فَإِذَا قِيلَ لَكَ بِمَ عَرَفْتَ رَبَّكَ (٢)؟ فَقُلْ بِآيَاتِهِ وَمَخْلُوقَاتِهِ (٣) وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ، وَمِنْ مَخْلُوقَاتِهِ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرَضُونَ السَّبْعُ ومن فيها وما بينهما (٤) .
_________________
(١) أي إذا قيل لك: بأي شيء عرفت الله ﷿؟ فقل: عرفته بآياته ومخلوقاته.
(٢) الآيات: جمع آية وهي العلامة على الشيء التي تدل عليه وتبينه. وآيات الله تعالى نوعان: كونية وشرعية، فالكونية هي المخلوقات، والشرعية هي الوحي الذي أنزله الله على رسله، وعلى هذا يكون قول المؤلف ﵀ "بآياته ومخلوقاته" من باب العطف الخاص على العام إذا فسرنا الآيات بأنها الآيات الكونية والشرعية. وعلى كل فالله ﷿ يعرف بآياته الكونية وهي المخلوقات العظيمة وما فيها من عجائب الصنعة وبالغ الحكمة، وكذلك يعرف بآياته الشرعية وما فيها من العدل، والإشتمال على المصالح، ودفع المفاسد. وفي كل شيء له آية تدل على أنه واحد
(٣) كل هذه من آيات الله الدالة على كمال القدرة، وكمال الحكمة، وكمال الحكمة، وكمال
[ ٤٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) الرحمة، فالشمس آية من آيات الله ﷿ لكونها تسير سيرًا منتظمًا بديعًا منذ خلقها الله ﷿ وإلى أن يأذن الله تعالى بخراب العالم، فهي تسير لمستقر لها كما قال تعالى: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ [سورة يس، الآية: ٣٨] وهي من آيات الله تعالى بحجمها واثارها، أما حجمها فعظيم كبير، وأما اثارها فما يحصل منها من المنافع للأجسام والأشجار والأنهار، والبحار وغير ذلك، فإذا نظرنا إلى الشمس هذه الآية العظيمة ما مدى البعد الذي بيننا وبينها مع ذلك فإننا نجد حرارتها هذه الحرارة العظيمة، ثم أنظر ماذا يحدث فيها من الإضاءة العظيمة التي يحصل بها توفير أموال كثيرة على الناس فإن الناس في النهار يستغنون عن كل إضاءة ويحصل بها مصلحة كبيرة للناس من توفير أموالهم ويعد هذا من الآيات التي لا ندرك إلا اليسير منها. كذلك القمر من آيات الله ﷿ حيث قدره منازل لكل ليلة منزلة ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ﴾ [سورة يس، الآية: ٣٩] فهو يبدو صغيرًا ثم يكبر رويدًا حتى يكمل ثم يعود إلى النقص، وهو يشبه الإنسان حيث أنه يخلق من ضعف ثم لا يزال يترقى من قوة إلى قوة حتى يعود إلى الضعف مرة أخرى فتبارك الله أحسن الخالقين.
[ ٤٨ ]
وَالدَّلِيلُ (١) قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لاَ تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [سورة فصلت، الآية: ٣٧] وَقَوْلُهُ (٢) تَعَالَى:
﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [سورة الأعراف، الآية: ٥٤] .
_________________
(١) أي والدليل على أن الليل والنهار، والشمس والقمر من آيات الله ﷿ قوله تعالى ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ﴾ إلخ أي من العلامات البينة المبينة لمدلولها الليل والنهار في ذاتهما واختلافهما، وما أودع الله فيهما من مصالح العباد وتقلبات أحوالهم، وكذلك الشمس والقمر في ذاتهما وسيرهما وانتظامهما وما يحصل بذلك من مصالح العباد ودفع مضارهم. ثم نهى الله تعالى العباد أ، يسجدوا للشمس أو القمر وإن بلغا مبلغًا عظيمًا في نفوسهم لأنهما لا يستحقان العبادة لكونها مخلوقين، وإنما المستحق للعبادة هو الله تعالى الذي خلقهن.
(٢) وقوله أي من الأدلة على أن الله خلق السماوات والأرض قوله تَعَالَى ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ الآية وفيها من آيات الله: أولًا: إن الله خلق هذه المخلوقات العظيمة في ستة أيام ولو شاء لخلقها
[ ٤٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) بلحظة ولكنه ربط المسببات بأسبابها كما تقتضيه حكمته. ثانيًا: أنه أستوى على العرش أي علا عليه علوًا خاصًا به كما يليق بجلاله وعظمته وهذا عنوان كمال الملك والسلطان. ثالثًا: أنه يغشى الليل النهار أن يجعل الليل غشاء للنهار، أي غطاء له فهو كالثوب يسدل على ضوء النهار فيغطيه. رابعًا: أنه جعل الشمس والقمر والنجوم مذللات بأمره جل سلطانه يأمرهن بما يشاء لمصلحة العباد. خامسًا: عموم ملكه وتمام سلطانه حيث كان له الخلق والأمر لا لغيره. سادسًا: عموم ربوبيته للعالمين كلهم.
[ ٥٠ ]