فإن كنتم مسلمين فحجوا؛ لأن الله فرض حج البيت على المسلمين، فإذا لم تحجوا وأبيتم الحج فهذا دليل على أنكم لستم مسلمين، ولستم على ملة إبراهيم ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ .
ولله: أي، هذا فرض وحق وواجب لله ﷾ على الناس.
حج: معناه في اللغة: القصد.
الحج شرعا: قصد الكعبة المشرفة والمشاعر المقدسة في وقت مخصوص لأداء عبادات مخصوصة، وهي مناسك الحج.
حج البيت: أي، الكعبة، وما حولها من المشاعر تابع لها.
من استطاع إليه سبيلا: هذا بيان شرط الوجوب، وهو الاستطاعة البدنية والاستطاعة المالية، الاستطاعة البدنية بأن يكون قادرا على المشي والركوب والانتقال من بلده إلى مكة في أي مكان من الأرض، هذه البدنية، يخرج العاجز عجزا مستمرا كالمريض مرضا مزمنا والكبير الهرم، فهذا ليس عنده
[ ١٩٣ ]
استطاعة بدنية، فإن كانت عنده استطاعة مالية فإنه ينيب من يحج عه حجة الإسلام.
أما الاستطاعة المالية فهي توفر المركب الذي ينقله، الراحلة أو السيارة أو الطيارة أو الباخرة، كل وقت بحسبه، ويكون عنده مال يستطيع أن يوفر له المركب الذي يمتطيه لأداء الحج، وأيضا الزاد يكون عنده زاد ونفقة له في السفر ذهابا وإيابا، ولمن يمونهم يكون عندهم كفايتهم إلى أن يرجع إليهم، فالزاد معناه أن يكون عنده ما يكفيه في سفره، ويكفي من يمون من أولاده ووالديه وزوجته، وكل من تلزمه نفقته، يؤمن لهم ما يكفيهم حتى يرجع إليهم بعد تأمين سداد الديون إن كان عليه ديون، يكون هذا المال فاضلا بعد سداد الديون.
فإذا توفر هذا فيكون هذا هو السبيل، " الزاد والراحلة " كما في حديث ابن عباس ﵄.
ومن لم يستطع: أي، من ليس عنده زاد ولا راحلة فليس
[ ١٩٤ ]
عليه حج؛ لأنه غير مستطيع، فشرط وجوب الحج هو الاستطاعة.
ولما كان الحج يؤتى إليه من بعيد من كل أقطار الأرض، من كل فج عميق، ويحتاج إلى مؤنة، وفيه مشقة وتعب، وقد يحصل فيه أخطار، فمن رحمة الله أن جعله في العمر مرة واحدة، وما زاد عليها فهو تطوع، هذا من رحمة الله ﷾ حيث لم يوجبه على المسلم كل سنة، كما قال النبي ﷺ: «إن الله فرض عليكم الحج فحجوا، قال الأقرع بن حابس ﵁: أكل سنة يا رسول الله؟ فسكت عنه الرسول ﷺ، ثم أعاد السؤال، فسكت عنه النبي ﷺ، ثم أعاد السؤال، فقال النبي ﷺ: لو قلت نعم لوجبت، ولما استطعتم، الحج مرة واحدة، فما زاد فهو تطوع»، هذا من رحمة الله.
وقوله سبحانه: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ فيه دليل على أن من امتنع عن الحج وهو يقدر ولم يحج فإنه
[ ١٩٥ ]
كافر؛ لأن الله قال: (ومن كفر)، أي: من أبى أن يحج وهو قادر على الحج، فإن هذا كفر، قد يكون كفرا أصغر، فمن تركه جاحدا لوجوبه هذا كفر أكبر بإجماع المسلمين، أما من اعترف بوجوبه وتركه تكاسلا فهذا كفر أصغر، ولكن إذا توفي وكان له مال فإنه يحج من تركته؛ لأنه دين عليه لله ﷿، وهذه الآية فيها وجوب الحج، وهو ركن من أركان الإسلام، وبين الرسول ﷺ أنه ركن من أركان الإسلام في حديث جبريل، وفي حديث ابن عمر.
وقد فرض الحج في السنة التاسعة على قول، ولم يحج النبي ﷺ في هذه السنة، وإنما حج في السنة التي بعدها في السنة العاشرة، لماذا؟ لأنه ﷺ «أرسل عليا ينادي في الناس في الموسم: " أن لا يحج بعد هذا العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان "»، فلما منع المشركون والعراة من الحج في العام العاشر حج النبي ﷺ حجة الوداع.
[ ١٩٦ ]