المبحث الأول: شهادة"لا إله إلا الله"
فيه مطلبان:
المطلب الأول: معناها، وفضلها
معنى شهادة"لا إله إلا الله"إجمالًا: لا معبود بحق إلا الله تعالى (١) .
أي أنه لا أحد يستحق أن يعبد إلا الله تعالى، فلا يجوز أن يدعى إلا الله تعالى، ولا يجوز أن يصلى أو ينذر أو يذبح إلا لله تعالى، وهكذا بقية أنواع العبادة، لا يستحق أحدٌ أن تصرف له سوى الله تعالى.
قال علامة اليمن الإمام المجتهد محمد بن إسماعيل الصنعاني:"ومعناها: إفراد الله بالعبادة والإلهية، والبراءة من كل معبود دونه" (٢) .
فـ"لا"نافية للجنس. و"إله"اسمها، وخبرها محذوف تقديره"حق".
و"إله"من"أَلَهَ"بالفتح،"يَألَهُ"،"إلاهَةً"، والمعنى"عَبَدَ"،
_________________
(١) ينظر تفسير الآية (١٦٣) من سورة البقره في تفسيري الطبري والقرطبي، تفسير ابن كثير لسورة "الكافرون"، تفسير الجلالين (تفسير السيوطي لآية الكرسي)، فتح المجيد ١/١٢١- ١٢٦ نقلًا عن البقاعي الشافعي وغيره، مجموعة التوحيد ١/١٧٨.
(٢) تطهير الاعتقاد ص١٨.
[ ٥٦ ]
"يَعبُدُ"،"عِبادةً" (١) .
و"الإلهُ"هو المعبود المطاع، الذي تألهه القلوب بالمحبة، والتعظيم، والخضوع، والخوف، وتوابع ذلك من بقية أنواع العباده.
واسم"الله"علم على ذات الرب تعالى المقدسة، لا يطلق إلا عليه ﷾، وأصله"إله"حذفت الهمزه، وعوض مكانها"أل"التعريف (٢) .
فهذه الكلمة العظيمة تشتمل على ركنين أساسين:
الأول:"النفي"، وهو نفي الإلهية عن كل ما سوى الله تعالى، ويدل عليه كلمة:"لا إله"فهي تنفي أن يكون غير الله تعالى مستحقًا للعبادة.
الثاني:"الإثبات"، وهو إثبات الإلهية لله تعالى، ويدل عليه كلمة"إلا الله"فهي تثبت أن الله تعالى هو المستحق للعبادة وحده لا شريك
_________________
(١) ينظر تفسير البسملة في تفسيري الطبري وابن كثير، وشرح الطيبي للمشكاة ١/٩٨، ورسالة "معنى لا إله إلا الله"للزركشي الشافعي ص٧٣- ١١١، والقاموس المحيط، والصحاح، مادة "أَلِهَ".
(٢) تنظر المراجع المذكورة في التعليق السابق، وتجريد التوحيد للمقريزي ص١٨- ٢٤، وتحقيق كلمة الإخلاص لابن رجب ص٢٣، ٢٥، ٣٠، وفتح المجيد ص٧٣- ٧٦، و١٢٤- ١٢٦، وتفسير الشوكاني ١/١٨، والدرر السنية ٢/٢٥٧، ٢٩٦- ٢٩٨، ٣٠٥، ٣٢٦- ٣٣١، ومجموعة الرسائل ٤/١٦.
[ ٥٧ ]
له (١) . فالله جل وعلا هو المستحق للعبادة وحده، لأنه الخالق، الرازق، المالك، المدبر لجميع الأمور، فيجب على جميع العباد أن يفردوه بالعباده شكرًا له على نعمه العظيمة عليهم، كما سبق بيان ذلك مفصلًا عند الكلام على توحيد الربوبية.
فهذه الكلمة هي حقًا: كلمة التوحيد، والعروة الوثقى، وكلمة التقوى، وفي شأنها تكون السعادة والشقاوة، في الدنيا، وفي القبر، ويوم القيامة، فبالتزامها والقيام بحقوقها تثقل الموازين، وبه تكون النجاة من النار بعد الورود، والفوز بجنات النعيم، وبعدم التزامها أو التفريط في حقوقها تخف الموازين، ويكون العذاب في القبر، وفي يوم القيامة، وفي نار الجحيم.
وهي حق الله على جميع العباد، وهي أول واجب، وآخر واجب، فهي أول ما يدخل به العبد في الاسلام، وآخر ما يخرج به من الدنيا (٢) .
_________________
(١) الكواشف الجلية ص٣٥، وينظر: الأصول الثلاثة: الأصل الثالث ص١٥، قرة عيون الموحدين ص١٣، الدرر السنية ٢/٢٧١، مجموعة الرسائل ٤/٣٤، ٣٨.
(٢) وهي سبب لعصمة دم المسلم وماله وعرضه، إلا بحقها، وبها انقسمت الخليقه إلى مؤمنين وكفار، وأبرار وفجار، وفيها يكون الولاء والبراء، وأهلها هم أهل الله وحزبه، والمنكرون لها أهل غضبه ونقمته.
[ ٥٨ ]
ـ
_________________
(١) وهي الشهادة العظمى، وأول وأعظم أركان الاسلام، فهي أصل الدين وأساسه، وبقية أركان الدين وفرائضه متفرعة عنها، متشعبة منها، مكملات لها، مقيدة بالتزامها والعمل بمقتضاها. وهي أعظم نعمة أنعم الله بها على عبد من عباده، وأفضل ما ذكر الله به، وأثقل شيء في ميزان العبد يوم القيامة. وهي رأس الإسلام، ومفتاح دار السلام، وأصدق الكلام، وأحسن الحسنات، وشهادة الحق، والقول الثابت، والمثل الأعلى، وعنها يكون السؤال للأولين والآخرين يوم الحساب، وبها تؤخذ الكتب باليمين أو الشمال، وبها قامت السموات والأرض، وعليها أسست الملة، ونصبت القبلة. ينظر رسالة "مسألة في التوحيد وفضل لا إله إلا الله"ليوسف بن عبد الهادي ص٨٩- ١١٧، وقد ذكر ١٩٩ فضيلة من فضائلها، وينظر الإيمان لابن منده ١/١١٦- ٣١٥، مجموع الفتاوى ٣/٩٤، مدارج السالكين ٣/٤٦٢، ٤٦٥، زاد المعاد ١/٣٤، تحقيق كلمة التوحيد لابن رجب ص٥٢- ٦٦، التمهيد للمقدسي، مجموعة التوحيد ١/١٧٥، الدرر السنيه ٢/٣٢٦، ٣٥٠، فتح المجيد ١/٧٤، ٧٥، ١٢٥، مجموعة الرسائل ٤/٢٩٥، مجموعة التوحيد ١/١٣٧، ١٤١، قرة عيون الموحدين ص١٩، ٢٠، القول السديد ص١٩، ٢٠، معارج القبول ٢/٤١٠- ٤١٥.
[ ٥٩ ]