﴾ [التوبة: ٢٤]، وقال تعالى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي آنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥]، وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [آل عمران: ٣١] وأمثال ذلك.
فصل
إذا ثبت هذا فمن المعلوم أنه يجب الإيمان بخلق الله وأمره: بقضائه وشرعه.
وأهل الضلال الخائصون في القدر انقسموا على ثلاث فرق: مجوسية ومشركية، وإبليسية.
• فالمجوسية الذين كذَّبُوا بقدر الله، وإن آمنوا بأمره ونهيه، فغلاتهم أنكروا العلم والكتاب، ومقتصدتهم أنكروا عموم مشيئة الله وخلقه وقدرته، وهؤلاء هم المعتزلة ومن وافقهم.
• والفرقة الثانية - المشركية: الذين أقروا بالقضاء والقدر، وأنكروا
[ ٤٢٦ ]
الأمر والنهي، قال الله تعالى: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٤٨]، فمن احتج على تعطيل الأمر والنهي بالقدر فهو من هؤلاء، وهذا قد كثر فيمن يدّعي الحقيقة من المتصوفة.
• والفرقة الثالثة - الإبليسية: وهم الذين أقروا بالأمرين، لكن جعلوا هذا تناقضًا من الرب ﷾، وطعنوا في حكمته وعدله، كما يُذكر مثل ذلك عن إبليس مقدمهم كما نقله أهل المقالات، ونقل عن أهل الكتاب.
والمقصود أن هذا مما يقوله أهل الضلال، وأما أهل الهدى والفلاح فيؤمنون بهذا وهذا، فيؤمنون بأن الله خالق كل شيء قدير، أحاط بكل شيء علمًا، وكل شيء أحصاه في كتاب مبين.
ويتضمن هذا الأصل من إثبات علم الله، وقدرته، ومشيئته ووحدانيته، وربوبيته، وأنه خالق كل شيء وربه ومليكه ما هو من أصول الإيمان.
ومع هذا لا ينكرون ما خلقه الله من الأسباب، التي يخلق بها المسببات، كما قال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا أقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾ [الأعراف: ٥٧]، وقال تعالى: ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ﴾ [المائدة: ١٦]، وقال تعالى: ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا﴾ [البقرة: ٢٦] فأخبر أنه يفعل بالأسباب.
ومن قال: يفعل عندها لا بها، فقد خالف ما جاء به القرآن وأنكر ما خلقه الله من القُوى والطبائع، وهو شبيه بإنكار ما خلقه الله من القوى التي في الحيوان التي يفعل الحيوان بها مثل قدرة العبد.
كما أن من جعلها هي المبدعة لذلك فقد أشرك بالله، وأضاف فعله على غيره، وذلك أنه ما من سبب من الأسباب إلا وهو مفتقر إلى سبب آخر في حصول مسببه، ولا بدّ له من مانع يمنع مقتضاه إذا لم يدفعه الله عنه، فليس في الوجود شيء واحد يستقل بفعل شيء إلا الله وحده، قال تعالى: ﴿وَمِنْ
[ ٤٢٧ ]
كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [الذاريات: ٤٩]، أي فتعلمون أن خالق الأزواج واحد.
ولهذا من قال: إن الله لا يصدر عنه إلا واحد؛ لأن الواحد لا يصدر عنه إلا واحدا؛ كان جاهلًا، فإنه ليس في الوجود واحد صدر عنه وحده شيء، لا واحد ولا اثنا، إلا الله خلق الأزواج كلها مما تنبت الأرض ومن أنفسهم ومما لا يعلمون، فالنار التي جعل الله فيها حرارة، لا يحصل الإحراق إلا بها وبمحل الاحتراق، فإذا وقعت على السمندل والياقوت ونحوهما لم تحرقهما، وقد يُطلى الجسم بما يمنع إحراقه، والشمس التي يكون عنها الشعاع لابد من جسم يقبل انعكاس الشعاع عليه، وإذا حصل حاجز من سحاب أو سقف لم يحصل الشعاع تحته، وقد بسط هذا في غير هذا الموضع.
والمقصود هنا أنه لابدّ من الإيمان بالقدر، فإن الأيمان بالقدر من تمام التوحيد كما قال ابن عباس ﵄: هو نظام التوحيد، فمن وحَّد الله وآمن بالقدر تَمَّ توحيده، ومن وحَّد الله وكذب بالقدر نقض تكذيبه توحيده.
ولا بدّ من الإيمان بالشرع، وهو الإيمان بالأمر والنهي، والوعد والوعيد، كما بعث الله بذلك رسله وأنزل كتبه.
والإنسان مضطر إلى شرع في حياته الدنيا، فإنه لا بد له من حركة يجلب بها منفعته، وحركة يدفع بها مضرته، والشرع هو الذي يمييز بين الأفعال التي تنفعه، والأفعال التي تضره، وهو عدل الله في خلقه، ونوره بين عباده، فلا يُمَكِّن الآدميين أن يعيشوا بلا شرع يميّزون به بين ما يفعلونه ويتركون.
وليس المراد بالشرع مجرد العدل بين الناس في معاملاتهم، بل الإنسان المنفرد لابد له من فعل وترك، فإن الإنسان همّام حارث، كما قال
[ ٤٢٨ ]
النبي ﷺ: "أصدق الأسماء حارث وهمّام" ١، وهو معنى قولهم: متحرك بالإرادة، فإذا كان له إرادة هو متحرك بها، فلابد أن يعرف ما يريده هل هو نافع له أو ضار؟ وهل يصلحه أو يفسده؟
وهذا قد يعرف بعضه الناس بفطرتهم، كما يعرفون انتفاعهم بالأكل والشرب، وكما يعرفون ما يعرفون من العلوم الضرورية بفطرتهم، وبعضه يعرفونه بالاستدلال الذي يهتدون به بعقولهم، وبعضهم لا يعرفونه إلا بتعريف الرسل وبيانهم له، وهدايتهم إياهم.
وفي هذا المقام تكّم الناس في الأفعال هل يعرف حسنها وقبحه بالعقل، أم ليس لها حسن وقبح يعرف بالعقل؟ كما قد بسط في غير هذا الموضع، وبينَّا ما وقع في هذا الموضع من الاشتباه، فإنهم اتفقوا على أن يكون الفعل يلائم الفاعل أو ينافره يعلم بالعقل، وهو أن يكون الفعل سببًا لما يحبه الفاعل ويلتذ به، وسببًا لما يبغضه ويؤذيه.
وهذا القدر يعلم بالعقل تارة، وبالشرع أخرى، وبهما جميعًا أخرى، لكن معرفة ذلك على وجه التفصيل، ومعرفة الغاية التي تكون عاقبة الأفعال من السعادة والشقاوة في الدار الآخرة لا تعلم إلا بالشرع، فما أخبرت به الرسل من تفاصيل اليوم الآخر، وأمرت به من تفاصيل أسماء الله وصفاته لا يعلمه الناس بعقولهم جمل ذلك.
وهذا التفصيل الذي يحصل به الإيمان، وجاء به الكتاب هو مما دلّ قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾ [الشورى: ٥٢]، وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أضِلُّ عَلَى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ﴾ [سبأ: ٥٠]، وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ﴾ [الأنبياء: ٤٥] .
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري في الأدب المفرد ص ١٢٠، وأبو داود في سننه (٣/٣٩٣) .
[ ٤٢٩ ]
ولكن طائفة توهمت أن للحسن والقبح معنى غير هذا، وأنه يعلم بالعقل، وقابلتهم طائفة أخرى ظنت أن ما جاء به الشرع من الحسن والقبح يخرج عن هذا، فكلتا الطائفتين اللتين أثبتتا الحسن والقبح العقليين أو الشرعيين وأخرجتاه عن هذا القسم غلطت.
ثم إن كلتا الطائفتين لما كانت تنكر أن يوصف الله بالمحبة والرضا والسخط والفرح ونحو ذلك مما جاءت به النصوص الإلهية، ودلَّت عليه الشواهد العقلية تنازعوا بعد اتفاقهم على أن الله لا يفعل ماهو منه قبيح، هل ذلم ممتنع لذاته وأنه لا تتصور قدرته على ما هو قبيحو أو أنه ﷾ منزه عن ذلك لا يفعل لمجرد القبح العقلي الذي أثبتوه؟ على قولين:
والقولان في الانحراف من جني القولين المتقدمين، أولئك لم يفرقوا في خلقه وأمره بين الهدى والضلال، والطاعة المعصية، والأبرار والفجار، وأهل الجنة وأهل النار، والرحمة والعذاب، فلا جعلوه محمودًا على ما فعله من العدل أو تركه من الظلم، ولا ما فعله من الإحسان والنعمة أو تركه من العذاب والنقمة، والآخرون نزّهوه بناءً على القبح العقلي الذي أثبتوه، ولا حقيقة له، وسووه بخلقه فيما يحسن ويقبح، وشبهوه بعباده فيما يُؤمر به ويُنهى عنه.
فمن نظر إلى القدر فقط، وعظَّم الفناء في توحيد الربوبية، ووقف عند الحقيقة الكونية، لم يميّز بين العلم والجهل، والصدق والكذب، والبر والفجور، والعدل والظلم، والطاعة والمعصية، والهدى والضلال، والرشد والعي، وأولياء الله وأعدائه، وأهل الجنة وأهل النار، وهؤلاء مع أنهم مخالفون بالضرورة لكتب الله ودينه وشرائعه، فهم مخالفون أيضًا لضرورة الحس والذوق، وضرورة العقل والقياس، فإن أحدهم لا بد أن يلتذ بشيء ويتألم بشيء، فيميّز بين ما يُؤكل ويشرب، وما لا يُؤكل ولا يشرب، وبين ما يؤذيه من الحر والبرد، وما ليس كذلك، وهذا التمييز ما ينفعه ويضره هو الحقيقة الشرعية الدينية.
ومن ظن أن البشر ينتهي إلى حد يستوي إلى حد يستوي عنده الأمران دائمًا فقد افترى
[ ٤٣٠ ]
وخالف ضرورة الحس، ولكن قد يعرض للإنسان بعض الأوقات عارض كالسكر والإغماء ونحو ذلك مما يشغله عن الإحساس ببعض الأمور، فأما أن يسقط إحساسه بالكلية مع وجود الحياة فيه فهذا ممتنع، فإن النائم لم يسقط إحساسه نفسه، بل يرى في منامه ما يسره تارة وما يسوؤه أخرى، فالأحوال التي يُعبر عنها بالاصطلام والفناء والسكر ونحو ذلك إنما تتضمن عدم الإحساس ببعض الأشياء دون بعض، فهي مع نقص صاحبها لضعف تمييزه لا تنتهي إلى حد يسقط فيه التمييز مطلقًا.
ومن نفى التمييز في هذا المقام مطلقًا، وعظَّم هذا المقام فقد غلط في الحقيقة الكونية والدينية قدرًا وشرعًا: غلط في خلق الله وفي أمره، حيث ظن وجود هذا، ولا وجود له، وحيث ظن أنه ممدوح، ولا مدح في عدم التمييز والعقل والمعرفة.
وإذا سمعت بعض الشيوخ يقول: أريد أن لا أريد، أو إن العارف لا حظّ له، أو إنه يصير كالميت بين يدي الغاسل، ونحو ذلك، فهذا إنما يمدح منه سقوط إراداته التي لم يؤمر بها، وعدم حظه الذي لم يؤمر بطلبه، وأنه كالميت في طلب ما لم يُؤمر بطلبه، وترك دفع ما لم يُؤمر بدفعه.
ومن أراد بذلك أنه تبطل إرادته بالكلية، وأنه لا يحس باللذة والألم، والنافع والضار، فهذا مخالف لضرورة الحس والعقل، ومن مدح هذا فهو مخالف ضرورة الدين والعقل.
والفناء يُراد به ثلاثة أمور:
• أحدها: وهو الفناء الديني الشرعي الذي جاءت به الرسل، ونزلت به الكتب، هو أن يفنى عما لم يأمر الله به بفعل ماأمر الله به، فيفنى عن عبادة غيره بعبادته، وعن طاعة غيره بطاعته وطاعة رسوله، وعن التوكل على غيره بالتوكل عليه، وعن محبة ما سواه بمحبته ومحبة رسوله، وعن خوف غيره بخوفه، بحيث لا يتبع العبد هواه بغير هدى من الله، وبحيث يكون الله ورسوله أحبّ إليه مما سواهما، كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا
[ ٤٣١ ]
وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأمْرِهِ﴾ [التوبة: ٢٤]، فهذا كله مما أمر الله به ورسوله.
• وأما الفناء الثاني: وهو الذي يذكره بعض الصوفية، وهو أن يفنى عن شهود ما سوى الله تعالى، فيفنى بمعبوده عن عبادته، وبمذكوره عن ذكره، وبمعروفه عن معرفته، بحيث قد يغيب عن شعوره بنفسه وبما سوى الله؛ فهذا حالٌ ناقص، قد يعرض لبعض السالكين، وليس هو من لوازم طريق الله، ولهذا لم يعرض مثل هذا للنبي ﷺ والسابقين الأولين.
ومن جعل هذا نهاية السالكين فهو ضالٌّ ضلالًا مبينًا، وكذلك من جعله من لوازم طريق الله فهو مخطئ، بل هو من عوارض طريق الله التي تعرض لبعض الناس دون بعض، ليس هو من اللوازم التي تحصل لكل سالك.
• وأما الثالث: فهو الفناء عن وجود السوى، بحيث يرى أن وجود المخلوق هو عين وجود الخالق، وأن الوجود واحد بالعين، فهذا قول أهل الإلحاد والاتحاد، الذي هم من أضلّ العباد. وأما مخالفتهم لضرورة العقل والقياس، فإن الواحد من هؤلاء لا يمكنه أن يطرد قوله، فإنه إذا كان مشاهدًا للقدر من غير تمييز بين المأمور والمحظور، فعومل بموجب ذلك؛ مثل أن يُضرب ويُجاع حتى يبتلى بعظيم الأوصاب والأوجاع فإن لام من فعل ذلك به وعابه فقد نقض قوله، وخرج عن أصل مذهب، وقيل له: هذا الذي فعله مقضي مقدور، فخلق الله وقدره ومشيئته متناول لك وله، وهو يعمّكما، فإن كان القدر حجة لك فهو حجة لهذا، وإلا فليس بحجة لا لك ولا له، فقد تبين بضرورة العقل فساد قول من ينظر إلى القدر، ويعرض عن الأمر والنهي.
والمؤمن مأمور بأن يفعل المأمور، وبترك المحظور، ويصبر على المقدور، كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا﴾ [آل عنران: ١٢٠]، وقال تعالى في قصة يوسف: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [يوسف:٩٠] فالتقوى فعل ما أمر الله به، وترك ما نهى [الله] عنه، ولهذا قال تعالى: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ
[ ٤٣٢ ]
وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالإِبْكَارِ﴾ [غافر: ٥٥]، فأمره مع الاستغفار بالصبر، فإن العباد لا بد لهم من الاستغفار أولهم وآخرهم، قال النبي ﷺ في الحديث الصحيح: "يا أيها الناس، توبوا إلى ربكم، فوالذي نفسي بيده إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة" ١.وقال: (إن ليغان على قلبي، وإني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم مائة مرة)
• وكان يقول "اللهم اغفر لي خطيئتي وجهلي، وإسرافي في أمري، وما أنت أعلم به مني، اللهم اغفر لي خطئي وعمدي، وهزلي وجدي، وكل ذلك عندي، اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت، وما أسررت وما أعلنت، وما أنت أعلم به مني، أنت المقدم وأنت المؤخر، لا إله إلا أنت"٢.
وقد ذكر عن آدم أبي البشر أنه استغفر ربه وتاب إليه، فاجتباه ربه وتاب عليه وهداه، وعن إبليس أبي الجن أنه أصرّ متعلقًا بالقدر فلعنه وأقصاه، فمن أذنب فتاب وندم فقد أشبه اباه، ومن أشبه اباه فما ظلم، قال تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الآمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَالْجِبَالِ فَأبَيْنَ آنْ يَحْمِلْنَهَا وَأشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا * لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٧٢ـ٧٣] .
ولهذا قرن ﷾ بين التوحيد والاستغفار في غير آية، كما قال تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أنَّهُ لا إِلَهَ إِلآ اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [محمَّد: ١٩]، وقال تعالى: ﴿فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ﴾ [فصلت:٦]،
_________________
(١) ١ أخرجه الإمام البخاري في صحيحه (١/١٠١ برقم ٦٣٠٧) والإمام مسلم في صحيحه (٤/٢٠٧٦ برقم ٢٧٠٢) نحوه. ٢ أخرجه مسلم في صحيحه (٤/٢٠٧٥ برقم ٢٧٠٢)
[ ٤٣٣ ]
وقال تعالى: ﴿ا؟لر لكِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ * ألا تَعْبُدُوا إِلا اللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ * وَأنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أجَلٍ مُسَمًّى﴾ [هود: ١ـ٣] .
وفي الحديث الذي رواه ابن أبي عاصم وغيره: "يقول الشيطان أهلكت الناس بالذنوب، وأهلكوني بلا إله إلا الله والاستغفار، فلما رأيت ذلك بثثت فيهم الأهواء، فهم يذنبون ولا يتوبون؛ لأنهم يحسبون أنهم يحسنون صنعًا١.
وقد ذكر الله ﷾ عن ذي النون أنه نادى في الظلمات: ﴿أنْ لا إِلَهَ إِلا أنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٨]، قال تعالى: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٧]، قال النبي ﷺ: "دعوة أخي ذي النون ما دعا بها مكروب إلا فرَّج الله بها كربه"٢.
وجماع ذلك أنه لابد له في الأمر من أصلين، ولا بد له في القدر من أصلين، ففي الأمر عليه الاجتهاد في الامتثال علمًا وعملًا، فلا يزال يجتهد في العلم بما أمر الله به، والعمل بذلك، ثم عليه أن يستغفر ويتوب من تفريطه في المأمور وتعديه للحدود.
ولهذا كان من المشروع أن تختتم جميع الأعمال بالاستغفار؛ فكان النبي ﷺ إذا انصرف من صلاته استغفر ثلاثًا٣، وقد قال تعالى: ﴿وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأسْحَارِ﴾ [آل عمران: ١٧]، فقاموا الليل ثم ختموا بالاستغفار، وآخر سورة نزلت في قوله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أفْوَاجًا * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ
_________________
(١) ١ أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/٢٠٧) وقال عنه: " رواه أبو يعلى، وفيه عثمان بن مطر، وهو ضعيف". ٢ أخرجه الترمذي في سننه (٩/٤٧٩ - ٤٨٠ برقم ٨٥) والحاكم في المستدرك (١/٥٠٥) و(٢/٣٨٣) من حديث سعد بن أبي وقاص ﵁. ٣ أخرجه مسلم في صحيحه (١/٤١٤ برقم ٥٩١) .
[ ٤٣٤ ]
كَانَ تَوَّابًا﴾ ١ [النصر: ١ـ٣]، وفي الحديث الصحيح أنه كان ﷺ يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده: "سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي" يتأول القرآن٢.
وأما في القدر فعليه أن يستعين بالله في فعل ما أمر به، ويتوكل عليه، ويدعوه، ويرغب إليه، ويستعيذ به، فيكون مفتقرًا إليه في طلب الخير وترك الشر، وعليه أن يصبر على المقدور، ويعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، وإذا آذاه الناس علم أن ذلك مقدَّر عليه.
ومن هذا الباب احتجاج آدم وموسى، لما قال: يا آدم، أنت أبو البشر خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه، وأسجد لك ملائكته، لماذا أخرجتنا ونفسك من الجنة؟ فقال له آدم: أنت موسى الذي اصطفاك الله بكلامه، فبكم وجدت مكتوبًا عليَّ قبل أن أُخلق ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾ [طه: ١٢١]، قال: بكذا وكذا سنة، قال: فحج آدم موسى٣. وذلك أن موسى لم يكن عتبه للآدم لأجل الذنب، فإن آدم كان قد تاب منه، والتائب من الذنب كمن لا ذنب له، ولكن لأجل المصيبة التي لحقتهم من ذلك، وهم مأمورون أن ينظروا إلى القدر في المصائب، وأن يستغفروا من المعائب، كما قال تعالى: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ [غافر: ٥٥] .
فمن راعى الأمر والقدر - كما ذكر - كان عابدًا لله، مطيعًا له، مستعينًا به، متوكلًا عليه، من الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين.
وقد جمع الله سبحانه بين هذين الأصلين في غير موضع، كقوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥]، وقوله تعالى: ﴿فَاعْبُدْهُ
_________________
(١) ١ أخرجه مسلم في صحيحه (١/٢٣١٨ برقم ٥٩١) . ٢ تقدم تخريجه. ٣ متفق عليه: صحيح البخاري (٦/٤٤١ برقم ٣٤٠٩) صحيح مسلم (٤/٢٠٤٢ـ ٢٠٤٤برقم ٢٦٥٢) من حديث أبي هريرة ﵁ وغيره.
[ ٤٣٥ ]
وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ [هود: ١٢٣]، وقوله تعالى: ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [الشورى: ١٠]، وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: ٢ـ٣]، فالعبادة له والاستعانة به، وكان النبي ﷺ يقول عند الأضحية: "اللهم منك ولك"١، فما لم يكن بالله لا يكون، فإنه لا حول ولا قوة إلا بالله، وما لم يكن لله لا ينفع ولا يدوم.
ولابد في عبادته من أصليين:
أحدهما: إخلاص الدين له.
والثاني: موافقة أمره الذي بعث به رسله.
ولهذا كان عمر بن الخطاب ﵁ يقول في دعائه اللهم اجعل عملي كله صالحًا، واجعله لوجهك خالصًا، ولا تجعل لأحد فيه شيئًا.
وقال الفضيل بن عياض ﵀ في قوله تعالى: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أيُّكُمْ أحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك:٢]، قال: أخلصه وأصوبه، قيل: يا أبا علي، ما أخلصه وأصوبه؟ قال: إن العمل إذا كان خالصًا ولم يكن صوابًا لم يُقبل، وإذا كان صوابًا ولم يكن خالصًا لم يقبل، حتى يكون خالصًا صوابًا، والخالص أن يكون لله، والصواب أن يكون على السنة٢.
ولهذا ذمَّ الله المشركين في القرآن على اتباع ما شرع لهم شركاؤهم من الدِّين الذي لم يأذن به الله من عبادة غيره، وفعل ما لم يشرعه من الدين، قال الله تعالى: ﴿أمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى: ٢١]، كما ذمَّهم على أنهم حرّموا مالم يحرمه الله، والدين الحق أنه لا حرام إلا ما حرمه الله، ولا دين إلا ما شرعه الله.
ثم إن الناس في عبادته واستعانته على أربعة أقسام:
_________________
(١) ١ أخرجه أبو داود في سننه (٧/٤٩٦ـ٤٩٧) وابن ماجه في سننه (٢/١٠٤٣ برقم ٣١٢١) . ٢ انظر قوله في: تفسير البغوي بهامش تفسير ابن كثير (٨/٤٢٤) .
[ ٤٣٦ ]
فالمؤمنون المتقون هم له وبه، يعبدونه ويستعينونه.
وطائفة تعبده من غير استعانة ولا صبر، فتجد عند أحدهم تحرِّيا للطاعة والورع، ولزوم السنة، لكن ليس لهم توكل واستعانة وصبر، بل فيهم عجز وجزع.
وطائفة فيهم استعانة وتوكّل وصبر من غير استقامة على الأمر ولا متابعة للسنة، فقد يمكن أحدهم ويكون له نوع من الحال باطنًا وظاهرًا، ويُعطى من المكاشفات والتأثيرات ما لم يعطه الصنف الأول، ولكن لا عاقبة له، فإنه ليس من المتقين، والعاقبة للتقوى، فالأولون لهم دين ضعيف، ولكنه مستمر باق إن لم يفسده صاحبه بالجزع والعجز، وهؤلاء لأحدهم حال وقوة ولكن لا يبقى له إلا ما وافق فيه الأمر، واتبع فيه السنة.
وشر الأقسام من لايعبده ولا يستعينه، فهو لا يشهد أن عمله لله، ولا أنه بالله.
فالمعتزلة ونحوهم من القدرية الذين أنكروا القدر هم في تعظيم الأمر والنهي والوعد والوعيد خير من هؤلاء الجبرية القدرية الذين يعرضون عن الشرع والأمر والنهي، والصوفية هم في القدر ومشاهدة توحيد الربوبية خير من المعتزلة، ولكن فيهم من فيه نوع بدع مع إعراض عن بعض الأمر والنهي، والوعد والوعيد، حتى يجعلوا الغاية هي مشاهدة توحيد الربوبية والفناء في ذلك، فيصيرون أيضًا معتزلين لجماعة المسلمين وسنتهم، فهم معتزلة من الوجه، وقد يكون ما وقعوا فيه من البدع شرًا من بدعة أولئك المعتزلة، وكلتا الطائفتين نشأت من البصرة".
معاني الكلمات:
أصل: الأصل هو ما يُبنى عليه غيره.
أصل الإيمان: هم أهل التصديق بالله والانقياد بما جاء به الرسول ﷺ من الشرع.
[ ٤٣٧ ]
وقد وقع كثير من الناس في الإخلال بحقيقة هذين الأصلين: هم أهل البدع من أهل الكلام والتصوف.
غاية التحقيق: هو نهاية التحقيق.
الوحدانية: اعتقاد الوحدانية لله ذاتًا وصفة وفعلًا.
توحيد الألوهية: هو إفراد الله بالعبادة.
عناصر الموضوع:
١ـ حقيقة الشرع وأصله:
حقيقة الشرع وأصله مبني على الإقرار بالوحدانية والرسالة هما حقيقة الشرع، وهما اللذان يفرق بهما بين المسلمين وغيرهم، لا مجرد الإقرار بالربوبية كما يزعم طوائف من أهل الكلام والتصوف.
٢ـ أركان لا إله إلا الله:
كلمة التوحيد والتقوى لها ركنان:
• الركن الأول: هو "لاإله" نفي الألوهية الحقة عن كل ما سوى الله من المخلوقات.
• الركن الثاني: هو "إلا الله" إثبات الألوهية لله وحده لا شريك له.
٣ـ معنى لا إله إلا الله عند أهل السنة ومخالفيهم:
المقرون بكلمة التوحيد (لا إله إلا الله" افترقوا في معناها على أربع فرق١:
_________________
(١) ١ الرسالة السلفية.
[ ٤٣٨ ]
• الفرقة الأولى قالت: معناها لا معبود إلا الله، وبناءً على ذلك فإنهم ألَّهوا كل معبود من دون الله، قالوا: لأن الله أخبر في كتابه بأنه قضى وقدَّر أن لا يعبد إلا هو فقال: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ ألا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: ٢٣]؛ فمن أمحل المحال أن يُعبد إلا الله، معبود عندهم هو الله حقًا، فالعجل هو الله، وفرعون هو الله حقًا، والبقر هو الله، والكواكب هي آلهة حقًا، والأصنام آلهة حقًا، وهذا هو مذهب أهل الحلول والاتحاد.
• والفرقة الثانية قالت: معناها لا موجود إلا الله، فليس لله تعالى وجود سوى هذا العالم المرئي، وهؤلاء هم أصحاب وحدة الوجود.
• والفرقة الثالثة قالت: إن معنى لا إله إلا الله هو القدرة على الاختراع، وأن من اعتقد أن الله هو وحده القادر على الاختراع؛ فقد حقق معنى لا إله إلا الله، وهذا هو مذهب أهل الكلام.
• والفرقة الرابعة: هم أهل السنة والجماعة؛ فإنهم هم الذين يوحّدون الله تعالى حقًا بأقوالهم وأفعالهم امتثالًا لأمره تعالى لنبيه محمد ﷺ الوارد في قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأنَا أوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام: ١٦٢ـ١٦٣]، وهم الذين يفسرون لا إله إلا الله بقوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥]، وبقوله تعالى: ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ [هود: ١٢٣]، وبقوله تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ﴾ [الفرقان: ٥٨]، وبقوله تعالى: ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ * ألا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ [الزمر: ٢ـ٣] إلى غير ذلك من الآيات التي تمنع التوكل أو الاعتماد على غيره تعالى، فأهل السنة والجماعة لا يدعون إلا الله، ولا يستغيثون إلا بالله، ولا ينذرون إلا الله، ولا يحلفون إلا بالله، وهم الذين يخشونه ولا يخشون أحدًا سواه١.
٤ـ دلالة "لا إله إلا الله" على التوحيد بكل أنواعه:
كلمة "لا إله إلا الله" هي العروة الوثقى، وكلمة التقوى، وأساس
_________________
(١) ١ الرسالة السلفية.
[ ٤٣٩ ]
التوحيد، وقد دلّت هذه الكلمة على جميع أقسام التوحيد التي ذكرها أهل السنة والجماعة، وذلك على النحو الآتي:
أـ دلالتها على الألوهية:
وذلك لأن معناها الحقيقي لا مستحق للعبادة إلا الله تعالى، "فلا إله" نفت استحقاق العبودية عما سوى الله تعالى، و"إلا الله" أثبتت جميع أنواع العبادة لله وحده، فهذه دلالتها على توحيد الألوهية.
ب - توحيد الربوبية:
أي انفراد الله تعالى بخصائص الربوبية، وقد دلت كلمة "لا إله إلا الله" على توحيد الربوبية على سبيل التضمن، فتوحيد الألوهية متضمن لتوحيد الربوبية بالدلالة، وذلك لأنه لا يستحق أن يفرد بالعبادة إلا من كان منفردًا بالربوبية، كما قال تعالى: ﴿هل من خالقإلا هو﴾ [فاطر: ٣]، فدلت الآية على أنه لا يستحق أن يعبد إلا المنفرد بالملك والرزق وغيره من أمور الربوبية، وهكذا نجد أن كلمة التوحيد دالة على توحيد الربوبية على سبيل التضمن.
ج - توحيد الأسماء والصفات:
وذلك لأن إثبات وجود الله أصلًا يعد إثباتًا لأسمائه وصفاته، وذلك لأنه لا يتصور وجود ذات دون أسماء وصفات؛ لأن هذا لا يصح إلا في حق الممتنعات والمعدومات، وقد نص شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى على دلالة كلمة لا إله إلا الله على جميع أنواع التوحيد، حيث قال رحمه الله تعالى: "وشهادة أن لا إله إلا الله فيها الإلهيات، وهي الأصول الثلاثة: توحيد الربوبية، وتوحيد الألوهية، وتوحيد الأسماء والصفات، وهذه الأصول الثلاثة تدور عليها أديان الرسل وما أنزل إليهم، وهي الأصول الكبار التي دلت عليها وشهدت بها العقول والفطر"١.
_________________
(١) ١ نقلًا عن كتاب التنبيهات السنية على العقيدة الواسطية ص٩.
[ ٤٤٠ ]
٥ - الغاية من خلق الخلق وإرسال الرسل:
اختلف تحديد الغاية من خلق الخلق وإرسال الرسل عند أهل السنة عنه عند مخالفيهم، وذلك كما يلي:
* أولًا - عند أهل السنة:
يقول أهل السنة: إن الغاية من خلق الله هي عبادة الله وحده، كما قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦]، فالآية صريحة في بيان أن توحيد العبادة هو غاية خلق الخلق، وكذلك فهو الغاية العظمى من إرسال الرسل وإنزال الكتب، وهو أول دعوة الرسل، والغاية من خلق الجن والإنس كما يشهد بذلك الأدلة من الكتاب والسنة الصحيحة. قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ فَسِيرُوا فِي الأرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ [النحل: ٣٦] .
ومن السنة حديث ابن عباس وفيه: أن رسول الله لما بعث معاذًا إلى اليمن قال له: "إنك تقدم على قوم أهل كتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه عبادة الله ﷿ "١.
فهذان النصان الشرعيان دالان على أن أول دعوة الرسل والغاية من بعثهم هي الدعوة إلى توحيد الله في العبادة، والنصوص الشرعية في ذلك كثيرة.
* ثانيًا - عند المخالفين من أهل الكلام:
خالف أهل الكلام المذموم أهل السنة؛ فجعلوا الغاية العظمى من إرسال الرسل وإنزال الكتب معرفة الله، وإثبات الصانع الخالق ﷾، وهي إثبات الربوبية لله تعالى.
وليتهم وقفوا عند هذا؛ بل زعموا أن توحيد الربوبية هو الغاية العظمى
_________________
(١) ١ أخرجه مسلم ١/٥١ ح (٣١) .
[ ٤٤١ ]
من بعثة الرسل، وأنهم إذا أثبتوه بالدليل فقد أثبتوا غاية التوحيد١.
وفي ذلك يقول الشيخ محمد عبده: "أصل معنى التوحيد اعتقاد أن الله واحد لا شريك له.. وهو إثبات الوحدة لله في الذات والفعل في خلق الأكوان، وأنه وحده مرجع كل كون ومنتهى كل قصد، وهذا المطلب كان الغاية العظمى من بعثة النبي ﷺ كما تشهد به آيات الكتاب العزيز٢.
والرد على هذا ما يلي:
أـ أن توحيد الربوبية نوعٌ من التوحيد فهو بعضه لا جميعه، وقد أقرّ به المشركون، فكيف مع ذلك يكون هو الغاية العظمى من بعثة الرسل؟.
ب - أن مجرد الإقرار بهذا التوحيد فقط لا يُوجب الدخول في الإسلام ولا يصير به الرجل مسلمًا.
فمشركو العرب كانوا مقرين بأن الله تعالى وحده خالق كل شيء، ومع هذا سماهم مشركين، حيث قال عنهم: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف: ١٠٦] .
فالمراد بقوله تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ﴾ هو تصديقهم واعترافهم بأن الله تعالى هو الخالق الرازق، والمراد من قوله تعالى: ﴿إِلا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ أي: أنهم أشركوا مع الله في عبادته، وهذا ما فسر به السلف هذه الآية٣.
قال محمود الألوسي الحنفي في تفسير هذه الآية: "يندرج فيهم كل من أقر بالله تعالى وخالقيته مثلًا، وكان مرتكبًا شركًا كيفما كان، ومن أولئك عبدة القبور الناذرون لها المعتقدون للنفع والضرر ممن الله تعالى أعلم بحالة من فيها، وهم اليوم أكثر من الدود"٤.
_________________
(١) ١ انظر: اقتضاء الصراط المستقيم: (٢/٨٤٥ – ٨٤٦)، ومجموع الفتاوى: (٣/٩٨)، وفتح المجيد ص١٣. ٢ رسالة التوحيد ص٤٣. ٣ كابن عباس ومجاهد وعطاء وعكرمة والشعبي وقتادة والضحاك، انظر: جامع البيان: (١٤/٧٧)، ومعالم التنزيل: (٢/٤٥٢) . ٤ روح المعاني (١٣/٦٧) .
[ ٤٤٢ ]
٦ - أول واجب على المكلف:
لقد اختلف تحديد أول واجب على المكلف عند أهل السنة وعند أهل الكلام من المخالفين، وذلك بناء على اختلافهم في معنى التوحيد أصلًا، وفي معنى "لا إله إلا الله". وسنحاول إيجاز ذلك على النحو التالي:
أـ أول واجب على المكلف عند أهل السنة:
ينص أهل السنة والجماعة أن أول ما يجب على العبد: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وإفراد الله تعالى بالعبادة، وحجتهم في ذلك أمور، من أهمها: قوله ﷺ لمعاذ بن جبل ﵁، لما أرسله إلى اليمن: "إنك تأتي قومًا من أهل الكتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله "١.
قال ابن أبي العز الحنفي: "ولهذا كان الصحيح أن أول واجب يجب على المكلف شهادة أن لا إله إلا الله لا النظر ولا القصد إلى النظر ولا الشك، كما هي أقوال أرباب الكلام المذموم، بل أئمة السلف كلهم متفقون على أن أول ما يؤمر به العبد الشهادتان، ومتفقون على أن من فعل ذلك قبل البلوغ لم يُؤمر بتجديد ذلك عقيب بلوغه "٢.
ب - أول واجب على المكلف عند أهل الكلام:
اختلف أهل الكلام المذموم في بيان أول واجب على المكلف، وذلك كما يلي:
١ - ذهبت طائفة كابن فورك وغيره إلى أن النظر العقلي والاستدلال المؤدي إلى معرفة الخالق هو أول ما يجب على المكلف، وحجتهم أن النظر مقدمة الواجب الذي هو معرفة الله.
٢ - وذهبت طائفة كأبي بكر بن الطيب وأبي إسحاق الإسفراييني إلى أن
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري (٣/٣٥٧) ح (١٤٩٦) . ٢ شرح الطحاوية ص١٥.
[ ٤٤٣ ]
القصد إلى النظر هو أول الواجبات، وحجتهم في ذلك أن النظر ذو أجزاء يترتب بعضها على بعض١.
٣ - وذهبت طائفة إلى أن أول واجب هو الشك الحامل على البحث الموصل إلى المعرفة واليقين، وهذا قولٌ خطير جدًا؛ لأنه يجعل الشك في الله - وهو كفر - يجعله أول ما يجب على المكلف٢.
قال القرطبي في (المفهم) في شرح حديث: "أبغض الرجال إلى الله الألد الخصم": "هذا الشخص الذي يبغضه الله هو الذي يقصد بخصومته مدافعة الحق ورده بالأوجه الفاسدة والشبه الموهومة، وأشد ذلك الخصومة في الدين، كما يقع لأكثر المتكلمين المعرضين عن الطرق التي أرشد إليها كتاب الله وسنة رسوله ﷺ وسلف أمته؛ إلى طرق مبتدعة واصطلاحات مخترعة وقوانين جدلية وأمور صناعية مدار أكثرها على آراء سوفسطائية، أو مناقضات لفظية ينشأ بسببها على الآخذ فيها شبه ربما يعجز عنها، وشكوك يذهب الإيمان معها، وأحسنهم انفصالًا عنها أجدلهم لا أعلمهم، فكم من عالم بفساد الشبهة لا يقوى على حلها، وكم من منفصل عنها لا يدرك حقيقة علمها، ثم إن هؤلاء قد ارتكبوا أنواعًا من المحال لا يرتضيها البُلُه ولا الأطفال، لما بحثوا عن تحيّز الجواهر والألوان والأحوال، فأخذوا فيما أمسك عنه السلف الصالح من كيفيات تعلقات صفات الله تعالى وتعديدها واتحادها في نفسها، وهل هي الذات أو غيرها، وفي الكلام: هل هو متحد أو منقسم، وعلى الثاني: هل ينقسم بالنوع أو الوصف، وكيف تعلق في الأزل بالمأمور مع كونه حادثًا، ثم إذا انعدم المأمور هل يبقى التعلق؟ وهل الأمر لزيد بالصلاة مثلًا هو نفس الأمر لعمرو بالزكاة؟ إلى غير ذلك مما ابتدعوه مما لم يأمر به الشرع وسكت عنه الصحابة ومن سلك سبيلهم، بل نُهوا عن الخوض فيها لعلمهم بأنه بحث عن كيفية ما لا تعلم كيفيته بالعقل، لكون العقول لها حد تقف عنده، ولا فرق بين
_________________
(١) ١ نقل ذلك والذي قبله ابن حجر في الفتح: (١٣/٣٦١) . ٢ نقله في الفتح: (١٣/٣٦٣) عن القرطبي.
[ ٤٤٤ ]
البحث عن كيفية الذات وكيفية الصفات، ومن توقف في هذا فليعلم أنه إذا كان حجب عن كيفية نفسه مع وجودها، وعن كيفية إدراك ما يدرك به فهو على إدراك غيره أعجز، وغاية علم العالم أن يقطع بوجود فاعل لهذه المصنوعات منزه عن الشبيه، مقدَّس عن النظير، متصف بصفات الكمال.
ثم متى ثبت النقل عنه بشيء من أوصافه وأسمائه قبلناه واعتقدناه وسكتنا عما عداه، كما هو طريق السلف، وما عداه لا يأمن صاحبه من الزلل، ويكفي في الردع عن الخوض في طرق المتكلمين ما ثبت عن الأئمة المتقدمين كعمر بن عبد العزيز، ومالك بن أنس، والشافعي، وقد قطع بعض الأئمة بأن الصحابة لم يخوضوا في الجوهر والعرض وما يتعلق بذلك من مباحث المتكلمين، فمن رغب عن طريقهم فكفاه ضلالًا.
قال: وأفضى الكلام بكثير من أهله إلى الشك، وببعضهم إلى الإلحاد، وببعضهم إلى التهاون بوظائف العبادات، وسبب ذلك إعراضهم عن نصوص الشارع وتطلبهم حقائق الأمور من غيره، حتى جاء عن إمام الحرمين أنه قال: "ركبت البحر الأعظم، وغضتُ في كل شيء نهى عنه أهل العلم في طلب الحق فرارًا من التقليد، والآن فقد رجعت واعتقدت مذهب أهل السلف".
هذا كلامه أو معناه، وعنه أنه قال عند موته: "يا أصحابنا، لا تشتغلوا بالكلام، فلو عرفت أنه يبلغ بي ما بلغت ما تشاغلت به" إلى أن قال القرطبي: ولو لم يكن في الكلام إلا مسألتان هما من مبادئه لكان حقيقًا بالذم:
إحداهما: قول بعضهم: إن أول واجب الشك؛ إذ هو اللازم عن وجوب النظر أو القصد إلى النظر، وإليه أشار الإمام بقوله: ركبتُ البحر.
ثانيتهما: قول جماعة منهم: إن من لم يعرف الله بالطرق التي رتبوها والأبحاث التي حرروها لم يصح إيمانه، حتى لقد أورد على بعضه أن هذا يلزم منه تكفير أبيك وأسلافك وجيرانك، فقال: لا تشنع عليَّ بكثرة أهل النار، قال: وقد ردّ بعض من لم يقل بهما على من قال بهما بطريق من الرد النظري وهو خطأ منه، فإن القائل بالمسألتين كافر شرعًا، لجعله الشك في الله واجبًا، ومعظم المسلمين كفارًا حتى يدخل في عموم كلام السلف من
[ ٤٤٥ ]
الصحابة والتابعين، وهذا معلوم الفساد من الدين بالضرورة، وإلا فلا يوجد في الشرعيات ضروري، وختم القرطبي كلامه بالاعتذار عن إطالة النَّفَس في هذا الموضع لما شاع بين الناس من هذه البدعة، حتى اغتر بها كثير من الأغمار فوجب بذل النصيحة، والله يهدي من يشاء". انتهى.
٧ - معنى شهادة أن محمدًا رسول الله:
أي أقرُّ وأصدق التصديق الجازم من صميم قلبي المواطئ لقول لساني بأن محمدًا ﷺ عبد الله ورسوله إلى الناس كافة، فحقيقة شهادة أن محمدًا رسول الله " هو: الانقياد التام والطاعة المطلقة له "، والتمسك بما جاء به عن ربه جل وعلا، ونشر سنته وحماية جناب التوحيد الذي بيّنه، وتعظيم أمره ونهيه، واتباع هديه ﷺ، ومحبته أكثر من محبة النفس والمال والولد.
٨ - مقتضى شهادة أن محمدًا رسول الله:
مقتضى شهادة أن محمدًا رسول الله يتلخص في أمور:
أـ الإيمان به ﵊ لقوله تعالى: ﴿آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [النساء: ١٣٦] .
ب - طاعة النبي ﷺ فيما أمر لقوله تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠] .
ج - تصديقه فيما أخبر.
د - نتبعه لقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١] .
هـ - اجتناب ما نهى عنه وزجر.
وـ محبته ﵊.
ز - وأن لا يُعبد الله إلا بما شرع المصطفى ﷺ.
ح - التسليم لحكمه لقوله تعالى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ
[ ٤٤٦ ]
فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥] .
ي - نُرضي الرسول ﷺ لقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أحَقُّ أنْ يُرْضُوهُ﴾ [التوبة: ٦٢] .
٩ - الشهادة للرسول بالرسالة مقرونة بالشهادة لله بالتوحيد:
الشهادة للرسول بالرسالة مقرونة بالشهادة لله بالتوحيد، فلا تكفي إحداهما عن الأخرى، ولا بد فيه من اعتراف العبد بكمال عبودية النبي ﷺ لربه تعالى وكمال شريعته.
١٠ - طاعة النبي ﷺ واتباعه:
أوجب الله تعالى على جميع الخلق طاعة الرسول ﷺ فيما أمر به واجتناب ما نهى عنه وحذرهم من مخالفة أمره؛ فقال تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أمْرِهِ أآنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ ألِيمٌ﴾ [النور: ٦٣]، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ١١٥]، وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ * قُلْ أطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران: ٣١ - ٣٢] .
ولا شك أن مما يجب على العباد محبة ربهم، ولكن حصول هذه المحبة وقبولها متوقف على اتباع النبي ﷺ، وعلامة هذا الاتباع طاعته ﷺ فيما أمر، وتصديقه فيما أخبر، واجتناب ما نهى عنه وزجر.
١١ - عبادة الله لا تكون إلا بما شرع الرسول ﷺ:
الرسول ﷺ هو الموضح والمبيّن والمفسِّر لما أتى به الكتاب الكريم من أوامر ونواهٍ؛ لذا وجب على أمته أن تعبد الله بما شرع لها الصادق الأمين ﷺ، فمن عمل عملًا لم يشرعه الرسول ﷺ فهو رد، وكما قال عليه
[ ٤٤٧ ]
الصلاة والسلام: "من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد"١.
وفي رواية: "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد"٢. المقصود أن إخلاص العبادة ومتابعة الرسول ﷺ من أوجب الواجبات على كل عبد.
١٢ - حقيقة التوحيد هو إفراد الله بالعبادة:
إن حقيقة التوحيد هي إفراد الله بجميع العبادات الظاهر منها كالصلاة والحج والصيام وغيرها، والباطنية كالتوكل والخوف والتقوى والمحبة وغيرها.
١٣ - الأدلة على إخلاص العبادة لله تعالى:
أـ قوله تعالى: ﴿لا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ [الإسراء ٢٢] .
ب - ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ [الزمر: ٢] .
ج - ﴿قُلْ أفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أعْبُدُ آيُّهَا الْجَاهِلُونَ﴾ [الزمر: ٦٤] .
د - ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف: ٥٩ - ٦٥ - ٧٣ - ٨٥] .
ثم ذكر شيخ الإسلام أدلة التوكل والخوف والخشية والتقوى، فارجع إليها - رحمك الله - في الرسالة التدمرية.
١٤ - معنى قوله تعالى: ﴿يا أيها النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال: ٦٤] .
هذا وعد الله لعباده المؤمنين المتبعين لرسوله ﷺ بالكفاية والنصرة على الأعداء، فإذا أتوا بالسبب الذي هو الإيمان والاتباع فلا بد أن يكفيهم ما أهمّهم من أمور الدين والدنيا، وإنما تتخلف الكفاية بتخلف شرطها، وليس المراد أن الله والمؤمنين حسبك أي: حسبك الله والمؤمنون، فتكون
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري: (٣/١٦٧) . ٢ أخرجه مسلم: (٣/١٣٤٣) .
[ ٤٤٨ ]
(من) في محل رفع عطفًا على اسم الله تعالى، وهذا الذي غلّطه شيخ الإسلام.
١٥ - الطاعة لله ولرسوله وأما الخشية والتقوى فهي لله وحده:
جعل الله الطاعة للرسول ﷺ طاعة له فقال تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ [النور: ٥٢]، فأثبت الطاعة لله وللرسول ﷺ، وأثبت الخشية والتقوى لله وحده، فيجب إفراد الله بالعبادات الظاهرة والباطنة.
١٦ - وقفات مع قوله ﵊: "ومن يعصهما":
ورد عن النبي ﷺ أنه قرن اسمه باسم الله في المعصية فقال: "ومن يعصهما فإنه لا يضر إلا نفسه، ولن يضر الله شيئًا"١، وهو حديث ضعيف٢، وهو معارض للحديث الصحيح الذي فيه أن رجلًا خطب عند النبي ﷺ فقال: ومن يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعضهما فقد غوى. فقال رسول الله ﷺ: "بئس الخطيب أنت، قل: ومن يعص الله ورسوله"٣.
فنهاه عن الجمع بين ضمير الله تعالى وبين ضمير رسوله ﷺ.
١٧ - النبي ﷺ قرن اسمه باسم الله بحرف (الواو) في الطاعة، وبحرف (ثم) في المشيئة:
قرن النبي ﷺ اسمه باسم الله تعالى بحرف (و) في الطاعة؛ فقال ﵊: "من يطع الله ورسوله فقد رشد"٤.
_________________
(١) ١ رواه أبو داود: (٣/٤٤٦) . ٢ ممن ضعّفه من أهل العلم المنذري كما في مختصر السنن: (٢/١٨)، والشوكاني في نيل الأوطار: (٣/٣٢٥) . ٣ أخرجه مسلم وأبو داود. ٤ أخرجه أبو داود (٣/٤٤٦) .
[ ٤٤٩ ]
وفي المشيئة أمر أن يقرن بـ (ثم) فقال: "قولوا ما شاء الله ثم ما شاء محمد"١.
وذلك لأن طاعة الرسول طاعة لله تعالى بخلاف المشيئة، فليست مشيئة أحد من العباد مشيئة لله، بل ما شاء الله كان وإن لم يشأ الناس.
١٨ - شرطا قبول العبادة:
أـ الإخلاص لله تعالى: ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ * ألا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ [الزمر: ٢ - ٣] .
ولقوله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ [البينة: ٥] .
ب - موافقة ما شرع الرسول ﷺ لقوله تعالى: ﴿وَأنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ﴾ [الأنعام: ١٥٣] .
ولقوله ﵊: "من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد"٢.
١٩ - أصول العبادة:
أصول العبادة هي: المحبة، والخوف، والرجاء، وقد جمعها الله تعالى في قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أيُّهُمْ أقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ﴾ [الإسراء: ٥٧]، فابتغاء القرب إشارة إلى المحبة، ثم الرجاء، وبعده الخوف.
٢٠ - منزلة الحب أرفع من منزلة الخوف:
وذلك لسببين:
أـ أن المحبة مقصودة لذاتها، وأما الخوف فمقصود لغيره.
_________________
(١) ١ أخرجه أبو داود (٤١٦٦) . ٢ أخرجه مسلم برقم: (١٧١٨) .
[ ٤٥٠ ]
ب - أن الخوف يتعلق بأفعال الله، والمحبة تتعلق بذاته وصفاته١.
٢١ - مراعاة الشرع والقدر توجب العبادة والاستعانة:
مراعاة الشرع والقدر توجب العبادة والاستعانة لأن الأصل الأول من الشرع هو العبادة، والأصل الأول من القدر هو الاستعانة، وهذا هو الصراط المستقيم، وقد جمع الله تعالى بين العبادة والاستعانة وهي التوكل في مواضع من كتابه منها:
أـ قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥] .
ب - وقوله تعالى: ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ [هود: ١٢٣] .
ج - وقوله تعالى: ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [الشورى: ١٠] .
د - وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: ٢ - ٣] .
وكان النبي ﷺ يقول في الأضحية: "اللهم منك وإليك"٢. أي: منك إعانة وتوفيقًا ورزقًا، وإليك عبادة وطاعة وتقربًا، فما لم يكن بالله ومشيئته وتوفيقه لا يكون، وما لم يكن لله تعالى قربة وطاعة لا يدوم، وهذا غاية التوحيد والتحقيق، فالعبادة تحقيق لتوحيد الألوهية، والاستعانة تحقيق لتوحيد الربوبية٣.
٢٢ - وجوب الاستغفار في الذنوب والمصائب الشرعية:
لا يحتج بالقدر في الذنوب والمصائب الشرعية بل يجب الاستغفار، أما في المصائب الكونية ينظر إلى القدر ويحتج به مع الصبر عليها، ومن هذا القبيل احتجاج آدم على موسى بالقدر لما قال موسى: يا آدم، أنت أبو البشر خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه، وأسجد لك ملائكته،
_________________
(١) ١ انظر مدارج السالكين: (١/٥٥) . ٢ أخرجه أبو داود برقم: (٢٧٩٥) . ٣ بدائع تفسير ابن القيم: (١/٦٦) .
[ ٤٥١ ]
لماذا أخرجتنا ونفسك من الجنة؟ فقال له آدم: أنت موسى الذي اصطفاك الله بكلامه، فبِكم وجدت مكتوبًا عليّ من قبل أن أخلق: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾ [طه: ١٢١]، قال: بكذا وكذا، فقالصلى الله عليه وسلم: "فحج آدم موسى"١.
لأن موسى لم يعاتب آدم لأجل الذنب، فإنه قد تاب منه ولكن لأجل المصيبة التي لحقتهم وهي إخراجهم من الجنة٢.
وقد جمع الله تعالى بين الاستغفار عن الذنوب والصبر على الكروب كما في قوله تعالى: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ [غافر: ٥٥] .
المقصود أن ما أصاب العبد لم يكن ليخطئه، فالإيمان بالقضاء السابق والتقدير الماضي يعين العبد على أن ترضى نفسه بما يصيبه فيصبر على المصائب٣، ففي المصائب الشرعية يجب الاستغفار، وفي المصائب الكونية يجب الصبر.
٢٣ - العلاقة بين الاستغفار وتوحيد العبادة:
للعبادة والعمل الصالح أصلان:
أـ الأصل الأول: يكون مع العبادة، وهو الاجتهاد في الإتيان بالعبادة على وجه الكمال وفق شرع الشارع.
ب - الأصل الثاني: يكون بعد العبادة: فيستغفر ويتوب من تفريطه في المأمور وتعديه الحدود.
لذلك جمع الله بين توحيد العبادة والاستغفار في مواضع كثيرة، منها:
أـ قوله تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أنَّهُ لا إِلَهَ إِلآ اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [محمد: ١٩] .
ب - وقوله تعالى: ﴿فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ﴾ [فصلت: ٦] .
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري: (٦/٤٤١)، ومسلم: (٤/٢٠٤٢) . ٢ اقتضاء الصراط المستقيم ص٤٩٥. ٣ جامع العلوم والحكم: (١/٣٧٧) .
[ ٤٥٢ ]
ج - وذكر الله تعالى عن ذي النون أنه نادى في الظلمات: ﴿أنْ لا إِلَهَ إِلا أنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء ٨٧]، فقال تعالى: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٨] .
وقال النبي ﷺ: "دعوة أخي ذي النون: ما دعا بها مكروبٌ إلا فرَّج الله كربه"١.
د - في الحديث يقول الشيطان: "أهلكتُ الناسَ بالذنوب، وأهلكوني بلا إله إلا الله وبالاستغفار، فلما رأيت ذلك بثثت فيهم الأهواء، فهم يذنبون ولا يتوبون لأنهم يحسبون أنهم يحسنون صنعًا"٢.
٢٤ - جماع الكلام في الشرع والقدر:
جماع الكلام في الشرع والأمر والقدر أنه لا بد من أصلين:
أصلٌ قبله: وهو الاجتهاد والامتثال فلا يزال العبد يجتهد في العلم بما أمر الله والعمل بذلك.
وأصلٌ بعده: وهو الاستغفار.
ولا بد في القدر من أصلين:
أصلٌ قبله: وهو الاستعانة، فيستعين بالله في فعل ما أمر به ويتوكل عليه.
وأصل بعده: وهو الصبر فيصبر على المقدور.
٢٥ - مشروعية ختم العبادات بالاستغفار:
شرع أن تختم جميع العبادات بالاستغفار، وأمثلة ذلك فيما يلي:
أـ قوله تعالى: ﴿وَبِالأسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الذاريات: ١٨]، فقاموا الليل بالعبادة ثم ختموه بالاستغفار.
ب - قوله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأيْتَ النَّاسَ
_________________
(١) ١ أخرجه أحمد: (١/٧٠)، والحاكم: (١/٥٥) وصححه ووافقه الذهبي. ٢ رواه ابن أبي عاصم في السنة رقم (٧) ص١٠، وقال الألباني في تحقيقه: "إسناده موضوع".
[ ٤٥٣ ]
يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أفْوَاجًا * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ [النصر: ١ - ٣] قال ابن القيم: "فأمر رسوله بالاستغفار عقيب توفيته ما عليه من تبليغ الرسالة والجهاد في سبيله حين دخل الناس في دينه أفواجًا، فكأن التبليغ عبادة قد أكملها وأداها فشرع له الاستغفار عقيبها"١.
ج - أن النبي ﷺ كان إذا انصرف من صلاته استغفر ثلاثًا٢.
_________________
(١) ١ إعلام الموقعين: (١/٤٣٦) . ٢ رواه مسلم: (١/٤٢٤) ح (٥٩١) .
[ ٤٥٤ ]