الفصل الثالث: النفاق الأكبر "الاعتقادي""١"
وفيه ثلاثة مباحث:
المبحث الأول: تعريفه وحكمه:
النفاق في اللغة: إخفاء الشيء وإغماضه"٢".
_________________
(١) "١" سُمي "اعتقاديًا"لأنه في أصل الاعتقاد، ولذلك فهو مخرج من الملة، ولا يعترض على هذه التسمية بذكر أعمال المنافقين، كتوليهم للمشركين، وإعانتهم على المسلمين، لأن هذا ليس داخلًا في أصل النفاق، وإنما هو من أعمال المنافق التي يستدل بها على ما في قلبه من اعتقاد كفري كما سيأتي، ولهذا فهو لا يدخل في حد الكفر. أما النفاق الأصغر فهو "عملي"؛ لأنه في الأعمال الظاهرة، لا في أصل الاعتقاد، فهو عمل أعمالًا ظاهرها الصلاح، ولكنه قد أبطن ضد ذلك. وينظر: الإبانة ٢/٦٩٩، رقم "٩٣٩"، كتاب الصلاة لابن القيم "ص٥٩"، الدرر السنية ٢/٧٢. "٢" قال في معجم مقاييس اللغة "مادة نفق": "النون والفاء والقاف أصلان صحيحان، يدل أحدهما على انقطاع شيء وذهابه، والآخر على إخفاء الشي وإغماضه، ومتى حصّل الكلام فيهما تقاربًا، فالأول: نفقت الدابة نفوقًا: ماتت. والأصل الآخر: النّفق: سَرَب في الأرض له مخلص إلى مكان، والنافقاء: موضع يرققه اليربوع من جحره، فإذا أتي من قبل القاصعاء ضرب النافقاء برأسه، فانفتق – أي خرج -. ومنه اشتقاق النفاق؛ لأن صاحبه يكتم خلاف ما يظهر، فكأن الإيمان يخرج منه، أو يخرج هو من الإيمان في خفاء، ويمكن أن الأصل في الباب واحد، وهو الخروج والمسلك النافذ الذي يمكن الخروج منه". انتهى مختصرًا.
[ ٢٥٣ ]
وفي الاصطلاح: أن يظهر الإنسان الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، ويبطن ما يناقض ذلك كله أو بعضه"١".
وذلك بأن يكون في الظاهر أمام الناس يدّعي الإسلام، ويظهر لهم أنه مسلم، وربما يعمل أمامهم بعض العبادات كالصلاة والصيام والحج وغيرها، ولكن قلبه – والعياذ بالله – لا يؤمن بتفرد الله تعالى بالألوهية أو بالربوبية، أو لا يؤمن برسالة النبي ﷺ، أو يبغضه، أو لا يؤمن بكتب الله المنزلة، أو لا يؤمن بعذاب القبر، أو لا يؤمن بالبعث، أو يعتقد أن دين النصارى أو دين اليهود أو دين غيرهم من الكفار حق أو خير من الإسلام، أو يعتقد أن الإسلام دين ناقص، أو لا يصلح للتطبيق في هذا العصر، أو يعتقد أن فيه ظلمًا لبعض فئات المجتمع، أو فيه ظلم للنساء، أو أن بعض تشريعاته فيها ظلم، أو ليس فيها تحقيق لمصالح العباد، وغير ذلك من الاعتقادات المخرجة من الملة التي سبق ذكرها في الشرك الأكبر والكفر الأكبر.
أما حكم المنافق فهو حكم المشرك شركًا أكبر وحكم الكافر كفرًا
_________________
(١) "١" جامع العلوم والحكم "شرح الحديث ٤٨، ج٢ ص٤٨١". وينظر الفصل ٣/٢٤٤، ٢٤٥، شرح السنة ١/٧٦، إحياء علوم الدين ٣/٣١٩، مجموع الفتاوى ٧/٣٠٠، الفروع: المرتد ٦/١٦٦، مدارج السالكين ١/٣٧٦، ٣٧٧.
[ ٢٥٤ ]
أكبر، كما سبق بيانه"١"؛ لأن المنافقين في الحقيقة كفار، وإن كانوا أسوأ حالًا من سائر الكفار، لأنهم زادوا على الكفر: الكذب والمرواغة والخداع، وضررهم على المسلمين أشدّ؛ لأنهم يندسون بين المسلمين ويظهرون أنهم منهم، ويحاربون الإسلام باسم الإصلاح، ولذلك فهم أشد عذابًا في الآخرة من سائر الكفّار، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ [النساء:١٤٥] .
_________________
(١) "١" ينظر ما سبق عند الكلام على حكم الشرك الأكبر في الفصل الأول من هذا الباب.
[ ٢٥٥ ]