الْعلم لُغَة: نقيض الْجَهْل. تَقول علمه علما - أَي - عرفه حق الْمعرفَة وَفِي التَّنْزِيل: ﴿ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ ﴾ الْآيَة٣.
وَعلم الرجل: خَبره، وَأحب أَن يُعلمهُ: أَن يُخبرهُ. وَعلم بالشَّيْء: شعر بِهِ ودرى. يُقَال: مَا علمت بِخَبَر قدومك، أَي: مَا شَعرت. وَفِي التَّنْزِيل: ﴿قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ، بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي ﴾ ٤ الْآيَة.
وَعلم الْأَمر وتعلمه: أتقنه.
_________________
(١) آيَة ٦٠ الْأَنْفَال.
(٢) آيَة ٢٦ - ٢٧ يس.
[ ٤١٨ ]
وَعلمت الْعلم نَافِعًا: أيقنت وصدقت. وفى التَّنْزِيل: ﴿ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ ﴾ الْآيَة١ ٢
وَفِي الِاصْطِلَاح: عرف بتعاريف كَثِيرَة، اخْتَرْت مِنْهَا هَذَا التَّعْرِيف.
وَهُوَ: معرفَة الْمَعْلُوم على مَا هُوَ بِهِ.٣ وَهُوَ مَا اخْتَارَهُ أَبُو يعلى فِي كِتَابه الْعدة٤ - بعد أَن عرض بعض التعاريف وناقشها مُبينًا عدم صِحَّتهَا وَأَن هَذَا التَّعْرِيف هُوَ الصَّحِيح. وَذَلِكَ أَن هَذَا الْحَد - كَمَا قَالَ القَاضِي أَبُو بكر: "يحصره على مَعْنَاهُ وَلَا يدْخل فِيهِ مَا لَيْسَ مِنْهُ، وَلَا يخرج مِنْهُ شَيْئا هُوَ مِنْهُ. وَالْحَد إِذا أحَاط بالمحدود على هَذَا السَّبِيل وَجب أَن يكون حدا ثَابتا صَحِيحا وَقد ثَبت أَن كل علم تعلق بِمَعْلُوم فَإِنَّهُ معرفَة لَهُ وكل معرفَة لمعلوم فَإِنَّهَا علم بِهِ، فَوَجَبَ تَوْثِيق الْحَد الَّذِي حددنا بِهِ الْعلم"٥. وَعَلِيهِ فالعلم بِلَا إِلَه إِلَّا الله: مَعْرفَتهَا بحقيقتها. وَهُوَ: أَن تعلم بمعناها نفيا وإثباتًا علما منافيًا للْجَهْل.
وَمَعْنَاهَا: الْبَرَاءَة من كل مَا يعبد من دون الله، وإخلاص الْعِبَادَة لله وَحده بِاللِّسَانِ وَالْقلب وَسَائِر الْجَوَارِح.٦
وَقد دلّ الْكتاب وَالسّنة على ذَلِك. فَمن الْكتاب:
قَوْله تَعَالَى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلا اللَّهُ ﴾ الْآيَة.٧
وَهَذِه الْآيَة - كَمَا نرى - صَرِيحَة فِي اشْتِرَاط الْعلم بِلَا إِلَه إِلَّا الله.
قَالَ الْوَزير أَبُو المظفر فِي الإفصاح: "قَوْله "شَهَادَة أَن لَا إِلَه إِلَّا الله "
_________________
(١) آيَة ١٠ الممتحنة.
(٢) انْظُر لِسَان الْعَرَب مَادَّة علم جـ٢ص٨٧٠ - ٨٧١ المعجم الْوَسِيط مَادَّة علم جـ٢ص٦٢٤ ومعجم متن اللُّغَة مَادَّة علم جـ٤ص١٩٤.
(٣) هَذَا التَّعْرِيف للْقَاضِي أبي بكر انْظُر التَّمْهِيد ص٣٤.
(٤) جـ١ص٧٦.
(٥) التَّمْهِيد للباقلاني ص٣٤.
(٦) انْظُر الْفَتَاوَى جـ١٣ص٢٠٠.
(٧) آيَة ١٩ سُورَة مُحَمَّد.
[ ٤١٩ ]
يَقْتَضِي أَن يكون الشَّاهِد عَالما بِأَنَّهُ لَا إِلَه إِلَّا الله. كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلا اللَّهُ﴾ .١
وَقَوله تَعَالَى: ﴿وَلا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ ٢.
وَالشَّاهِد - قَوْله: ﴿إِلا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ .
إِذا المُرَاد بِشَهَادَة الْحق: قَول لَا إِلَه إِلَّا الله ٣ فَيكون الْمَعْنى: إِلَّا من شهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وهم يعلمُونَ معنى مَا نطقوا بِهِ.
وَقَوله تَعَالَى: ﴿هَذَا بَلاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ ﴾ الْآيَة٤.
وَمن السّنة: قَوْله ﷺ "من مَاتَ وَهُوَ يعلم أَن لَا إِلَه إِلَّا الله دخل الْجنَّة".٥
وَقَوله ﷺ فِيمَا رَوَاهُ عبَادَة بن الصَّامِت. قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ "من شهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَحده لَا شريك لَهُ وَأَن مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله وَأَن عِيسَى عبد الله وَرَسُوله وكلمته أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَم وروح مِنْهُ، وَالْجنَّة حق، وَالنَّار حق، أدخلهُ الله الْجنَّة على مَا كَانَ من الْعَمَل ".٦
وَالشَّاهِد: قَوْله "من شهد" كَيفَ يشْهد وَهُوَ لَا يعلم، إِذْ مُجَرّد النُّطْق بالشَّيْء لَا يُسمى شَهَادَة بِهِ.٧
_________________
(١) فتح الْمجِيد ص ٣٦ - ٣٧.
(٢) آيَة ٨٦ سُورَة الزخرف.
(٣) انْظُر: تَفْسِير الْبَغَوِيّ ج ٧ ص ٢٢٤، وَتَفْسِير المراغي ج٢٥ ص ١١٦ وَفتح الْقَدِير ج٤ص٥٦٧.
(٤) آيَة ٥٢ إِبْرَاهِيم.
(٥) رَوَاهُ مُسلم فِي كتاب الْإِيمَان بَاب الدَّلِيل على أَن من مَاتَ على التَّوْحِيد دخل الْجنَّة قطعا ج١ ص ٢١٨. وَأحمد فِي مُسْنده ج ٣ ص١١.
(٦) رَوَاهُ البُخَارِيّ فِي كتاب الْأَنْبِيَاء بَاب قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلا الْحَقّ..﴾ الْآيَة ج٦ص ٤٧٤. وَمُسلم فِي كتاب الْإِيمَان بَاب الدَّلِيل على أَن من مَاتَ على التَّوْحِيد دخل الْجنَّة قطعا ج١ ص ٢٢٣.
(٧) انْظُر: تيسير الْعَزِيز الحميد ص ٥٣.
[ ٤٢٠ ]
وَقَوله ﷺ فِيمَا رَوَاهُ أنس أَن النَّبِي ﷺ قَالَ: "إِذا قَالَ العَبْد أشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله قَالَ الله يَا ملائكتي علم عَبدِي أَنه لَيْسَ لَهُ رب غَيْرِي - أشهدكم أَنِّي قد غفرت لَهُ " ١.
وَقَوله ﷺ: "من علم أَن الله ربه وَأَنِّي نبيه موقنا من قلبه حرمه الله على النَّار" ٢.
هَذِه بعض الْأَدِلَّة من الْكتاب وَالسّنة الَّتِي توضح شَرْطِيَّة الْعلم بِلَا إِلَه إِلَّا الله ولاشك أَن الْعلم لَا يكون علما إِلَّا إِذا كَانَ نَافِعًا وَلَا يكون نَافِعًا إِلَّا مَعَ الْعَمَل. فَمن لم ينْتَفع بِهَذِهِ الشَّهَادَة بِالْعَمَلِ بِمَا تَقْتَضِيه لم يتَحَقَّق لَدَيْهِ شَرط الْعلم.
قَالَ البقاعي: " "لَا إِلَه إِلَّا الله " أَي انْتَفَى انْتِفَاء عَظِيما أَن يكون معبودًا بِحَق غير الْملك الْأَعْظَم، فَإِن هَذَا الْعلم هُوَ أعظم الذكرى المنجية من أهوال السَّاعَة، وَإِنَّمَا يكون علما إِذا كَانَ نَافِعًا وَإِنَّمَا يكون نَافِعًا إِذا كَانَ مَعَ الإِذعان وَالْعَمَل بِمَا تَقْتَضِيه وَإِلَّا فَهُوَ جهل صرف"٣.
وَالْمرَاد من هَذِه الْكَلِمَة - كَمَا ذكرت آنِفا - مَعْنَاهَا وتحقيقها بِالْعَمَلِ بمقتضاها لَا مُجَرّد لَفظهَا فَإِن الْمُنَافِقين كَانُوا يَقُولُونَهَا وهم تَحت الْكفَّار فِي الدَّرك الْأَسْفَل من النَّار.
وَالْكفَّار - مَعَ جهلهم بِمَا جَاءَ فِي الْكتاب وَالسّنة - يعلمُونَ أَن مُرَاد النَّبِي ﷺ بِهَذِهِ الْكَلِمَة هُوَ إِفْرَاد الله بالتعلق وَالْكفْر بِمَا يعبد من دون الله والبراءة مِنْهُ، فَإِنَّهُ لما قَالَ لَهُم: "قُولُوا لَا إِلَه إِلَّا الله" قَالُوا: ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ!﴾ ٤.
_________________
(١) رَوَاهُ ابْن عَسَاكِر عَن أنس. انْظُر: كنز الْعمَّال ج ١ـ ص ٤٨ حَدِيث ١٣٦.
(٢) رَوَاهُ الْبَزَّار وَابْن خُزَيْمَة والخطيب عَن عمرَان بن حُصَيْن. انْظُر: كشف الأستار عَن زَوَائِد الْبَزَّار الجالون١ ص١٥. وَالْجَامِع الْكَبِير للسيوطي ج١ص٨٠٢، وكنز الْعمَّال ج١ ص ٦٨ برقم ٢٥٧.
(٣) فتح الْمجِيد ص ٣٨، وتيسير الْعَزِيز الحميد ص ٥٦.
(٤) آيَة ٥ سُورَة ص.
[ ٤٢١ ]
فَإِذا عرفت أَن جهال الْكفَّار يعْرفُونَ ذَلِك، فالعجب مِمَّن يَدعِي الْإِسْلَام وَهولا يعرف من تَفْسِير هَذِه الْكَلِمَة مَا عرفه جهال الْكَفَرَة بل يظنّ أَن ذَلِك: هُوَ التَّلَفُّظ بحروفها من غير اعْتِقَاد الْقلب لشَيْء من الْمعَانِي، والحاذق مِنْهُم يظنّ أَن مَعْنَاهَا: لَا يخلق وَلَا يرْزق إِلَّا الله. فَلَا خير فِي إِنْسَان جهال الْكفَّار أعلم مِنْهُ بِلَا اله إِلَّا الله. وبسبب هَذَا الْجَهْل ضل من ضل مِنْهُم حِين قلبوا حَقِيقَة الْمَعْنى فأثبتوا الإلهية المنفية لمن نفيت عَنهُ من المخلوقين أَرْبَاب الْقُبُور والمشاهد وَالْأَشْجَار والأحجار وَالْجِنّ وَغير ذَلِك. فَلهَذَا تجدهم يَقُولُونَ لَا إِلَه إِلَّا الله وهم يدعونَ مَعَ الله غَيره، وَمَا ذَاك إِلَّا بِسَبَب الْجَهْل بِمَعْنى لَا إِلَه إِلَّا الله ١.
وَالْحَد الْأَدْنَى للْعلم بِشَهَادَة أَن لَا إِلَه إِلَّا الله الْعلم بمعناها بِصُورَة إجمالية وَيَأْتِي بعد هَذَا الْحَد دَرَجَات يتَفَاوَت النَّاس فِيهَا فِي الْعلم بِهَذِهِ الشَّهَادَة أَعْلَاهَا البصيرة الَّتِي تكون بِنِسْبَة الْمَعْلُوم فِيهَا إِلَى الْقلب كنسبة المرئي إِلَى الْبَصَر٢. وبقدر الْعلم وَالْجهل يحصل التَّفَاضُل فِي الإِيمان بهَا، إِذْ أَن الْعلم يسْتَلْزم الْعَمَل فَكلما زَاد الْعلم زَاد الْعَمَل، وَبِذَلِك يزْدَاد الْإِيمَان وَمن ثمَّ يحصل التَّفَاضُل فِيهِ.
رُوِيَ عَن أنس عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ "يخرج من النَّار من قَالَ لَا اله إِلَّا الله وَفِي قلبه وزن شعيرَة من خير، وَيخرج من النَّار من قَالَ لَا إِلَه إِلَّا الله وَفِي قلبه وزن بُرّة من خير، وَيخرج من النَّار من قَالَ لَا إِلَه إِلَّا الله وَفِي قلبه وزن ذرة من خير".٣
وَفِي رِوَايَة عَن أنس عَن النَّبِي ﷺ "من إِيمَان " مَكَان "من خير" ٤.
المُرَاد بقوله "من خير" من إِيمَان. بِدَلِيل الرِّوَايَة الْأُخْرَى.
_________________
(١) انْظُر: كشف الشُّبُهَات ص ٩، وَفتح الْمجِيد ص ٣٥ (الْمَتْن والحاشية) .
(٢) انْظُر: فتح الْمجِيد ص ٨١.
(٣) رَوَاهُ البُخَارِيّ فِي الْإِيمَان بَاب زِيَادَة الْإِيمَان ونقصانه ج١ ص١٠٣.
(٤) الْمصدر نَفسه.
[ ٤٢٢ ]
والْحَدِيث ظَاهر الدّلَالَة بمنطوقه على تفاضل أهل الْإِيمَان فِيهِ وبمفهومه على زِيَادَته ونقصانه ١.
وَهَذَا التَّفَاضُل فِي الْإِيمَان من أثر الْعلم وَالْجهل، فَكلما ازْدَادَ الْإِنْسَان علما كَانَ إيمَانه أفضل. وَيُؤَيّد ذَلِك قَوْله تَعَالَى: ﴿.. إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ ٠٠ الْآيَة ٢.
قَالَ ابْن كثير: "أَي إِنَّمَا يخشاه حق خَشيته الْعلمَاء العارفون بِهِ لِأَنَّهُ كلما كَانَت الْمعرفَة بِهِ أتم وَالْعلم بِهِ أكمل كَانَت الخشية لَهُ أعظم وَأكْثر" ٣وَعَلِيهِ فإيمان الْعلمَاء أفضل من إِيمَان غَيرهم.
وَقَوله تَعَالَى: ﴿ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الأَلْبَابِ﴾ ٤.
أَشَارَ ﷾ - فِي هَذِه الْآيَة - إِلَى أَن الْعَالم ٥ لَا يَسْتَوِي مَعَ غير الْعَالم بل بَينهمَا تفاضل، وَمن أوجه التَّفَاضُل: التَّفَاضُل فِي الْإِيمَان.
وَعَلِيهِ: فَكلما ازْدَادَ الْإِنْسَان علما بِلَا إِلَه إِلَّا الله كَانَ إيمَانه بهَا أفضل. وَبِذَلِك يَتَّضِح أَن الْعلم بِلَا إِلَه إِلَّا الله (بمعناها ومقتضاها المستلزم للْعَمَل) أحد شُرُوط لَا إِلَه إِلَّا الله الَّتِي لَا تصح إِلَّا بهَا. وَأَن الْعلم بهَا يتَفَاوَت وبقدر الْعلم وَالْجهل يحصل التَّفَاضُل فِي الْإِيمَان بهَا. وَالله أعلم.
_________________
(١) انْظُر: معارج الْقبُول ج٣ ص ٥ ١٠٠ - ١٠٠٦.
(٢) آيَة ٢٨ فاطر.
(٣) تَفْسِير ابْن كثيرجـ٣ ص ٥٥٣.
(٤) آيَة ٩ الزمر.
(٥) المُرَاد الْعَالم الْعَامِل بِعِلْمِهِ، إِذْ أَن الْعلم لَا يُسمى علما إِلَّا إِذا كَانَ نَافِعًا وَلَا يكون نَافِعًا إِلَّا مَعَ الْعَمَل.
[ ٤٢٣ ]