_________________
(١) قوله (نقُولُ) هذا لأنه لا يُكْتَفَى في الاعتقاد باعتقاد القلب؛ بل لا بد من قول اللسان. وأعظم قول اللسان وكافِيْهْ شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، لأنَّ العقيدة الصحيحة اعتقادٌ بالجنان، وقولٌ باللسان حتى يكون الإيمان صحيحًا، ثم امتثال العمليات في الأمر والنهي. وقوله (مُعتَقدينَ) هذه حال من (نقُولُ) يعني أقول حَالَةَ كوني معتقدا هذا الكلام، عاقدا عليه قلبي، غير متردد فيه ولا مرتاب. فـ (مُعتَقدينَ) ولو تأخرت فهي حال من الضمير في (نقُولُ) . وقوله (بتوفيق الله) هذه استعانة بالله - ﷿ - أنْ يوفقه في القول الحق في ذلك. والتوفيق اختلفت فيه التفسيرات بما سيأتي بيانه إن شاء الله مفصلًا في ذكر مسائل القدر، فأهل السنة لهم تفسير للتوفيق وللخذلان، وأهل البدع كلٌ له مَشْرَبُه في تفسير التوفيق والخذلان. قال (نقُولُ في تَوحيدِ الله مُعتَقدينَ بتوفيق الله: إنَّ الله واحدٌ لا شريكَ لَهُ) اشتملت هذه الجملة على ذِكر التوحيد وعلى تفسيره. وكلمة (التوحيد) هذه مصدر: وَحَّدَ، يُوَحِّدُ، تَوْحِيدًا؛ يعني جَعَلَ الشيء واحداُ. قد جاء في السنة عن النبي ﷺ أنه قال في حديث معاذ (إنّك تأتي قوما أهل كتاب فليكن أول ما تدعوهم إليه إلى أنْ يوحدوا الله) (١)، وجاء أيضا في قول الصحابي ﵁ (فأهلَّ رسول الله ﷺ بالتوحيد) (٢) في قوله لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك -التلبية المعروفة في أول الحج-، (فأهلَّ رسول الله ﷺ بالتوحيد)، فإذًا كلمة (التوحيد) جاءت في السنة. ومعنى التوحيد كما ذكرنا جعل الشيء واحدًا في اللغة، فتوحيد الله معناه أنْ تجعل الله واحدًا. واحِدْ فيما وحَّدَ الله - ﷿ - نفسه فيه فيما دلت عليه النصوص. والنصوص دلَّت على أنَّ الله واحدٌ في ربوبيته، واحدٌ في إلهيته، واحدٌ في أسمائه وصفاته. فالتوحيد إذًا في الكتاب والسنة راجع إلى توحيد الربوبية، توحيد الإلهية، توحيد الأسماء والصفات، وهذا على التقسيم المشهور. وقَسَمَهُ بعض أهل العلم إلى تقسيمٍ آخر وهو أنَّ توحيد الله ينقسم إلى قسمين؛ ينقسم: - إلى توحيدٍ في المعرفة والإثبات. - وإلى توحيدٍ في القصد والطلب. وعَنَى بقوله (في المعرفة والإثبات) في معرفة الله - ﷿ - بأفعاله، وهذا هو الربوبية و(الإثبات) له فيما أثبت لنفسه، وهذا هو الأسماء والصفات. وقوله (في القصد والطلب) وهو توحيد الإلهية. وتقسيم التوحيد إلى ثلاثة أقسام: الربوبية والألوهية والأسماء والصفات جاء في عبارات المتقدمين من أئمة الحديث والأثر، فجاء عند أبي جعفر الطبري في تفسيره وفي غيره من كتبه، وفي كلام ابن بطة، وفي كلام ابن منده، وفي كلام ابن عبد البر، وغيرهم من أهل العلم من أهل الحديث والأثر، خلافًا لمن زعم من المبتدعة أنَّ هذا التقسيم أحدثه ابن تيمية، فهذا التقسيم قديم يعرفه من طالع كتب أهل العلم التي ذكرنا. إذا تقرر ذلك: فمعنى توحيد الربوبية: اعتقاد أنَّ الله واحدٌ في أفعاله سبحانه لا شريك له. وأفعال الله - ﷿ - منها خَلْقُه سبحانه، ومنها رَزْقُهُ وإحياؤه وإماتته وتدبيره للأمر وإغاثته للناس ونحو ذلك يعني أنَّ توحيد الربوبية راجعٌ إلى أفراد الربوبية التي هي السيادة والتصرف في الملكوت. فكل ما رَجَع إلى السيادة والتصرف في الملكوت رجع إلى توحيد الربوبية. فالإيمان بتوحيد الربوبية معناه أنَّهُ إيمانٌ بأنَّ الله وحده لا شريك له هو المتصرف في هذا الملكوت أمْرًَا ونهيًا، هو الخالق وحده، وهو الرَّزَاقُ وحده، وهو المحيي المميت وحده، وهو النافع الضار وحده، وهو القابض الباسط وحده في ملكوته، إلى آخر مفردات الربوبية، كما قال - ﷿ - ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنْ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنْ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنْ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾ [يونس:٣١]، فأثبت أَنَّهُم أقروا بالرُّبُوبِيَّة، وأنْكَرَ عليهم أنهم لم يتقوا الشرك به وتَرْكَ توحيد الإلهية. وتوحيد الإلهية: هو توحيد الله بأفعال العبيد. التوحيد في القصد والطلب؛ بأن يُفْرِدَ العبد ربه - ﷿ - في إنابته وخضوعه ومحبته ورجائه، وأنواع عبادته من صلاته وزكاته وصيامه ودعائه وذبحه ونذره إلى آخر أفراد العبادة بما هو معلوم في توحيد الإلهية.
(٢) البخاري (١٤٩٦) / مسلم (١٣٠)
(٣) مسلم (٣٠٠٩) / ابن ماجه (٣٠٧٤)
[ ٨ ]
وتوحيد الأسماء والصفات: هو جعل الله - ﷿ - واحدًا لا مِثْل له في أسمائه وصفاته كما قال ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١] وكما قال ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:٤]، وكما قال - ﷿ - ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم:٦٥] .
إذًا قوله (نقُولُ في تَوحيدِ الله مُعتَقدينَ بتوفيق الله) هنا ذَكَرَ التوحيد لأنَّ الخلاف قائمٌ فيه:
- ففي الربوبية قام الخلاف مع الدُّهْرِيَةْ والفلاسفة الذين يقولون: إنَّ هذا العالمَ قديم لم يزل، وأنه ليس له خالق، بل وُجِدَ هكذا العالم باتفاق، وغير ذلك من مقالات نُفاة الرب - ﷿ -.
وكذلك مخالفة للذين جعلوا الله ربًا ولكن جعلوا معه شريكًا في الربوبية، وهم طوائف من الملل مختلفة، وفي هذه الأمة دَخَلَ ذلك في قول غلاة المتصوفة الذين يقولون:
إنَّ لهذا العالم فيه من يتصرف فيه من الأولياء والأقطاب الذين لكل بلد قطب يمنع ويعطي فيها ويرزق ويحيي ويميت، إلى آخر ما يعتقدون فيه.
- في الإلهية ثَمَّ من خالف.
- في الأسماء والصفات ثَمَّ من خالف كما سيأتي تفصيله.
هنا سؤال: وهو أنه قَدَّمَ القول في الاعتقاد في الله - ﷿ -، لم؟
والجواب عن ذلك أنه قدَّم ذلك لأمرين:
- الأمر الأول: أنّ الإيمان بالله مُقَدَّمٌ على غيره من أركان الإيمان كما قال - ﷿ - ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ﴾ [البقرة:١٧٧]، فَقَدَّمَ الإيمان بالله على غيره، وكما في قوله - ﷿ - ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ﴾ [البقرة:٢٧٥]، وقول النبي ﷺ في حديث جبريل المعروف (الإيمان أنْ تُؤْمِنَ بِالله وَمَلاَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلهِ وَاليَوْمِ الآخِر، وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرَّهِ) (١) .
- الأمر الثاني: أنَّ الاعتقاد في الله - ﷿ - هو أصل الإيمان، وبه يصير المرء مؤمنًا، بالاعتقاد في الله - ﷿ - بالوحدانية بما دَلَّتْ عليه شهادة أن لا إله إلا الله وأَنَّ محمدا رسول الله، وأَنَّ ذلك هو أول واجبٍ على العبيد.
وفي هذا مخالفة للذين زعموا أنَّ أول واجبٍ على العبد -ويقدمونه في عقائدهم- أن يَعْرِفَ الله، أو أَنْ يستدل على معرفة الله، أو ما يسمونه بالنظر للتوحيد أو للمعرفة، أو بالقصد إلى النظر.
فلما كان أول واجب هو التوحيد قَدَّمَه، مخالَفَةً لمن قال إنَّ أول واجب هو أَنْ تنظر في الدلائل وفي الملكوت لمن كان أهلًا لذلك.
قال (إنَّ الله واحدٌ لا شريكَ لَهُ)، (إنَّ الله واحدٌ)، لفظ (واحدٌ) هذا من أسماء الله الحسنى، كما قال الله - ﷿ - ﴿هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ [الزمر:٤]، وأيضا من أسمائه الحسنى الأحد ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١] .
و(واحدٌ) يعني أنه لا شريك له، ولذلك كانت كلمة (لا شريكَ لَهُ) هذه مؤكِّدَة تأكِيْدًَا بعد تأكيد.
قال الحافظ ابن حجر وغيره في قوله (واحدٌ لا شريكَ لَهُ) هذا تأكيد بعد تأكيد لبيان عِظَمِ مقام التوحيد.
وكلمة (واحدٌ) هذه راجعة عند أهل الاعتقاد إلى أَحَدِيَّتِه سبحانه.
ونقول الصحيح أنه لا فرق بين واحد وأحد.
والمتكلمون يُفَرِّقُونَ ما بين الواحد والأحد؛ أو واحد وأحد، فيُرْجِعُون الوَاحِدِيَّةْ للصفات، والأَحَدِيَّة للأفعال.
لكن الصحيح أنَّ اسم الله - ﷿ - الواحد يرجع إليه أَحديته سبحانه في الذات وفي الصفات وفي الأفعال؛ في الربوبية والألوهية والأسماء والصفات.
قوله (شريكَ لَهُ) هذا تفسير لـ (واحدٌ) وتأكيدٌ له.
ولهذا دلَّ قوله (إنَّ الله واحدٌ لا شريكَ لَهُ) على أَنَّ التوحيد أعظم ما يُفَسَّرُ به نَفْيُ الشريك عن الله - ﷿ -، (نقُولُ في تَوحيدِ الله إنَّ الله واحدٌ لا شريكَ لَهُ) فالتوحيد يُفسَّر بِضِدِّهِ وهو نفي الشرك كما قال الشاعر:
فالضد يظهر حسنه الضد ****** وبضدها تتبين الأشياء
فقد لا يستقيم معرفة التوحيد بتفاصيله إلا بالإيقان بِنَفْيِ الشرك بأنواعه.
لهذا نقول هنا قوله (لا شريكَ لَهُ) هذا عام يشمل نفي الشريك في الربوبية، ونفي الشريك في الألوهية، ونفي الشريك في الأسماء والصفات.
١ - النوع الأول من أنواع نفي الشريك في قوله (لا شريك له) نفي الشريك لله في ربوبيته:-
والشَّرِكَة في الربوبية راجِعَةْ إلى جعل المخلوق له من صفات الرب - ﷿ - في صفات الربوبية؛ يعني أنْ يَجْعَلَ للمخلوق تصرفًا.
إذا جعل للمخلوق تصرفًا في الكون مما يختص به الله - ﷿ -، فهذا ادِّعَاءٌ للشريك معه في الربوبية.
أو أن يعتقد أنَّ الله معه مُعِينٌ أو ظهير أو وزير.
_________________
(١) البخاري (٥٠) / مسلم (١٠٢)
[ ٩ ]
وهذا كله منفي، وكل هذا داخل في الاشتراك في الربوبية، كما قال - ﷿ - ﴿قُلْ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ﴾ [سبإ:٢٢]، فذكر أنواع الاشتراك في الربوبية:
- إما شَرِكَةْ مستقلة ﴿لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ يعني استقلالًا.
- أو معاونة.
- أو اتخاذ ظهير ووزير لله - ﷿ -.
وهذه المعتقدات موجودة في طوائف من هذه الأمة.
والإيمان بتوحيد الربوبية ونَفْيِ الشَّرِكَةْ في الربوبية على درجتين:
أ - الدرجة الأولى: واجبة على كل مُكَلَّف، ومن لم يأتِ بها فليس بموحّد، بل هو مشرك، وهو ما ذكرنا من الاعتقاد بأنَّ الله واحدٌ في ربوبيته؛ في أفعاله سبحانه، فهو الخالق وحده، وهو الرزّاق وحده، وهو المحيي المميت وحده، وهو النافع الضار وحده - ﷿ -، وهو مُدَبِّرُ الأمور وحده، وهو خالق الخَلق وحده، إلى آخر أفراد ذلك، وهذه واجبة على كل أحد.
ب - الدرجة الثانية: وهي مرتبةٌ للخاصة وأهل العلم وهي شهود آثار الربوبية في خَلْق الله - ﷿ -، وهذه بحيث لا يَرَى غير الله - ﷿ - مُؤَثِرًا في هذا الملكوت، ولو كان تأثير معلولات عن عِلَلْ، أو تأثير مُسَبَّبَاتْ عن أسباب، فإنّه يَرَى أنْ لا مؤثر في الحقيقة ولا خالق إلا الله - ﷿ -، وينظر لذلك في الملكوت متفكرًا، متدبرًا.
وهذه حال الخاصة وهي مستحبة، وهي لأهل العلم ولأهل الإيمان، وليست واجبة على كل أحد، كما قال سبحانه ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٠) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا﴾ [آل عمران:١٩٠-١٩١]، وكما وصف الله - ﷿ - بعض عباده بالتفكر والنظر والتدبر في خلق الله - ﷿ -، بل أمر بذلك في بعض الآيات بقوله ﴿قُلْ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس:١٠١]، وكقوله ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا﴾ [الأعراف:١٨٤]، وكقوله - ﷿ - ﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا﴾ [سبإ:٤٦]، فهذا التَّفَكُرْ في ربوبية الله - ﷿ -، في خلق الله يدل على توحيده في الربوبية، وهو حال الخاصة، كما قال الحسن البصري ﵀ (عاملنا القلوبَ بالتفكر فأورثها التذكر، فرجعنا بالتذكر على التفكر، وحركنا القلوب بهما، فإذا القلوب لها أسماع وأبصار) (١) .
وهذه عند أهل البدع وأهل الكلام مطلوبة وواجبة لمن كان أهلًا لها.
فيوجِبُونَ النظر، ويوجبون التفكر، ولا يصح إيمان أحدٍ - عند طائفة منهم- ممن كان أهلا للنظر إلا بالنظر.
فلو مات المتأهل للنظر من غير نَظَرٍ لم يكن مؤمنا بربوبية الله - ﷿ -، وإنْ كانت تجري عليه أحكام أهل الإسلام في الدنيا فإنهم لا ُيجرُونَ عليه أحكام أهل الإسلام في الآخرة على تفصيل مذهب أهل الكلام في ذلك.
٢ - النوع الثاني من أنواع نفي الشريك في قوله (لا شريك له) نفي الشريك لله في إلهيته:-
والإلهية معناها العبادة، يعني لا شريك له في عبادته، كما دلت عليها كلمة التوحيد (لا إله إلا الله وحده لا شريك له) .
فيعتقد أنَّ الله - ﷿ - ليس معه إله يستحق العبادة، وأنّ كل من أُدُّعِيَ فيه الإلهية وأنه يُعْبَدْ، فإنما عُبِدَ بالبغي والظلم والعدوان والتعدي.
وكل من أشرك بالله - ﷿ - فهو ظالمٌ أبشع الظلم وأكبر الظلم؛ لأنه سبحانه توعَّد أهل الشرك بالنار، بل أوجب لهم النار في قوله ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (٢) وكما قال المسيح ﵇ ﴿وَقَالَ الْمَسِيحُ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ﴾ [المائدة:٧٢] .
لبيان هذا التوحيد وما يتصل به كتب توحيد العبادة المعروفة ومن أعظمها وأشملها كتاب التوحيد للإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب ﵀.
٣ - النوع الثالث من أنواع نفي الشريك في قوله (لا شريك له) نفي الشريك لله في الأسماء والصفات:-
وذلك بأنْ يعتقد أنَّ الله - ﷿ - لا شريك له في كيفية اتصافه بالصفات.
يعني لا مُماثِلَ له، ولا مشابه له في كيفية اتصافه بالصفات.
_________________
(١) يأتي ذكره (٣٣٢)
(٢) سورة النساء في الآيتين:٤٨ و١١٦.
[ ١٠ ]
وأنه سبحانه لا شريك له في المعنى المطْلَقْ لصفاته سبحانه ولأسمائه، ولا مُشَابِهَ له في المعنى المطلق لأسمائه وصفاته.
وأنَّ اشتراك بعض خلقه معه سبحانه في الصفات إنما هو اشتراك في مطلق المعنى وفي أصله لا في المعنى المطلق ولا في كماله ولا في الكيفية.
فيعتقد أنَّهُ لا شريك له في صفاته ولا في أسمائه ولا في أفعاله سبحانه، بل ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] .
لأجل هذا المعنى العام، عَطَفَ عليها المصنف بقوله (ولا شيء مثله ولا شيء يعجزه ولا إله غيره) كما سيأتي تفصيل الكلام على هذه المسائل في ذكر معنى هذه الجُمل الثلاث.
إذًا هذا إجمالٌ لمعنى التوحيد ونفي الشريك، ويأتي تفصيلها مع بيان كل مسألة:
توحيد الربوبية وأبحاثه، توحيد الأسماء والصفات وأبحاثه، توحيد الإلهية وأبحاث توحيد الإلهية.
بَقِيَ أن نقول: إنَّ في قوله (نقُولُ في تَوحيدِ الله مُعتَقدينَ بتوفيق الله إنَّ الله واحدٌ لا شريكَ لَهُ) إنَّ هذه العبارة (لا شريكَ لَهُ) تفسيرها على طريقة أهل السنة ذكرناها.
وأمَّا أهل البدع فيقولون في تفسير (واحدٌ لا شريكَ لَهُ) عبارات مختلفة تجدونها في التفاسير، ويُكْثِرُ منها أهل البدع.
فيقولون في تفسير (واحدٌ):
واحد في ذاته لا قسيم له، وواحدٌ في صفاته لا شريك له، وواحدٌ في أفعاله لا نِدَّ له.
وفي قولهم في أوَّلِهَا (واحد في ذاته لا قسيم له) هذه من التعبيرات المحدثة، وإن كان يمكن أن تَحْتَمِلَ معنَىً صحيحًا؛ لكن التوحيد والأَحَدِيَة تُفسَّرُ بواحديته سبحانه وأحديته في ربوبيته وإلهيته وفي أسمائه وصفاته.
وأهل البدع في التوحيد اختلفت عباراتهم؛ وسبب اختلاف عباراتهم في التوحيد أنهم نظروا في تعريف التوحيد إلى حال النصارى وأهل الملل، فَفَسَّرُوا التوحيد بما يخالِفُ ما عليه بعض الطوائف.
فقالوا (واحدٌ في ذاته لا قسيم له) يعني نفيا للأقانيم الثلاثة التي هي صُوَرْ لله - ﷿ - مختلفة كما هو اعتقاد النصارى أو طائفة من النصارى، وكذلك اعتقاد السِّنَوِيَّة والذين يقولون أنَّ ثَمَّ إلهين، هو إله واحد لكن له أُقنومان شيءٌ للخير وشيءٌ للشر.
والله - واحد في ذاته وأسمائه وصفاته، واحدٌ في ربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته ـ.
سيأتي إن شاء الله مزيد بيان لقول المخالفين في تفسير الربوبية والألوهية والأسماء والصفات فيما نستقبل إن شاء الله تعالى.
نكتفي الليلة بهذا القدر، ونسأل الله سبحانه أنْ يوفقكم لما يحب ويرضى، وأن يزيدني وإياكم من العلم النافع والعمل الصالح، وأن يختم لنا برضاه، وصلّى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.
[ ١١ ]