فقد سألني من تعَيَّنَتْ إجابتُهم أن أكتبَ لهم مضمونَ ما سمعوه مني في بعض المجالس، من الكلام في «التوحيد والصفات»، وفي «الشرع والقدر»، لمسيس الحاجة إلى تحقيق هذين الأصلين، وكثرةِ الاضطراب فيهما، فإنهما مع حاجة كلِّ أحد إليهما، ومع أن أهل النظر والعلم، والإرادة والعبادة، لا بدَّ أن يخطر لهم في ذلك من الخواطر والأقوال ما يحتاجون معه إلى بيان الهدى من الضلال، لا سيما مع كثرة من خاض في ذلك بالحق تارة، وبالباطل تارات، وما يعتري القلوب في ذلك من الشبه التي توقعها في أنواع الضلالات.
الشيخ في هذه الجملة يذكر السبب الباعث له على التأليف، وهو أمران:
الأول: سؤال بعض الراغبين في العلم.
والثاني: أهمية ما سألوا عنه.
وبيَّن - أيضًا - الموضوعَ الذي سألوا عنه؛ وهو الأصلانِ: (التوحيد والصفات)، و(الشرع والقدر).
[ ٥٧ ]
كما بيَّن رحمه الله تعالى الأسبابَ المقتضية لأهمية هذين الأصلينِ، والعناية بهما، وتحقيقهما.
قوله: (من تعينت إجابتهم) أي: وجبت إجابتهم وجوبًا عينيًا.
فإن الواجب عند «الأصوليين» نوعان:
واجبٌ كفائي، وواجبٌ عيني (^١)، أو فرضُ كفايةٍ، وفرض عين - على القول الصحيح أنه لا فرق بين الواجبِ، والفرضِ (^٢) -:
فالواجب العيني؛ هو: ما يجب على كل فرد، أو: يجب على فرد معين.
والواجب الكفائي؛ هو: ما يقوم فيه البعض عن البعض، فإذا قام به من يكفي؛ سقط الإثم عن الباقين.
وفرض الكفاية قد يصير فرضَ عينٍ بسبب من الأسباب، فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والإفتاء، والتعليم، والدعوة إلى الله ﷿؛ كلُّ هذه من فروض الكفاية، إذا قام بها من يكفي؛ سقط الإثم عن الباقين، لكن قد تتعين هذه الواجبات، فإذا لم يكن هناك من يقوم بهذا الواجب ويكفي؛ وجب على كلِّ قادرٍ على القيام به أن يقوم به.
فإذا لم يكن هناك من يقوم بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في هذا المكان، أو بواجب الدعوة إلى الله تعالى، أو بواجب الإفتاء، أو التبليغ والتعليم؛ صار واجبًا وجوبًا عينيًا على القادر على
_________________
(١) «أصول الفقه» ١/ ١٩٨، و«شرح الكوكب المنير» ١/ ٣٧٣.
(٢) وهو قول الجمهور. «أصول الفقه» ١/ ١٨٧، و«شرح الكوكب المنير» ١/ ٣٥١.
[ ٥٨ ]
القيام به؛ لأنه ليس هناك من يقوم بهذا الواجب في هذا المكان، أو في هذه الواقعة المعينة.
فالشيخ هنا ذكر أنه قد سأله من تعينت عليه إجابتهم، وذلك لعدم من تقوم به الكفاية، بحيث يمكن لهؤلاء السائلين أن يجدوا عنده الجواب الشافي عمَّا سألوا عنه.
والشيخ ﵀ كان يتكلم كثيرًا في مسائل أصول الاعتقاد؛ كما يدل على ذلك كتاباته ومؤلفاته الواسعة في هذا المضمار.
قوله: (من الكلام في التوحيد والصفات، وفي الشرع والقدر) هذا هو موضوع التأليف، ومحور الكلام الآتي.
و(التوحيدُ والصفات)، و(الشرع والقدر) أصلانِ من أصول الاعتقاد:
فالأصل الأول؛ هو: الإيمان بأن الله واحد لا شريك له ولا شبيه، والإيمان بأنه سبحانه المتصف بصفات الكمال التي وصف بها نفسه، ووصفه بها رسوله ﷺ.
والأصل الثاني: الإيمان بالشرع، والقدر.
والشرع؛ هو: دين الله تعالى الذي شرعه لعباده، من الأوامر والنواهي، وأصل ذلك كلِّه عبادتُه وحده لا شريك له، كما سيأتي (^١).
_________________
(١) ص ٧٩.
[ ٥٩ ]
والقدر يطلق ويراد به: التقدير، تقدير الله تعالى مقادير الأشياء: علمًا، وكتابة.
ويطلق القدر على: الشيء المقدَّر، فتقول فيما يحدث في الوجود: «هذا قَدَرٌ» ومن ذلك قول عمر ﵁: «نَفِرُّ من قدر الله إلى قدر الله» (^١) يعني: نفر مما قدره سبحانه إلى ما قدره، فالإيمان بالقدر يعني: الإيمان بالتقدير السابق، كما قال ﷺ: «كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة» (^٢).
وهذانِ الأصلانِ داخلانِ في أصول الإيمان الستة؛ ف «الأصل الأول» يدخل في الإيمان بالله تعالى، والإيمان بكتبه، والإيمان برسله؛ فمن الإيمان بالله تعالى: الإيمان بوحدانيته، والإيمان بصفاته، أي: الإيمان بما أنزل الله في كتبه.
ومن الإيمان بالرسل: الإيمان بما أخبرت به عن الله تعالى، وصفاته.
أما الأصل الثاني؛ وهو: الإيمان بالشرع، والقدر؛ فإنَّ الإيمان بالقدر أصلٌ برأسِه من أصول الإيمان الستة، وهو داخل في الإيمان بالله تعالى، كما تقدم (^٣).
وأما الإيمان بالشرع؛ فيدخل في الإيمان بالله سبحانه، وكتبه، ورسله؛ لأن من الإيمان بالله: الإيمان بأمره ونهيه الذي بعث به رسله.
_________________
(١) رواه البخاري (٥٧٢٩)، ومسلم (٢٢١٩) من حديث ابن عباس ﵄.
(٢) رواه مسلم (٢٦٥٣) من حديث عبد الله بن عمرو ﵄.
(٣) ص ٥٢.
[ ٦٠ ]
ومن الإيمان بالقرآن - وهو أشرف الكتب المنزلة -: الإيمان بما اشتمل عليه من الأوامر والنواهي.
ومن الإيمان بالرسول ﷺ: الإيمان بما جاء به من الأوامر والنواهي.
إذًا؛ هذانِ الأصلان داخلان في أصول الإيمان، فأدلتهما هي أدلة تلك الأصول الستة، وقد تقدمت الإشارة إليها (^١)، والله أعلم.
ثم ذكر ﵀ الأسبابَ الموجبة لأهمية هذين الأصلين المقتضية لتحقيقهما، فقال: (لمسيس الحاجة إلى تحقيق هذين الأصلين)؛ لأنه لا قوام لدين العبد إلا أن يحقق توحيد الله، ويؤمن بوحدانيته، ويؤمن بصفاته، ولا يستقيم دين العبد حتى يؤمن بالقدر خيره وشره، وحتى يؤمن بشرع الله تعالى.
وتحقيق هذين الأصلين يكون:
* بمعرفة الحق من الباطل فيهما.
* وبإقامة الأدلة عليهما.
* ودفع الشبه المعارضة لهما.
وهذا لا يكون إلا لطلاب العلم.
أما العوام؛ فيكفيهم معرفة الحق؛ لأنهم قاصرون عن معرفة الأدلة، فالتحقيق بالنسبة للعامي: أن يعرف الحق، فمن آمن بأنه تعالى واحد لا
_________________
(١) ص ٥٢.
[ ٦١ ]
شريك له في: ربوبيته، وإلهيته، وأسمائه وصفاته، وأنه الموصوف بكل كمال، المنزه عن كل نقص؛ كفاه ذلك إجمالًا.
إذًا؛ فكلُّ مكلَّفٍ هو في حاجة إلى هذين الأصلين؛ هذا هو: السبب الأول.
والسبب الثاني: قوله: (وكثرة الاضطراب فيهما) فإن الأمر المهم إذا كان فيه اضطراب وشبهات وخلاف؛ يجب على العاقل أن يعتني به؛ ليخرج من هذا الاضطراب بالحق الناصع، والنور الساطع.
ومما يبين أن الاضطراب يقتضي مزيد عناية للتحقيق في المقام: أن المسائل المجمع عليها لا تحتاج إلى مزيد جهد، أما المسائل التي فيها خلاف؛ فهي تحتاج من طالب العلم، ومن أهل العلم جهدًا للوصول إلى الحق، أو لمقاربة الحق، أو لمعرفة الراجح من تلك المسائل التي وقع فيها الخلاف، أعني: مسائل الفقه.
أما غالب مسائل الاعتقاد؛ فإن فيها خطأ وصوابًا، حقًا أو باطلًا، وليس فيها راجح ومرجوح، فما دل عليه الكتاب والسنة؛ هو الحق وما سواه؛ فهو الباطل.
وهذان الأصلان هما من أعظم ما وقع فيه الاضطراب بين فرق الأمة؛ ففي باب الأسماء والصفات:
من الناس من يسلب عن الله تعالى جميع الأسماء والصفات؛ مبالغة في التنزيه.
[ ٦٢ ]
ومن الناس من يثبت لله صفات مثل صفات المخلوق؛ مبالغة في الإثبات.
وبين هذين الطرفين طوائف من الناس، وكلُّ فريق من أولئك - أيضًا - هم طوائف؛ فالمعطلة طوائف، والمشبهة طوائف، فاضطربت المذاهب في هذا الأصل.
وكذلك في الشرع والقدر؛ اضطرابٌ واسع:
فمن الناس من ينفي الشرع والقدر، وينكرهما.
ومن الناس من يثبت القدر، ويكذب بالشرع.
ومن الناس من هو بالعكس (^١).
فكان لا بدَّ من التنصيص على وجوب الإيمان بالشرع والقدر، و- أيضًا - فالجمع بين الشرع والقدر له معنى، وذلك: أن كلًا منهما يتعلق بأفعال العبادِ، فالقدرُ هو موجَب «الإرادة الكونية»، والشرعُ هو موجَب «الإرادة الشرعية»، فهما متعلقان بأفعال المكلفين، فما يقع من أفعال المكلفين؛ فإنه تجري فيه الأحكام الكونية، والأحكام الشرعية.
فطاعة المؤمن؛ موجَب الإرادتين، وكفر الكافر؛ هو موجَب «الإرادة الكونية»، فالإرادتان تجتمعان في إيمان المؤمن، وتنفرد «الإرادة الكونية» في كفر الكافر، ومعصية العاصي (^٢).
_________________
(١) سيأتي تفصيل أقوال الناس في هذا الباب في ص ٦٦٦.
(٢) قال شيخ الإسلام: «الإرادة نوعان: منها ماهو بمقتضى الربوبية، وهي: الإرادة الكونية، ومنها: ما هو بمقتضى الإلهية، وهي: الإرادة الدينية؛ فالأولى: إرادة فاعلية، =
[ ٦٣ ]
إذًا؛ فالشرع والقدر بينهما ارتباط من حيث تعلقُهما بأفعال المكلفين؛ فإن أفعال العباد لا تخرج عن قدر الله تعالى.
ولهذا فإن الذين اختلفوا في القدر؛ اختلفوا في أفعال العباد، فالجبرية يقولون: «لا فعل للعبد». والقدرية النفاة يقولون: «إن العباد هم الخالقون لأفعالهم». والحق: أن أفعال العباد هي أفعالهم لا أفعال الله، والعبادُ وأفعالهم كلهم خَلقُ الله تعالى، على حد قوله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الزمر: ٦٢]، وقوله تعالى عن إبراهيم: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُون (٩٦)﴾ [الصافات].
ثم ذكر الشيخ السبب الثالث لأهمية تحقيق هذين الأصلين بقوله: (فإنهما مع حاجة كلِّ أحد إليهما، ومع أن أهل النظر والعلم، والإرادة والعبادة؛ لا بدَّ أن يخطر لهم في ذلك من الخواطر والأقوال ما يحتاجون معه إلى بيان الهدى من الضلال).
المعْنِيون بالدين فئتان: أهل علم، وأهل عبادة، أي: من يغلب عليه جانب العلم والنظر والبحث في المسائل، ومن يغلب عليه جانب السلوك والعبادة والإرادة والنواحي القلبية.
_________________
(١) = والثانية: إرادة غائية، الأولى: من اسمه الأول، والثانية: من اسمه الآخر، الأولى يكون الرب بها مريدًا، والعبد مرادًا إرادةَ تكوين وربوبية، ولذلك يكون مريدًا، والثانية: يكون الرب بها مريدًا إرادة حبٍّ ورضى وإلهية، والعبد - أيضًا - مريدًا إرادة عبادةٍ وديانة وإنابة وإرادة وقصد، وقد يكون بها مرادًا إرادة ربوبية إذا حصل ذلك». «جامع المسائل» ٦/ ٦٧، وانظر: «مجموع الفتاوى» ٨/ ١٨٨، و«الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان» ص ٢٦٦، و«شفاء العليل» ص ٢٨٠.
[ ٦٤ ]
والعبرة في تصنيف الناس: بما يغلب عليهم، فمن الناس من هو من أهل العبادة ومن أهل العلم، وكلٌّ من الفئتين؛ منهم: المنحرف والمستقيم، فأهل السنة والجماعة المعتصمون بكتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ؛ فيهم العلماء، وفيهم العُبَّاد بحسب ما هو الأغلب على أحوالهم، وهذا لا يعني أن العلماء ليس عندهم عبادة، وأهل العبادة ليس عندهم علم، ولكن الحكم على الغالب، ومنهم من يوصف بهذا وهذا؛ والمخالفون لأهل السنة منهم أهل علم، ومنهم أهل عبادة.
وأهل النظر من الخارجين عن مذهب أهل السنة والجماعة هم: المتكلمون، والفلاسفة، والخارجون عن مذهب أهل السنة والجماعة من أهل العبادة والإرادة يعرفون ب: الصوفية.
وقوله: (لا بد أن يخطر لهم في ذلك) أي: في هذين الأصلين؛ فيما يتعلق ب: وحدانية الله، وصفاته، وفيما يتعلق ب: الشرع، والقدر.
وقوله: (من الخواطر والأقوال) أي: من الخواطر القلبية، والأقوال الاعتقادية.
وقوله: (ما يحتاجون معه إلى بيان الهدى من الضلال) أي: إلى فرقان يميزون به بين الحق والباطل، والصدق والكذب؛ فمن لم يكن له نور من هدى الله تعالى؛ فإنه عند ورود الشبهات على قلبه؛ إما أن يعتقد الباطل، أو يبقى في حَيْرة وتردد، والمَخْرَج من هذا؛ هو:
[ ٦٥ ]
الاعتصام بكتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ؛ فبِهِما يحصل الخروج من مضايق الشك، ومن مضايق الاعتقادات الباطلة.
وبسبب عدم الاعتصام بهدى الله تعالى؛ حصلت الحَيرة والتردد، فهناك المشبهة لم يفهموا من نصوص الأسماء والصفات؛ إلا ما يماثل صفات المخلوقين؛ فشبهوا الله بخلقه.
والمعطلة توهموا فيها التشبيه؛ فرأوا أن هذا لا يليق؛ فنفوا عن الله تعالى صفاتِه.
وفريقٌ ترددوا كالأشاعرة فأثبتوا مثلًا كلام الله؛ لكنهم لم يثبتوه على طريقة أهل السنة، ولم ينفوه على طريقة المعتزلة؛ بل قالوا: إنه تعالى يتكلم، ولكن كلامه معنى نفسي واحد قديم ليس تابعًا لمشيئته تعالى، ولا هو بحرف ولا صوت.
قوله: (لا سيما مع كثرة من خاض في ذلك؛ بالحق تارة، وبالباطل تارات) هذا هو السبب الرابع لأهمية تحقيق هذين الأصلين، فأكثرُ خوضِ الناس في مسائل الاعتقاد بالباطلِ.
والخوضُ فيها بالحق؛ يكون بالنظر الصحيح، والنقل الصحيح، والعقل الصريح، فالنظرُ - مثلًا - في أسماء الله وصفاته على أساس قواعد ونظريات فلسفية وخيالات؛ خوضٌ بالباطل.
لكن الخوض فيها من خلال التدبر لآيات الله تعالى الشرعية، وهي آيات القرآن، أو التدبر لآيات الله الكونية، أو التدبر لسنة الرسول
[ ٦٦ ]
ﷺ، وبالنظر في كلام السلف الصالح؛ كلُّ هذا من الخوض فيها بالحق.
أما الخوضُ في القضايا الغيبية بمجرد الفِكر من غير تعويل على الأسس الصحيحة، أو على أساس آراء المتفلسفة والمتكلمين؛ فهذا خوضٌ بالباطل.
وليس للإنسان أن يعول فيما يقوله في شأن الله، وفي شأن اليوم الآخر؛ على ما يتخيله، بل على ما جاء في الكتاب والسنةِ، فأكثرُ الناس خاض في هذا الميدان بالحق حينًا، وبالباطل أحيانًا؛ كما يشهد به الواقع.
قوله: (وما يعتري القلوب في ذلك من الشبه التي توقعها في أنواع الضلالات) هذا هو السبب الخامس لتحقيق هذين الأصلين.
والشبهة: ما يشتبه فيها الحق بالباطل، وقد تكون الشبهةُ عقليةً؛ كالنظريات التي يُدَّعى أنها معقولات، وهي: خيالات وأوهام.
أو: أدلةً نقليةً لا يصح بها الاستدلال على المطلوب، فلا يلزم من صحة الدليل صحة الاستدلال؛ لأن من الناس من يستدل بالشيء على ما لا يدل عليه؛ فيكون غالطًا في الاستدلال.
فالشبهات تَرِدُ على القلوب - أحيانًا - بوساوس الشيطان؛ فتورث شُكوكًا في القضايا العقدية، والمسائل الخبرية، و- أحيانًا - تَرِدُ هذه الشبهات على القلب بما يلقيه بعضُ الجاهلين، وبعضُ المضلين من
[ ٦٧ ]
أقوال يتكلمون بها؛ فيقع هذا الكلام في القلب؛ فيثير قَلقًا وشبهةً تُكَدِّرُ صفو الإيمان.
لكن الإيمان إذا كان قويًا؛ فإنه يرُدُّ تلك الشبهة ويدفعها؛ إما بتصور فسادها، أو يدفعها بمجرد أنها تعارض الحق، فالشبهة يدفعُها المؤمن - تارة - بمعرفته وعلمه أنها باطلة، و- تارة - يردُّها بمجرد علمه بأنها تعارض الحق، فمجرد معارضتها للحق؛ دليل على بطلانها، كما إذا ورد حديث يعارض نصًا من نصوص القرآن ويناقضه؛ فإنك تعلم أن هذا غلطٌ وليس بصحيح؛ فإما أن يكون موضوعًا، أو يكون وهمًا، مثل: الحديث الذي يدل على أن الله خلق الخلق في سبعة أيام (^١) فقد نص العلماء على أن هذا الحديث وهمٌ؛ لأنه يعارض صريح القرآن في أن الله خلق السموات والأرض في ستة أيام.
إذًا؛ فورود الشبهات على القلوب يقتضي العناية بتحقيق هذين الأصلين؛ لأن العناية بهما ممَّا تدفع به هذه الشبهات الواردة على القلوب، أما من فقد التحقيق العلمي، والتحقيق الإيماني؛ فإنه يتعرض لتأثير الشبهات على قلبه، حتى يضل بها، وتوقعه في أنواع الضلالات،
_________________
(١) وقد رواه مسلم (٢٧٨٩) من حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعًا، وقد ردَّه علي بن المديني، والبخاري، وابن تيمية، وابن القيم، وابن كثير، وغيرهم. انظر: «التاريخ الكبير» ١/ ٤١٣، و«الأسماء والصفات» ص ٣٥٨، و«مجموع الفتاوى» ١٨/ ١٨، و«بغية المرتاد» ص ٣٠٦، و«المنار المنيف» ص ٧٨، و«تفسير ابن كثير» ١/ ٢١٨. وقد دافع المعلمي عن الحديث، ووجَّهه في «الأنوار الكاشفة» ص ١٨٨.
[ ٦٨ ]
أما من عنده بصيرة في دينه، وعنده إيمان مشرق فإنه يدفع تلك الشبهات (^١).
فهذه خمسة أسباب لأهمية هذا الموضوع، والسبب الخامس أخص من الثالث، فعطفُه على ما قبله مِنْ عطف الخاص على العام، والله الموفق.
* * *
_________________
(١) قال ابن القيم: «قال لي شيخ الإسلام ﵁ وقد جعلت أورد عليه إيرادًا بعد إيراد -: لا تجعل قلبك للإيرادات والشبهات مثل السفنجة؛ فيتشربها؛ فلا ينضح إلا بها، ولكن اجعله كالزجاجة المصمتة، تمر الشبهات بظاهرها ولا تستقر فيها، فيراها بصفائه، ويدفعها بصلابته، وإلا؛ فإذا أشرَبتَ قلبك كل شبهة تمر عليها؛ صار مقرًا للشبهات. - أو كما قال - فما أعلم أني انتفعت بوصية في دفع الشبهات كانتفاعي بذلك». «مفتاح دار السعادة» ١/ ١٤٠.
[ ٦٩ ]