أحدها: أن يقال إن هذه العقيدة اشتملت على الكلام في الإيمان بالله سبحانه وبرسله واليوم الآخر، ولا ريب أن هذه الأصول الثلاثة هي أصول الإيمان الخبرية العلمية، وهي جميعها داخلة في كل ملة وفي إرسال كل رسول، فجميع الرسل اتفقت عليها كما اتفقت على أصول الإيمان العملية أيضا، مثل إيجاب عبادة الله تعالى وحده لا شريك له وإيجاب الصدق والعدل وبر الوالدين، وتحريم الكذب والظلم والفواحش فإن هذه الأصول الكلية علما وعملا هي الأصول التي اتفقت عليها الرسل كلهم، والسور التي أنزلها الله تعالى على نبيه ﵊ قبل الهجرة التي يقال لها السور المكية تضمنت تقرير هذه الأصول كسورة الأنعام والأعراف وذوات الر وحم وطس ونحو ذلك، والإيمان بالرسل يتضمن الإيمان بالمكتوب وبمن نزل بها من الملائكة، وهذه الخمسة هي أصول الإيمان المذكورة في قوله تعالى: لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتابِ وَالنَّبِيِّينَ «١» وفي قوله ﷿: وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيدًا «٢».
وهي التي أجاب بها النبيّ ﷺ لما جاءه جبريل في صورة أعرابي وسأله عن الإيمان فقال: «الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله والبعث بعد الموت
_________________
(١) سورة البقرة، الآية: ١٧٧.
(٢) سورة النساء، الآية: ١٣٦.
[ ٢٢٣ ]
وتؤمن بالقدر خيره وشره» والحديث قد أخرجاه في الصحيحين من حديث أبي هريرة وأخرجه مسلم من حديث عمر بن الخطاب «١» وهو من أصح الأحاديث.
فتلك الثلاثة تتضمن هذه الخمسة، والله تعالى أنزل سورة البقرة وهي سنام القرآن وجمع فيها معالم الدين وأصوله وفروعه إلى أمثال ذلك فإن النظر فيها وجه من وجوه الإيجاب.
ولما ذكر في أولها أصناف الخلق وهم ثلاثة مؤمن وكافر ومنافق أخذ بعد ذلك يقرر أصول الدين فقرر هذه الأصول الثلاثة الإيمان بالله ثم الرسالة ثم اليوم الآخر، فإنه أنزل أربع آيات في المؤمنين وآيتين في صفة الكافرين وبضعة عشرة آية في صفة المنافقين، ثم قال تعالى تقريرا للنبيّ ﷺ: يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ «٢» إلى قوله تعالى: بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ «٣» فإنه ذكر التحدي هكذا في غير موضع من القرآن.