َودَلِيلُ التَّوَكُلِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [سورة المائدة: ٢٣] [١٧] .
_________________
(١) التوكل هو التفويض والاعتماد على الله ﷾، وتفويض الأمور إليه ﷾ هذا هو التوكل، وهو من أعظم أنواع العبادة، ولهذا قال: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ قدم الجار والمجرور على العامل ليفيد الحصر. ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا﴾ أي: عليه لا على غيره، ثم قال ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ فجعل من شرط الإيمان التوكل على الله ﷾، ودل على أن من لم يتوكل على الله فليس بمؤمن، فالتوكل عبادة عظيمة، فالمؤمن دائمًا يتوكل على الله، ويعتمد على الله ﷿، والله من أسمائه الوكيل، أي: الموكول إليه أمور عباده ﷾، فالتوكل لا يكون إلا على الله، ولا يجوز أن يقول: توكلت على فلان؛ لأن التوكل عبادة، والعبادة لا تكون إلا لله. أما إذا أسندت إلى أحد من الخلق تصرفًا، فهذا لا يسمى توكلًا إنما يسمى توكيلًا، والوكالة معروفة أنك توكل أحدًا
[ ١٣٨ ]
يقضي لك حاجة، وقد وكل النبي ﷺ من ينوبون عنه في بعض الأعمال، فالتوكيل غير التوكل، فالتوكل عبادة لا يكون إلا لله، ولا يجوز أن تقول: توكلت على فلان، وإنما تقول وكلت فلانًا.
ومع هذا أنت توكله ولا تتوكل عليه، وإنما تتوكل على الله ﷾، فلاحظوا الفرق بين الأمرين التوكل والتوكيل.
ومن صفات المؤمنين ما ذكره الله تعالى بقوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال:٢] هذه من صفات المؤمنين، فالتوكل عبادة عظيمة لا تكون إلا لله ﷿؛ لأنه هو القادر على كل شيء، وهو المالك لكل شيء، وهو الذي يقدر أن يحقق لك مطلوبك، أما المخلوق فإنه قد لا يقدر أن يحقق لك مطلوبك، فإنك توكله في قضاء شيء من الأمور، لكن تتوكل على الله في حصول ذلك الشيء.
ثم أيضًا لنعلم أن التوكل لا ينافي الأخذ بالأسباب، فيجمع المسلم بين التوكل على الله والأخذ بالأسباب، ولا تنافي بينهما، فأنت تعمل الأسباب التي أُمِرْتَ بعملها، ولكن
[ ١٣٩ ]
الرغبة والرهبة والخشوع ودليل كل
وَدَلِيلُ الرَّغْبَةِ وَالرَّهْبَةِ وَالْخُشُوعِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ [الأنبياء: ٩٠] [١٨] .
_________________
(١) لا تعتمد على الأسباب، وإنما تعتمد على الله، أنت تزرع الزرعَ في الأرض، هذا سبب ولكن لا تعتمد على زرعك وفعلك، بل اعتمد على الله في نمو هذا الزرع وتثميره وحمايته وإصلاحه، ولهذا يقول: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ﴾ [الواقعة: ٦٣، ٦٤] فالزارع الحقيقي هو الله أما أنت فقد فعلت سببًا فقط قد ينتج هذا الزرع وينبت وقد لا ينتج، وإذا نبت قد يصلح وقد لا يصلح، قد يصاب بآفة، فيذهب.
(٢) الرغبة: هي طلب الشيء المحمود. الرهبة: هي الخوف من الشيء المرهوب، قال تعالى: ﴿وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ [البقرة:٤٠] وهي نوع من الخوف، الرهبة والخوف بمعنى واحد. الخشوع: نوع من التذلل الله ﷿، والخضوع والذل بين يديه ﷾ وهو من أعظم مقامات العبادة.
[ ١٤٠ ]