فإن قال: النبي ﷺ أُعطِيَ الشفاعة وأنا أطلبه مما أعطاه الله.
فالجواب أن الله أعطاه الشفاعة ونهاك عن هذا فقال تعالى: ﴿فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ . فإذا كنت تدعو الله أن يشفِّع نبيه فيك فَأَطِعْهُ في قوله: ﴿فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ .
ــ
من البنيان، فالمحور هو التوحيد والرب لا يرضى (إلا التوحيد كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ ١) وقال عن المشركين ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ ٢ (فإذا كانت الشفاعة كلها لله) كما في الآية الأولى (ولا تكون إلا من بعد إذنه) كما في الآية الثانية (ولا يشفع النبي ﷺ ولا غيره في أحد حتى يأذن الله فيه) كما في الآية الثالثة (ولا يأذن الله إلا لأهل التوحيد) كما في الآية الرابعة (تبيَّن لك) بذلك كله بل بعضه كافٍ (أن الشفاعة كلها لله) ملك له وحده، وأنها لا تُطلب من غير الله بل تطلب من الله (وأطلبها منه) فأطلبها بما هو دعاء لرب العالمين المالك وحده لا دعاء للنبي (فأقول: اللهم لا تحرمني شفاعته، اللهم شفّعه فيَّ وأمثال هذا) فإنك إذا قلت ذلك نلتها، ومراده أنك تطلبه بالمعنى ولو ما لفظت؛ فإذا عملت بالتوحيد فأنت تطلب أسبابًا فيها نيلُ الشفاعة سواء قلت باللفظ أولا أو ما هذا معناه.
(فإن قال) المشبه (النبي ﷺ أعطي الشفاعة وأنا أطلبه مما أعطاه الله) إن انتقل لهذه الشبهة –في زعمه: أنه كما أن من أعطي المال يعطي من شاء فكذلك من أعطي الشفاعة.
_________________
(١) ١ سورة آل عمران، الآية: ٨٥. ٢ سورة المدثر، الآية: ٤٨.
[ ٧٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
(فالجواب) نعم (أن الله أعطاه الشفاعة) وهو سيد الشفعاء لكن الذي أعطاه الشفاعة هو الله (ونهاك عن هذا) نهاك أن تطلبها منه١ فهذا من جهله يطلب شيئًا منهيًا عنه، مع أن إعطاءه الشفاعةَ إعطاءٌ مقيدٌ ر مطلقًا، كما أن إعطاءه المال ﷺ لا يعطيه من شاء إنما يعطيه من أُمِر أن يعطيه (فقال تعالى: ﴿فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ ٢) فهذا نهي عن دعوة غير الله، ودعوةُ غير الله أنواع: منها دعوة غير الله فيما يرجونه من شفاعتهم، ومنها دعوة غير الله لكشف الكربات ونحو ذلك؛ وهذا منهي عنه بل هو حقيقة دين المشركين الأولين، إنما كانت عبادتُهم آلهتهَم بالدعاء وطلب الشفاعة ونحو ذلك كما تقدم (فإذا كنت تدعو الله) الظاهر أن مراده ترجو الله (أن يشفِّع نبيه فيك فَأَطِعْه في قوله ﴿فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾) إذا منت ترجو أن تكون أهلًا لشفاعة سيد الشفعاء فوحِّد الله وأخلِص له العمل تَنَلْ شفاعة المصطفى ﷺ؛ فإن الشفاعة التي هي حق وأعطيها ﷺ مشروطة بشرط كما تقدم وبينت الشريعة أن سبب نيلها اتباع الرسل وإخلاص العمل فبذلك يكون من أهل الشفاعة. فالمشركون ضيَّعوا سبب الشفاعة وضادُّوه وخالفوه. الشريعة بينت أن سبب أعطائه
_________________
(١) ١ أي ملازمة بين كونه أُعطي الشفاعة وبين كونها تُطلب منه، والمشركون أكثر ما يعبدون صلحاء ومع ذلك أي دليل على طلبها أقر أحد أو جاء شيء من النصوص؟! الصحابة طلبوه إياها؟! بل النصوص جاءت بالنهي عن ذلك. وما دعاء غير الله؟ هو أن يقول: يا فلان، اشفع لي. هذا شركهم؛ يدعون مخلوقًا رجاء شفاعته، فصار لا فرق بين أن يصرِّح بنفس تلك العبارة فيقول اشفع لي، أو يذبح لأن يشفع له. (عبارة أخرى) . ٢ سورة الجن، الآية: ١٨.
[ ٧٥ ]
وأيضًا فإن الشفاعة أعطيها غيرُ النبي ﷺ؛ فصحَّ أن الملائكة يشفعون، والأفراط يشفعون، والأولياء يشفعون: أتقول إن الله أعطاهم الشفاعة فاطلبها منهم؟ فإن قلت هذا، رجعت إلى عبادة الصالحين التي ذكرها الله في كتابه. وإن قلت لا. بطل قولك أعطاه الله الشفاعة وأنا اطلبه مما أعطاه الله.
ــ
إياها غير طلبها منه ﷺ، وإنما سببها الإيمان به ﷺ والإيمان بما جاء به؛ قال تعالى ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ ١ وقال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ﴾ ٢ وما لا يعلمه الله فهو باطل؛ يعني لا يعلم أن من دونه شفعاء. وسئل ﷺ: "من أسعد الناس بشفاعتك؟ فقال: "من قال لا إله إلا الله خالصًا من قلبه" وقال: "فهي نائلة إن شاء الله من مات لا يشرك بالله شيئًا". فالشفاعة للعصاة. أما المشركون فلا شفاعة لهم٣.
(وأيضًا فإن الشفاعة أعطيها غير النبي ﷺ) هذا جواب ثانٍ لكشف الشبهة السابقة، تقدم الأول وهو كافٍ شافٍ في كشف شبهته، وهذا الثاني (فصحَّ أن الملائكة يشفعون والأفراط يشفعون) فجنس الشفاعة أعطيها غير النبي ﷺ ولكن هذا الإعطاء مقيد
_________________
(١) ١ سورة المدثر، الآية: ٤٨. ٢ سورة يونس، الآية: ١٨. ٣ البحث في شفاعة نبينا محمد ﷺ –اليهود والنصارى ينكرون شفاعة نبينا ﷺ، وقسمٌ من الناس يثبتها ويغلو فيها كالوثنية، وقسم كأهل السنة يثبتها في العصاة من الموحدين، وقسم ينكرون الشفاعة في عصاة الموحدين. (تقرير أيضًا) .
[ ٧٦ ]