بِسم الله بدأنا وَبِحَمْدِهِ وَالشُّكْر لَهُ ختمنا، وَنُصَلِّي ونسلم على نَبينَا مُحَمَّد وَصَحبه، وَبعد: فَإلَى الْقَارئ الْكَرِيم بعض النتائج الَّتِي توصلت إِلَيْهَا فِي هَذَا الْبَحْث المتواضع، إِنَّه من دراستي لشهادة أَن لَا إِلَه إِلَّا الله - مَعْنَاهَا، وتحقيقها، وَمَتى ينْتَفع الْإِنْسَان بهَا، وأركانها، وشروطها. توصلت إِلَى نتائج مهمة مِنْهَا مَا يَلِي:
الأولى: أَن معنى لَا إِلَه إِلَّا الله، هُوَ: لَا معبود بحقِ إِلَّا الله، وَأَن الْإِلَه هُوَ: المألوه أَي المعبود. وَأَنه بِهَذَا يبطل مَا يَعْتَقِدهُ عباد الْقُبُور الْيَوْم وأمثالهم من أَن معنى لَا إِلَه إِلَّا الله هُوَ الْإِقْرَار بِوُجُود الله، أَو أَنه هُوَ الْخَالِق الْقَادِر على الاختراع وَأَشْبَاه ذَلِك أَو أَن مَعْنَاهَا لَا حاكمية إِلَّا لله، وَأَن من أقرّ بذلك فقد حقق التَّوْحِيد الْمُطلق وَلَو فعل مَا فعل من عبَادَة غير الله كالاعتقاد بالأموات، وَالطّواف بقبورهم والتبرك بتربهم وَنَحْو ذَلِك.
الثَّانِيَة: أَن تَحْقِيق شَهَادَة أَن لَا إِلَه إِلَّا الله، هُوَ: أَن لَا نعْبد إِلَّا الله وَحده بِالْقَلْبِ وَاللِّسَان وَسَائِر الْجَوَارِح، فَلَو عبدناه بِالْقَلْبِ وَحده لأصبحنا معاندين كفرعون وَمن على شاكلته وَلَو عبدناه بِاللِّسَانِ وَسَائِر الْجَوَارِح من دون الْقلب لأصبحنا منافقين. وَلَو عبدناه بِاللِّسَانِ وَحده لأصبحنا كَافِرين، فلابد من اجْتِمَاع الْأُمُور الثَّلَاثَة، مَعَ نفي اسْتِحْقَاق أَي مَخْلُوق لأي نوع من أَنْوَاع الْعِبَادَة الَّتِي لَا تصح إِلَّا لله.
الثَّالِثَة: أَن قَائِل لَا إِلَه إِلَّا الله لَا ينْتَفع بهَا إِلَّا إِذا حقق أَرْكَانهَا وشروطها وَمَات على ذَلِك لم يرتكب ناقضًا من نواقضها، وَأَن قَول من قَالَ بِأَن مُجَرّد التَّلَفُّظ بهَا يَكْفِي وهم بَاطِل.
الرَّابِعَة: أَن أَرْكَان لَا إِلَه إِلَّا الله: هِيَ أجزاؤها الَّتِي لَا تتَحَقَّق بِدُونِهَا
[ ٤٤٦ ]
وَهِي: اثْنَان، نفي: وحدّ٥ لَا إِلَه، وَالْمرَاد بِهِ نفي الإلهية الحقة عَمَّا سوى الله من سَائِر الْمَخْلُوقَات. وَالْإِثْبَات: وحدّه إِلَّا الله، وَالْمرَاد بِهِ إِثْبَات الإلهية الحقة لله وَحده لَا شريك لَهُ فِي عِبَادَته كَمَا أَنه لَا شريك لَهُ فِي ملكه
الْخَامِسَة: أَن شُرُوط الشَّيْء هِيَ الَّتِي لَا يَصح إِلَّا بتوفرها، وَلذَا فَإِن لَا إِلَه إِلَّا الله لَا تصح إِلَّا بتوفر شُرُوطهَا، وَهِي سَبْعَة، الْعلم، وَالْيَقِين، وَالْإِخْلَاص، والصدق، والمحبة، والانقياد، وَالْقَبُول.
السَّادِسَة: أَن الْعلم بِلَا إِلَه إِلَّا الله (بمعناها ومقتضاها المستلزم للْعَمَل) أحد شُرُوطهَا الَّتِي لَا تصح إِلَّا بهَا، وَأَن الْعلم بهَا يتَفَاوَت، وبقدر الْعلم وَالْجهل يحصل التَّفَاضُل فِي الْإِيمَان بهَا.
السَّابِعَة: أَن الْيَقِين بِشَهَادَة أَن لَا إِلَه إِلَّا الله الْمنَافِي للشَّكّ أحد شُرُوطهَا الَّتِي لَا تصح إِلَّا بهَا، وَهُوَ الْفَارِق بَين الْمُؤمن وَالْمُنَافِق، بل إِنَّه أصل الْإِيمَان - كَمَا قَالَ ابْن حجر، وَأَن القَوْل بِأَن التَّلَفُّظ بِالشَّهَادَتَيْنِ بِدُونِ استيقان الْقلب كَاف فِي الْإِيمَان مَذْهَب غلاة المرجئة، وَهُوَ قَول بَاطِل بِدَلِيل النُّصُوص الْكَثِيرَة من الْكتاب وَالسّنة وَلما يلْزمه من تسويق النِّفَاق، وَالْحكم لِلْمُنَافِقِ بِالْإِيمَان الصَّحِيح، وَهُوَ بَاطِل قطعا.
الثَّامِنَة: أَن الْإِخْلَاص لله تَعَالَى فِيمَا تَقْتَضِيه لَا إِلَه إِلَّا الله من الْعُبُودِيَّة لله وَحده لَا شريك لَهُ، أحد شُرُوط لَا إِلَه إِلَّا الله الَّتِي لَا تصح إِلَّا بهَا، بل هُوَ حَقِيقَة الْإِسْلَام وَأَن المخلص: هُوَ من كَانَت أَعماله كلهَا لله سَوَاء كَانَت قلبية أَو قوليه أَو عملية لَا يَدْفَعهُ إِلَيْهَا إِلَّا محبَّة الله وخوفه ورجاؤه وَحده لَا شريك لَهُ
التَّاسِعَة: أَنه لم يُحَقّق الإِخلاص لله تَعَالَى من دَعَا غَيره مهما كَانَت مَنْزِلَته من نَبِي أَو غَيره، أَو استشفع بجاههم أَو ذاتهم فِي طلب خير أَو كشف ضرّ. أَو أطَاع غَيره سُبْحَانَهُ وَغير رَسُوله فِي تَحْلِيل مَا حرم الله أَو تَحْرِيم مَا أحل الله عَن رضَا وطمأنينة قلب.
[ ٤٤٧ ]
الْعَاشِرَة: أَن الصدْق بِمَعْنى لَا إِلَه إِلَّا الله ومقتضاها قولا وَعَملا وَحَالا أحد شُرُوطهَا الَّتِي لَا تصح إِلَّا بهَا.
الْحَادِيَة عشر: أَن من شُرُوط لَا إِلَه إِلَّا الله الْمحبَّة لَهَا وَلما اقتضته ودلت عَلَيْهِ من أَقْوَال وأفعال محبَّة مُنَافِيَة لضدها، وَمن ذَلِك أَن يكون الله وَرَسُوله أحب إِلَيْهِ مِمَّا سواهُمَا والمحبة لأَهْلهَا العاملين بهَا وبغض من نَاقض ذَلِك. وَانْتِفَاء هَذِه الْمحبَّة ردة بل إِن من سَاوَى بَين محبَّة الله وَرَسُوله وَبَين محبَّة غَيرهمَا فَلَيْسَ بِمُؤْمِن فضلا عَمَّن أحب مَا سوى الله وَرَسُوله أَكثر من محبتهما. وَهَذِه الْمحبَّة لَا تتَحَقَّق إِلَّا بِاتِّبَاع مَا بلّغه الرَّسُول ﷺ، وَمن تَمام هَذِه الْمحبَّة محبَّة مَا يُحِبهُ الله وَكَرَاهَة مَا يكرههُ.
وعلامة محبَّة العَبْد ربه تَقْدِيم محابه وَإِن خَالَفت هَوَاهُ، وبغض مَا يبغض ربه وَإِن مَال إِلَيْهِ هَوَاهُ، وموالاة من والى الله وَرَسُوله ومعاداة من عَادَاهُ وَاتِّبَاع سنته ﷺ وتقديمها على غَيرهَا من السّنَن. وَمَتى تمكنت هَذِه الْمحبَّة فِي الْقلب لم تنبعث الْجَوَارِح إِلَّا إِلَى طَاعَته ﷿.
الثانْية عشر: أَن الانقياد التَّام للا إِلَه إِلَّا الله وَلما اقتضته ظَاهرا وَبَاطنا انقيادًا منافيًا للترك، أحد شُرُوط لَا إِلَه إِلَّا الله. وَيحصل هَذَا الانقياد بِالْعَمَلِ بِمَا فَرْضه الله وَترك مَا حرمه وَالْتزم ذَلِك وَهَذَا الانقياد لَا يكون تَاما إِلَّا باتباعِ جَمِيع مَا بلغه رَسُول الله ﷺ حَتَّى يكون هَوَاهُ، وَهُوَ مَا تميل إِلَيْهِ النَّفس تبعا لما جَاءَ بِهِ الْمُصْطَفى ﷺ.
الثَّالِثَة عشر: أَن من شُرُوط لَا إِلَه إِلَّا الله الْقبُول لَهَا بِالْقَلْبِ وَاللِّسَان وسائرِ الْجَوَارِح، وَذَلِكَ بانشراحه لهَذِهِ الْكَلِمَة، وَلما اقتضته، وَألا يتَكَلَّم أَو يعْمل شَيْئا فِيهِ رد لهَذِهِ الْكَلِمَة أَو لشَيْء من مقتضياتها.
وَالله أعلم وَصلى الله على مُحَمَّد وَآله وَصَحبه وَسلم.
[ ٤٤٨ ]