﷽
الحمد للَّه، وصلى اللَّه وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمَّد، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه،
أما بعدُ:
فإنَّ هذه الرسالة المباركة الموسومة بـ «كلمة الإخلاص وتحقيق معناها»، للإمام العَلَم العلامة: أبي الفرج عبدِ الرَّحمن ابنِ رجبٍ الدِّمشقيِّ الحنبليِّ (ت ٧٩٥ هـ)، الإمامِ الشهير، من كبار أئمة الحنابلة في زمانه، وله مؤلفات متنوعة في الفقه، والأصول، والحديث، وفي العقيدة، وغيرها.
وهذه الرسالة التي بين أيدينا مدارها على موضوعٍ عظيمٍ؛ هو: كلمة التوحيد وما تقتضيه، وما ورد فيها من الأحاديث التي اشتبه معناها على كثير من النَّاس.
كما تضمنت أيضًا التنبيه إلى أمر عظيم، وهو خطر مذهب الإرجاء.
ومعروفٌ أنَّ الإرجاء مضمونه أنَّ «الإيمان» هو مجرَّد التصديق، أو أنه مجرَّد المعرفة، أو أنه مجرَّد القول باللسان، كما هي أقوالٌ لطوائف المرجئة.
[ ٣١ ]
ولا شك أنَّ قَصْرَ «الإيمان» على مجرَّد ذلك مخالفٌ لما دلَّت عليه نصوص الكتاب والسُّنَّة من أنَّ «الإيمان» قولٌ وعملٌ، أو اعتقادٌ وعملٌ؛ اعتقاد بالقلب، وعمل القلب، وإقرار اللسان، وعمل الجوارح.
فهذا الدين الذي بعث اللَّه به محمدًا ﷺ، جاء بشريعةٍ عظيمةٍ، مشتملةٍ على اعتقاداتٍ مفصَّلة، وأعمالٍ قلبِيَّةٍ مفصَّلَة، وأعمالٍ للجوارحِ مفصَّلَة، فهو مشتملٌ على أفعالٍ وتروكٍ، وحلالٍ وحرامٍ، وواجباتٍ وفرائضَ.
فليس دين الإسلام أن يقول الإنسان: «لا إله إلا اللَّه» فقط، بل هذه الكلمة العظيمة لها مدلولها العظيم، فكيف يكون مجرد النطق بها كافيًا في جعل الإنسان مسلمًا مهما فعل من المنكرات؟، بل من الشرك والكفريات؟!
فمذهبُ الإرجاء مذهبٌ فاسدٌ، وقد استشرى في هذه الأمة، وأدَّى إلى ألَّا يبقى مع كثيرٍ من المسلمين من الإسلام إلا مجرَّد الاسم.
فالمشركون الذين يعبدون القبور بأنواع العبادات لا يُنْكَر عليهم ذلك؛ لأنهم يقولون: «لا إله إلا اللَّه»، وهذا -لا شك- من تغرير الشيطان بالإنسان.
كذلك كثيرٌ من المسلمين يجترئ على المعاصي، ويُقْدِمُ عليها بجرأةٍ واستخفافٍ، معتذرًا بأنَّه يقول: «لا إله إلا اللَّه»، متَّكِلًا في ذلك على أحاديث الوعد، وسيذكر المؤلِّف جملة منها في ثنايا رسالته.
[ ٣٢ ]
فالمقصود أنَّ مذهب المرجئة يؤدي إلى الاستخفاف بشعائر الدين، كما يؤدي إلى الجرأة على المحرمات من كبائر الذنوب، بل إلى ما هو أكبر منها من الشرك باللَّه؛ كالطواف بالقبور، والذبح للأموات، ودعائهم والاستغاثة بهم، وكذلك أنواع من الكفر الذي تجري على أَلْسُنِ بعض الناس، فالخطر عظيم.
فهذا المذهبُ البدعيُّ جَرَّ إلى هذا الواقع الأليم، ولهذا يذكر أهلُ العلم أن مذهب غلاة المرجئة مبنيٌّ على مقولةٍ باطلةٍ وهي: «لا يضر مع الإيمان -الإيمان الذي هو مجرد التصديق أو مجرد المعرفة كما يقولون- ذنبٌ، كما لا ينفع مع الكفر طاعة».
ولا شك أن من اعتقد ما دلت عليه هذه المقولة الباطلة فهو كافر؛ لأن النصوص الشرعية قد دلت على أن الذنوب تضر بالإيمان وتؤثر فيه، بل ثمة ذنوب توجب الكفر والخلود في النار لمن مات عليها.
وعلى النقيض من مذهب المرجئة مذهبُ الذين يُكفِّرُون بالذنوب، فالمرجئةُ وهؤلاء على طَرَفي نقيض، والمذهب الحق هو مذهب أهل السُّنَّة والجماعة، فهم على صراط مستقيم بين هؤلاء وهؤلاء.
فأهل السُّنَّة والجماعة وسطٌ في باب أسماء الدِّين والإيمان والأحكام بين الخوارج والمعتزلة وبين المرجئة، فالوعيدية من الخوارج والمعتزلة يُقَنِّطُون أصحابَ الذنوب، والمرجئة يُؤمِّنُونَهم من عذاب اللَّه، وأما أهل السُّنَّة والجماعة فيقولون في أهل الكبائر التي هي دون الكفر والشرك ما قاله اللَّه تعالى: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاء﴾ [النساء: ٤٨]، وأما الشرك
[ ٣٣ ]
والكفر بأنواعه فهو موجبٌ للخروج من الإسلام، فإن للإسلام نواقض يخرج بها الإنسان عنه وإن كان يقول: «لا إله إلا اللَّه».
ف «لا إله إلا اللَّه» إنما تعصم دم الإنسان وماله في الدنيا إذا لم يأت بما يناقضها، وكذلك تعصمه في الآخرة من الخلود في النار، وتعصمه أيضًا من دخول النار إذا لم يأتِ بما يوجب ذلك.
فشهادة أن «لا إله إلا اللَّه» معناها: لا معبود بحق إلا اللَّه، فهذه الشهادة العظيمة لا تقتضي مجرد اعتقاد فحسب، بل تقتضي اعتقادًا وعملًا:
- فتقتضي اعتقاد أن اللَّه هو الإله المستحق للعبادة، وأن كل ما سواه لا يستحق العبادة.
- وتقتضي عبادةَ اللَّه، وإفرادَه بالعبادة، وتركَ عبادة ما سواه، والكفرَ بما يُعبَد من دونه.
فالأول: هو المذكور في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ﴾ [البقرة: ٢٥٦].
والثاني: هو المذكور في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦].
فالذي يقول بلسانه: «لا إله إلا اللَّه»، وهو لا يَبْرَأ من المشركين وشركِهم، ولا يعتقد بطلانَ ما هم عليه وضلالَه، فهذا لا حظ له مما تقتضيه هذه الكلمة العظيمة من الاعتقاد، ولا مما تقتضيه من العمل.
[ ٣٤ ]
ومن قال: «لا إله إلا اللَّه» معتقدًا أنه لا يستحق العبادة إلا اللَّه، وأن كل ما سواه لا يستحق العبادة، وتبرَّأ من المشركين وشركِهم، لكنه -مع هذا الاعتقاد- أعرض عن عبادة اللَّه، فلم يؤد فريضة، ولم يجتنب كبيرة، فأي معنى لهذا الاعتقاد حينئذٍ؟ بل إن إعراضه عن عبادة اللَّه يكذِّبُ دَعوَاه، ومن كانت هذه حاله لم يُحَقِّق قولَ: «لا إله إلا اللَّه».
فالناس في هذا المقام على تفاوت عظيم، منهم من ينتهي به الإرجاءُ إلى الكفر، ومنهم من ينتهي به إلى الجرأة على المحرمات، وشتان بين من يأتِ المعصية وهو خائفٌ وَجِلٌ، ويَلومُ نفسَه ويعاتِبُها ويُفَكِّر بالتوبة والخَلاص، وبين من يأتِ المعصية بهذه الشبهة -شبهة الإرجاء-.
فشبهة الإرجاء هذه تحمل الإنسان على الإقدام على الشهوات المحرَّمة، فيجتمع له الشهوة والشبهة.
فالشيطانُ يأتي الإنسانَ قَبلَ فِعْلِ المعصية يُجَرِّؤه عليها؛ بتهوينها في نفسه، وتذكيره بمغفرة اللَّه وسعة رحمته، وبأنه مسلمٌ وأنه يقول: «لا إله إلا اللَّه»، ويُذَكِّرُه بأحاديث الوعد الواردة في هذا المعنى، ثم بعد الإقدام على المعصية يُقَنِّطُه من رحمة اللَّه، حتى ييأس من رحمة اللَّه فلا يَهمُّ ولا يُفكِّر بالتوبة، وهذا من مداخل الشيطان على الإنسان، فالمقامُ عظيمٌ وخطيرٌ.
وهذا الانقسام موجودٌ من الصدر الأول وسارٍ في الأُمَّة من وقت ظهور الخوارج وعلى إثْرِهم المرجئة إلى يومنا هذا، والمذهبان
[ ٣٥ ]